خطوط



دعيت مرّة إلى مهرجان، وكانت الدعوة تتضمن زيارةً إستباقية أجريتها لمكتب التخطيط لذاك المهرجان، وزعوا علينا يومها علب عصير بارد، وراحوا يشرحون في الخطّة بصوت واضح وكلماتٍ ناعمة. سنرسم لكم خطًا أبيضًا على الأرض، ستسيرون عليه لكي تظهروا أكثر انتظامًا. شعرت أنّ قِدرًا من الزيت الساخن وقد سكب على صدري، ترسم خطًا أبيضًا!، عفوًا ولكن لك أن تفعلها مع الخراف، لا مع البشر، أنا لا أسير على خطوط واصطفافكم ذاك لا يعنيني، وشكرًا لعلبة العصير.

الآن أدركت أن خطتهم لم تكن وليدة فهمهم الاستثنائي، كانت مجرّد تطبيق بسيط للنمط السّائد في كل شيء، حياتنا بأكملها صارت موجودةً على جانبي خطٍّ ملوّن، دراستنا، زواجنا، وموتنا، والحياة على عكس منظمي المهرجان، لا تمنح عصيرًا، ولا يمكنك أن تصفع في وجهها الباب، ستسير بخطىً بطيئة في الطابور الأفقي المزدحم، وستظنُّ بكامل غبائك الموروث أنّ قدمك إن هي داست عشبةً على جانب الخط فأنت لم ترتكب جريمةً ضد البيئة بل كنت ثوريّا ومختلفًا!

أبيض أو أسود، قد تختلف الخطوط، ولكنك إن لم تسر على واحد منها فأنت لست موجودًا، لا تصنفك قنوات الإعلام ولا الوزارات، إما غزة أو رام الله، عدا ذلك فأنت ” الشعب ” الذي يتحدث عنه الطرفان ولا يجرؤ أن يتحدث عن نفسه، إمّا أن تكون إسلاميًا أو علمانيًا، عدا ذلك أنت الغبيُّ الذي لم تعتنق حتّى اللحظة فكرًا، إمّا برجوازيًا أو معدومًا، عدا ذلك أنت طبقة متوسطة تبرر نفاذ راتبك السريع أمام أطفالك بأنّ خير الأمور الوسط.

تحضرني قصّة تشبه الحياة كثيرًا، تشبه أولئك الذين لا يسيرون على خطوط، الذين يتحدثون عن الوطن ولا يتذكر الوطن ملامحهم، الذين يكثرون في مفترقات الطرق وما سمّي باسمهم شارع واحد، الذين تستمر نار الدنيا بالاشتعال على هشيمهم، تشبههم القصة جدًا، قالها لي صديق في زيارة عاديّة، وتحكي عن شخص ولد عاديًا، ودرس في مدارس عاديّة، وتخرج بشهادة جامعيّة عاديّة، ثم تزوج امرأة عاديّة، وأنجبا معًا أطفالا عاديين، ومات – رحمة الله عليه – ميتةً عاديّة.

8 Responses to “خطوط”

  1. مهند Says:

    المعضلة الكُبرى يا محمود
    “ارتفاع نسبة وجود السيد عادي في مجتمع”.

    تحياتي

  2. نون Says:

    *..وَ كتبَ على قبره انسان عادي .
    ،
    أن ترسمَ أنتَ خطّاً لخُطاك .. يحتاج جهداً و مشقّة ،
    أمّا أن تمشي عليه ، فلكَ حينها أن تواجه أنواع القسوة ..التّعب ، و الوحدة ربّما ..

    لكن لا بأس مادمتَ ستكون راضياً عن نفسك و قلبك أخضر حينها ،

    ولا بأس ما دمنا نعرف جيّداً بل و نؤمن أن هنالكَ صراطاً مستقيماً ، المشي فيه و نهايته نعيم بحدّ ذاته ..

    ممم ماذا أيضاً ؟
    نقلاً عن لسان متشرّد أقول :
    “- الابتسامة هي فعل المقاومة الحقيقي في عالم يتهاوى كقطع الدومينو! ”

    ..

    • Mahmoud Omar Says:

      المسافة المتوسطة بين القناعة بالأمر الواقع، والبحث عن التغيير، هي تلك المسافة التي ستثبت أقدامنا ان مشينا عليها .

      أهلاً نون .. : )

  3. رشا Says:

    نعيش حياتنا في حياة مؤطرة والويل لنا إن خرجنا عن الخطوط المرسومة لنا
    وكما قلت( ولكنك إن لم تسر على واحد منها فأنت لست موجودًا)
    وياريت كانت تقدمنا عصير ادا اتبعنا خطوطها : )

  4. whispers of silence Says:

    كما قلتُ من قبل
    وكما قالت ماجدة
    مانحن هنا الا
    ” كالريشة تحملها النسمات”

    كم تؤرقني فكرة ” عـــــــــادي “!!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: