رسالة إلى السيّد حسن نصرالله.


سماحة الأمين العام

يكتب إليك هذه الرسالةَ شاب لا حزب له ولا فصيل. يكتبها ويعترف بأنّها إنما تقوم على العاطفة، لا على المنطق. يكتبها ويريد منها ولها أن تشابه سحب طفل صغير لطرف ثوب أبيه كي ينتبه عليه ويعيره إهتمامه. مجرَّد شخص آخر من اللذين رأوا في حضرتك، يا سيّد حسن، نورًا في زمن العتمة، ووضوحًا في زمن الارتباك، ممن اقتاتوا في زمن المجاعة على خيرات بنت جبيل ومارون الرّاس، ممن غنّوا مع من غنّى: أنا عائد إلى حيفا، عائد إلى مكان الرّوح، عائد على جناح الطّير، أو عائد على صاروخ. أتمنّى منك أن تقرأ رسالتي على أساس ما سبق، أن لا تنظر إليها بعين السياسة ودهاليزها الضيّقة، بل أن تخرج بها إلى رحابة الحب، الحب الذي أكنّه لك من رأسك حتّى أخمص قدميك.

لا يخفى عليك يا سيّد حسن أن “الثورة السوريّة” تكمل اليوم شهرها التّاسع. أضع الثورة السورية بين علامتي تنصيص لا لضرورات لُغوية ولا لموقف سياسي، بل لغرض بصريٍّ بحت، وهو أن تراها وتقرأها يا سيّد حسن، فالثورة السوريّة شئت أنا أم أبيت، وشئت أنت أم أبيت، أمر موجودٌ فعلاً، موجود في حمص، درعا، القامشلي، جسر الشغور، وفي أعين شريحة واسعة من السوريين، بل لنقل أنّ الثورة السورية موجودة أصلاً في أذهان السوريين قبل حتّى أن تهب نسمات الربيع العربي على هذي البلاد مشرقًا ومغربًا. كيف لا يكون ثمّة ثورة في سوريا الحضارة؟ أيكون عجيبًا خارقًا للممكن أن تكون ثمّة ثورة في أقدم عاصمة في التاريخ؟. لا يا سيّد حسن، السوريّون الذين خرجوا في الخامس عشر من مارس لم يكونوا رعاعًا ولا متآمرين، بل كانوا ورثة حضارة وامتدادًا ديموغرافيًّا لمّن قدّر الفن واللغة قبل آلاف السنين. الحنجرة التي قالت “لا” للمستعمر في ميسلون، هي نفسها التي قالت “لا” للطاغية في درعا يا سيّد حسن، إنّها حناجر السوريين التي هتفت لك يومًا ما، وحلفت بحياتك.

تسعة أشهر مرّت يا سيد حسن وأنا اتألم، أحشائي تتلوّى وروحي ترزح تحت وجع مضاعف: الأوّل لما أراه من مشاهد لإخوتي وأهلي في سوريا يتساقطون بالعشرات، بل بالمئات، تحت نيران أجهزة أمنية مجرمة، وجيش قيل لنا عامًا بعد عام أن عدوه هناك في تل أبيب والنقب، فتبيّن أنه في  حماة وحلب. والثّاني، يا سيد حسن، لموقفك ممّا يحدث. لقد خيّبت أملي، وخيبة الأمل، في عُرف العشّاق يا سيّد حسن، ما بعد ألمها ألم ولا بعد خنجرها خنجر. ألا تبكي، ونبكي، على الحسين حفيد نبيِّ المسلمين لأننا – ببساطةٍ – تركناه وخيّبنا أمله؟

لستَ مُضطرًا لتعيد عليّ ما تعيده في خطاباتك واحدًا تلو الآخر. أعرف أنّ ثمة مؤامرة في سوريا، أعرف ذلك جيّدًا. أعرف أن قطر والسعودية لا تهتمّان اطلاقًا بروح المواطن السّوري، وأن قناة الجزيرة ليست مثالاً للمهنية الاعلاميّة، وأن الجامعة العربية ليس لها أن تحدث كائنًا من كان عن الديمقراطيّة وهي محجُّ الداعرين، أعرف أنّ قوى 14 آذار لا تتشدّق وتدافع عن الشعب السوري حبًّا فيه، وأنّ السواد الأعظم من الليبرالين العرب تمنّي النفس يوميًا لو ترى صواريخ التوماهوك وطائرات الإف 16 تدكُّ سوريا شبرًا شبرًا، بمن والى فيها ومن عارض. أعرف أن بشار الأسد أجرى اصلاحات في بداية الانتفاضة، وأنّه متحالف مع ايران التي هي مرجعيتك الروحية والاقتصادية، وأعرف أن هذا العالم و”مجتمعه الدولي” قبيحٌ وبذيء ومعاييره مزدوجة إلى حدٍّ فاضح، أعرف حتّى أن شهداء البحرين ليسوا أقلَّ قداسةً ولا إلحاحًا من شهداء سوريّا، وأن “الجيش السوريِّ الحر” مليء بالطائفيين، وأعرف أن “ثوار” سوريا ليس ملائكة عن بكرة أبيهم. 

لكنّي لا أعرف إذا كانت رغبتي المتجددة في أن تعيد حساباتك رغبةً ضاربة في العبث ونفخًا في قربة مثقوبة. هل هي كذلك يا سيّد حسن؟ هل أطلب المستحيل حين أطلب منك أن تقف وقفة نقديَّة تُرجّح فيها كفّ المقدس على المسيّس، بل على الأقل، أن تعترف بأن “الممانع” إنما هو الشعب السوري قبل النظام وبعده؟. قلتَ لأهل الجنوب: أنتم أطهر النّاس. انت تعرف اذًا عمّ أتحدث، عن الدم الذي هدم الكعبة أهون على الله من سفكه، عن الحريّة يا سيّد حسن، الحرية التي تفجّرت في صدور اللبنانين وهم يقرعون أبواب معتقل الخيام ويفتحون الزنازين، عن الحريّة التي صار أسهل عليّ أن أتنفس نسيمها والبارجة “ساعر” تلفظ أنفاسها الأخيرة في عرض البحر، أنا أتحدّث عن التكثيف الأكثر مصداقيًّةً للقضيّة الأكبر؛ قضيّة فلسطين -بالمناسبة أنا فلسطيني يا سيّد حسن ولا يرغب أحد في الكون كلّه بحلِّ شامل وعادل ونصر صريح لهذه القضية وأهلها أكثر منّي-، أنا أتحدّث عن الخروج على حسابات العقل، عن رفض ركوب سفينة ذليلة لمجرّد أن الطوفان قد جاء، أنا أتحدّث عن كلمات ثلاث هي ترسانة أهم من كل ترسانة، وبندقيّة أقدس من كل بندقيّة: هيهات منّا الذلّة!

وقبل أن أختم رسالتي إليك يا سيد حسن، أودّ أن أعزّيك – ولو متأخرًا – في الحسين، وفي البوعزيزي الذي سار على دربه وافتدانا كلّنا بجسده الطاهر. لك مني الاحترام والحب، بالأمس واليوم وغدًا، لبّيت ندائي أم أصرّيت دون أن تدري على أن تأخذ نصيبك من الخطأ، كما هي عادة الأنبياء، فعبست وتولّيت.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , , , , , ,

5 تعليقات to “رسالة إلى السيّد حسن نصرالله.”

  1. jafra Says:

    موجع ..

  2. Amina Says:

    لك كل التقدير فقد عبرت نيابة عني و عن الكثيرين ممن يحبون السيد و فاجأنا موقفه من الثورة السورية

  3. Nirmeen Ased (@Nirmeen_Asad) Says:

    كلمات ثلاث هي ترسانة أهم من كل ترسانة، وبندقيّة أقدس من كل بندقيّة: هيهات منّا الذلّة!

    فلتعيها جيدا !

  4. غير معروف Says:

    ان الشعب العربي اليوم اكثر ما يحتاج اليه قيادات وطنية قومية فعالة وخط ممانعة يقف بالمرصاد اما تهويد القدس تتطهير الكعبة الشريفة من العمالة واعلم انه مع سقوط هذا الخط الممانع سيكون الباب مفتوحا باسم الديمقراطية لبيع اولى القبلتين
    علينا التعلم من ثورة الامام الحسين (ع) ومن هيهات من الذلة هو بين الديمقراطية والتحرر والشعارات التي تم تسويقها منذ ان برز ما سمي بالشرق الاوسط الجديد وها هي الشعوب التي اسقطت انظمتها تتخبط اليوم في ما بينها حيث تناقضت المبادىء مع الواقع وهذا لا يعني اننا مع رؤوساء او الزعماء الذين حكموا عقودا انما عندما تثبت العقيدة والنهج والمبدأ تسقط امامك باقي الاعتبارات

  5. shanfara Says:

    أضم صوتي إلى صوتك

    @غير معروف
    كلامك مكرر
    لا يمكن لشعب لا يعرف الكرامة لا يعرف غير الذل أن يصنع ممانعة كالتي تتكلم عنها.
    أما الحكومات لا تصنع ممانعات.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: