سيّدي الرئيس, البقيّة بحياتك.

كان ياما كان, في قريب العصر والأزمان، وكان واضحًا وصريحًا لا يقبل الكتمان، أن كان ثمّة من تشرق من وجهه الشمس، ولا تغرب إلا بإذنه. له كفّ إذا بسطها هالك عندها وعنادها، أما قامته إذا قام فهي صراط الوطن المستقيم من حاد عنه هلك. عيناه شبّاكان على روح جميلة، لم تلوّثهما المعارك ولم يخدش بريقهما أزيز الرصاص وبرد المخيّم. له أسماءٌ عديدة، ولكل اسم أسطورة وحكاية، البعض يسمّيه: الأخ القائد. البعض الآخر يناديه بلفظ “المختار”، أمّا النساء فيحلو لهنّ الاشارة إليه في احاديثهنّ، العلنيّ منها والسرّي، بوصفه يوسف الجديد. ولقد كان ذلك المختار، ملك الملوك وأمير الأمراء وسيّد الأسياد، ممسكًا بخيوط ما حصل في قريتنا، فاهمًا تفاصيله، مدركًا خباياه، مؤمنًا بأنّه الأكثر قدرةً على حله حلاً ناجعًا، إيمانًا صار على مرّ الأيام، وتتالي اللحظات التاريخيّة، ديانة الرعيّة وبلسم صدرها الدائم، حتّى أنّ الطريق إلى الله، في اعتقاد الأغلبية، انما يسير كيف سارت الكوفيّة فوق رأس المختار المرفوع.

رفع الحكواتيُّ كأس الماء وارتشف منها قليلاً، نظر إلى الملتفّين حوله في “قهوة الحكماء” فوجدهم، على اختلاف أعمارهم وملابسهم وطريقة جلوسهم، مشدودين إلى الحكاية وكأنها تروى للمرّة الأولى ولا يعاد تكرارها عامًا بعد عام. اطمئن الحكواتيُّ على مستقبله الماديِّ مع جمهور لا يمل، فالجمهور الذي لا يمل من نفس الحكاية ولا يعتبر، جمهورٌ لا يُمَل. عدّل الحكواتي جلسته قليلاً، سعل سعالاً خفيفًا، ثمّ أكمل ..

ولقد كان يا سادة يا كرام، يا خير الأنام، أن فعل الزمان بمختار قصّتنا ما يفعله بكلّ الأبطال الأشاوس. فبعد أن فتح المختار في شبابه مدنًا بلهجات مختلفة، وبعد أن رفع علم قريتنا فوق المطابع والمكتبات وعواميد الانارة في كلّ شارع، وبعد أن نال الثناء، قولاً ومالاً، من كلّ المخاتير في بلاد الله الواسعة، رغم أنّه قطع، بعبقريّته الفذّة، دابر شرّهم وشرّ تدخلاتهم في شؤون قريتنا، فكان مختارًا مستقلاً، عن القريب والبعيد، في قراراته، وبعد أن نفى، هو الأبويّ، كلّ من سوّلت له نفسه التشكيك، وبعد أن قتل، هو الأليف، كلّ من خرج عن طوعه، وبعد أن احتضن، هو المثقّف، كلّ شاعر بهيِّ الطلّة موثوق الضياء، وبعد أن رأى بثاقب نظره ضرورة أن يصير كلّ واحد من أهل القرية اثنين، وكلّ اثنين أربعة، حتى نتكاثر وتزيد حصّتنا من عناية الله وملائكته، وبعد أن عاد مختارنا إلى مشارف القرية منتصرًا ومرفوعًا على أكتافكم، ولا داع لشرح تفاصيل العودة فليس هذا لبّ الحكاية، بعد ذلك كلّه جاء الزمان وجاءت النهاية التي تلاحق كلّ مؤمن، وتنغّص كل عيش، وتؤرّق كل عين، جاء الموت ليدق باب المختار .

وبلغنا يا أحبّتي عبر رواة موثوقين, وسند متّصل، أن المختار لمّا شعر بدنوِّ أجله واقتراب موعد رحيله عن هذه الدنيا الفانية التي عاش فيها زاهدًا عابدًا, كان آخر ما فعله – رحمة الله عليه – أن أرسل رسالة عاجلةً إلى رفيق دربه المؤتمن يطلب منه فيها الحضور كي يملي عليه كلماته الأخيرة، ويمدّه ببضع نصائح تعين على الاستمرار من بعده. جاء رفيق المختار وصندوق أسراره ودخل عليه فرآه متمددًا متعبًا وكأنّه، مع فارق التشبيه، خالد بن الوليد على فراش الموت. أومأ المختار لرفيقه بالاقتراب فاقترب، عدّل المختار جلسته قليلاً وراح، بصوته النديِّ، يقول لرفيقه: 

“فلتعلم أنّ الجبال خبرتني قبل السهول، وأنّ مسيرة عمري تُدرّس. لا يغرّنك هذا الهزال الذي يأكل جسدي, أنا أرحل فقط، أنا لا أموت. كيف أموت؟ لقد خدعت الموت مرّات ومرّات، وسأخدعه مجددًا هذه المرّة, وأنت تعويذتي من أجل ذلك، سأحيا من خلالك, سأظهر لأهل القرية بحلّتك، سأحدثهم بصوتك، اللعنة عليك لو خذلتني!. قد يبدو لك أنني فعلت كلّ شيء, صحيحٌ أنني مذ ولدتني أمي وأنا قائد، وأنني من وجّه أهل هذه القرية أينما كانوا إلى حيث توجهوا، وصحيحٌ أنني أوصلتنا إلى ما نحن فيه من رخاء واسترخاء، وأنكم ستحتاجون دهورًا باكملها لتستوعبوا ما فعلته بعقليتي الرزينة، وخطاي الثابتة، لكن إيّاك أن تعتقد أن بامكاننا أن نركن إلى الراحة, الراحة عدو المخاتير, ها أنا أحذرك. لقد حاربت، حاربت القريب قبل البعيد، وتخلّصت من كل الشوائب، صنعت لقريتنا طوابع بريديّة واذاعات محليّة وبنيت مدرسة وجامعًا، مددت يدي ناثرًا بذور المحبة في كل الحقول، ولم أذخر جهدًا في المغامرة، هه! قد يبدو بعد مسيرتي الهائلة أنّ كل شيء يمكن فعله قد فُعل, وأن التقدّم صار مستحيلاً لأنني دفعتنا حتى المقدمة، لكن الطريق لا يزال طويلاً يا رفيق الدرب، الطريق لا يزال طويلاً .. والبقيّة .. البقيّة بحياتك” 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: