رجعت الشتويِّة


 هذه السلاسة لا تغريني، أقصد سلاسة أحرف هذا الجهاز المستطيل الذي لا زلت بعيدًا تمام البعد عن الاقتناع بقدرته على الاحاطة بي، كما أحيط أنا عادةً بكلّ الأشياء عدا المهمّة منها كالذي سأقوله لاحقًا، وما دخل Dell  في قدرتي على التعبير!

الكتابة الالكترونية مشروع مرهق، متعب، ويحتاج – في حالتي – طقوسًا خاصّةً تتضمن كرسيّا جلديّا دوّارًا، ونافذةً تطلُّ على رصيف، وجهاز mpFIRE بسماعتين على الأقل، ولوحة مفاتيح ( يفضّل أن تكون قاسية، مليئة بآثار التدخين والأكل والشرب والنساء )، ناهيك عن Playlist هي ثاني أهم عامل من عوامل الكتابة بعد مِزاجي، مزاجي هو سيّد الموقف، وجامع شمل الحقيقة، ومرتّب فسيفساء حالة الاشمئزار والرفض التي تُنتج هي بدورها نتاجًا جميلاً ومرتبًا ومنسقًا ومدورًا ويطلُّ على رصيف أسمّيه : كلامي.

علاقتي مع الأوراق، والأقلام، وجميع أشكال القرطاسيّة، علاقة ضاربة في السوء، أكره خطّ يدي، أكره توقيعي، وكم جرّبت أن أكتب تحت ضوء القمر على سطح بناية من 4 طوابق في مشروع سكنيٍّ حديث العهد يأخذ مكانه  على كفّ مخيم موجود منذ الأزل، وكم في ذلك فشلت!، وُصمت الكترونيًا وانتهت المسألة، أجمل شيئين في حياتي بات الدرب إليهما مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالكهرباء، وبرنامج الوورد، وراوتر الاتصالات، ربما لأنّ الأشياء الجميلة التي أشعرها فطريّة، نقية، وتجري في دمي، وهنا أقصد الكتابة والأغاني، ربما لأنّها باتت أرشيفًا لا يمكن الوصول إليه إلا عبر الاستعانة بالتكنولوجيا، محاولة تقمّص، البحث عن أزمنة غابرة وخائبة، أو البحث عن بذرة فول النصر التي تخرج محنيّة دومًا من تربة جلدي الهشّ رغبةً منها في أن تكون محميّة، فتستغل سكاكين الدنيا فرصتها في بتر رغبتها في الحياة، كلُّ الأشخاص، والأسماء، والشوارع، كلّها صارت أفلامًا وثائقيًا، وأحداثًا حدثت في مثل ذلك اليوم، أما اليوم، فلا شيء يحدث عدا الدوران في رقصة صوفيّة لا تسمن ولا تغني من جوع.

تؤرقني الاحاطة، الاحاطة بالفكرة، الكتابة كنهر جارٍ من منبع إلى مصب، دفعةً واحدة، لا النقاط تجزّء الفكرة، ولا تبترها الفواصل، جسد إمرأة جميل من شعرها الغجري حتى اصبع قدمها الصغير حجمًا، الكبير معنىً، وأنا ان استطعت بعد جهد جهيد أن أحيط فعلاً بما أكتب، وما ذلك إلا مجرّد خيال، لأنّي في الحقيقة لا أفعل شيئًا عدا رمي فتات خبز، طرق أبواب، آثار أقدام لا تقود إلى أيّ مكان فعلي، تلاوة قرآن على أضرحة، ولكن لنفترض أني استطعت بعد جهد جهيدٍ عتيدٍ أن أحيط فعلاً بما أكتب، وكان ثمّة من يقرأ كل هذا ممعنًا وراغبًا في الفهم، فكيف أستطيع ضمان احاطته هو ؟، هل أدرك مثلاً أن الجملة الأولى فيما كتبت، كاذبة، وأن سلاسة اللابتوب هذا جعلتي أنطلق، وأن Dell تدخلت فعليًا في نتاجي!

الصورة من قديتا.نت

Advertisements

8 تعليقات to “رجعت الشتويِّة”

  1. Shbbk | شبك Says:

    رجعت الشتويِّة…

     هذه السلاسة لا تغريني، أقصد سلاسة أحرف هذا الجهاز المستطيل الذي لا زلت بعيدًا تمام البعد عن الاقتناع بقدرته على الاحاطة بي، كما أحيط أنا……

  2. ShakosH | شاكوش Says:

    يعني لو كان HP كان طلعت معاك التدوينة مختلفة؟
    الموضوع له علاقة بالاستعداد النفسي للكتابة، والجاهزيّة للقول. واتفق معك تماماً ان هذا الاستعداد، وتلك الجاهزيّة لن يحضرا بدون راوتر الانترنت.
    لدرجة ان صديقاً قال لي ان مزاجه يتعكّر وتنقلب حياته رأساً على عقب لو فصل الانترنت عن منزله ساعة. فما بالك لو كان هذا الصديق مثلك، كاتباً، هل من الممكن انجاز نص أو تدوينة في ظل تعكير المزاج بسبب غياب النت

    مرة تانية، لو كان جهازك “سوني فايو” بتلاقي الحروف بتكتب حالها من حالها.. الفايو غير صدقني.

  3. Mahmoud Omar Says:

    شاكوش العزيز, ذي الصوت العالي

    القضيّة قضية تغير “مقدمات” الكتابة من مشهد طبيعي جميل، إلى خلفيّة سطح مكتب جميلة، وأنا عندما قلت و أقول أنني وُصمت الكترونيًا فأنا اعلم تمامًا أن كثيرين قد آلوا إلى نفس المصير، ربما هي من حتميّات هذا القرن، من ضروريات المرحلة، والسلام بطبيعة الحال موصول دائمًا للمرحلة.

    ويا سيدي فعلاً dell تدخلت في نتاجي، وأنا غير مستعد للقول بأن شيئًا ما كالتدوينة في الأعلى يمكن له أن ينتج دون جهاز dell وطاولة خشبية وجلسة غير مريحة للظهر، من يدري، ألا يمكن أن يكون الكلام ابنًا للمحيط ؟، محيط الكاتب، وطقوسه، ومن يدري، بجوز لو HP كان طلعت التدوينة غير شكل.

    ملاحظة : أنا أتحدث عن الكتابة، لكنني لم أقل أبدًا أنني كاتب.
    ملاحظة ثانية : منوِّر.

  4. ShakosH | شاكوش Says:

    ملاحظة أولى: مش ضروري تقول إنك كاتب لتكون كاتب.
    ملاحظة تالية: في واحدة من أجمل ما قرأت عن طقوس الكتّاب لحظة الكتابة، أن أحد السورياليين كان يأتي بامرأةٍ من الشارع، يجلسها في الغرفة، يراودها، يلمسها، يقبلها، يثيرها، ويبدأ في الفعل الجنسي معها، ويتماهى إلى أبعد الحدود، حتى يصل إلى لحظة القذف، فيرميها جانباً وينطلق نحو قلمه ويبدأ بالكتابة..

    هذه التجربة مثلاً، تأخذ طقسها الأساسي من الشارع، وتجارب أخرى تركز على أشياء أخرى لتبني من خلالها نصها الابداعي
    انت تستخدم الموسيقى واشياء أخرى لتنتج نصّك

    بس حلو النص لما تكتبه الموسيقى مباشرة في اذنك

    • Mahmoud Omar Says:

      كلام جميل,

      أنا على سيرة السيرياليين فيني شي من هالنوع، انه لما يخطرلي اكتب شي، وممكن اكون بحاكي مين ما اكون بحاكي، وربما هالشخص الي بحاكيه مصمم على أخد رايي بمسالة خطيرة، ويمكن تكون أنثى بتشكيلي همها، صدقني بتجاهل كل أبجديات التعامل البشري واحترام الصداقات والعلاقات وخلافه، وبفط بروح بكتب فورًا، وبس يخلص بعطي الطرف الآخر يقرأ وعادةً السؤال هو هو : متى كتبته هاد ؟

      منوّر، كمان مرّة.

  5. صالح Says:

    لم أشتم رائحة سجائرك هنا !

    كن بخير يا صديق
    🙂

  6. تجمع المدونين الفلسطينيين Says:

    رجعت الشتويِّة…

     هذه السلاسة لا تغريني، أقصد سلاسة أحرف هذا الجهاز المستطيل الذي لا زلت بعيدًا تمام البعد عن الاقتناع بقدرته على الاحاطة بي، كما أحيط أنا……

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: