” وثدياكِ يكتملان آخر الليل “


أُنهي اختباري الأخير، أخرج من القاعة وأشعل سيجارتي، أنفث دخانها بنزق، أتأمل كلّ ما حولي باحثًا عمّن يعيرني هاتفه النقّال لأبعث رسالةً قصيرة لعدد من الأصدقاء أضمّنها حلّ السؤال الرابع، تنتهي السيجارة في يدي، أجد من يعيرني الهاتف، وقبل أن أنهي كتابة الرسالة، يخرج الأصدقاء وقد استطاعوا “تدبير” الاجوبة. أطرد “أفكاري الكسيحة”، وأُسحب رغم أنفي، كما دومًا، إلى نقاشاتنا التافهة. كيف كان الامتحان ؟ إلى أين ؟ وأجد نفسي بعد ساعة، أو ساعتين، أو عددًا لا نهائيًا من السّاعات، ممددًا على سريري، يدلّكني أوّلُ النوم، وساعة التنبيه بجوار رأسي وقد قرصتُ عقاربها فماتت.

تطلّ الشمس، الشرفة مفتوحةٌ على آخرها، وكذلك القلب. الطابق الأخير من البناية المجاورة يحتل الأفق، غرفة صغيرة من الحجارة الحمراء هي آخر ما أرى قبل السّماء، ماذا يسقف الغرفة ؟ يسقفها لوح “الزينجو”، هل تبعني المخيّم إلى هنا ؟ هل وجدت الأزقّة طريقها الواسع إليّ ؟! هل هو أزليُّ فعلاً هذا الصراع، في رأسي والأرض المحتلّة ؟ هل سأتمكّن من استصدار جواز سفر جديد ؟ هل سأزور طنطا أم الاسكندرية أم دمياط ؟ هل سأتمكن من استئناف دروس العزف على العود ؟ أطرد الأسئلة من رأسي وأكمل قراءة الكتاب الدّافئ بين يديّ، أمسك قلم الرصاص وأرسم خطًا تحت :

” إنّه مؤمن، ولكن ليس بإله اليهودية هذا، بكل خصوصياته، بل بإله مجرد يخاطب العلماء أكثر مما يكلم الكهنة.*”

لا هيغل ولا ماركس ولا لورو ولا جاك أتالي ولا حتّى جدتي تستطيع إعطاءكِ تفسيرًا لما فعلته، أنا نفسي لاأعرف، ربما مللت انتظار جنّتنا الصغيرة وقميص نومكِ الأبيض، ضجرت من حيرتي بين أن أضمّك إليّ أو أن أبصق في وجهك، ربما جَبُنت، ربما تعبت،  ربما استحال طعمكِ في فمي مرارًا لفرط ما لُكتكِ، ربما هي استراحة محارب، ربما هو “سلام شامل وعادل وطويل الأمد”، وربما هو هدوء ما قبل العاصفة، صدّقيني أنا لا أعرف، ولكنني متيقن رغم الموت في سوريا، وصديقي الذي يكذب عليّ في وجهي ويطلب منّي أن أدعو له بالسلامة من مقاتلي السلفيّة والاخوان المسلمين ذوي الاقدام الثمانية، ورغم اكتشافي الأخير صعوبةَ أن أهرب من الشقّة التي زارتني فيها أمّي وعادت إلى غزّة وقد غضبت عليّ وتضامن الله معها فامتلأت أرجاؤها نرجسًا، هذه الشقة القميئة التي تتشبث بي، وترمي في وجهي كلما خرجت باحثًا عن غيرها أشخاصًا يقولونها علانية: لا نؤجّر فلسطينيين.

رغم ذلك كلّه، أنا متيقّن وأنا أكتب هذه الأسطر، أنا متيقن من أنّ بامكانك أن تتركي أهلكِ .. وتتبعيني، إلى أين ؟ ليس لديّ أي فكرة بعد، لكن جرّبي وتعالي؛ لنقرر معًا ماذا سنفعل بثدييك الذين يكتملان آخر الليل، وبالكون، وبوجهتنا معًا.

 

آخر الليل حين نلملم أشيائنا
آخر الليل حين يسد منافذه الليل
آخر الليل حين ينتظر الليل شيء
آخر الليل حين يودعنا آخر الأصدقاء
وثدياك يكتملان في آخر الليل

إن همساً يعود إلى ألف عامٍ مضى
سيجعلك خبز قلبي
ويحشرني الوقت فلا تسأليني

سأنحل ضوءًا على مهل

ويكشفني الضوء

..

* كارل ماركس, سيرة حياة,

جاك أتالي.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , , ,

5 تعليقات to “” وثدياكِ يكتملان آخر الليل “”

  1. عبدالله Says:

    بقوة بركان يا محمود .. هذا الحديث بهذه القوة و يغير ملامح وجه الأرض و تضاريسها ..

    شكرا لك رفيق أزعر أول

  2. Mostafa Zola Says:

    هوا انتا ال بتكتب الحاجات ديه يا محمود ؟؟؟؟؟

  3. عُقدة Says:

    عظيم يا محمود !

  4. Mohammed Hasan Says:

    حينما يتربع الوجع في مساحات ذكرياتنا الواسعة رغم قصر التجربة ، ورغم قلة الحيلة في أيدينا الناعسة ، رغم الحنين المبتعث هناك وراء السور ، نبكي للخروج منا ، للخلاص من وحل السلامة ، من تجزئتنا على اختلاف القدر الموصى الينا ، ويبقى هو ، رغم المسافة البعيدة المشرعة في وجهه ، رغم قربه العميق من القلب ، من أقدامنا الحافية حين نجوع ، يبقى الحب سيد الموقف .. وثدييها .. المكتملين “

  5. jafra78 Says:

    مش عارفة شو احكي
    بس ذكرتني بوجع …………………

    هامش : على فكرة رح تندم هي بالحالتين ان هربت او لا … بس في ندم احلى من ندم تاني
    صدقني حتى انت في الحالتين رح تضل زعلان و مش هتعرف تفسر شو اللي صار ………….
    هادا هو الوضع الطبيعي للواقع بلا نهايات الافلام العربية القديمة يا رفيق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: