إضراب



يحكى قديماً، في الولايات المتحدة الأمريكية، أن عمال أحد مصانع السجائر، قرروا البدء بإضرابٍ مفتوح مطالبة بتحسين وضعهم المعيشي، وقد جاء الردُّ من إدارة المصنع إيجابيّاً بشكل مفاجئٍ لهم، وتحققت أغراض الاضراب،وعليه قرروا تغيير إسم علبة السجائر إلى Lucky Strike ..
الاضراب، الذي خططنا له، وقمنا بتنفيذه يوم الخميس الفائت، وأنا ومن يملكون القدر الكافي من الجنون من طلاب المدرسة، يستحق أن نطلق عليه أيضاً لقب ” Lucky Strike ” لإنّ الردّ الذي جاءنا مساءً كان مفاجئا أيضاً، كان بصقةً في وجهنا واحداً تلو الآخر، فرغم خطر التعرض لهروات الشرطة المرابطة على باب مديرية التربية والتعليم، لم نتأخر عن الذهاب صباحاً مطالبين بشيء من الاعتبار، باحثين عن نفيٍ لشكوكنا حول مؤامرات تُحاك في مستقبل هذا العام، نكون نحن ضحيتها .

حين وصلنا، ودخلت بالبيان الأوّل للاضراب، كانت الصدفة هي التي جعلت كلّ الأبواب تُفتح أمامي وصولاً لمديرة التربية والتعليم، فقد ظنوني مبعوثاً من المدرسة لمسابقة ما، لم أنفي ولم أثبت، رحت أسير وإذا بي أدخل مكتباً به ثلاجة، وتلفاز، وصورة كبيرة لياسر عرفات، وكرسي من الجلد تجلس عليه إمرأة عريضة جدّاً، كانت مشغولةً بهاتفها النقّال، أشارت لي بالجلوس فجلست، تأملتها بصمتٍ ورحت أقلّب فكرة أنها تدير العملية التعليمية في شمال قطاع غزّة من هذا المكتب، ولأنها لم تتزوج، اعتبرتها ضمنياً كتلك المرأة التي تبلغ الستين فلا تجد من يؤنس وحدتها سوى قطّة .

سلّمتها البيان، قرأت، فوصلت لكلمةٍ مفادها ” بيروقراطيّة عفنة ” وهي التعبير الذي استخدمته واصفاً التأخر المقيت في الاعلان عمّا تقرر حذفه هذا العام من المنهاج، فما كان منها إلّا أن صرخت طالبةً ” أبو رامي ” وهو النائب الادراي، الذي جاء مدججاً بنظارته ظانّاً نفسه سيجعلني أنسحب بهدوء، لكن بعد مناقشة حادةٍ معه، توصلنا لتفاهم يتحتّم عليه بموجبه زيارة مدرستنا والمدرسة المجارة يوم الأحد القادم.

حين سألتني هذه المديرة العريضة، ما اسمك يا فتى ؟ ، ابتسمت في وجهي فتذكرت أنّها أنثى، قلت لها محمود، قالت لي لا تقلق يا محمود، نحن معكم ونساندكم ونشعر بما تشعرون به، كنت أودُّ أن أنفجر قائلاً أنها كذّابة كبيرة، فكيف لمن يجلس في كرسي عريض، وعنده ثلاجة وتلفاز، أن يشعر بما يشعر به طالبٌ يجلس على كرسي بلاستيك أكل الصدأ نصفه، وهذا ينطبق عليّ أيضاً، فالمطالب التي أطالب بها، نيابةً عن الطلاب، بعد عامٍ من الآن لن تعد تعنيني، وستصبح هذه القناعات مجرّد ذكرى عابرة أعرّج عليها من حين إلى آخر .

كانت أهمُّ مطالبنا، أخذ الظروف الخاصة بقطاع غزّة في عين الاعتبار فيما يتعلق بالحرب، والحصار، وما إلى ذلك، لكن النشرة التي جاءت من رام الله كانت مخيبةً للأمال وبعنف، كان الحذف مسيّساً بشكلٍ واضح، مؤامرةً كما كنت أظنْ، دربٌ معبّدة يريدون بها أن تقودنا جميعاً إلى الرسوب والفشل، لكننا لن نصمت، وسنعتصم، ونضربُ، ونتوجه لكل من يملك ثلاجةً في مكتبه، وسنصرخ في وجههم أن سحقاً للبيروقراطيّة، وسحقاً لجناحي الوطن إن سنطير نحن بسببهما.

Advertisements

6 تعليقات to “إضراب”

  1. كُوفيَّة Says:

    أعتذر ولكنني ضحكت !
    أخبرتني أنها تملك ثلاجة وتلفاز وتقول انها تشعر معكم ؟ تشعر معكم ؟ وكرسي عريض وربما اطقم من اوروبا وسفريات وهي تشعر معكم صحيح ؟

    أتعجب للرد الذّي جاء من رام الله !
    هل يتوجب حتّى على الصغار أن يقعوا في شرك خلافات الكبار ؟

  2. عروبة Says:

    هل تسمحْ لي بضحكة ..

    لمْ أسمحْ لنفسي بواحدة أصلاً .. ولستُ من محبذي ” شرّ البلية ما يُضحك” ..

    أتذكر أضراباتنا نحن الطلبة والتي لم يمض عليها الأشهر القليلة ..

    ” قال شو .. مادة التكنولوجيا رجعت ”

    ” ما بيجيبوها الا رجالها ”

    ” وهاتلك على اضرابات ” .. وبدناش نحضر الحصة الفلانية ومقاطعين الاستاذ الفلاني .. ذهب بعض زملائي في المدرسة الى المديرية …اما الفتيات فانتظرن ما سيجلبه رجالنا ..ورجعوا بخفين يقال بانهما خاصتا حنين…قيل بأن الشرطة كانت على الأبواب وقيل أيضاً بأنهم قابلوا من قابلوا ..

    ” ما علينا ” ..

    الخلاصة .. مادة التكنولوجيا رفيقة دربنا .. وحارسة حلمنا .. ومن يدرسْ ينجحْ ..” ينجحْ فعل جواب الشرط” .. هع

  3. It's me Says:

    ..

    تلك السيدة شعرت بكَ جيداً .. لقد وصلت لها !
    هذا ليس بـ قليل بالنسبة للبرجوازيين .. ربما كذلك هي

    أو المتكرشين .. بالتأكيد كذلك

    وصلت لأحدهم ذات يوم .. كان يقول ” نحن .. نحن .. نحن ”
    بالتأكيد قالت

    وإذا قالت لن تفعل .. هكذا جيناتهم أو هذه صفات يكتسبوها بعد الإحتكاك
    بالكراسي الجلدية العريضة

    وغداً يتشدق أحدهم .. ” كلو على شماعة الحرب ”

    ..

    مع تمنياتي بـ أن

    يلتف العوسج بالياسمين

    هذا ما أريد أنا وأنت

  4. Mahmoud Omar Says:

    لا تعتذري كوفيّة، من فرط الخذلان باتت الأوجاع تضحكنا جميعاً،

  5. Mahmoud Omar Says:

    التعليلات التي نتلقاها سخيفة جدّاً يا عروبة، تجعلنا ندرك أننا مجرد غبار على مكاتبهم، أمجاد شخصية .. كلهم يريدون بناء أمجادٍ شخصيّة، على حسابنا

    خذي التكنولوجيا هذه مثلاً، ألغوا القسم التطبيقي منها
    وكأنهم يقولون لنا بشكلٍ غير مباشر
    إحفظ كما يحفظ الحمار الطريق إلى مضجعه،
    ولكنّ إيّاك يا أيها الحمار أن تطلب يوماً مزرعة
    إيّاك أن ترفض اللجام والعصا

    لكن المشكلة تكمن في المرآة التي أقف عليها كل صباح، فأرفض أن أرى نفسي صامتاً، وعليه سأصرخ والصدى تعودت أذني عليه

  6. Mahmoud Omar Says:

    نهايتهم ليست مريحةً كما كراسيهم الجلديّة يا صديقي، وألف طبيب نفسي لن يستطيع معالجة عقدهم ..

    أشدُّ على أيادي أمنياتك يا رفيق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: