ماجستير خيانة .


War

لم يكن غرقي بين كتب السياسة والتاريخ، أمراً كنت قد خططت له، بل كان ككرة ثلجٍ تدحرجت من قمة جبل إلى سفحه، ولا أنكر أنني تحمّست في بداية الأمر، وخصوصاً أنّ التاريخ يستهويني بشدّة، رغم ما فيه من ذلٍّ خالدٍ لكل شخصٍ يعرف كيف يكتب العربية، وكيف يقرأها، إلا أنّ من لا يقرأ التاريخ، لن يجيد فهم الحاضر، أو بالأحرى، لن يجيد السخرية من الحاضر .


رسالة ماجستير، يعدُّها خالي الأصغر، حول حرب لبنان عام 1982م، هي ذلك الجبل الذي تدحرجت كرة الثلج عليه، أمّا أنا فمساعدتي كانت طبيعيّة، لأنني الوحيد في أقارب خالي الأصغر، الذي أملك استعداداً لقراءة الكتب دون أن يكون ذلك لإجراء اختبار، أو الحصول على وظيفة، وخصوصاً تلك الكتب العريضة التي تشبه عجائز حارتنا من الخلف، و لأنني أيضًا على إلمامٍ بسيطٍ بطبيعة تلك الحرب، الأمر الذي يفترض أن يكون كل فرد فينا ممتلكاً له، وخصوصاً أن معرفتنا السطحيّة بوقائع ذلك الحصار، كان أحد أهدافه، ” زادٌ ثوري للأجيال القادمة ” هكذا كان التعبير يومها، وهكذا علل قادة المنظمة والحركة الوطنيّة اللبنانية رفضهم الانسياق وراء مخططات السلام والتسليم .


لم أكتب عن هذا كله أنا ؟ هل خالي أول من يعد رسالة ماجستير، وهل أنا أول من يساعد خاله في إعداد رسالة ماجستير ؟ قطعاً لا، لكنّ شيئاً ما في داخلي قد انكسر، ربما هو ذلك الشيء الذي تحدث عنه أحد الصحفيين الفرنسيين الملازمين لعبد الناصر، عن أنّ أسرار الحروب والسياسة العربية بأدق تفاصيلها موجودة في الكتب، ولكن لا أحد يبحث، وها أنا قد بحثت، وإن كان الأمر صدفةً أو شبه صدفة، بحثتُ وقرأت عن خياناتٍ كانت تحاك، عن أنظمةٍ عفنة، عن مظاهرات انطلقت في الجزائر تقدّر بالآلاف، كان انطلاقها في أوج معركة بيروت، بدا لي ذلك بارقة أمل، غير أنّ المظاهرات كانت لحدث ما في مونديال كرة القدم آنذاك، وقرأت أيضاً أن أحد حكّامنا الميامين قد ” بلّط ” في الملعب لمدّة 8 دقائق، لا ليس احتجاجاً على 3000 شهيد في صبرا وشاتيلا، إنما رفضاً لهدفٍ ما احتسبه حكم ما في مباراة ما ضد الكويت، لا أريد أن أسمّى الحاكم بالمناسبة .

ورغم أن وضوح الخيانة، يفوق وضوح شمس تموز، إلّا أن خالي أكّد عليّ أن فقرات المواقف العربيّة من الحرب يجب أن تصاغ بدقة بالغة، ويجب انتقاء الكلمات انتقاءً دقيقاً جداً، لأن الرسالة يدققها غير واحدٍ من الأساتذة، ولكل واحدٍ انتماء، ولكل واحد هوى، ونحن آخر ما نريد هو أن ننتقد حاكماً عفناً، أو موقفاً عاهراً، لربما كان أحد الأساتذة يوماً ما في شبابه معجباً به، فكلُّ الحكام وطنيون، ومخلصون، وفيهم شيء من الأنبياء، كلُّ ما في الأمر أنهم يتباينون في التعبير عن ذلك، ونحن شعب متخلّف لا نعرف تقدير قادتنا .

كان، وسيظل، الذي يكسبني ويكسبك ويكسبكِ ويكسبكم، القدرة على الاستمرار، هو الحب، حتّى في هذه الملحمة الدمويّة التي دمرت جنوب لبنان وثلاثة أرباع بيروت، ذلك الحب الذي جعل الفلسطيني واللبناني يتقاسم رغيفاً ممتزجاً بالدم والبارود، وملجأً لا يتسمع إلا للدفء والضياء، وبندقيةً سمراء، حبُّ أطفال الآر بي جي لوطنهم، حبُّ درويش وهو يكتب ذاكرةً للنسيان، حبٌ أثبت لي أننا أبدًا لن نتوه، ولن نضل، ما دمنا نحب، حتّى وإن اجتهدوا في سلبنا كلّ شيء يستحق أن يُحَب .

Advertisements

14 تعليق to “ماجستير خيانة .”

  1. إسلام محمد Says:

    ثَمَّة لُغتين نتقنهما كل الإتقان
    الـ صدق و هي اللغة الكاذبة حتماً : و الأخرى الـ خيانة وهي الصادقة في كُل الأحوال !
    وحين نكتب لـ نصْبِح شيئاً نرواغ الأقدار و الحثكَّام و كل أشكال الفطريات [بعد أو قبل المطر] لا يهم .. الذي يَهُم ان نكُونَ نحنُ و أن نسير بجانِب الغواية لـ نبقَى !

    رسالة ماجسْتِير موفقة لـ خالك
    و سـ يكُون لك معه رحلة آلام متعبة
    بجوار تاريخ 82 !

  2. Mahmoud Omar Says:

    إذاً ” لا شيء ” هو الشيء الذي أريد أن أكون، كي لا أرواغ الفطريات، لا قبل المطر ولا بعده ..

    رحلتي ليست متعبة بقدر ما هي مقززة غالباً، ومدهشة في أحيان أخرى،

    صديقتي اسلام، كلُّ الورد .

  3. حياة الألم Says:

    لن نتوه حتما لأننا نحن من خط خارطة الحب ورسمنا معالمها وبنينا مدنها ..

    أوجع قلبي ما خطت يداك .. رغم اعتيادنا على ذلك .. فما حاضرنا إلا شريط مسجل عن الماضي

    لذلك علينا التمعن في حكايا التاريخ فلنا فيها عبرة ..

    لكي نفهم فورا ماذا تعني دموع حاكم ما على ما يجري لنا .. فربما يكون حذاره ضيقا عليه مثلاً !

    مع أنني أكره التهكم إلا أنني لا أجد بداً منه

    تقبل مروري

    تحياتي

  4. Mahmoud Omar Says:

    أنا أعشق التهكم، وأعتبر السخرية مداد الروح، ولولاها لأصبح الانتحار فرض عين،

    فلتتهكمي ما شئتِ صديقتي، ولا تقلقي، سيأتي اليوم الذي تغطي فيه نصالنا عري الأرض، وينمو حبنا في كل زقاق .

    سعيدٌ بكِ

  5. It's me Says:

    ..

    الحرب والرغيف والبارود وعدم التنازل ومصطلحات الخيانة ورجالها في 82

    أراه الآن ..

    سيأتي أحدهم ويقدم رسالة بعد أعوام عن هذه الحقبة وكيفية الخيانة فيها
    ربما المراجع ستكون نحن

    قرنفل لك ..

  6. كُوفيَّة Says:

    يبدو أن الأعمام أو الأخوال يُمارسون نفس الهواية ! :p
    مع أن عمي يقرأ كثيراً ولكنه كان أحياناً يقول لي اقرأيه وهاتي ملخصك :p

    ليست المُشكلة في حرب بيروت فقط. العالم كُله يمشي على نفس المنوال. المؤمرات كثيرة، الأشياء القبيحَة كثيرَة جداً. من يعتقد ان العالم ملاك فهُو مُخطئ كثيراً. أحياناً عندَما أقرأ أمراً مُعيناً وأصدمُ بهِ أجدُني أقف لوهلة مع نفسي وأقول : معقول؟

    _

    لا أعرف تماماً لم نَحنُ العرب مزاجيون بتلك الطريقة ونعتبر أن كلامنا دوماً هُو الصحيح وبان ما يقوله غيرنا هُو خطأ. يُذكرني ما يحدث بمسابقة شعرية حدثت منذ عدة أعوام على مستوى جامعات الضفة الغربية وحدث أن فاز طالب كتب قصيدة نثرية خالية تماماً من الشعر. لا تراكيب جيدة، لا صور شعرية بليغة، هو صف للكلام لا أكثر رغم ان الهدف من المسابقة كان قصيدة عمودية. كيف حذت هذا بالفعل لا أحد يعرف ! 🙂
    _
    بدي طلب :$
    فيك تكتبلي بعض أسماء هالكتب. مع اسم المؤلف ودار النشر
    رح أكون ممنونة كتير .

  7. مذكرات الليل Says:

    التاريخ يتناسخ ذله و دمويته و غباءه..
    كذلم العربي يتوارث الجهل و مراقبة الشمس من بعيد!

    ذاكرة ليست للنسيان..

    جُل التحايا لكَ محمود

  8. غير معروف Says:

    البارحة قال أحدهم

    – بأنه يصعب على المرء ان يجد شخصا ما نادرا .. لا يشبه غيره ..

    ربما تأففت قليلاً .بهذا القول ..

    لكل منا حكاية ولكل منا شيء ما مختلف بحاجة لأن يخرج ..

    ولكن في ذات الحين نجد المختلفين والمميزين ليسوا غريبين كليّا .. وكأن القصص التي تسرَد هنا .. تعاد وتحاك هنالك بذات الطريقة .. وبذات البداية والختام ..

    ربما هذا يساعدنا كثيراً .. في فهم الثورات والحروب ..

    الغاية التي لا تفارق ايا منهم
    الطريقة المتمثلة بالبداية البدائية ومن ثم النهاية المكللة بانتصار ولربما بهزيمة منتصرة ..\

    بخالك الذي يعد رسالة الماجستير خاصته ..وبخالي الذي عايش هذه الأحداث وكان فرداً من جماعة .. وصال وجال..وقد ترك المدرسة وهو طالب في الابتدائية لينخرط في هذه الغاية .. وليصبح بعد سنون طويلة مجرد قابض لراتب ” ممتاز” .في ظل قيادة آثر ان لا يكون فرداً في جماعتها ….بأمي التي حكت لي أحداثاً كثيرة عن رحلها لزيارة أخيها ..ومن ثم تزويجه من فتاة لا يعرفها …
    بتونس باليمن .. باالانتصار المنهزم التسعيني ذاك ..وبالعودة المظفّرة ..

    عــــروبة

  9. Mahmoud Omar Says:

    هكذا هو التاريخ صديقي محمود، ليس مجرّد أحداث وعناوين، بل كل تفصيل فعلوه من قبلنا، كل اقتراح وكل وجهة نظر، كلها تمسي – غالبا – مراجع .

    ولك الشيء نفسه

  10. Mahmoud Omar Says:

    كوفيّة ..

    بقدر ما يحمل العالم بين طياته قذارةً متراكمة، بقدر ما يعنيني فقط تلك التي تقف موقف العداء لقضية فلسطين، هذا الهمًّ الافتراضي الذي ولدنا به، والذي منه نستمد كل قدرةٍ على تعطير الأجواء في عالم عفن ..

    أما العرب، فسلامي الحار والشنيع للعرب أينما حلّوا، ياااه كم أحب العرب

    :

    فيما يتعلق بالكتب فهناك العديد منها وعلى رأسها مجلة شؤون فلسطينية التي كانت تصدر عن مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، فيها مخزون لا يقدر بثمن ..

    والموسوعة الفلسطينية التي تتطرق لحرب 82 والعديد من المحطات البارزة الاخرى،

    وكتاب فلسطيني لا بهوية عن صلاح خلف ” ابو اياد ” الذي اصدرته دار ” فايول ” للنشر الفرنسية من تألف أريك رولو وترجمة نصير مروة
    وحوارات على مستوى القمة لعرفان نظام الدين من منشورات المؤسسة العربية والاوروبية للصحافة والنشر
    ومجانين السلام من تأليف ماريك هالتر و إريك لوران ونشر دار الطليعة في بيروت

    وكتاب نايف حواتمة أبعد من أوسلو فلسطين إلى أين

    وما وقع بين يديكِ من كتب تلمحين فيها نافذة على فترات يقتضي الواجب علينا ان ندقق فيها النظر

    كل الود

    (F)

  11. Mahmoud Omar Says:

    صامدون عند الجدار الاخير، او الحجر الاخير، او ذرة الرمل الاخيرة

    وجلها لكِ كوثر

  12. Mahmoud Omar Says:

    من أهم ما يثير استهجاني ونقمتي يا عروبة، هم من عاشوا تلك الفترة ولا زالوا بيننا اليوم كما اشرتِ، ليس السبب هم شخصيا بل وضعهم، كلُّهم مجرد حساب بنكي ورقم وظيفي، غيبتهم السَلطة التي ملأها الخيار والبندورة ولا مكان فيها للشرفاء،

    فتراهم على الأطلال كشاعر جاهلي،

    يحملون في قلوبهم غصّة تساوي كل طلقة سمعهوها

    واطلقوها إبان الثورة،

    وهذا الامر يدلل على مدى فشلنا كجيل صاعد في اظهار قيمتهم وقيمة ما فعلوا، فترى ابو داوود مثلا مغيّب، صلاح خلف نصف الشعب لا يعرفه، ايلول الاسود تبدو اسم فيلم اكشن، المية والمية وعجلون وبرج البراجنة وبيروت الغربية وكأنها لغة هندية

    أما القيادة، فلا زالت في غرفة الولادة، تسترق النظر على عورات نساء الاخرين

    ربما هناك امل، ربما
    وربما لا امل

    ولكن هناك نصر قادم، في زمان ما في خرافة ما سيأتي، وسيصبح لبيروت وغيرها مسمى غير مسمى الحرب والصمود والمآسي، ستصبح تضيحات حققت نصرا، ولو بعد حين

    كوني بخير، وتمترسي جيدا .. (F)

  13. مذكرات الليل Says:

    مسيت خيرا محمود

    أعجبني عنوان كتاب مجانين السلام
    سأبحث عن الكتاب و أقرأه
    لأول مرة سأهم بقراءة التاريخ… مزاجية ستساعدني في تعديلها قراءات محمود
    😀

    كل الودْ
    كوثر,,

  14. Mahmoud Omar Says:

    وانصحكِ كوثر بكتب احمد الشقيري، فيها أشياء رائعة

    مليون وردة صديقتي .. : )

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: