تبوُّل لا إرادي


أكتب ومثانتي مليئة عن آخرها، أحسُّ بها وأتوجّع، ومما يزيد بولها بلّة وجود هذا الجهاز المستطيل الذي يربض فوقها كالأسد، هذا الجهاز الذي حلّ محل ورق البردى والمحابر والكراريس المسوّرة بأسلاك شائكة. لا أرفع الجهاز، ولا أسير بضع خطوات إلى الحمام؛ إفراغ مثانة العقل أهم، إخراج هذه السموم، فضحها والتحذير منها وشتمها أهم، ونعم يا عزيزي العزيز، ثمّة في العقل مثانة، لا أجيد التحكم بها، وثمّة في العقل قلب، لا أجيد التحكم به هو الآخر. إن كائنًا كاملاً يتواجد في العقل، تسمع صوته في ذهنك لكنك تفترض – لأنانيتك – أنّه صوتك لا صوت العقل، السيّد عقل. ومثانة السيّد عقل مليئة، ولهذي الكتابة صوت الشّاي ينهمر من علٍ في كأس من زجاج، فأنصت جيّدًا :

لا أنكر أنني كغيري – كم تبدو هذه الجملة مفجعة – يهمني إلى حدٍّ ما إرضاء النّاس، ولكنني لا أنكر كذلك اقتناعي بأن ارضاءهم ليس مستحيلاً فحسب، وانّما عبثيًا ولا طائل منه. عمومًا، من أهمّ مظاهر اهتمامي آنف الذكر، أنني أخفض صوت الشتيمة عن آذان العاديين؛ أجعلها تُبثّ بتردد لا يسمعه إلّاي والخفافيش ولاجئو هذا العالم وعشّاق “اللاشيء” فيه. نعم، الوطن لا يعني شيئًا بالفعل، لكنني من أجل هذا اللاشيء سأذهب طواعيةً لأموت*، بل أنني، من أجل اللاشيء نفسه، سأبثّ شتيمتي التالية على النطاق الواسع، شتيمة FM، وليذهب النّاس ورضاهم إلى الجحيم.

السيّد الرئيس محمود عبّاس، أنتَ يا سيدي عاهر سياسيًا، جبان، عنصري، حقير، متنكّر، وخائن لدم الشهداء وأثواب الأرامل المشرّعة لمشاريع الفدائيين. لا أقول ذلك محاولاً اثارة عصبيتك، ولا حتّى الظهور بمظهر الثائر، لالا، أنا أقول ذلك؛ لأنّك كذلك، بكلّ بساطة. ألا تعتقد أنّ تعامل أمريكا مع مبارك كان “غير مؤدب” ؟ وألا تقول أنّ نظام مبارك أفضل من الفوضى والاخوان ؟، ألم يهددك أوباما في مكالمة لا أخلاقية دامت 55 دقيقة ؟ أنا بدوري أعتقد، وأقول، أنّك عاهر سياسيًا، جبان، عنصري، حقير، متنكر، وخائن، يا سيادة الرئيس. يا صاحب حلّ الدولتين الذي ما حلّ إلا وسط القضية فصارت رقّاصة هرمة، يا من هندست أوسلو على مقاس الخازوق تمامًا، يا كاره الحشود، يا مهديّ دولة أيلول المنتظرة، يا صاحب نظرية ” لست مهزومًا ما دمت تفاوض”، والله إني لأتمناك ملكًا، ولأتمنى لك دولةً وجيشًا جرارًا وشعبًا وأجهزة أمنيةً واقتصادًا حرًا، لا لشيء، بل ليكون طعم الثورة عليك وعلى ما تمثله أشهى وألذ، يا داعرنا الأنيق.


كان لي أنا صبي، صغيري ديمتري، وفقدته وهو الثالثة، وأبدًا، أبدًا، أتسمعني، لن أسامح الله على ذلك!

مهلاً، أنا لست متزوجًا، ولا أنوي انجاب أطفال في المستقبل القريب، وحتّى ان جاءوا في غفلة منّي فلن أسمي احدهم ديمتري، الجملة في الأعلى لزوربا، بطل رواية، انسان من ورق، أن تحاسبني عليها، أو حتّى أن يتملكك الغضب، فذلك يعني أنّك سطحي، ولا تعرف ما الذي تعنيه الألوهيّة. الإله – بنظري – يجب أن يعامل كلّ عبد من عباده، على أنّه العبد الوحيد. ويحقُّ عملاً بالرأي السابق، المثبت فعليًا، للعبد الوحيد هذا، أن يبني العلاقة التي يريد مع إلهه، أليس عبده الوحيد المدلل ؟ وبالتالي، فلزوربا أن لا يسامح الله على ذلك، من أنا، ومن أنت، لنتدخل بين الله وعبده ؟ فكيف إذاً وعبيد الله جماهير عريضة ؟ كيف نقف شرطيّ مرور في الطريق الواصلة بينهم وبين الرحمن ؟ وكيف ندير شؤون حياتهم، بما نؤوله نحن، من الدّين المنزل، رحمةً للعالمين ؟ وما بالك لو كان أولئك العبيد، يعتنقون خرائط ( أديان ) مختلفة في طريقهم إلى الله ؟

ثم يأتِ ويقول شيخ جليل، بعد أن يعرّج على قبر فيتوريو ليتأكد أنّه مات، ويطمئن على رفاق السيوف في زرقاء الأردن، ويقبّل الصناديق المباركة التي شاركت في الغزوة صندوقًا صندوقًا، ويعطي محاضرةً في ” مقدمة إلى تطبيق الحدود “، يأتي بعد كلّ ذلك ويقول: نريد الدولة إسلاميّة. وما أن يجلس ليتناول حبّتين من التمر حتى يخرج ليبرمان ليقول أن اسرائيل دولة يهوديّة وعلى “الكفّار” فيها أن يغادروا. وقبل أن يغيب مشهد الاثنين، نصير نحن دولةً إسلامية، نحارب دولة اليهود، التي تدعمها دولة النصارى، وبذلك ندشّن فصلاً جديدًا لا أحد يعلم مدته، من الغباء المصفّى. نقفز قفزًا إلى القرون الوسطى وخرافات المعارك، نقصي من نقصي، ونرجم من نرجم، ونقتل من نقتل، وكلُّ ذلك ونحن ندعو الله أن يمنّ علينا بالنصر والتمكين. الله، الذي نتشارك عبادته جميعًا، والبعض لا يؤمن بوجوده أصلاً، سيصير محلاً للتجاذبات، الله الذي ينبغي لكلّ عاقل أن يصفنه ضمن “ذات عدم الانحياز” ويعلم أنّه “يبدل وجهه في كل لحظة، فهو تارةً قدح ماء بارد، وتارة أخرى ابن يثب على ركبتك، او إمرأة ساحرة، أو بكل بساطة نزهة صباحية صغيرة**” سيصير لاعبًا، محاربًا، وسيتمترس.

أهذا يحصل ونحن نثور ؟ إنّه ربيعنا بعد طول شتاء!، خرجنا نطلب الحريّة، والحرية لا دين لها ولا تصلّي في مسجد ولا في كنيسة، خرجنا لأنّ مؤخرتنا حفظت مقاس الجزمة العسكرية، الممانعة منها والمهادنة، خرجنا نحلم، ونشمُّ النسيم. نعم هذا ربيعنا، وشم نسيمنا، لكن ثمّة في كل زاوية أشخاص قلّة، مشوهون، مليئون بالتراب والأشرطة رديئة التسجيل، يجلسون ويتهامسون في سرّهم : هذا ربيعنا وحدنا!، ماذا سيحصل ؟ هذه هي الثورة الحقيقة التي تبدأ الآن، ثورة “ماذا بعد، ماذا نريد ؟”، أمّا أنا، فمبدئيًا .. أريد الذهاب إلى الحمام.

*، ** زوربا اليوناني.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , ,

5 تعليقات to “تبوُّل لا إرادي”

  1. ثائر Says:

    صحيح الاشاعة اللي بتقول ان مع كل حبة شم النسيم ممكن تربح حبة اخرى!

  2. حنّونْ Says:

    لا فُضّ فوك يا رجل!

  3. هداية الحاج Says:

    الثورة تكمن في الحفاظ على المطالب ثابتة ، وغير قابلة للتمدد والتقلص حسب متطلبات الوعاء الزمني الذي يحتويها ،.. هذا الوعاء الذي يمثله من يمثلون الثورة على المدى البعيد الذي سرعان ما سيصبحون مقصد ثورة اخرى .
    ثمّة حاجات كثيرة لا يمكن للثورة مهما كانت أن تستوعبها ، من أهمها أن تستوعب كونها هي بحد ذاتها انتماء لتحقيق المقصد ، أن لا تسخر الانتماءات أثناء أو بعد الثورة لان هذا سيقدس الثورة بشكل يجعل منها الحالة الثابتة والمزية المميزة للوضع ، لا الطريق الطويل الصعب المكلل بقمة شمّاء .
    عبّاس يشيد بفضائله على القضيّة الفلسطينية كونه رئيس دولة و”ممثل” الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني ، الساعي والداعي والملزق والمتشبث بأي وكل أمل لل”السلام” ، لفكرته عن السّلام وللنظارة السوداء التي تحجب كل شيء المسماة مفاوضات ، ارتداها وخلصت وخلصنا ، هذا ” الزلمة ” يشيد بخصاله وأهمها عدم حمله لمسدس طييلة مسيرته النّضالية ، لم يحمل مسدساً ليس بالضرورة لأنه قد حمل كلاشنكوفاً ..!!

    اشتمْ يا صديقي ما استطعت الى ذلك سبيلاً ، هل تعلم أن الشتيمة ذات الفائدة بمكان ، بحيث لها فوائد جمّة في التعامل مع أزماات منتصف العمر ؟! هل تعلم بأنك كبرتَ كثيراً
    اشتمْ الله لا يجعل حدا حوّش..

  4. همام مبارك Says:

    جميل……….جدا

  5. حِرَآء Says:

    يسلم تمكـ ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: