الاسلاميون ومجتمع الخراب

كثيرا ما عاب الإسلاميون على مُنتقديهم، عدم مَعرفتهم بجوهر أطروحاتهم، ونقصان الإطلاع على كتاباتهم الفكرية والسياسية. ويبدو أنهم محقون بعض الشيء لأن غالبا ما يعمد خصومهم إلى الإكتفاء ببعض المقالات الصحفية الطارئة، أو الوقوف عند حوارات تلفزية ظرفية دون التعمّق، كما ينبغي، في أدبياتهم بروح موضوعية خالية من الأفكار المسبقة. هكذا هي الحال مثلا بالنسبة لزعيم حركة النهضة في تونس راشد الغنوشي، الذي اشتكى أتباعه عديد المرات من أن منتقديه ليس لديهم اطّلاع كاف على كتاباته، وخصوصا على كتابه العمدة: الحريات العامة في الدولة الاسلامية، الذي يُعتبر أرقى ما أنتَجه الفكر الإسلامي الحديث في ميدان السياسة. وعلى عكس ما يُروّج له الخصوم فإن راشد الغنوشي، في كتابه هذا، قدّم أفكارا وأطروحات فذة وفريدة من نوعها، تَخرج عن السائد من الأطروحات، لكي تنفتح على الحداثة والديمقراطية والحريات العامة بجميع أشكالها. وإذا صدّقنا سليم العوا في مقدمة الطبعة الأولى من كتاب الحريات العامة، فإن المؤلّف، حسب رأيه، قد انحاز للموقف المؤيد للحرية ضد الاستبداد، وللإنطلاق ضد الجمود، انحيازا لا يُخالجه شكّ، ولا يُحيّره لبس ولا غموض.

لكن هناك شكوك جدّية حول مشروعية هذا الإدعاء، وخصوصا حول الجدّة التي يتميّز بها كتاب الغنوشي ومشروعه السياسي عامة، ذلك لأنك إذا قرأتَ كتابا واحدا من أدبيات الإسلاميين في الحكم فكأنّك قرأتها جميعا. لا جديد تحت الشمس، بل هو تكرار مملّ، كلّ حسب أسلوبه (البعض أشد غرقا في العواطف الجيّاشة واللعب على الوجدان، والبعض الآخر أكثر رسانة) لأطروحات معروفة ومتداولة منذ زمان في أوساط المنظرين الإسلاميين من أمثال حسن البنا، وسيد قطب ومحمد عمارة والمودودي والبوطي والقرضاوي إلى آخر وهابي سلفي في العالم.

أنثربولوجيا أسطورية:

الإسلاميون على جميع مشاربهم يَفتَحون مصنفاتهم السياسية بأسطورة تلمودية ـ قرآنية مفادها أن الله استشار ملائكته في خلق كائن يَخلفه في الارض، لكن الملائكة لم يستسيغوا هذه الفعلة واحتجّوا بأن هذا المخلوق الجديد سيَعيث في الارض فسادا ويسفك الدماء ويسبّب الخراب. ماذا فعل الله لكي يُثبت لهم خطأهم، استخدم الحيلة: علّم آدم أسماء بعض الأشياء ولكنه أخفاها على الملائكة، ثم امتحنهما: آدم من جهة والملائكة كلهم من جهة أخرى فإذا بآدم تفوّق عليهم وبَكّتهم جميعا.

ولكن على الرغم من كل التكريم والتطبيل الذي حُظي به هذا الكائن، الذي من أجله اقترف الإله حيلة أوقع بها الملائكة في الخطأ، فقد عصى ربّه في أوّل امتحان، وأفشل مخططاته وتضامن مع عدوّه ضدّه. فما كان من الإله إلاّ أن أنزله إلى الأرض بعُجالة وحَكم عليه هو وذريته باللعنة والضنك والتعب في دنياه، وتوعّده في الآخرة بالعذاب الأليم، كل هذا لأنه سرق تفاحة من بستان.

هذه الأسطورة اللاهوتية الصبيانية المتناقضة، والتي أطلقوا عليها اسما مهيبا: “الاستخلاف” هي سرّ الأنثربولوجيا السياسية التي يفتتح بها الإسلاميون كتبهم وهي القاعدة التي على أساسها قرؤوا كل تاريخ البشرية، وأقاموا تفاضلهم العنصري بين المجتمعات، وبين أصناف الحكم. لقد أعرب محمد عمارة في كتابه “هل الإسلام هو الحلّ؟” أن «جوهر فلسفة النظام الإسلامي يتمثل في نظرية الخلافة الإسلامية، التي تحقق مبادئ ومقاصد الاستخلاف الإلهي للإنسان في حمل أمانات العمران … فالله قد استخلف الإنسان لعمران الأرض [وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة] … ولذلك اقتضى اللطف الإلهي تقويم مسيرة الإنسان على طريق الاستخلاف بالنبوات والرسالات والشرائع السماوية منذ بدئ الرسالات وحتى ختامها بمحمد »(1).

الغنوشي من جهته يرى أن «نظرية الاستخلاف هي الرّكن الأساسي في الفلسفة الإسلامية السياسية»، وهي بالتالي الفكرة المركزية في حضارة الإسلام، بخلاف الحضارة الغربية المسيحية حيث يعيش فيها الإنسان مقطوعا عن الله أو متمردا عليه. الاستخلاف يتضمّن «الاعتراف بوحدانية الله وأنه ـ سبحانه ـ ربّ كل شيء ومليكه والحاكم بغير معقب ولا شريك وأن قانونه يعلو كل قانون »(2). يعني الحكم الاسلامي، أي فلسفة الاستخلاف تُقصي أكبر عدد ممكن من الانسانية التي عاشت في الماضي والحاضر، والتي لا تؤمن بأي إلاه، ولا تعترف بوجوده وتُنكر تدخّل أي قوة متعالية في شؤون الكون. هذه الأولى، أما الثانية فهي منافية للأولى، لأنها بعد أن أهانت الإنسان بهذا الصنف من التصور الميثولوجي المنافي للعلم، وبعد أن ربطت مصيره ومستقبله بكائن غير محتمل الوجود، فهي من جهة تؤكد على تكريمه ومن جهة أخرى تسحب منه ذاك التكريم لكي تضعه في الحضيض وترفع عنه قدرته على إدارة شؤونه الحياتية بنفسه.

بعد الإعتراف بوحدانية الله وبتسلّطه على الكون دونما محاسبة ـ لأن قانون الإله، كما يقول الغنوشي، يَعلو كل قانون ـ يأتي عقد التكليف الذي يربط الله بالإنسان، والذي يتمثل في «أن يعبد الله لا يشرك به أحدا وفق شريعته». يعني وفق الشريعة الإسلامية بالحصر، ولا يعبده وفق أي شريعة أو ملة أخرى، قديمة أو حديثة. وإن زاغ عنها قيد أنملة فإن مصيره البوار في الدنيا، وفي عالم آخر لا ندري ما هو، وهل هو موجود بالفعل أم مجرّد استيهامات قياميّة مجعولة للترهيب واللعب على ضعاف العقول. لكن الثابت هو هذا: «إنْ فَعَلَ [الإنسان] ذلك استحقّ من ربّه بركات الرضوان والفوز في الدنيا والآخرة »(3). وليس لِمَن تمّ انذاره بِحَتميّة هذه العذابات الآتية في الدنيا والآخرة حرّية الإختيار لأنّ حيّز مشيئته مُقيّد حيثما ولّى وجهه: إن صادف ووُلد في مجتمع كالمجتمع الثيوقراطي الذي يريد تحقيقه الغنوشي، فإنه سيجد نفسه مُكبّلا ومضطهَدا بشريعة العذاب اللاإنسانية التي تعلو على أي دستور مقنّن من طرف الإنسان، أما في عالم الرعب الوهمي، أي عالم الآخرة الذي يرهبون به الناس عن قصد، فإنّ رفضَ الإنسان لسيف تلك الشريعة وكُفره بها سيولجه حتما إلى الجحيم.

أنا لا أدري هل هذا خطاب سياسي أم خطاب تربية دينية في معناها الوهابي السلفي. مِن الأرجح أنه إدخال للوهابية في السياسة، ومحاولة الالتفاف عليها وتدميرها، كما فعل بعض أنصاف المتعلمين الذين أدخلوا الوهابية في الفلسفة، فاضمحلت الفلسفة وبقيت الوهابية.

 الغنوشي يُمعن في استفزازنا بالقول اللاهوتي الفضفاض من أن الحرية هي في التصور الإسلامي «أمانة، أي مسؤولية ووعي بالحق، والتزام به، وفناء فيه». لا أحد من أحباء الحرية لم يقل شيئا من هذا القبيل، ولا أحد منهم لم يمجّد الحرية بكلمات رنانة ومعبرة ولم يطلق عليها أعظم الصفات. لا بل إن الغنوشي يذهب أبعد من الجميع، جاعلا من الحرية “فطرة” سماوية، هِبَة من الله الذي «اختصّنا بخِلقةٍ تحمل القدرة على فعل الخير والشر … وكانت تلك مسؤولية». أنا أرى أن هذه مجرّد ذر الغبار على العيون، إنها قضايا ينقصها البناء المنطقي وخالية من الأشكلة العقلانية. يكفي أن نطّلع على كتابات الفلاسفة والخطباء واللاهوتيين منذ ألفي سنة حتى نتفطّن إلى السطحية والخواء الفكري والسفسطة التي تحوم حول هذا الفكر المشحون عاطفة دون عقل. كيف يمكن للإله العليم القدير أن يَهِب شيئا لكائن ضعيف يعلم مسبقا بأنه سيعود عليه بالوبال؟ بديهيات العقل والحس السليم تقول إنّ المُحسِن يجب عليه أن يَسهَر على أن المُنتَفِع بنِعَمِه سيتصرّف فيها على أحسن وجه، ولن تعود عليه بالوبال. وإن كان في سابق علمه أن المُنتفِع سيَزيغ عن الطريق المستقيم فمِن المُستحسَن عدم توفيرها إياه، أو إن وفّرها له، يجب عليه أن يُطوِّع قلبَه كي يتصرف فيها على أحسن وجه، وهذا هيِّن عليه لو أراد ذلك. ولكن كما قال شيشرون في كتابه عن “طبيعة الآلهة” (De natura deorum): « مِن الهِبة لا يمكن أن نَعرِف إرادة (voluntas) الواهب، ومِن حُسن استعمال الهبة لا نُدركُ هل أنّ مَن أعطاها، قد أعطاها كصديق »(4).

العقل يقول أن مَن وَهَب شيئا لشخص ما ويَعلم مسبقا بأنه سيسبّب له مِحَنا وفِتنا لا تتناهى، فهو لا يحبّ ذاك الشخص ولا يَعتني به ولا يلتفت لأعماله. ليست حرية الإرادة فقط هي الوبال، بل إن العقل ذاته، إن صدّقنا الأديان التي تدّعي أنه أعظم هِبة مِن الله، هو كارثة على الإنسانية لأن العقل لم يَقِهم من العنف والحرب. وإن قال الله بأن « الذّنب هو في رذائل الإنسان»، فهذا لا يَعفيه، كما يقول شيشرون، من الردّ عليه والقول: « كان عليكَ أن تَمنَحَ البشرية عقلا يَقيهم من الرذائل والخطيئة». كيف لم يتنبأ الإله بمصير الإنسان؟ « أين يَكمُن خطأ الآلهة إذن؟ نحن نترك الثروات راجين أن تقَع في أيدي وُرثاء صالحين، وفي هذا يمكن أن نخطئ؛ لكن كيف أخطأ الله؟ ربّما مِثل الشمس، عندما أخذت على عربتها ابنها فيتونتس؟ أو مثل نبتون (Neptunus)، عندما حطّم تيزيوس، لأن أباه نبتون مَنحَه القدرة على التعبير عن أماني ثلاث؟ هذه مِن اختلاقات الشعراء؛ نحن، على العكس، نودّ أن نكون فلاسفة نروي أشياء واقعية، وليس خرافات (fabularum) […] إذا كانت البشرية ستستعمل العقل، الذي منحتهم إياه الآلهة الخالدة عن حسن نية، للخداع والزور، كان من الأفضل أن لم تُعطهم إياه؛ فكما أن الطبيب الذي يعلم مسبقا أن المريض، الذي أوصاه بأن يأخذ جرعة من الخمر، سيشرب خمرا صافيا ويموت في حينه، يقترف خطأ شنيعا، هكذا يجب تأنيب (إدانة) عِنَايَتكم تلك، التي أعطت العقل لأولئك الذين تعلم أنهم سيستعملونه استعمالا سيّئا وخبيثا. اللهمّ إلاّ إن قلتم إنها ربما لم تكن تعلم ذلك. ليته صحيح! لكنكم لا تجرؤون على قوله؛ فعلا لا يخفى عَليّ كم من الأهمية تضفونها على هذا الاسم »(5).

هذه نبذة صغيرة من الاعتراضات الخطيرة التي تضرب مفهوم الإله والعناية والتكريم، وما تبعها من مزاعم أسطورية من أن الله وهب الإنسان العقل وحرية الإرادة واستخلفه في الأرض. إنّ هذه المزاعم، إذا نظرنا إليها حتى من زاوية لاهوتية بحت، لا تُفضي إلى تبرير الإله من اقتراف الشرور والإيقاع بالإنسان. وعلى هذا الأساس، يقول بيار بايل: « مِن الهيّن البرهنة على أن حرية الإرادة عند الإنسان الأوّل ـ التي حُفظت سليمة وكاملة في ظروف استعملها لهلاكه هو شخصيا ولتدمير الجنس البشري، وجرّ اللّعنة الدائمة على الأغلبية من ذريته، بإدخاله طوفان مرعب من آلام ذنوب، وآلام عقوبة ـ لم تكن على الإطلاق هدية حسنة ».(6)

عداوة كونيّة:

الإسلاميون مبرّزون في رمي الكلمات الرنانة، دون تروّ ودون تدقيق وتحقيق، المهمّ هو السياحة في العموميات وصَدم القارئ واستدراجه عنوة حتى إخماد آخر بصيص من عقله. الأمر المحيّر جدا هو أنّ الغنوشي لو كانت تعزّ عليه الحرية لما كفّر من كفّر ولما أجاز لنفسه اتهام من يخالفه الرأي بأنه فاسق ولما حمل، بكل أريحية ودون وخزة ضمير، الفكرة ونقيضتها، ولما غيّر أقواله وتعاليمه بحسب الظرف الزماني والمكاني.

بعد أن يُقدّم الإسلاميون لنظرياتهم السياسة بمقدمات أسطورية منافية لأبسط المعايير العلمية، يبدؤون على بركة الله في سبّ الأمم الأخرى، وأقرب الأمم وأسهلها عليهم هي الغرب “الكافر”. العدوّ اللدود والمثال المضادّ هو الغرب، وليس الغرب الرّجعي العنصري، لأن أطروحات والاسلاميين عموما تتماشى مع جميع أطياف التيارات العنصرية الفاشستية في الغرب، بل يُركّزون هجومهم ضد الغرب العقلاني التنويري، الصانع لحقوق الإنسان. الإنسان الغربي بالنسبة للغنوشي، معدوم الصدق اطلاقا، وهو يَكذب حتى في اللحظات التي يقرّ فيها للإنسان بحقوقه ويَهبّ للدفاع عنها «ويعقد المجالس والهيئات القضائية والإدارية لصيانتها، ويثور لانتهاكها »(7). وهذا الكذب نابع أصلا من تصوّره للإنسان، فكلمة إنسان في عبارة “حقوق الإنسان”، هي على حد زعمه «محشورة حشرا في غير موقعها، حشر السليم في الأجرب، إلاّ أن يُضاف إليها الفرنسي أو الإنكليزي أو الغربي عامة … وحتى هذا الإنسان المواطن لا يحمل تكريما في ذاته، لأنه إنسان، وإنما تكريمه في انتمائه لنسق تاريخي واجتماعي وثقافي معيّن اسمه الوطن أو الطبقة أو الجنس الأوروبي »(8).

هذه تهمة خطيرة، وإن كانت فعلا صادقة فهي تنفي من الجذور أسس المدنية الأوروبية برمتها، وتشكك حتى في مصداقيتها، وتضع العالم الغربي في وضع الحضيض أصلا. لكن في حقيقة الأمر مَن شكّك في انسانية الإنسان وحطّ من قيمته، ورفض أن يُحيط مفهوم الإنسان بالبشرية كافة دون تمييز، هم اليمينيون الرجعيون المناهضون للثورة الفرنسية، والمعادون للعقلانية التنويرية. وفي هذا الإطار فإن نظام الفكر الإسلاموي لا يختلف كثيرا عن الفكر الرجعي اللاعقلاني. الإنسان! ما هو الإنسان؟ إنه وحش مفهومي لا يوجد في أيّ مكان. توجد فقط شعوب، عادات خاصة، أديان، أوضاع جغرافية، علاقات هرمية، قوميات وخصوصيات. المُنظّر الرجعي، المتديّن جدا، دي ماتر (De Maistre) صاحب الاعتراض أعلاه، يسخر من دستور الثورة الفرنسية، الذي زعم أصحابه أنه مجعول للإنسان، ويقول « لا يوجد الإنسان إطلاقا في هذا العالم. لقد رأيتُ، في حياتي، فرنسيّين، إيطاليّين، روس..إلخ، أعرف أيضا، بفضل منتسكيو، أنه يمكن أن يكون المرء فارسيّا؛ لكن الإنسان أعلن أنني لم أصادفه قطّ في حياتي. إن كان موجودا فهو بدون علمي »(9). إن دستور سنة 1795 النابع من نظرة إنسانية شاملة، هو حسب دي ماتر، خال من السجلّ الإلهي، وبالتالي فهو هرطقي كافر. والسبب في ذلك لا يعود بالتحديد إلى محتواه العقلاني، والذي لا يعنيه كثيرا، بل إلى الذات التي يتوجّه إليها، أعني الانسانية دون فوارق وتمييز. ما يخشاه دي ميتر من مفهوم الانسانية هو أنه يضمّ التجمعات البشرية من الصين إلى جينيف (depuis la Chine jusqu’à Genève). لكن دستورا مصاغا لكلّ الأمم، هو مجعول لا لأحد «إنه محض تجريد، عمل سكولاستيكي معمول لترويض الذهن انطلاقا من افتراض مثالي، ويجب ارساله إلى الإنسان في الفضاءات الخيالية التي يسكنها ».(10)

لا يكتفي الإسلاميون بجَمع الغرب في سلة واحدة وإصدار حكم إدانة ضده، بل إنهم يَجمعون معه دينه، والحقيقة أن غايتهم الأولى من تلك المماهاة هي التهجّم على الدين المسيحي وتحميله المسؤولية على ما أسموه بالمادية والزيغ الأخلاقي المستفحل في الغرب، على حدّ زعمهم. فالحضارة المسيحية ـ اليهودية، التي هي حسب الغنوشي « الوجه الآخر للحضارة الغربية» لا تخرج في تصورها «عن الإنسان وقيمه وحرّيته عن الإطار السلطوي الاستغلالي. إنها حضارة السامري الذي يُجسّد الإله في عجل ذهبي يُعبد، وحضارة الامبراطور». ومع ذلك فإن نفس هذا الرجل الذي يتهكّم على تلك الحضارة وينتقد دينها، يتغبّن على التعاسة والاضطهاد والانتهاكات التي يتعرّض لها الإنسان في ما يسمى بدار الإسلام، دار الاستخلاف. فهو نفسه أذعن أخيرا للواقع واعترف بفضائل ذلك الغرب العلماني الكافر الذي آواه ووفّر له الحماية وضمن له حريته في التعبّد وفي الافصاح عن آرائه دون خوف. «أين دار الإسلام التي حدثنا عنها الفقهاء وقالوا عنها: إنها البلاد التي يأمن فيها المسلم على نفسه ودينه وماله وعرضه؟ كيف أخرِجُ من قلب (دار الإسلام) ويُدفَع بي إلى قلب (دار الكفر) حيث تَحَقق لي الأمن الشرعي على الضرورات الخمس المعروفة؟ ».(11) لكن أين نضع هذا التغبّن أو الذهول مع مواقفه التي لم يُفرّط ولو فرصة واحدة لكي يتهجّم، أقول يتهجّم ولا ينقد، الغرب والمسيحية والكنيسة وكأنها رأس الداء في العالم، أو أنها المثال المضادّ للإسلام؟ كيف يمكن أن يستحوذ أحدهم، بثمن بخس، على مكتسبات المدنية ويسطّح الاشكالات لكي يسحب حتى من الغرب نفسه أسس الديمقراطية التي نتجت عن فكر عقلاني تنويري ناكر للأديان جميعها؟

قناعة الغنوشي “المبدئية”، هي أن الديمقراطية الغربية، ليست نقيضا حادا للإسلام، ومع ذلك فهي ليست “الصورة المثلى والكاملة والجيّدة للمدنية الراقية”. إنها كنظام حكم، مجرّد فعالية دنيوية «لا بأس بها ولا تتجاوز كونها ممكنا من الممكنات، وأن الإسلام لا يتناقض معها ضرورة، بل إن بينهما تداخلا واشتراكا عظيمين يصلحان أساسا مَتينا لتبادل المنافع والتعايش، كما أن التباين والاستدراك عليهما واردان »(12).
سنرى لاحقا أن لا شيء يجمع بين الاسلام والديمقراطية، وأن الغنوشي نفسه والعديد من الإسلاميين المحدثين، لم يحفظوا من الديمقراطية إلاّ الاسم، ومن الإسلام إلاّ الوهابية.

أنا أشفق على الحركات الإسلامية كيف تريد أن تُسوّق للعقول المفكرة أساطير من هذا القبيل (الاستخلاف، التكريم … الخ)، وكيف تزعم على أساس هذه البضاعة الخرافية تَشييد نظرية في السياسة والتشريع والحكم. الحرية التي يتباهون بالتنظير إليها وكأنها حكر عليهم، هي مسخ لمفهوم الحرية، هي كل شيء إلاّ الحرية، على الرغم من برقع العبارات الجميلة. لا نعجب، إذن، إن رأينا الغنوشي يصادق على أقوال ذاك الخليط من المصلحين المتدينين والإسلاميين المتعصّبين بخصوص مفهوم الحرية، من أمثال علال الفاسي وحسن الترابي ومحمد إقبال ومالك بن نبي. علال الفاسي ينفي أن تكون الحرية حقا طبيعا للإنسان بما هو إنسان، بغضّ النظر عن عرقه أو لونه أو دينه أو حتى لا دينه. الحرية في رأيه هي «جَعْل قانوني وليس حقا طبيعيا، فما كان للإنسان ليصل إلى حريته لولا نزول الوحي … وأن الإنسان لم يُخلق حرا، وإنما ليكون حرا». الحرية بهذا المعنى ليست استقلالية الإنسان في مجهوده العملي والنظري بل مشروطة كلّيا بالوحي، يعني أن البشرية جمعاء، سواء منها تلك التي لم تعرف الوحي أبدا، أو تلك التي تنكر الوحي، ليست بحُرّة البتة ولا تتمتع بنعمة الحرية في حياتها.

المفارقة هي هذه: يجب أن نكون عبيدا لكي نتحرّر؛ عبيدا للوحي أو لكائن لم يُبرهنوا على وجوده ومن الصعب عليهم إقناع العقول النيّرة بوجوده. إنها قمّة المفارقة بالنسبة للعقول المفكرة، ولكن بالنسبة للعقول المؤمنة المتربّية على الخرافة، هي حقيقة ثابتة لا ينبغي مناقشتها أو وضعها محل النقد. فهي مسلمة حاسمة ومحورية، إذا تمّ التشكيك فيها أو دحضها فإن كل البنيان سيهوي على نفسه. إن الحرية، يقول الغنوشي، هي كدح ونضال، لا في سبيل الاستقلال الذاتي والتخلص من القهر والاستبداد وظلامية الكهنوت، بل «في طريق عبودية الله … ولا سبيل للإنفكاك والتحرّر إلاّ بمنهج العبودية لله، منهج التكاليف … إن الإنسان الجدير بصفة الحرّ هو المؤمن بالله ».(13) حسن الترابي من جهته، يصعّد من النبرة ويُمعن في المفارقات. يقول إن الحرية «ليست غاية بل وسيلة لعبادة الله»، أو بعبارة أخرى «الوسيلة المثمرة لعبادة الله»، بحيث إنه كلّما سقطنا في العبودية، كلما تحرّرنا. إنها مفارقات إرهابية يندى لها الجبين، إنها تحطيم للعقل ودَوس لكرامة الإنسان، ولكن الإسلاميين الوهابيين على بكرة أبيهم يروّجون لها كما لو أنها اكتشاف فذ وفريد من نوعه. واجب الإنسان، حسب الترابي هو «أن يتحرّر لربّه .. وهذه الحرية في التصوّر الإسلامي مطلقة لأنها سَعي لا ينقطع نحو المطلق … وكلما زاد اخلاصا في العبودية لله زاد تحررا من كل مخلوق في الطبيعة .. وحقق أقدارا أكبر من درجات الكمال الإنساني »(14).

على أساس قناعاتهم اللاهوتية هذه أوقع الإسلاميون الفرقة بين الشعوب التي تعيش في البلدان الإسلامية وفصلوها عن شعوب العالم أجمع. لقد اجتمعت الأمم على بيان واحد أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث تنص المادة الأولى على أن الناس أجمعين “يولدون أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وُهبوا عقلاً وضميراً بحيث أن عليهم أن يُعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء”. إنه إعلان محايد شامل للإنسان بما هو كذلك، ليس هناك ولو موقف لا هوتي واحد، لا ذكر فيه للإله ولا لكائن متعال يضمن هذه الحقوق، بل هناك العقل والضمير والحس الإنساني السليم. ومن البديهي أن تكون هذه شوكة خطيرة في حلق المؤمنين من جميع الملل، وربما تمعّضوا في داخليتهم وخجلوا من البوح بمعارضتهم لبندها الأول، إلاّ الإسلاميين الوهابيين الذين خرجوا للعراء ودوّنوا إعلانا مضادا لإعلان الأمم المتحدة. ويكفي الإطلاع على البند الأول حتى نعي بأنه حرب على البشرية جمعاء. المادة الأولى تنص على أن “البشر في كل أقطارهم أسرة واحدة، مخلوقون من نفس واحدة، متساوون في الكرامة الإنسانية وفي أصل التكليف والمسؤولية، وأكرمهم عند الله أتقاهم وأنفعهم لعباده”. القسط الأعظم من البشرية لا يؤمنون بإله وليس لديهم علم بأن هذا الإله خلق الإنسان، فالبوذيون والكنفوشيون والملحدون والأفارقة وأمم أخرى، لا يعتقدون في إله خلق الإنسان ومَنحه كرامته. ولكن الأنكى هو أن نفس هذا البند الأول يسحب من جهة ما اعطاه من جهة أخرى: يزعم في البداية أن لا تمييز بين الناس بسبب اختلاف العرق أو اللغة أو الديار أو الجنس أو العقيدة أو الإنتماء السياسي أو الوضع الإجتماعي، ومع ذلك فهو يجد التعلة لكي يُميز بين البشرية ويخلق الفوارق والهرمية. كيف يمكن أن يتساوي البشر وقد فُرّق بينهم مبدئيا على أساس ديني بحت أي على أساس ما يُسمى بالتقوى؟ وهذه التقوى هي بكل تأكيد تقوى موجّهة إلى الإله الإسلامي، وتتمظهر في تطبيق شريعته. وكيف يمكن أن يُعلن بكلّ أبّهة أن الإنسان حرّ ثم تُلقى عليه صفة العبودية التي يخجل أي إنسان عاقل يملك ذرة من الإنسانية في عصرنا أن يتفوّه بها؟

الإعلان الإسلاميّ لحقوق الإنسان:

يولد الإنسان حرّا، هكذا تنص المادة الثانية، ولا عبودية لغير الله تعالى. وكيف نعرف إرادة الله؟ عن طريق القرآن ومفسريه وشريعته التي قنّنها الفقهاء. يعني أن نكون عبيدا للفقهاء، الذين اختلفوا في كلّ الأحكام والفتاوى، ويقولون الشيء وضده. لا شيء مضمون ومباح في الإعلان الاسلامي لحقوق الإنسان، تطغى الشريعة ويختفي الإنسان. فحرّية الرأي، حسب ما جاء في المادة الخامسة، مصونة ولكن “في حدود مبادئ الشريعة”، أو بالأحرى محظورة لكل الذين يعيشون في العالم الإسلامي إذا كانت نقدا للدين أو للشريعة أو للإسلام أو لمؤسس الإسلام. هذه محظورات لا يمكن تجاوزها أو التحدث فيها أو التشكيك في مشروعيتها. إنّ إعلان حقوق الإنسان هذا يمكن أن يتلخص في إعلان حقوق الإنسان الوهابي السلفي. فالتربية ينبغي أن يطغى عليها الجانب الديني، وغايتها الأولى، حسب المادة الثالثة عشر “تقوية إيمانه بالله تعالى”. وأخيرا فإن الشريعة هي السيف المسلط على الجميع بحيث إن الاعلان ينتهي إلى التحذير التالي وهو أن “كل الحقوق والحريات والواجبات المقرّرة في هذه الوثيقة مقيّدة بأحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها”. وإن بقي بصيص من الشك يختلج المترددين فإن الوثيقة تقطعه نهائيا بآخر نقطة فيها: “الشريعة الإسلامية بمصادرها الأساسية المعتمدة هي المرجع الوحيد لتفسير وتوضيح أي مادة من موادّ هذه الوثيقة. ويرجع عند الاختلاف إلى أهل العلم المتخصصين”.

هذه هي تقريبا فحوى الوثيقة التي يريد أن يعارض بها السلفيون والوهابيون الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فعوضا عن العالمية والإنسانية، وجدنا السلفية الوهابية وولاية الفقيه الإيرانية، وعوضا عن الحقوق المشروعة للإنسان بما هو إنسان وجدنا الشريعة، أي شريعة العذاب والتنكيل المستمدة من العهد القديم، من الناموس الإنتقامي الموسوي.
ما الشيء الذي يجمع بين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وبين الإعلان الإسلامي؟ لا شيء حقا، لا المنطلقات ولا الأهداف ولا المضمون. ففي الوقت الذي ينص فيه البيان العالمي على أنه “لا يجوز استرقاق أو استعباد أي شخص ويحظر الاسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعها”، فإن الاعلان الاسلامي لم يتطرّق إلى هذه النقطة لأنهم يخجلون من ذلك، فالشريعة الإسلامية التي هي مرجعهم، لا تحرّم الرق، ولم تحظره بتاتا على مدى تاريخها، وهناك من يتحسّر في قرننا الواحد والعشرين على انقراض العبودية، ويودّ لو استعاد المسلمون قوّتهم كي يمارسوا رياضتهم المفضّلة: القتال والسبي والاسترقاق. ولكن في حقيقة الأمر العبودية لم تنقرض من بلدان الخليج، الذين يسيرون على هدي الشريعة، لأن نظام الكفيل المعمول به في تشريعاتهم، هو تكريس للعبودية.

لكن الشيء الأكثر معارضة للشريعة الإسلامية ولما يسمى بالبيان الإسلامي هو المادة الخامسة من إعلان حقوق الإنسان الذي يحظر صراحة أن ” يُعرّض أي إنسان للتعذيب والعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطّة بالكرامة”. الشريعة الإسلامية، كما هو معلوم ومعمول به، تُعرّض فعلا الإنسان إلى التعذيب وتستخدم عقوبات قاسية وحشية ومُهينة لكرامته.

نحن ندرك إذن خطورة هذه الحركة الإسلامية الوهابية العالمية، التي رغم مسمياتها المختلفة وشعاراته المتعددة تتفق على أرضية إيديولوجية وعقديّة واحدة تتنافى في جوهرها مع أبسط قواعد حقوق الإنسان.

الغنوشي يرى هو أيضا، كما يمكن أن يُستشف من أي اسلامي وهابي، أن الميثاق العالمي لحقوق الإنسان يحمل في طياته «ملامح العلمانية أو الدين البشري القائم على أولوية الإنسان في الوجود وقيامه بنفسه مصدرا لكل حق وتشريع … على حين يؤكد التصوّر الإسلامي ارتباط كل قيمة واستنادها إلى المصدر الذي تستمدّ منه الموجودات وجودها والغاية منه ومنهاج سيرها … ألا وهو الله تبارك وتعالى فهو وحده الخالق والمالك مخلوقاته، والمحدد منهاج سيرها (الشريعة)، وأن الإنسان مستخلف قد كرّمه خالقه بالعقل والارادة والحرية وإرسال الرسل لإعانته على استبانة طريق الحق والتدرّج في طريق الكمال، من خلال التزامه بالشريعة أو قانون الله، والتي قد حدّدت في صيغتها النهائية التي جاء بها النبي العربي محمد، الإطار العام لحياة الإنسان فردا وجماعات، تاركة له ضمن ذلك الإطار مجالات واسعة هي مناطق فارغة مطلوب منه ممارسة خلافته من خلال ملئها، فيتحقق الجمع بين الحرية والالتزام والوحدة والتعدد »(15).

كل الحركات الإسلامية تتفق على هذا البرنامج الطوباوي اللاإنساني، وهو في جوهره خليط من التناقضات والرجعية والتضليل. إن لاإنسانية هذا البرنامج تَكمن في النظرة المبدئية التحقيرية للإنسان، وهذا بيّن من جميع أدبياتهم. فالإنسان هو كائن ناقص بالطبع، كما يكتب الغنوشي، وهو في كبد مستمرّ بين الخير والشر (16). ولذلك فهو غير قادر على أي شيء: لا التحكّم في نفسه كفرد ولا تسيير شؤونه كمجموعة، ولو تُرك الأمر بين يديه لأهلك الحرث والنسل ولَعَاث في الأرض فسادا. يعني شيئا شبيها بالوضعية العدوانية التي تحدّث عنها هوبز: حرب الكل ضد الكلّ. لكن في الوقت الذي يرى فيه هوبز أن هذا الأمر لا يمكن أن يستمر ولذلك فإن البشرية دخلت في صلح بينها وأبرمت عقدا لتفادي العدوان الطبيعي، فإن الإسلاميين يسحبون من الإنسان أية قدرة على الدخول في توافق مع أمثاله وإدارة شؤونه بنفسه، وذلك باعتمادهم على إرادة إلهية لا ندري كنهها ولا نعلم هل هي موجودة أم لا. إذا كان الإنسان بهذه الصفة من الحقارة والقصور والجهل المطبق فكيف يزعمون أن الله رفعه على جميع المخلوقات واستخلفه في الأرض؟ هل يُعقل أن يستخلف الله في مُلكه جاهلا؟ كيف يمكن للإنسان أن يُعلّم الملائكة، تلك الكائنات الفائقة الذكاء والقوّة، كما تتصورها الميتولوجيا الدينية، أسماء الأشياء، وهو ضعيف لا يعرف شيئا، وغير قادر على تسيير حياته الاجتماعية والسياسية؟ إنها مفارقات خطيرة لو تمعّن فيها اصحاب الاستخلاف بجدّ لأقلعوا عن ترديد هذه الخرافة، ولحدسوا بمفردهم حجم المحالات التي تعترضهم والمآزق التي تنهال عليهم من كل صوب. لكن الإسلاميبن لا يلتفتون إليها، ولا تختلج عقولهم فكرة مناقشتها بالمرة، فهم سائرون في طريقهم لا يلوون على شيء إلاّ الوصول إلى الحكم والتفرد به ودمغجة السذج وناقصي العلم والتدبير.

الديمقراطيّة تنافي الإسلام:

وأنا أتساءل كيف يمكن لكاتب يَعِد القارئ بأنه سيبحث في الحرية بشكلها العام، ويناقش أسس الحكم والسياسة الرشيدة وحقوق الإنسان، وإذا به يتلو علينا برنامج السلفية الوهابية على حرفيته، مدّعيا بأن الإنسان حقير، وأنه لا يملك شيئا من أمره، وأنه في حاجة إلى أنبياء لإرشاده الطريق السوي، وأن خلاصه في تطبيق الشريعة التي جاء بها خاتم الأنبياء الذي لا دين بعده، وأن من واجبه الالتزام بها في حياته الفردية والجماعية؟ وكأن الله عجز عن هداية عبيده بنفسه؛ وكأنّ خالق هذا الكون غير قادر على أن يبثّ في قلوب الناس الايمان به والسير على هديه دون حاجة الى واسطة. إن مُنتهى ما توصّل إليه الإسلاميون هو اللجوء إلى إرادة إلهية موغلة في الغموض لا نعرف ماهيتها ولا كيفيّة عملها؛ فضيلتنا الوحيدة هي الانصياع إليها دون أن نسأل صاحب تلك الارادة عما يفعل، مهما كانت لا معقولية تلك الأفعال ولاأخلاقيتها.

لكن الذين يروّجون لفكرة الديمقراطية من الإسلاميين المحدثين ويتغنّون بديمقراطية الإسلام وباستباقه لهذه المنظومة السياسية الغربية، نسوا أن فكرة الديمقراطية قد اعتُبرت من طرف مرجعياتهم الكبرى، حتى عهد قريب، شيئا منافيا تماما للإسلام. ونحن لا ندري من نُصدّق، وبمن نعتدّ ومَن هو أقربهم للحقيقة. جهابذة علماء المسلمين، مثل أبي الأعلى المودودي ـ مرجعية قارة عند الغنوشي ـ فكّر وقدّر وزعم أن الإسلام مخالف للديمقراطية، واستنكر على من رفع شعار “الإسلام نظام ديمقراطي”. وهو شعار حسب رأيه “ناتج عن عقلية مريضة” لأن الذين ينطقون بها «قلّما يوجد فيهم من درس الإسلام دراسة علمية وأمعن النظر في تعاليمه واجتهد أن يتفطّن إلى أوضاعه السياسية ووقف شيئا من جهوده لمعرفة مقام الديمقراطية في الإسلام ».(17) هؤلاء الناس، يقول المودودي، ألصقوا بالإسلام الديمقراطية، بسبب الجهل «ولِمَرض في نفوسهم وضُعف في عقليتهم»، ومسايرة للوضع الراهن «زاعمين أن ذلك خدمة جليلة للدين القيّم، فكأن الإسلام في أعينهم وُلد يتيم ساقط لا يعيش إلاّ إذا جُعل تحت رعاية رجل ذي جاه ونفوذ، أو هم يخافون أن لا تكون لهم عزة من حيث كونهم مسلمين، ولا ينالون من الشرف شيئا إلاّ إذا أخرجوا للناس مبادئ وأصولا من دينهم مثل مبادئ النظم الاجتماعية النافقة في عصرهم، ومن نتائج هذه العقلية المريضة أنه لمّا راجت في الناس الشيوعية رواجها، قامت طائفة من معشر المسلمين ينادون في الناس، أن ليست جديدة للإسلام، وحينما سمعوا بالدكتاتورية أخذوا يصيحون بطاعة الأمير، ويدعون بدعايتها مُعلنين أن نظام الإسلام الاجتماعي كله قائم على الديكتاتورية »(18). أمام هذا اللّغز الذي يلف نظرية الإسلام السياسية، كما يقول المودودي، الحل الأقوم هو القول بأن الإسلام مستقل ومختلف عن جميع الأنظمة الغربية، والإنسانية. والصحيح، كما يؤكد الرجل، هو أن الدولة الإسلامية “ليست ديمقراطية” ذلك لأن الديمقراطية كحُكم الشعب للشعب لا تتوافق مع الإسلام: « الديمقراطية هي عبارة عن منهاج للحكم تكون السلطة فيه للشعب جميعا، فلا تُغيَّر فيه القوانين ولا تُبدَّل إلاّ برأي الجمهور ولا تُسنّ إلاّ حسب ما توحي إليهم عقولهم. فلا يتغيّر فيه من القانون إلاّ ما ارتضته أنفسهم وكلّ ما لم تسوغه عقولهم يضرب به عرض الحائط ويخرج من الدستور »(19). لكن الإسلام لا يسمح للإنسان بالحرية في تسيير أموره بنفسه، وبالتالي فالديمقراطية «ليست من الإسلام في شيء »(20). إذن «لا يصح إطلاق كلمة الديمقراطية على نظام الدولة الإسلامية، بل أصدق منها تعبيرا كلمة الحكومة الإلهية أو الثيقراطية (Theo-cracy)»، أو بالأحرى ثيوقراطية مُعمّمة اجتماعيا وفرديا «وفق ما ورد به كتاب الله وسنة رسوله». المودودي يُبشّر من ليس هو بمسلم أن يصبح وضعه في هذه الدولة وضع ذمي (مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة)، وليس مواطنا بالكامل، دائما سيرا على هدي الله ورسوله، بحيث إن من لم يقبل هذا الذمي بالشريعة أو ما أسماه دستور الإسلام «لا يُسمح له بالتدخل في شؤون الدولة أبدا وله أن يعيش في حدود الدولة كأهل الذمة (Subject) متمتّعا بحقوق عادلة مبيّنة في الشريعة لأمثاله … ولكن لا يكون له حظ في الحكومة في حال من الأحوال، لأن الدولة دولة حزب خاص مؤمن بعقيدة خاصة وفكرة مختصة به »(21).

إذا كان دستور الدولة التي يعيش فيها المسلمون وغير المسلمين مستمدّا مباشرة من الشريعة فإن الحقوق المنصوص عليها هناك هي، في رأي الغنوشي، حقوق مقدّسة «تمنع التلاعب بها من طرف حزب أو برلمان أو حاكم إثباتا وإلغاءا وتعديلا طالما أن مصدرها الله، بل تمثل سلطة توجيهية إلزامية للأفراد والمؤسسات تتحوّل بالإجتهاد إلى مناهج ودساتير محددة »(22).

إنّ النظام الذي يُنظّر له الغنوشي هو بحق نظام ثيوقراطي على الشكل الذي نظّر له من قبله حسن البنا والمودودي وسيد قطب: ثيوقراطية لا تقبل النقد أو المعارضة، وغير مستعدة للتنازل قيد أنملة على ثوابتها اللاهوتية. ولذلك فإننا لا نعجب إن أطلق الرجل تحذيره لكل الدول (العربية) وجميع أجهزتها السياسية والتشريعية من أنها تُخاطر بنفسها إن ذهبت ضد الشريعة، ضد إيديولوجيا السلفية الوهابية، بل إن المجتمع نفسه إن اختار عدم الإنصياع إلى أحكام الشريعة المنزلة من الله فإن عاقبته وخيمة. إذ أن الدفاع عنها «واجب شرعي يسمح باستخدام كل ضروب المقاومة الممكنة حتى إعلان الجهاد وطلب الاستشهاد من أجل إقرارها ».(23) إنه كلام فصيح، واضح وجليّ، ولا يحتاج إلى كثير تأويل، لكن في بساطته يُثير في أذهاننا مآسي وحروبا وفتنا حدثت في البلد المجاور لتونس: حمام دم رهيب، لم يَنته بعد، ذهب ضحيته مائة ألف جزائري جراء فكرة بسيطة عبر عنها الغنوشي والإسلاميون عموما: الشريعة أو الموت. كل مجتمع لا يحكم بالشريعة هو مجتمع كافر وبالتالي يجب محاربته، يجب، كما قال الغنوشي استخدام إزاءه كل ضروب المقاومة حتى إعلان الجهاد وطلب الاستشهاد من أجل تحقيقها. وإذا رجعنا إلى الأدبيات الإسلامية منذ بروزها فسنتفطّن بيُسر أنها تروّج لهذه الفكرة وسائرة على نفس الخطّ. المودودي يُلقي هو أيضا بهذا التحذير وهو أن «المبادئ الخلقية والأحكام القانونية والحدود المفروضة التي شرعها الله لنا دائمة لا تقبل التغيير أو التبديل، ومبدأ نيابة الشعب واستخلافه لن يُبيح لمجالس الشورى أو البرلمانات أن تسنّ نظاما أو تصدر حكما فيما ورد فيه نص صريح واضح في شريعة الله، وإنما يوجب عليها أن تستمد جميع قوانينها وأنظمتها من كتاب الله تعالى وسنة رسوله وأن تقف عند النص الوارد في ذلك »(24).

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: