شيءٌ ما


تخطئون كثيرًا أيُّها الآباء المقدسون إذا ظننتم أنّ السماء وحدها مكان السعادة. على هذه الأرض يوجد شيءٌ ما* :

توجد الحقيقة التي تثير فيّ ضحكًا مفرطًا في السخرية. حقيقة هذا النصر الغارق حتى أذنيه في الهزيمة الآتية واثقةً من غيّها والباسطة ظلالها فوق رأسي المذهّب بحبات العرق، المليئ بمحاولات فهم الانتماء، وكيفية رسم الخريطة. حقيقة أنّ ستّين دقيقةً، ثلاثة آلاف وستمائة ثانية تفصل ( والفضل لفروق التوقيت لا لخطتي في الهرب ) بيني وبين فلسطين الآن، عقاربها غير عقاربي، هكذا قرر العالم، لكن اللدغة واحدة .. هكذا قرر جلدي الموصول بغراء الأحلام وملمس الرمل الأصفر النّاعم على شاطئ بحر أعود إليه بعد غياب مدججًا بقصص الثورة والعزف على العود والنساء الفاتنات.

يوجد والدي الذي صار عمره أقرب إلى عمر الزيتون، ذلك الرجل الذي بكى على أخيه الأكبر دمعتين، وعلى سفري دمعةً واحدة، الرجل الذي لا يفقه أيّ شيء في السياسة والشّعر والفلسفة، والذي انتابني هاجس بقرب وفاته قبل يومين؛ فكدت أُجن. يا والدي، يا أخضر العينين، يا أيُّها العادي حدّ الاملال .. فلتعلم انك في غرفتي تصير مركّبًا، تصير الاثبات على ما أقوله وأقرأه وأكتبه، تصير داودًا قتل الظلم والعملاق، وأنا لن أسامحك اذا ما فعلتها وانا عاجز عن تغسيلك، ولا اطلب منك السماح لانني اتحدث عن موتك وقد كانت ذكرى ميلادك قبل يومين، كلُّ ما اطلبه منك هو أن تبقى، كما أنت، موجودًا، وعلى قيد الحياة.

توجد هذه المدونة التي لعبت معها شدّ الحبل حتى أصاب كتفيّ الوجع، وبعدُ لم أنتصر. أشدُّها إلي، إليّ بكل تناقضي، بكل عقدي النفسيّة، وأخطائي، والتهاباتي، بحقيقة أنني أطرب لعبد الباسط وأم كلثوم بنفس الكيفية والمقدار، أحلم باقتناء خزانة كاملة من البدل الايطاليّة في حين أنّي أعود لاحضار محفظتي كلّ صباح لأنني بعدُ لم اتعود على وجودها في حياتي، أتذكر غسّان ودير ياسين وأرفض حقيقة أنني أنسى، فأكسر قبالتي المرآة، وأغير دلالة الفعل “أتذكر”، وتشدُّ هي، تشدُّ نفسها وإيّاي إلى الحديث من الحنجرة، لا من القلب.

أُغلق المدونة، أفتحها، أشدُّ الحبل، وتشدُّ في الاتجاه المعاكس أيادٍ خفيّة .. أسحب نفسًا وأصرخ عطفًا على الفكرة : على هذه الأرض ما يستحق الحياة**، وأشدُُّ أكثر ..

* عبد الرحمن منيف – قصة حب مجوسية.
** محمود درويش – على هذه الأرض .

Tags: , , , , , , , , ,

8 Responses to “شيءٌ ما”

  1. هديل Says:

    رعب الفقد
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    نفكير و تنهيد
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    الصمت أبلغ !

    لا حرمك الله من غال تحب ,,

  2. George Youssef took down the canadian bak government and the bak prime minister Stephen Harper « أنا مستنياك من الصبح يا أستاذ شبار‏ة – نجوي فؤاد في حد السيف . سحر الباك الإسلامي Says:

    […] شيءٌ ما — 1 تعليقات. […]

  3. حِرَآء Says:

    الله يخليلك اياه ..

  4. عَوسَجْ Says:

    ..

    أنا وفيروز من الأشياء يلي ما ذكرتها
    😦

  5. Lina Says:

    موجعة التدوينة !

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: