أسرانا البواسل, عن الشّفقة والحسد “والفرح” أحدّثكم.


اسمعوا، أنا لا أحب الموت. أنا احبّ أبنائي, وأتمنى أن اعيش ويفرج عني لأعانق فتحيّة وحاتم وأحيا مع زوجتي ونربيهم معًا. لكنني لا أخاف الموت، ولن أجبن، وسأخوض المعركة معكم . اليوم تتجلى الحياة في رفض العبودية. هذه معركة مفروضة وسأشارك فيها حتى آخر نقطة من دمي.

أشرقت شمس 5/7/1970. اخترق نورها شقوق لوح الصّاج الذي يغطي نوافذ غرف سجن عسقلان. إنّه يوم التحدي وثاني يوم إضراب في تاريخ إضرابات الأسرى الفلسطينيين المفتوحة عن الطعام, فقد جرى أول إضراب في سجن الرملة في سنة 1969، ودام أحد عشر يومًا. الساعة السادسة والنصف صباحًا. تقدم ضابط العدد الاسرائيلي موشيه وناوله أحد الأسرى قائمة بمطالبهم كُتبت على ورقة علبة سجائر, فالدفاتر لم تكن تدخل السجن بعد. قرأ موشيه قائمة المطالب, وانطلق يسأل الأسرى في غرفهم: – مش عايزين تاكلوا. – لا لنا مطالب.- حتاكلوا بالقوة.


في اليوم الرابع حضر ضابط العدد نفسه, ودخل أول غرفة من غرف السجن وسأل: – هل من طلبات؟ – لقد تقدمنا بها إليكم. – أين حاضر يا سيدي؟ – انتهى زمانها ولن تعود. – أنت مصرون؟ – إلى الأبد. – لكن هذا حقي ضمن قوانين السجن. – كلا هذا طغيان لا يجيزه أي قانون سماوي أو بشري. بصورة مفاجئة حضر مدير السجن حابوت فطاف على الغرف واتسمت كلماته بلين غير معهود, لم يدر في خلد الأسرى أن هذا اللين، وما رافقه من موافقة على تلبية بعض مطالبهم الأساسية، كانا لقاء ثمن باهظ, هي حياة عبد القادر الذي رحل ليكون أول شهيد فلسطيني في معارك الاضراب المفتوح عن الطعام. رحل عبد القادر, ورحلت معه إلى الأبد مخاطبة الاسير الفلسطيني لسجانه ب”حاضر يا سيدي.” تلك قصة حياة عبد القادر ابو الفحم, تروى كي لا تنسى الحريةُ الشهداء الذين سقطوا في سبيلها, ولأنّ كل فعل لا يروى يُنسى. ولأن “رواية الصياد لا تسود إلا بغياب رواية الأسود”.

تلك كانت مقتطفات من مقال لعلي جرادات تحت عنوان: عبد القادر أبو الفحم – أول شهيد للحركة الأسيرة. المنشور في مجلة دراسات فلسطينيّة في عددها عدد 85 (شتاء 2011). منذ بدأ الأسرى الفلسطينيون إضرابهم في سجون الاحتلال، والذي دخل يومه الرابع عشر، وأنا أتردد على صفحات المقال وأعيد قراءة تلك الكلمات عن الشهيد عبد القادر أبو الفحم. لا أستطيع منع نفسي من التلوّي كلما قرات اسم فتحيّة وحاتم, ولا أستطيع منها أيضًا من التساؤل: كم فتحيّة وحاتم آخرين ينتظران عودة الأب الغائب جسدًا الحاضر روحًا وصورة في برواز؟. لكنّ إحساسًا آخرًا, غريبًا في هذا المحل .. يتملّكني أيضًا. ليس سهلاً عليّ أن أبوح به, وأمعاء الأسرى فارغة إلا من زاد الكرامة, ليس سهلاً عليّ أن أبوح به وهم يحلمون بالخروج مما هم فيه ومعانقة أولادهم, لكنني أقولها لكم يا آبائي واخوتي الأسرى: أنا أحسدكم!.

أحسد نقاءكم, مربّعكم الأول, مكوثكم في فم السجّان الفاشي وأظافركم مصوبّةً نحو حلقه. هل تفكِّرون في “إعلان الدولة” أم في الحريّة؟ هل يحجز الرّاتب واستدعاء الامن الوقائيّ أو الأمن الداخلي ونظريات الواقعيّة أغلب أحاديثكم, أم يغلب عليها طابع التحدِّي والنضال؟ هل تسألون بعضكم في الزنازين وعبر وسائل الاتصال التي ترتجلونها عن الانتماء الفصائلي؟ هل يضيع منكم الوطن. هكذا, فجأةً، مثلما يضيع منّي؟. الاجابات معروفة يا سادتي, ولتلك الاجوبة, ولفلسطين الكاملة المعلّقة على جدرانكم، وللضياء في عينكم التي ما رأت إلا قداسةً, لذلك كلّه أنا أحسدكم.

الشفقّة, كلّ الشفقة, عليّ وعلى كل الآخرين. على المتوهمين بأنّ قدرتهم على التحكّم وفرض السيادة على زقاق بين برجي مراقبة إسرائيليين تعتبر إنجازًا وجوديًا، على المعتقدين أنّ مفاوضات مباشرة ستؤدي مباشرةً إلى حلِّ القضية, وعلى من دسّ الكرسيُّ السمّ في عقولهم عبر مؤخراتهم المقدسة، على من ينسى الأصول ويبدأ من الآخر لا من الأوّل، وعلى من افترسه التّعب فراح يقصّ على القوم مآثر الرّاحة. أخجل منكم وأحسدكم وأشفق عليّ, بهذه التركيبة العجيبة أخاطبكم، بها أقول لكم أنكم لستم وحدكم في إضرابكم, كلُّنا نركض خلفكم بحثًا عن لقمة كرامة في هذا الجفاف الوطنيّ، نسألكم شربة ماء طاهرة، ونقارب سجننا الكبير إلى حريتكم ووجهكم الوضّاء. المجد لكم، والنصر في معركة أمعائكم الخاوية، ومعركة الحرية التي “هي نفسها المقابل”، نصرًا نسأل الله أن يعيننا نحن على تقيؤ كل ما أتخم أمعاءنا من فساد واقعي، ويعيد جهازنا الهضمي إلى انتقائيته وذوقه الرفيع.

أسرانا البواسل: أفتح صفحة التدوينة مجددًا، لأكتب عن شيء لا أكتب عنه عادةً، ولا أدّعي الالمام بجوانبه. عن الفرح. تمّت صفقة الأسرى ويُفترض أن يفرج الاحتلال عن 1027 منكم. أعلم أنّكم تنظرون إلى التوقيت بعين الرِّيبة، وتشاركونني التعجّب من تجاهل التنسيق مع الاضراب أو اشتمال مطالبكم ضمن شروط الصفقة، وأعلم أنّكم ستمدّون يدًا حانيةً على كتفي البائس هامسين: إننا نفهم، ثق بالوطن فهو لا زال حاضرًا معنا جميلاً. ماذا أفعل؟ اخاطبكم وكأنكم كُثرٌ وأنتم واحد! سأصمت, سأصمت تمامًا, سأبلع الفرح على دفعة واحدة ككأس خمر حاد، أفتح عينيّ تمامًا على الزنازين التي لا زالت مليئة بقصصكم وكتبكم، وسأضرب غدًا، معكم، عن الطعام، أو لوحدي – احتفالاً – إن صدق الحديث عن أن مطالبكم مشمولة بالصفقة، وكم أودّه صادقًا صدق الحريّة في عيونكم!

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

رد واحد to “أسرانا البواسل, عن الشّفقة والحسد “والفرح” أحدّثكم.”

  1. Oreo Says:

    محمود لا تنام لا اقتلك اجلس تابع اللحظات التاريخية معاناD:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: