محاولة جادّة لخلق إله أجمل. [1/2]

 
محمّد بوعزيزي. الشّاب التونسي الذي عاش فقيرًا كادحًا لكنّه اليوم "غنيٌ" عن التعريف، هو، لا كمفجّر الانتفاضات العربيّة الراهنة، بل كحالة إشكاليّة في الدّين والفقه والفتوى، لأقرب الأمثلة، وأوضح الصور، وأقصر الطرق صوب بيت القصيد العامر بعلامات الاستفهام. إذ أصبح البوعزيزي بعيد "رحيله"، فيما رأينا جميعًا، حبرًا لأقلام الفقهاء، وحجر زاويةٍ فيما بنوه من فتاوى، وأطلقوه من تصريحات عبر قنواتهم واذاعاتهم وأماكن سطوتهم الدينيّة على اختلافها، بغية إنهاء هذه الحالة "الغريبة" من "الخروج على الحاكم" خروج رأى الغزالي وابن حجر العسقلاني، وغيرهم من الكهنة والفقهاء أجداد الموجودين حاليًا، أنّه لايجوز ما دام ثمّة مسجد، وفي المسجد مصلّون. قال مفتي السعودية "عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ" في حينه أنّه «حرام قتل النفس حتى ان كانت الظروف المعيشية صعبة»، وأضاف «ان قتل النفس بالاحراق جريمة نكراء». القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، خرج علينا بملامح طفوليّة، ليتضرع إلى الله ان يغفر لـ«البوعزيزي» فعلته. ولقد كانت "فعلته" تلك ما أسقطت ديكتاتورًا بحجم بن علي، وأذلّت خائنًا بحجم مبارك، والحبل على الجرّار. صرخت في حينها: لا أريد أن أدخل جنّة فيها القرضاوي وآل الشيخ، خلّدوني في نار البوعزيزي.

ولكن، وإن كان لابدّ من النار والجنّة، فلماذا تكون لهم لا لنا، نحن المارقون المصنّفون عبدَ الباسط في تلاوته، وفيروز في أندلسيّاتها، في نفس ذات الخانة!؟. كتاب جمهورية النبي – عودة وجوديّة، للكاتب عبد الرزّاق الجبران، جاء ليطرح ما يجول في خاطري، وخاطر الكثيرين، في شكلٍ أشدّ تنظيمًا من مجرّد ميزان إنسانيٍّ مزروع في القلب، يحاول في عاصفة التحجّر والتخلف والاستحمار هذه، أن يتّزن، ومن أصوات نسمعها من حين إلى آخر وهي تنشد أغانٍ تدرء غبار المعابد هذا، وتزرع في الحناجر قرنفلة، وتعود لتغيب في المدى، ومن ثقة في إله، لكي يكون إلهًا، عليه أن يفعل أشياء كثيرة يقول من يدّعون وكالته على الأرض أنّها حرام، ويبرّأ من كثير من الأحكام التي قال نفس المدّعين أنه فرضها على عباده االمتّقين.

عبد الرزّاق الجبران، ورغم أنّ كتابه قد صدر قبل البوعزيزي، قال بصوت عالٍ: لا! الجنّة للبوعزيزي، الجنّة لسبارتاكوس والحسين والحلاج وجلال الدين الرّومي وغاندي وجيفارا وكيركجارد وتولتسوي، وما سواها للقرضاوي، وآل الشيخ، والغزالي وابن حجر ويزيد، وكلّ هذه الزمرة التي نراها اليوم وقد ورثت فنون القمع والإلغاء وحقن القلب بكل أنواع المخدّر. «لم يقتل الاسلامَ الا الفقه». لا غرابة في الأمر إذًا، بل “طوبى للغرباء”، أنبياء وإن لم يتدخل جبريل شخصيًّا، أولا يكون بوعزيزي، الغريبُ الهامشيّ الذي كان نقيًّا حد اعتذراه لأمّه على ما فعل، نبيًّا وقد أحيا شعوبًا بجسده المشتعل ؟

جلال الدين الرّومي - العشق هو الدّين.

لو أخذنا قيمةً إنسانيةً كبرى، كالعدالة والحريّة، وجعلناها غربالاً أوليًا لأيّ أيدولوجيا، وفي حالتنا، على الاسلام الفقهي التّاريخي من اللحظة التي بدأ فيها النبيّ بالاحتضار وحتّى اليوم، متزوّدين بما لا يصعب الوصول إليه من أدلّة وفتاوى ومراجع ومشاهدات آنيّة قريبة، لوصلنا الى نفس الاستنتاج الذي يبدأ به الجبران كتابه: اسلامنا مزوّر، فج، قبيح. الأمر ليس خياليًا ولا صعبًا، يكفي أن نقول أن ثلاثةً من الخلفاء الراشدين، ماتوا مقتولين، وأن لا أحد مارس الاستعباد والالغاء والقمع والسبي مثلما فعلنا، لا أحد كان بعيدًا عن الجمال مثلما كنّا، نحن «أمّة محمد» عليه الصلاة والسلام. ومن أجل محمّد نفسه، ومن يبحث عنه وعن ربّه الأفضل من الموجود حاليًا، يمهّد الكاتب لديانة أكثر انصافًا، ديانة الانسان، ديانة القلب التي يدين بها سكان «جمهورية النبيّ» التي يصفها جلال الدين الرومي قائلاً: لا شرقيّة ولا غربيّة .. وليست في أيّ مكان.

إذًا، لم تكن «أمّة محمد» هذه سوى تراكم من السلاطين والأمراء والفقهاء الجاثمين فوق صدور النّاس الذين لا يذكرهم التّاريخ، تاريخنا، إلا لمامًا، مجرّد أعداد من الموتى سقطوا على أعتاب المساجد والقصور وقد خدعوا وضللوا وعبدوا المعبد. لم يكن في تلك الأمّة إلا عددًا قليلاً من الغرباء، اللامنتمين، رغم أن النبي كان غريبًا، وأراد أن يترك وراءه غرباء – فيما يرى الجبران. كيف لا و«الوحي بعين نزوله يعتمد على منطق ظهور الغريب عن البشريّة؛ إنسان يمشي على الأرض دون أن يكون على شاكلتها». الغريب الذي تحدّث عنه كولن ولسن، وسمّاه إدوارد سعيد العابر الممتدّ أفقيًا بين الثقافات والعلوم، وقالت به الصوفية تحت بند “التخلّي”. ولأنّ الغريب يأخذ بقول نبيه حين قال «استفت قلبك ولو أفتاك النّاس وأفتوك»؛ فوحده كان من خرج على الفقه والفقهاء، ووحده شرب المعنى، في حين «صبّ الله أنبياءه وشرب النّاس الفقهاء». الغريب، سلك طريق العشق في زمن الكراهية، و«طريق العشق خارج عن الاثنين وسبعين فرقة» كما قال الروميّ. ولما سبق كلّه، يكون الخروج على الأمّة، والانسلاخ عن هذه الجموع الرديئة، ضروريًا، وفصلاً أوّل في الكتاب.

يشرع الكاتب بعد ذلك في «الخروج على العقل». ورغم أنّه بدا لي متحاملاً، بعيدًا عن الموضوعيّة الملائمة لهكذا عنوان، لأسباب غالبًا ما تكون مرتبطةً بحداثتي محاولاتي أنا للخروج على العقل وما تلاه، إلا أنّه طرح نقاطًا هامّة. العقل مجرّد تركة من الإعجاب الملقّن، والتكرير لنفس الخامات، وتشكيلة التبريرات التي نضمّد بها جراح واقعنا الرديء، ونخدّر بها أجسادنا. العقل من صنع الانسان، في حين أنّ القلب إلهي .. يقول الجبران. يدافع الكاتب عن موقفه، اللاعقلاني، بإيراد أمثلة تفيد أنّه لولا “العقل” الذي أسسّ قانونًا، لما صلب المسيح، وما سمّ سقراط، وما نفي أبو ذر وما أعدم الحلاج. القانون إذًا هو وزارة داخليّة العقل، وقوّات بطشه المقدسة، والدّين، كما يُفهم بجماليته، لايؤسس لقانون وانما يؤسس لضمير. وعطفًا على روح ما سبق، فالمسألة «إنقاذ النبيّ من الاسلام» لا إنقاذ الاسلام كما يصرخ أهل السلفيّة الضاربون في القماءة. سيكون مفيدًا هنا أن أقتبس فقرةً مما قاله الكاتب، ليتناسب مع خروجه على العقل بهذه الشراسة وبكلّ هذا الاندفاع :

خارج هذا العقل التاريخي واعجابنا الملقّن باجدادنا وفعلهم التاريخي او ما تركوه من ايادي واخبار في المعبد او في الوطن او في الحضارة، سنجد أننا امة نملك أسوأ انواع التاريخ، ليس لأنه لم يثمر حضارة حقيقية، ولكن لأنّه التاريخ الاوحد الذي استعبد الناس باسم الانبياء اكثر من غيره،ـ ومن زال كذلك ..

إعدام الحلاج - طننت أنّك أنّي*

وبما أنّ العقل والدهاء كانا وسيلة الفقهاء صوب “القانون”، فلا غرابة أنّ الفرد، الانسان، كان مقموعًا مهمشًا في كلّ الحكومات الاسلامية، منذ وفاة الرسول، وليس انتهاءً بحكم طالبان. فردٌ بنيت على ضلوعه حضارة اسلاميّة من الحجارة والكتب التي حولته طينًا بخسًا. ولذا كان «الخرج على الطين» نحو حضارة الكلمات، حضارة الفرد الواحد الثمين. حضارة جمهورية ليس همها «فضح الغانية كما هو هم السلفيين، بقدر ما هو كيف تعلّم الغانية انسانيتها». أي أن يراعى الفارق بين الطين والانسان، ويُمدّ ليكون مكوّنا من “آلاف المنازل”.

يخرج الكاتب على الموتى، ويعلن قرفه من هذا العالم، قرفٌ أشاركه إيّاه إلى حدٍّ بعيد. يخرج على المعبد، أبو المصائب وسرّها، ويورد رائعة الروميّ الشعرية حين يسأل : ما صورة الصنم هذه, وهو بيتٌ للكعبة ؟! وما نور الله هذا, وهو ديرٌ للمجوس؟! . معبدٌ برر القتل، وشرّع السبي، وأجاز السرقة، وقتل الحبّ، وبات اليوم يطالب الناس بالعودة إليه ويتحرّش بأدق تفاصيل حياتهم. تلك المعابد التي شوّهت الله، فبات أسهل أن تجده في حانة، او في مقطوعة موسيقيّة جميلة، او في كأس شراب عذب، من أن تجده في بيته!

الحقيقة وحدها ظلّت تاريخيًا خاضعة للحظر، يقول نيتشه. ولذا كان “الخروج على التّاريخ” متبوعًا بالخروج “على المدرسة”. بدأ ذلك الخروج، اسلاميًا، الصوفيّةُ الحقّة، وطرقوا أبواب الخزّان، وكانوا أول من تحدّى «القومية الدينية التاريخية»، وحاربوا الدين، كما فعل أبو ذر والحسين، بنبيّه، فانتصروا للدين والنبيّ. الخروج على تاريخ ومدرسة قالت بأن «المسلم لا يقتل بالذميّ» إلى جمهورية تكون الأولوية فيها للمغاير، جمهوريةٌ يولد الأطفال فيها أنقياء كصفحة بيضاء، ويظلّون كذلك، لان أباءهم قد استفرغوا التاريخ ( السجن الأعظم كما يصفه علي شريعتي ) والطريقة، وكبروا ليؤسسوا لتاريخ الانسان والاشتراكيّة، تاريخ مفقودٌ تحسّر عليه أنطونيو غرامشي وقلّة آخرون.

ألا يكفينا ما قضينا من زمن ونحن “ندير ظهرنا إلى الله”. ألم يحن وقت “الخروج على الفقيه” والتبحّر فيما قاله طه حسين حول اللبس المنتشر في أنّ التاريخ هو عين العقيدة. ألم تسدّ الشريعة الطريق إلى الله تمامًا ؟ يتساءل الكاتب وأتساءل معه في الجزء الأخير من النصف الأول من الكتاب. ألا يكفي؟ ماذا لدينا لنخسر ؟ لدينا أصوليّة وخطوات واثقة نحو عهود ظلاميّة جديدة. لدينا صناعة الحلال والحرام والقنوات الدينيّة وأسلمة كل شيء. لدينا أجيالٌ مخدوعة، ولدينا دينٌ ارضيٌّ افرزته ارستقراطيّة وقبلية ابي سفيان، ودمويّة وفجور يزيد، وتحجّر الطبري وابن كثير وقماءة محمّد حسان. دينٌ كفرت به، ، وها أنا ..على درب إيجاد غيره، أسير، ويسير معي الغرباء. بعضهم وجد ضالّته، وبعضهم – وأنا منهم – لازال يبحث.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: