دخلنا, لامؤاخزة, اليونسكو!


لا يصمت البعض طوال فترة تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى بين حماس و”إسرائيل” وعلى وجوههم علامات امتعاض بحجّة عدم شمول الاتفاق على سعدات والبرغوثي, وعدم اشارته، بصراحة وجرأة، إلى مطالب الأسرى في إضرابهم الأخير عن الطعام، في حين أنّ كل ما يزعجهم هو أنّ حماس هي التي تمكّنت من تكثيف صمود فلسطيني غزّة، واجبار اسرائيل على التنازل, لا يصمتون فحسب, بل ويتّهمونك في وطنيَّتك إن كان صوتك منخفضًا في الاشادة بحصول “فلسطين” على عضويّة كاملة في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة- اليونسكو، وقد يطالبون، هم دعاة اللاعنف، بأن تعدم بلا محاكمة على مقصلة النضال الدولي إن أنت حاولت تحجيم غزوة فريق رام الله في أروقة المؤسسات الدوليّة, أو شككت، يا ملعون الوالدين، في الأبعاد التاريخيّة لهذا الانجاز, وآثاره على الاحتفاظ بالهويّة الفلسطينيّة، وحماية “المواقع الأثريّة” الواقعة بين مستوطنتين أو حاجزين طيّارين, أو أحجمت شفتاك عن تقبيل سيوف السلطة الدبلوماسيّة التي لمعت في باريس كبارق ثغر “فلسطين” المتبسمِ!

"وزير الخارجية الفلسطيني"

منتصب الخارجيّة أمشي

هو نصرٌ مبين إذًا, و”فلسطين” هي من انتصر. فلسطين, هذه الأحرف السّتة التي أحتملت, ولا تزال, من التأويل ما لم تحتمله كتب الله مجتمعة. ففلسطين هي التي يحملها عبّاس معه في فيلمه الطويل (نيويورك رايح – جاي ) وفلسطين هي التي دخلت اليونسكو, وفلسطين هي التي يتحدث مشعل عنها في مؤتمر نصرة القدس في طهران, وفلسطين التي من أجلها يقتل النظام السوري الآلاف من شعبه، وفلسطين هي بؤبؤ عين مجلس مصر العسكري وجهاز مخابراته الفاشي، وهي الدّافع وراء إقدام عالم دين سعودي على الاعلان بأنه سيمنح 100 ألف دولار لمن يأسر جنديًّا إسرائيليًّا، وفلسطين، بنفس الأحرف الستّة، هي التي لا استطيع انا، الفلسطيني أغلب الظن، من أن أدخل أغلب مدنها وقراها, أو أن أشعل سيجارةً على سور عكّا فيها، لا لشيء، بل لأن ذلك عَنَّ، بحقّ الشياطين، على بالي.

ليست فلسطين شعبها إذًا, ليست أطنان الحكايا في المخيَّمات، ليست الحقَّ الضائع، ليست قيمة الانسان، ليست الوطن الغائب الذي أمعنّا في تخيّله قبل حتّى أن تولد المخيّلة. وما حدث في اليونسكو ليس “رمزيَّا” ويشبه السماح لعبد ما بأن يتحدث، في أسره، بلغته الأصليّة كما قال ذلك أحدهم على “تويتر”، ليس شيئًا يجب على العالم، لا على الفلسطينيين، الاحتفال به، إذ أثبت لهم، لا لنا، أن بالامكان تحدّي أمريكا. ما حدث في اليونسكو هو سدرة المنتهى وأعظم الرجاء، هو ما يجب علينا أن نفقع فيه المقالات ونفتح من أجله زجاجات النبيذ ونرقص “الدبكة”. الدبكة التي صارت الآن في عهدة اليونسكو، جنبًا إلى جنب، مع المسجد الاقصى وقبّة الصخرة وكنيسة القيامة وقبر النبي يوسف وغيرها من المواقع الأثريَّة التي ستفكّر إسرائيل ألف مرة قبل أن تقتحمها لتقتل شخصًا احتمى بداخلها, نعم! فمنذ اليوم, لن يسمح لإسرائيل أن تعيث فسادًا في “الارض المحتلّة”, قد تقتل، تعتقل، تبني جدارًا، لكن أن تشوّه موقعًا أثريًا فهيهات هيهات.

وكما دخل الخليفة العبّاسي الجاهل الفاسد عبّاد الجواري وعدوّ الفلاسفة المعتصم بالله التّاريخَ لأنّه استفاق مرَّة ولبّى نداء إمرأة قالت “وامعتصماه”, تدخله اليوم، مؤقتًا، سلطة عبّاس التي قزّمت القضيّة، وقتلت “ثقافة المقاومة” وأسست في “الأكاديميّة الأمنيّة” في أريحا وفي غيرها لعلوم “الانبطاح”. فبعيد التصويت في منظمة الأمم المتحدة “للثقافة والعلوم”، تقطع أمريكا, بلطجيَّ العالم الأكبر, التمويل عن المنظمة التي “لم تسمع الكلام”، فنُدفع بحجم كراهيتنا لذلك الكيان الضخم المتغطرس للتكتِّل وفضح الوجه القبيح للقطب الواحد وتعرية معاييره المريضة، وننسى في غمرة الانحياز ضد أمريكا التي تدفع 22% من ميزانيّة المنظمة الدوليّة والدعوات لجمع التبرعات من أجل سد عجز الميزانيّة المرتقب، ننسى أن “فلسطين” التي دخلت اليونسكو ليست فلسطين، إنّها في أفضل الأحوال “22%” منها، مع تبادل “طفيف” بالقيمة والمثل.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

6 تعليقات to “دخلنا, لامؤاخزة, اليونسكو!”

  1. salmaabudahi Says:

    شوي الشعور بصفقة الاسرى غريب, انت سعيد لاجلهم فرادى, وحزين لاجلهم مجتمعين. يقينك الذي تحقق بعدها مباشرة بان اسرائيل ستعتقل ضعفهم وستغتال وبان حياتهم ربما تكون اكثر قبحاً هو مامنع البعض من الرقص فرحاً. اما اليونسكو فببساطة “الله لايخلف عالجميع” اللي صوت ب نعم واللي قال لا. لكن قدرة الشعب على الفرح في الحالتين غريبة وتخجلنا احيانا وتفقدنا الرغبة في افسادها. ومن يرقص الان هو من سينتقد كل هذا بعد اسبوع واحد فقط!

    • Mahmoud Omar Says:

      ما بعرف إذا أنا حسّيت هالفرح الفردي, الحزن الجماعي، يلي عم تحكي عنّه, الأكيد إنّه ما في حدا بينكر إنّه اسرائيل بتقدر تعتقل العشرات بعيد أي اتفاق تبادل, إسرائيل قادرة على كثير أشياء لأنها بالنهاية قوّة احتلال موجودة على الارض, بس كمان ما دام فكرة المقاومة موجودة إذًا من حقنا احنا كمان يكون عنّا نوع من هـ”اللامبالاة” اللذيذة. إنّه هتعتقل غيرهم؟ بنجيب كمان شاليط!

      اجمالاً انا ارفض اطلاقًا مقاربة انجاز فعلي على الارض, انجاز صافي، أهان وأذل الأيدولوجية الصهيونيّة, يلي هو اتفاق الاسرى، مع شيء رمزي وسخيف وفارغ من المضمون على الأرض يلي هو دخول “فلسطين” اليونسكو.

      أمّا عن علاقة “الشعب” الفلسطيني بالفرح فهذا موضوع شائك يحتاج تفصيل, ويحتاج أن نحدد من هو “الشعب” وما هو “الفرح”.

      نوّرتِ سلمى.

  2. محمد حسن Says:

    بعد الإعلان أمس عن قبول فلسطين في منظمة اليونسكو ، خرج علينا رؤوس قريش جميعاً ليعلنوا الإنتصار الدولي الكبير الذي حققناه جميعاً ( احزابنا الفلسطينية ) من اليسار الى اليمين ، بل وتدافع المتحدثون للصحافة فمن خالد بن المشعل بن رداد .. الى البرغوثي بن صمد ، الى رؤوس السلطة وأعيانها جميعاً ، ويكأننا خرجنا من معركة بدر منتصرين محمولين على أعناق البنادق ، فبعد أن تنكر العالم لشلالات الدماء التي سالت وما زالت في غزة والضفة ، اعترف أخيرا أحدهم أو إحداهن بحق هذه الحجارة الصماء القديمة الصدئة على الحق في البقاء بينما تنكرت لدماء البشر .. الأطفال الصغار الذين تجزرهم دبابات اسرائيل وصواريخها كل يوم ..

    إنه زمن الإنتصارات والغزوات إذن .. فحق لنا أن نشرب الخمر ، وأن ندق الطبول ، وأن ترقص النساء على أنغام منظمة اليونسكو الدولية .. وعلى أنغام ” الزمر ” الفلسطيني .. بجانب قبور آلاف الشهداء الذين كان أدنى أحلامهم ” وطن ” كبير و”حياة” كريمة .. لا دولة رقم 194 .

  3. كُوفيَّة Says:

    مش عارفة عنجد على شو الناس مبسوطة بهالانجاز !
    قال يعني انه فلسطين ازا رضيعوا عنها وخلوها دولة، قصدي دويلة، لا شو دويلة ؟ قطعة ارض وحدة اسمها الضفة و التانية غزة ! رح نكون مبسوطين احنا !
    مهي فلسطين دولة غصبن عنهم وعن اللي خلفوهم سواء عجبهم ولا ما عجبهم .
    أنا مو قادرة أفسر فرحة كثير من الناس بهالانجاز التاريخي العجيب ، مو قادرة افهم عنجد :\
    و لأ بتهموك انك مع ايران ازا قلت شو هالدولة هاي : D وبحسسوك انك الشخص الغريب الي واقف ضد مصالح بلده …

  4. كُوفيَّة Says:

    هُمَّا يمَّا ..
    هذولاك !

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: