في صحّة أيّام زمان


سعاد - أيام زمان

سعاد - أيام زمان

ضفائرها سوداء، ضفيرتين تحديدًا، مجدولتين بإحكام، ترتاحان بسكينة قدّيس على امتداد ذراعين عاريتين، وإبتسامة خفيفة، لكنّها هناك، وعينين بديعتين تفوّق الله في خلقهما على .. على من؟ على نفسه ربما! أقف مشدوهًا أمام الصورة التي لا ألوان فيها، وتسرقني البهجة. إنّها جدتي، هكذا كانت على الأقل، وتلك صورتها قبيل زواجها من جدّي. أتساءل، كما أفعل الآن، كيف كان لجدّتي أن تأخذ صورةً كهذه ؟ تلك المرأة التي زارت بيت الله، وعقدت أصابعها اتحادًا مع مسبحة صفراء مكوّنة من تسع وتسعين حبّة، كيف سمحت لمصور أن يراها بكلّ هذا الجمال ؟ أيُّ منظومة وأي حالة سائدة مكّنتها من أن تكون كما هي، دون “فلاتر” للأنوثة والحقيقة ؟ كيف كان البحر في زمن هذه الصورة ؟ كيف كانت المكتبات والجامعات والمقاهي والمحال والشوارع والمظاهرات والتفكير وصباحات العاشقين ؟ وأسألها، وتجيبني: كان زمنًا آخر يا محمود، كان زمنًا آخر.

ذاك “الزمن الآخر”، أيّام زمان، الذاكرة التي تكوّنت في رأسي عن أيّام وأشخاص وأحلام لم أشاهد منها غير أفلام وثائقيّة، ولم أسمع منها غير أغانٍ وقصص نجت من مقصلة اليوميّ والمتراكم، زمن ما عشته، وأبحث، وإن بصبر الأنبياء، عنه في زمني الحاضر، زمني الرديء، زمنٌ نسير فيه خطوةً إلى الامام، وخطوتين إلى الخلف، زمن إتحاد العسكريّ الذي يعبد نفسه، مع مَن تدين تدينًا حديثًا وحوّل الله إلى مديره في العمل، زمنٌ سيكون ضاربًا في الترف أن تعيش فيه علاقة حب بسيطةً وعاديّة، زمن تحتاج فيه أن “تخطط” للقاء عفويٍّ، و أن تبني متراسًا لتستطيع إلقاء قصيدة في مدح الفراشات.

ذلك الزمن الآخر هو زمني الحقيقي، أنتمي إليه وأسهب في مشاويري الطويلة في مدنه العامرة بالصخب والحريّة والأقداح. سأظلّ أحاول كسر هذه الجدران الذي تضيق شيئًا فشيئًا، سأظلّ أرى “ثغرةً للنّور” في كل جدرانهم، وسأظلّ واحدًا من “عشاق النهار”؛ كي يتسنّى لحفيدي أن يرى صورةً ملوّنةً لجدّته في شبابها، جميلةً وبضفائر!

هذه الحفلة، حفلة صابرين أيّام زمان في بيرزيت، هي ما شجعني على كتابة كل ما سبق، ولعلّها تفعل معكم أشياء مشابهة، وأجمل.

ما بين قوسي تنصيص من قصيدة “الفاتحة”، للشاعر عبد العزيز المقالح.

Advertisements

الأوسمة: , , , , ,

3 تعليقات to “في صحّة أيّام زمان”

  1. الشيخ زرياب Says:

    جميل يا رفيق .. أنا رجعت قبل يومين ل ” زمن النميمة ” ونمّيت عليك في قهوة ديليس في الزمن الآخر.

  2. jafra Says:

    صفت بالصورة شي ساعة وانا عم اسمع صابرين بنفس الوقت … رح ينزلو دموعي 😦

  3. دعاء Says:

    عبرت تلك الساحة، حيث غنّت كاميليا، مئات المرات. عندما شاهدت الفيديو لأول مرة شعرت أنني أعيش في كوكب موازي لا في زمن مختلف وحسب، والحقيقة الأكثر إيلاماً هي أن ذلك الكوكب وُجد حقاً وأن هذه الحفلة حدثت بالفعل!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: