حكاية كِلْ يوم!


لا زلت أحاول استيعاب كلّ ما حدث، ثمّة أطنان من الأشياء أودُّ إعطاءها حقّها، لست متأكدًا بعد أنني قد أحطت بجميعها في داخلي، لكنني سأكتب، يحتّم عليّ ذلك، وإلا فلن أستطيع الافلات ولو قليلاً من قيد الجمال، الأمر الذي لا أشتهيه إلا لطمعي في جمالٍ آخر قادم، إلا لشغفي بأن تكون حكاية يوم الأحد، التّاسع عشر من أيلول، حكاية كل يوم في حياتي. فكّرت كثيرًا في رسم خطوط على الطريق، كتابة قبل الكتابة، شيء ما يجعل الحديث أكثر تنسيقًا ورتابةً، لكنّ فكرة الابتعاد عن الأرشفة أعجبتني، إذا كانت الحياة نفسها محكومة في شوارعها وأحداثها بالعفويّة، فكيف أحاول الكتابة عنها متقمصًا دور رئيس بلديّة ؟؛ لذا ها هو ذا، كلامي عن يوم الأحد، دون خطّة، دون إعدادٍ مسبق، ودون تكلُّف، ودون اضافات، اللهمّ إلا صوت موسيقى عود آتٍ من تركيا، ومصر، ولبنان، عود لا يُترجَم، ويفهمه الجميع.

بدأت الحكاية قبيل الأحد، يوم الخميس، حيث لم أتمكّن من الدخول إلى حفل افتتاح ملتقى العود العربي الأول في القاهرة، لأنني وببساطة شديدة لا أرتدي قميصًا ولا ربطة عنق، ولا حتّى أعرف كيف أربطها بالقميص إن أنا تشجّعت وابتعتها. تكدّرت، تكدرت كثيرًا في حقيقة الأمر، لكنّ صاحب اللحية العجيبة كان عزائي، شربل روحانا، فيه نكهة الشّام، آتٍ من بلاد فيروز التي لازلت أحلم بزيارتها، أما نصّير، فعلى احترافيّته يظلُّ قريبًا، مقيمًا منذ زمن في القاهرة قريبًا منّي، كما هو حاله في قلبي. جاء الأحد، تأكدت من خلوّ قائمة الشروط من لفظ القميص، وربطات العنق، وارتديت ما أرتديه عادةً، وتجاوزت مشكلة أنني لا أملك أيّ آلة تصوير، لا في هاتفي المحمول، ولا في غيره، قررت أنها هفوة فاتتني هذه المرّة، وكررت : شربل روحانا، ركّز، شربل روحانا. ابتعت التذكرة وكان ثمّة ساعة ونصف قبل أن يفتح المسرح أبوابه، فلم أجد إلا كافتيريا صغيرة ( هنالك كافتيريا أخرى أكبر، لكن يجب أن تصطحبً إمرأة فيها، هذا شرط غير مكتوب لا في تذاكر ولا في غيرها )، طلبت كأسًا من الشّاي وتابعت – مرغمًا – مباراة للنادي الأهلي أظنّه خسرها. قبيل الموعد وصلت إلى المسرح، ففوجئت بمعرض صنّاع العود يسبق الباب الذي يقود إلى القاعة، جميع أنواع آلة العود، العراقي، التركي، بجميع الأحجام والأشكال والألوان، عازفون شباب، وكبار، من الامارات، مصر، تركيا، العراق، لبنان، سوريا، وغيرها. تذكرت أنني لا أملك كاميرا، فسحبت على مضض نشرة تعريفيّة بالمعرض تظلُّ على مجانيتها أغلى من أن أترك هذا المعرض دون أن آخذ معي شيئًا ما للذكرى.

دخلت إمرأةٌ سمينة، ملامحها محببة، دخلت باب المسرح فتبعتها، كنت أظنُّ أن الأبواب فتحت وأنا مشغول بالعازف العراقي وأعواده الصفراء، دخلت وإذ بشربل روحانا على بعد خمسة أمتار منّي، يتمرّن!، أين الكاميرا؟، يا ربّ هذا الكون ابعث لي بكاميرا!، لم أحصل على الكاميرا، حصلت على حوارٍ معه، قال لي : من بعد اذنك، بعِد ما بلّشنا، عم بتمرّن، قلت له بصوتٍ عال : حاضر، حاضر ومليون حاضر، ستّة مليارات ألف حاضر، طبعًا ما بعد الحاضر الأولى قلته في نفسي. قميصه ازرق، وربطة عنقه حمراء، ولحيته غريبة، ويتمرّن، شنّف آذاني قبل حتّى أن يبدأ العزف فعلاً، فخرجت سعيدًا ومتلهفًا لعرضه الذي لم أعلم إلا بعد فترة أنّه سيكون الأخير.

الجميل حازم شاهين، هو الذي ساعدني، وساعد غيري بطبيعة الحال، على تجاوز كلاسيكية الخطابات التي أُلقيت قبل بدء الحفل، شكر وثناء وتقدير، لم يعنّي على اجتيازها أثناء إلقائها إلا لغة نصير الجزلة، وعفويته. حازم هذا عازفٌ مصري شاب، يذكرني بالشيخ امام، وبسيّد درويش الذي ذكرنا جميعًا برحيله بأن عَزف له “أنا هويت”، لا أستطيع أن أصف شعوري حقيقةً حين وجدت تسجيلاً لعزفه على اليوتيوب، لم أفرح لأنّي وجدت التسجيل بقدر فرحي بأنني أستطيع القول لنفسي، تابعته أنا، رأيته سابقًا، ولا زال يطربني. ها هو التسجيل، سأسمعه، وأستجمع بعضًَا منّي، القدر الكافي على الأقل؛ للبدء في الحديث عن شريكي في يوم الأحد، عن Attila

تصوير : يامن.

التذكرة ذهبيّة اللون، منقوشٌ عليها أحرف بالانجليزيّة، الصف I، رقم المقعد :18، وبينما أنا أحاول تحديد موقع مقعدي الدقيق، كي أتجنّب حرج التعامل مع شخص غريب كليّا يأتيك ويصرخ في وجهك : هذا مقعدي!، قررت أن أسأل شخصًا ما، فسألت وقلت : لو سمحت هذه البطاقة أين مقعدها ؟، فجاء الردُّ غريبًا : You can sit wherever you want، أكثر من 500 شخص حضروا الحفل، ولم أسأل إلا أجنبيًا!، أكّد لي أنه يمكنني الجلوس أينما رغبت، أقسم بذلك، فقلت له ممازحًا وراغبًا في تأكيد تصديقي له : I’ll sit next to you then، ابتسم، جلستُ، وعندها انطلقت صداقتنا. Attila هو اسمه، لم أعرفه إلا عندما افترقنا في آخر اليوم، أما ما عرفته قبل ذلك فكثيرٌ جدًا، عرفت أنّه بريطاني، جاب أوروبا طولاً وعرضًا، زار غزّة 3 مرّات، يعرف بيت لاهيا، ومخيّم جباليا، وخانيونس، وساعد شابًا منها على الوصول إلى لندن، والعمل في اذاعة ال BBC، وأنّه يقيم منذ أشهر في القاهرة، ويأتي إلى الأوبرا يوميًا. للدقّة أقول أنني حافظت على مسافة بيني وبينه في أوّل الأمر، ربما يكون يمينيًا!، ربما يكون صهيونيًا، ولكن شيئًا فشيئًَا، تلاشت كلُّ أنواع “ربما”، وخصوصًا عندما أشار إلى اعجابه الشديد بصوت نصير شمّة عندما يتحدث، رغم أنه لا يفهم شيئًا، عللت له ذلك بأن نصير يأتِ من بلد بتاريخ عريق، والبلاد العريقة تخرّج هكذا شخصيات جزلة، ابتسم وقال لي : Like Palestine. تبادنا العديد من الاحاديث السريعة خلال تسليم شهادات التقدير، وبين العروض، تحدث عن اعجابه بطبيعة الحياة في القاهرة، وعن امتعاضه الشديد من حالة الغباء المتفشية بين العوام، قلت له من باب انتمائي للعروبة أنّها مسألة فقر، قال محقًا أن الأغنياء في أغلبهم في البلاد العربيّة لا يفهمون شيئًا غير السعي المتزايد نحو مزيد من المال، وأكّد ذلك بان ذكر لي دعوته لرجل أعمال مصري لحضور هذا الحفل معه، لكنّه رفض قائلاً بأن كل ما يدور في الأوبرا مجرّد تفاهة. بعد انتهاء الحفلة، وأثناء سيرنا صوب ميدان التحرير، تبادلنا واحدًا من أجمل النقاشات التي كنت جزءً منها في حياتي كلّها، تحدثنا عن باولو كويلو، وتولتستوي، وزوربا، وعن الحياة بلا عمل، وعن طبيعة المواطن الفرنسي، وعن اللغة الألمانية، وجمال مدينة فرانكفورت، وعن السياسة المصرية والديمقراطية العربية، تبادنا الكثير كثير من الاحاديث، وقررنا اكمال التبادل لاحقًا، فتبادلنا أرقام الهواتف وعناوين البريد.

العازف الذي جاء بعد حازم شاهين، جاء من اسطنبول، محمد بتماز، ألقى بضع كلمات بالعربية كان هدفه فيها أن يبدو خفيف الظلّ قليلاً، يقترب من الجمهور العربي في أغلبيته، وفي ذلك أظنُّه قد نجح. عزفه كان كلاسيكياً وجميلاً، حتّى العود كان مختلفًا، أصغرَ حجمًا من العود العربي، وصوته أقلُّ علوًّا وأكثر حنانًا، يامن، وهو شخص لا أعرفه إلا أنني تأكدت الآن من جلوسه بقربي في الحفلة نفسها، صوّر محمد بتماز في عزفه، وها هو التسجيل. شربل هو مسك الختام إذًا، هو وتلاميذ بيت العود العربي الذين أقام معهم ورشة عمل على هامش الملتقى، أشادَ بها هو، ولا يسعني إلا أن أشيد بها أنا، لما أفرزت من إبداع بحت يتجلّى في أكثر من مائة اصبع ووتر!.

“مسا الخير”، ثمّ انطلق!

المميز في عزف شربل روحانا، أنّه مميّز، تستطيع حفظه، رسم ملامحه، التعرّف عليه ولو بعد حين. عزف قليلاً فملت برأسي على أتيلاً وقلت ” The story of everyday “، ما ل شربل لاحقًا على العود وصفّقنا له قبل أن يقول اسم المقطوعة بالعربيّة. عزف بعدها “لاتزعلي” وأبدع فيها، أبدع حدًّا جعل أحد الحاضرين يصرخ ” أظن دلوقتي ملهاش حق تزعل” وجعلني أتسابق مع فتاة جميلة تجلس بجواري في التصفيق له، وأظنُّها قد فازت. عزفه الاخير شاركه فيه ما لا يقل عن عشرة من التلاميذ، متمقصين جميعًا الحالة التي وجد عليها عوده قبل واحدة من حفلاته، الحالة التي جعلته يخرج بجملة موسيقيّة قادت لاحقًا إلى ألبومه الأخير، فكان أن عزفوا جميعًا “قبل الدوزان”. بقيت في مقعدي، وبقي أتيلا، وكان أن خرجنا بعد ان صار المسرح فارغًا إلا من نصير شمّة يتجول ببدلته الرمادية متمنيًا أن يكون جهده قد أثمر، وبعد أن آمنت بأن سبب جلوس أتيلا إلى جواري متشعّب، هو لم يشطب الوحدة من فعاليّاتي الثقافية فحسب، بل شطب الحاجة إلى كاميرا أيضًا، حتّى أن رفضه اعطائي الكاميرا الخاصة به لألتقط أيّ صورة، التصوير يقطع عليك التجربة، يجعلك تنظر من خلال شاشة هي أصغر من الواقع، وبين كتفيك تكمن الكاميرا الحقيقة، والحل يتجلى في You must memorize it، وأظنني قد فعلت.

تحدثت كثيرًا أعلم، وربما لا تكون هذه المدونة المكان المناسب، وربما لا يكون الحديث كلُّه مبررًا لشخص لا يرى في كلّ ما سبق تجارب أولى مثلما أفعل، وربما سيملُّ الجميع، ولن يقرأ أحد ما كتبته حتى النهاية، لكنّها مذكرات لشخص أنشأ يوم الأحد صداقةً، وقصّ شريط أحلامٍ كثيرة.

 

الحدث في صور :

 

 

 

 

.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

24 تعليق to “حكاية كِلْ يوم!”

  1. Osama Says:

    حسدتك

    عن جد حسدتك

    المرة الجاي رجلي ع رجلك ومني الكاميرا الك

  2. toto Says:

    مين أجا من سوريا؟ أنا حضرت شربل قبل هيك وأبهرني بالفعل، أمنية حياتي كانت أن أشاهد منير بشير وهو يعزف مباشرة ):

  3. شادية Says:

    محمود جعلتني اشعر بوجودي هناك
    قرب الآلات وابعد منها الى الأعمق
    🙂

  4. نون Says:

    والله أنا من زمان ما كمّلت اشي طويل هيك ، للآخر ..

  5. رحمة محمود Says:

    ياي محمود انبسطتلك كتير، انت بتحب هاد الفنان كتير، و أعماله، حسيت بشعورك..

  6. ShakosH | شاكوش Says:

    لديك قدرات سردية باهرة
    استمتعت جداً بكَ في دار الاوبرا
    عقبالنا 🙂

  7. ليلى Says:

    تدوينة رهيبة، ذكرتني بجمال العالم خارج دوامة الحياة اليومية : )

  8. كيان Says:

    🙂 رائع!!

  9. سهام Says:

    رائع يا محمود والأهم هو الصديق الذي تهديه لك الموسيقى !

  10. بطاطا Says:

    كحال قراءتي لأحد كتابات كويلو
    أسابق الأسطر 🙂
    أبدعت

  11. A.moughrabi Says:

    لو بيوم قررت ازور القاهرة فهو لسبب
    لأخل المسرح حتى لو كان فارغا دون أتيلا يا صديق .. : )

    جميلٌ جداً أنت ..

  12. هداية الحاج Says:

    كمرتك التي تكمن بين كتفيك ألمانية بدقة لمْ أشهد لها مثيلاً ..
    سحقاً لكاميرا العالم كله .. !
    أحب لهفتك هذه .. لا أحد يفوقك لهفة اذا ما أردتَ شيئاً ، عينيك التي ترسم الحدث قبل حصوله ، ويديك اللتين تشبهان يدا طفل صغير يودّ نور الغرفة الساطع ..
    شربل جميل .. و كذا يوم الأحد الأزرق ..:))

    كنت مسرعاً كالعادة ، ولم أستطعْ اللحاق بكَ، ارتشفت الشاي بسرعة وأنا أعتاده على مهل .. دخلت المسرح كذلك بسرعة حتى اني خلعت حذائي لألحق براكض المارثون هذا .. وكان هذا اليوم ..

    لا شيء أبداً يشبه الموسيقى ، لا لقاء في الكون يفوق اللقاءات الموسيقية جاذبية ، أن تبقى حواسنا تتراقص الى الآن على وقع كلمة الترحيب وما يتلوها ..
    أحببتُ ما كتبتَ كثيراً يا محمود ،.. المرة الجاية تمهّل .. فلربما فاتَك شيءٌ ما ، أحدٌ ما نسيتَ أن تكتبَ عنه ..

    ذلك بأن نصير يأتِ من بلد بتاريخ عريق، *
    ع أي أساس جزمتها .. ها قلي ؟ نصير بجي كل يوم من هناك ، كل يوم .. مو بس من هناك من كل مكان ..

  13. تجمع المدونين الفلسطينيين Says:

    حكاية كِلْ يوم!…

    لا زلت أحاول استيعاب كلّ ما حدث، ثمّة أطنان من الأشياء أودُّ إعطاءها حقّها، لست متأكدًا بعد أنني قد أحطت بجميعها في داخلي، لكنني سأكتب، يح……

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: