15 آذار، مرَّة أخرى.


قبل ثلاثة عقود من الآن، وفي مثل هذه الساعات من صباح الخامس عشر من آذار، كان وفدٌ من منظمة التحرير الفلسطينيّة يدق باب بيت سعيد المغربي في حيّ الطريق الجديدة في بيروت، حاملاً معه وصيَّة مكتوبةً باللون الأحمر، ووعودًا لا تُنكث، إن أخلف بها البعض، تلقفها البعض الآخر عازمًا على تحقيقها كاملةً كاستدارة بدر في منتصف سماء العاشقين. فُتح الباب وفُتح القلب، وقرأ سعيد المغربي وصيّة ابنته الشهيدة دلال، مسح ما تستطيع كفّه الوصول إليه من دموع، وترك الباقي منها يسقط بصمت في عيونٍ داخليّة. “لا تذرف دمعًا كثيرًا؛ فلقد صرت بنتًا للبلاد” بهذا ختمت دلال وصيّتها لأبيها، وكتبت في الباقي من الرسالة، بعبقرية فتاة من يافا، مولودة في صبرا، ما لا يمكن لنا أن نخونه، أو نلتفّ حوله؛ ذلك أنّ وصيّة الشهيد هي طلقته الأخيرة التي يسحبها من مخزن بندقيته، ليتركها لمن بعده، ومن يخون رصاصةً، ويطلقها في غير وجهتها، إنما يقتل نفسه، ويمثّل بجثث تدفن بدمها نقيّة .. لا تُغسّل.

أمّا الخامس عشر من يناير، والخامس والعشرون من نفس الشّهر، والسابع عشر من فبراير، فكلُّها تواريخ حديثة على الذاكرة الفلسطينيّة. لم يحدث أن جلسنا، نحن الفلسطينيّون، بجسدنا الثقيل المليء بالرضوض و الرصاص المستورد من أمريكا، على إختلاف مستورديه، بأحلامنا وقضيّتنا المليئة بالورد والأشواك، من يعيش منّا وراء الخطّ الأخضر، ومن يعيش أمامه، ومن يعيش في الشتات، وفي المنفى، وفي السجون، لم يحدث أن جلسنا جميعًا واتحدنا في شيء آخر غير الموت جماعاتٍ أمام الصّاروخ، اتحدنا أمام التلفاز!. نعم .. هذا على الشّاشة خطٌ أحمرُ عريض، وهذي مسيرة، لكنّ الذي يموت ليولد بشكل آخر، وعلى غير العادة، لا يتحدث لهجتنا، إنّه يتحدث نفس اللغة، لكنّ اللهجة مختلفة، هذا تونسي! هذا مصري! هذا ليبي!، أين الفلسطيني؟، إنّه يجلس على أريكته، محاطًا بزجاجات تقتبس الثمالة والأوجاعَ والنسيان والذاكرة، محاطًا بالسجائر المطفأة وأهازيج ظريف الطول، في غرفة علّق طمعًا في حبّ الله على جدرانها آياتٍ من القرآن وترتيلةً للقدّيس شربل وصورةً لأمّ المخلّص؛ جلس الفلسطينيّ ليتابع للمرّة الأولى قصفًا بالطائرات لا يعقبه قصيدة تقول جرّبناك، ولا إتصال من مراسل أو فتحٌ لمعبر رفح ولا – ويا أسف الآسفين في أقاويلٍ أخيرة – إشعالاً للشّموع في مكان ما مدوّر !

لا أودّ الحديث تحديدًا عن كيفيّة تعاملنا مع هذه “الربكة”، مع نزعة التاريخ الجديدة في السير بعيدًا عن خصوصيتنا، أودّ الحديث عمّا يبدو محاولةً لاقتباسٍ نور الثورات العربية الوليدة؛ كي ننثره في صفحة جديدة، نريدها بيضاءَ؛ كي تمحو – ولو مجازًا – قبح صفحتنا الأخيرة. قلت للوهلة الأولى، الشّعب / يريد / إسقاط/ النظام، في تونس نجحت، ونجح في مصر وعلى وشك أن تفعل في ليبيا، هاتوها عندنا ( بتغيير سطحي بسيط ) لعلّها تنجح!. هل أبدو حقيرًا ؟ من أولئك الذين يرون أن (الصعود) إلى الشارع والشعب يعتبر “نزولاً ” إلى الشارع والفوضى ؟ هل أبدو منظِّرًا في وقت لا يمكن لاثنين أن يختلفا فيه على ضرورة إنهاء حالة الخصام ؟ اذا كنت أبدو كذلك فامسح يا قارئي عينيك قليلاً، وركّز معي.

أنا لا أقول أنّ فلسطين ليست تونس ولا مصر ولا ليبيا، أقول فلسطين هي تونس هي مصر هي ليبيا هي كلّ هذي الأوطان العربية التي فرّق بينها سايكس، وبيكو، بعدما إتحدا!، فلسطينُ هي إختٌ لمصر ومصر أخت تونس وكلهنّ من أمٍّ واحدة، لكنّ المُراد من قولي أنّ المغاير في مطلبنا الذي اقتبسناه دونما جلسة للتفكير مع الذات أنّه – وأقولها هادئًا – يعيدنا إلى حضن نفس العار، ونفس المشكلة.. تخيّلوا معي لو أنّ التوانسة رددوا: الشعب يريد إعادة تجريب النظام، والله لما صدّقها بن علي نفسه ولظنّ أنّ في الأمر خدعة!، ومع ذلك، يراد لي مثلاً، أن أصدّق أن استقالة حكومة هنيّة، وفياض، واجراء الانتخابات وتشكيل حكومة وحدة وطنية، الأمر الذي حدث تمامًا قبل 4 أعوام وكان لأنّه حل “ترقيعي” أحد أسباب الانقسام، سيحل المشكلة حلّاً ناجعًا ويشفي الدّاء شفاءً لا يغادره سقم، لكن المثل الفلسطيني يقول : الي بجرّب المجرّب .. عقله شو ؟ عقله مخرّب.

ما الحل اذًا ؟ نريد حكومة وحدة وطنية وانا اتفلسف واقول ان مطلبنا المعلن هو العودة إلى المشكلة، هل نظلّ جالسين في بيوتنا، حيث التلفاز ليس مرآةً للمرّة الأولى، وحيث تفقأ أعيننا كل يوم بمختلف الأصابع ؟ هل هذا وقت الكلام أصلاً وموعد الحملة ( 15 آذار ) على الأبواب ؟، نعم هذا وقت الكلام!، لأن الفعل يجب أن يكون مستندًا إلى فكرة، لا إلى رغبة، الحريّة فكرة، الرغبة بها لم توجد، لو لم توجد الفكرة. الحل ؟ الحلُّ هو أن الشّعب / يريد / إنهاء / الإنقسام / ويريد للإنهاء أن يكون شاملاً ومن الجذور! إنهاءٌ يعيد “الإنقسام” إلى موضعه المفترض في خانة “الإختلاف”، إنهاءٌ لا يتناسى حقيقةَ أنّ الفلسطيني الذي لا يتخذ موقفًا منحازًا ولا يتحدث في السياسة غير موجود إلا في خيالات الفارهين، ولا يتناسى حقيقة أن “الوحدة الوطنيّة” التي نظن أن اتحاد حماس وفتح في سلطة على شعب مُحتل أصلاً سوف تحققها، تتجاهل ملايين اللاجئين الذين هم أصل القضيّة وقوامها وتصوّر أن أسمى أمانينا الموت في سبيل اتّحاد غزّة والضفة وقيام دولة مشوّهة على ما تبقى من الأراضي، إنهاءٌ يعيد انتخاب مجلس وطني يضم ممثلين من كلّ الفصائل، وأهل فلسطين في الداخل، والشتات تحت قبّة منظمة لتحرير فلسطين، لا بلديّة كبيرة لاصدار المراسيم و”المكرمات الرئاسيّة”، إنهاءٌ يستثمر جيّدًا هذا التداول الأكثر شيوعًا في العالم للسياسة والرّاهن، والآتي، بين الفلسطينين على إختلافهم، لا أقول على انقسامهم، أقول على اختلافهم.

الحل هو ما قالته دلال المغربي في وصيّتها المكتوبة بلون الدم : وصيتي لكم جميعًا ايها الاخوة حملة البنادق، تبدأ بتجميد النتناقضات الثانوية وتصعيد التناقض الرئيسي ضد العدو الصهيوني، وتوجيه البنادق، كل البنادق، نحو الاحتلال الصهيويني. لكلّ الفصائل أقولها، لإخواني جميعًا أينما تواجدوا، الاستمرار بنفس الطريق الذي سلكناه. الحلٌ بسيطٌ جدًا، تطبيقه ليس سهلاً إلا عندما تصعد الفكرة إلى الشارع، سويةً، وقلبًا إلى قلب، مع الشعب. وكلّ ما قلته لا يعني أنني لن أشارك بما أستطيع، وبما يضمن سلامة المبدأ، في أيّ نشاط مستقبليٍّ، لأنّ النيّة الصافية لكلّ من بدأ يحاول العمل على رمي حجر في مستنقع الانقسام الرّاكد، نيةٌ يجب أن تُحترم، وليس بالكلام وحده، والانزواء وراء التعابير والمقالات، يكون التغيير.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , , ,

9 تعليقات to “15 آذار، مرَّة أخرى.”

  1. يورغو .. صرخة وتر Says:

    […] https://m282.wordpress.com/2011/03/14/15-%d8%a2%d8%b0%d8%a7%d8%b1%d8%8c-%d9%85%d8%b1%d9%91%d9%8e%d8%a… […]

  2. مدونات من أجل التغير Says:

    تحيه
    لقد تم نشر التدوينه في تجمعنا مدونات من أجل التغير

  3. حِرَآء Says:

    ابقَ متفآئلاً .. محمود 🙂

  4. رحمة محمود Says:

    انهاء انقسام_ يؤدي_حكومة__و الحكومة أوسلو__ و أوسلو مرفوضة(المفترض)__ بالتالي بدنا مظاهرات جديدة__ عشان فك أوسلو__ بالتالي حيصير دم__ و الشعب يقتل بعضو__ و حتصير أشكال جديدة من الانقسام__ و أبرزها الواحد ينقسم مع ذاته__ ممكن همي يفوزوا أو الشعب يفوز__ ازا الأولى هيوا لا من شاف و لا من دري__ و ازا التانية__ بدنا مظاهرات جديدة عشان نتسلح و نبلش نقاوم__ و ترجع ايام ال 48__ طبعا اهل ال 48 و الشتات مش كلهم مع اللي حيصير__ و كمان اللي جوا فلسطين مش كلهم مع اللي حيصير__ و الباقي خلوه لحدا معقد أكتر مني !!!
    ازا هيك مشيت الامور لا باس.. طيب و ازا مش هيك، كيف؟؟

  5. حنّونْ Says:

    هلأ تحديدا بالوقت اللي بقرا فيه كلامك :” أربع شهداء والعدد في تصاعد” قاعدين بنتعرف عليهم وكل واحد بنعرفه بنحكي ظروفه هاد عريس بيحضر لعرسه وهاد جديد بنا بيته لسه ما فرح فيه هاد جديد تخرج هاد صغير بس المهم هدول كلهم مدنيين!!
    محمود شو اللي عم بيصير؟!
    كل هاللي صار الايام الماضية واللي عم بيصير هلقيت طيب وبعدين يعني!
    يلعن ابوهم كلهم يا زلمة ويحيا الشعب وبس

  6. احمد Says:

    ارجوان نكون من اصحاب السلاح يا صديقي محمود ايها الرائع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: