رأس ” مشتبه بهِ ” !


أنا أفهم أنّ انفجار الاسكندرية الذي أودى بحياة إثنين وعشرين مواطنًا مصريّا حدث على بعد ساعتين ونصف من مكان إقامتي، وأعرف أن كنيسة النجاة لم تستطع اسقاط نجاتها على اثنين وخمسين عراقيّا راحوا ضحيّة اعتداء إرهابيٍّ سابق في بغداد، وأعرف أن لبنان ال”بغضب مسوّر” يريده وزير العمل اللبناني بطرس حرب مسوَّرًا بقوانين تمنع بيع العقارات بين مسلم ومسيحي؛ كي لا يكتشف مستقبلاً أن أحمدي نجاد قد غيّر محل اقامته إلى بكركي أو دير القمر!، ولكن ما يثير استغرابي، ويشككني في مخّي، هو أن فهمي البسيط الواضح لكلّ تلك الأحداث، لا يتشاركه معي مذيعو قناة الجزيرة، ولا محررو الصحف، ولا الشعب العربي العريض، فأيّنا يجب عليه أن “يتحسس رأسه” يا ترى ؟

من مات في انفجار الاسكندرية، مسيحي، ليس مواطنًا مصريّا، هكذا أذاعت كلّ القنوات لتثبت أني حمار، من لم ينج في كنيسة النجاة مسيحي، ليس عراقيّا، هكذا تنص أخبار الصحف، لتثبت أني حمار، قانون بطرس حرب خطوة على طريق الطمأنينة، ليس طائفيّة عفنة، كم اقتربت من تحسس رأسي، التضامن الحق يكون برفع صورة الهلال والصليب، لا بالنظر إلى الأمور نظرة عقلانيّة، كم أنا مجحف بحقّ الوحدة الوطنيّة، هكذا تقول الجموع، هذا هو الصوت الغالب في استوديو الشرق الأوسط هذه الأيّام، أما الباقي، كلّ الباقي، وأولهم صوتي، ففلسفةٌ عقيمة وتعالٍ على ألف باء الأغنية !

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مَن قتل قتيلاً من أهل الذِّمَّة لم يجد ريح الجنَّة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً)، هكذا يتضامن “المسلم” مع الضحايا “المسيحيين” في العراق ومصر وباقي أصقاع الدنيا، يورد حديثًا لنبيّ الاسلام الأمين، ويقتبس القرضاوي وهو يحلف أغلظ الأيمان ببراءة الاسلام من هكذا أفعال شنيعة، ولكن لماذا لا يفكر المسلم العالم بأحاديث نبيّه، في أنه بايراده الحديث لم يكتفي باعتبار الجاني مسلمًا، وهو ما لم يثبت في حالة الاسكندرية مثلاً، بل اعتبر، في القرن الواحد والعشرين، مواطنين مصريين أو عراقيين راحوا ضحية تفجيرات انتحارية، اعتبرهم “معاهدين وأهل ذمّة”!، ألا يحق لي، حمارًا كنت أم على طريق الحمرنة، أن أسأل ذلك المتضامن عن تعريف المعاهد وأهل الذمّة؟ وألا ينص الاسلام، ونبيّه الأمين، على أخذ الجزية منهم ؟ أم أنّهم “معاهدين” وقت الانفجارات والتضامن، ومواطنين وقت رغبتهم في بناء الكنائس ؟

ألا يرى تلك الازوداجية أحدٌ غيري ؟ هل أفصّل نظّارة ؟ أريد أن يجيبني أحدٌ جوابًا شافيًا عن سبب تمحور ردّة فعل أقباط مصر على انفجار كنيسة القديسين في سبّ الأمن تارةً، وفي رجمه تارةً، وفي طلب غلّ يده عن بناء الكنائس تارةً أخرى، بينما تكاد تنعدم الأصوات المطالبة حقيقةً بالقبض على الجناة؟ أليس ذلك استغلالًا للضحايا بغية تحقيق مكاسب “طائفيّة” تبدو اللحظة الراهنة مناسبةً جدًا لتحقيقها ؟ وهل كانت تلك المطالب لترشح على سطح الجثث، لولا أن الدولة المصرية العتيدة قد فشلت وبامتياز في تطبيق المواطنة على أفرداها جميعًا ؟ فخرجت المظاهرات “المسيحية” في وقت قّوة وتعاطف، لتنال مكاسبًا برجم الأمن “المسلم” واستغلال الموقف لبناء كنيسة ؟ أوليس التضامن برفع “الهلال مع الصليب” دليلاً على انقسام راسخ يراد لصورة دعائيّة أن تمحوه، في حين أن محوه كان يفترض تحققه على مدار سنين من العيش في دولة واحدة، تحكمها نفس القوانين .

كي لا يسارع أحد منّا، نحن المسلمون، لنفي التهمة عن نفسه لمجرّد ان الفاعل غالبًا مسلم أقتبس : “إذا ما أخذنا في عين الاعتبار أن ما فعله المسلمون يتحملون مسؤوليتهم هم، لا الاسلام، فالعلمانية ستعني أيضًا في هذه الحالة تحرير الدين، واعادته الى نصابه الروحي، وتثبيته في بعده كتجربة داخلية تثري ما هو زمني وزائل بكلّ عمق اللازمني وقيمته الدائمة* ” ولكي يكون الضحايا ما يجب عليهم أن يكونوه، مواطنين كاملي المواطنة في دول كلّ من فيها سواء أقتبس : لغياب الكنسية في الاسلام، فصل الدين عن الدولة سيكون أسهل على المسلمين منه على المسيحين، وعلى مصر منه على أوروبا التي يعرف الجميع كم عانت وكم كان باهظًأ الثمن الذي دفعته قبل أن تحقق ذلك الفصل وتفوز معه بقصب السبق في المدنيّة والحضارة* *”، ولكي أساعد رجال الأمن في التعرف على رأس مقطوع، مشتبه به، يعتقد أنه رأس الجاني في تفجير الاسكندرية أقول ما قال ميشيل فوكو، أنّ الرأس المجرم هو رأس مجتمع عقله الدين، وبالتالي، لا عقل له “

 

* جورج طرابيشي.

**طه حسين.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

10 تعليقات to “رأس ” مشتبه بهِ ” !”

  1. تجمع المدونين الفلسطينيين Says:

    رأس ” مشتبه بهِ ” !…

    أنا أفهم أنّ انفجار الاسكندرية الذي أودى بحياة إثنين وعشرين مواطنًا مصريّا حدث على بعد ساعتين ونصف من مكان إقامتي، وأعرف أن كنيسة النجاة ل………

  2. رحمة محمود Says:

    دور الإعلام.. هوي التضليل
    و الساسة.. التهويل
    و أغلبية الناس.. إنها تسدّق،، لإنها أوجدت خيار وحيد.. إنّه تسدّق!

  3. ظمــــأ Says:

    عندما تغريك الحقيقة للنبش والبحث ستجد الكثير من الأراء والمفاهيم والقضايا التي تحتاج للتوقف عندها وتشعر بدهشة كبيرة
    الامر لا يتعلق فقط بالاعلام ودور الدولة والمواطنة ايضا
    الهوة تتسع على المصطلحات والمفاهيم والافكار الدينية
    الخطأ يكمن هنا الفهم لها التطبيق المشاكل التي اصبحت تتكاثر باسم الدين والديانات
    طيب انه ليش وصلنا لهالمفترقات
    اتصور الامر في الدين في التفكير في الحقوق والواجبات المفاهيم المسيطرة على الاشخاص
    وبالنهاية نحن ، المشكلة الأكبر نحن ولابد لنا ان نعترف بذلك ولا مبررات

    • حسين رمّال Says:

      شخصياً أيضاً، أجد أن المشكلة الأكبر والأساس هي نحن، ذواتنا، كل فرد منا، وأستطيع أن ألخّص وجهة نظري هذه بلكمتين: لا نعرف من نكون! وما ينبغي القيام به بسيط، وبسيط جداً: أن نعرف فعلاً من نكون! ولماذا…
      تحياتي

      • Mahmoud Omar Says:

        أنا برأيي، في حادث كحادث الاسكندرية، من هم الذين ماتوا ؟ هم مواطنون مصريين، يمكن الاشارة الى اعتناقهم الديانة المسيحية كتكملة للخبر، لان أن تكون مسيحيتهم، متن الخبر وكلّ الحكاية.

        يا أهلاً حسين .

    • Mahmoud Omar Says:

      بالفعل يا ظمأ، لأنّه المشكلة فينا، أو في الشريحة العظمى على الأقل، الدين بات ملح كل الطبخات، وحتّى المصابون بالضغط، لابد لهم أن يتناولوه وبكميّات كبيرة، وعندما يشتد عليهم المرض، لا يشتمون – ويا أسفي – الطبّاخ، بل يشتمون الملح !

  4. fs7at amal Says:

    محمود..
    انت دايما مبدع.. ولا مرة دخلت هاي المدونة وطلعت خايبة لهيك ولا مرة تركت تعليق “خوفاً من الوقوع بالتكرار” بس هالمرة خطرلي سأل:
    مين فينا اللي سرق أفكار التاني :fs7atamal.wordpress.com

    • Mahmoud Omar Says:

      لالا، دائمًا علقي، تكرار الجمال جمال تربيع

      – ما حدا من سرق من التاني، كل الحكاية انه Great minds think alike

      نوّرتي

  5. Lucius Says:

    You really make it appear so easy with your presentation
    but I in finding this matter to be actually one thing that I believe I’d never understand. It kind of feels too complicated and extremely large for me. I am taking a look ahead in your subsequent post, I’ll try to get the dangle of it!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: