قصّة قصيرة على معبر طويل.


هذه القصّة مُتخيّلة وأي تشابه بينها وبين أيّة أحداث واقعيّة لا يعدو كونه مجرّد صدفة أخت شلن.


في تمام السّاعة الواحدة وخمس عشرة دقيقة، وبينما كانت شمس غزّة قد وجدت لنفسها بقعة خالية من الغيم الأبيض الذي ملأ السماء على عجل، وصل صخر ومحمّد واسماعيل وروحي إلى البوابة الفلسطينيّة بعد أن اجتازوا، على مراحل، المئة كيلومتر المحرّمة بين “شقّي الوطن”. أشار روحي بسبّابته من نافذة السيّارة إلى صندوق حديدي ضخم، لونه يميل إلى الحمرة، وقال: إنّهم هناك، سيأتي أحد صبيتهم بعد قليل ويطرح أسئلة روتينيّة قبل أن ندخل، هات سيجارة يا حاج اسماعيل. يعطي الحاج اسماعيل سيجارة مالبورو أحمر لروحي ويشعل أخرى لنفسه قبل أن يتمطى على المقعد الجلديِّ ويداعب خصيتيه بضجر طاعن في السّن.

صورة توضيحية.

صورة توضيحية.

دخان السجائر الذي انتشر في السيارة أعاد رسم مشهد الضّابط الاسرائيلي في مخيلة صخر. نظر بتمعّن إلى هذا الخيط الأبيض الصاعد متلاحمًا إلى الأعلى قبل أن ينقسم إلى أفرع صغيرة سرعان ما تتسرب من نافذة العربة المفتوحة كيفما اتفق. حدّق في الممر الترابي قبالته وعاد بمخيّلته إلى المكتب الأبيض:

– أهلين خبايبي، تفضلوا تفضلوا.

قال لهم الضابط الاسرائيلي وقد دخلوا عليه بعد انتظار دام أكثر من ساعتين قضوها صامتين كالأموات، جالسين كتلاميذ الابتدائيّة في انتظار أن يعرضوا على مدير المدرسة. عندما فُتح الباب ودخلوا، كانت الابتسامة على وجوه الأربعة هي نفسها التي شغلت محيّاهم طوال عقود مضت. ابتسامة صار زيفها، مع الأيام، حقيقيًا ولا مجال للتحكّم فيه. جلسوا على الكراسي المحيطة بمكتب الضّابط، وردّوا معًا كجوقة كَنسيّة: أهلاً بك.

– كيف كانت غحلتكم من قلنديا؟ آه خبايبي؟ انتوا تصريخكم طلع يوم الجمعة، لو ما طلع كنتوا رح تستنوا للأخد لانه السبت اجازة خبيبي 

– كانت جيدة، نشكر لكم تعجيلكم بالطلب. نتمنى أن نستطيع رد جمائلكم علينا.

يتبسّم الضابط  قبل أن يبدأ بتقليب ورق مكتوب بالعبرية أمامه على المكتب. يوقع بتأنٍّ شديد على غير ورقة وينظر لاسماعيل نظرة تشي بترحمٍّ على الأيام الخوالي. ينهض عن مكتبه ويرافقهم إلى الباب ويهمس في أذن روحي قبيل أن يتركهم تمامًا: ما يكون معك بلفونات خبيبي؟ هون إيرز مو جسر اللنبي خبيبي! .. ويضحك.

**

لم يكن وقع خطى الجنديّ الذي جاءهم من الصندوق الأحمر ما قطع على صخر خياله، بل كانت يد محمّد وهي تهزّ كتفه بهدوء.

هات الهويّة، أولاد الشرموطة يريدون التأكّد من شخصياتنا. 

يخرج صخر هويته من جيب معطفه ويعطيها لمحمّد الذي يكمل بذلك تجميع بطاقات اثبات الشخصيّة قبل أن يترجّل من العربة ليسلمها، واقفًا، للجنديِّ الملتحي. “بسرعة, ها؟, بسرعة!” يقول محمد للجندي وهو يسلّمه الهويات. راقب محمد، والثلاثة الآخرون، الجنديّ وهو يعود بخطىً هادئة إلى الصندوق الأحمر، وما أن غاب في بطن الصندوق حتى بصقوا جميعًا في نفس اللحظة على الأرض وكأنّ ذلك كان اتفاقًا مسبقًا. 

داخل الصندوق الأحمر، كان الجندي قد وضع الهويات أمام الضابط المسؤول وراح يلهو بسلاحه متبرمًا وقد جلس على واحدة من الكنبات الفاخرة الموزّعة أفقيًا. أمسك الضابط الهويات ببطء وراح يقلبها. الشياطين تعلم ماذا كان يدور في ذهنه في تلك اللحظات، لكن ملامح وجهه كانت تنمُّ عن شعور بالظفر. لمّا انتهى منها وضعها جانبًا وأوصى جنديًا آخرًا بأن يتبع البروتوكول السياديّ المعروف، وراح يكمل لعبة البلياردو على حاسوبه وهو يردد: سبحان الذي سخّر لنا هذا. 

البروتوكول السيادي المعروف، على أهميّته، لم يكن مكتوبًا في أيِّ مكان. إنّه واحد من تلك القواعد التي يدركها المرء بالتجربة، على أرض الواقع. كيف أشرح الأمر؟. هو يشبه لمسة مصفف الشعر، المقدار الملائم من الملح على الطبخة، كما يقولون. شيء ناعم كالريشة، حاد كالنصل، يعجز العاديّون عن إدراكه، ويحفظه عن ظهر قلب، بسهولة تامة، اولئك الذي يمضون وقتًا طويلاً في اماكن مليئة بالسلاح .. وبالكراسي. شيء متعلق بعلم النفس، هراءات اللاوعي وما إلى ذلك. المهم أنّ الجندي الموصى به طبّقه بابداع؛ إذ اصطحب جنديين آخرين وفرض طوقًا أمنيًّا على السيارة، سأل عدّة أسئلة متعلقة بالصحافة والنوايا، ولم يدّخر جهدًا في إظهار أكبر كمِّ ممكن من التعالي والأنفة في وجه الضيوف الذين بدأوا، رغم برودة الطقس نسبيًا، يتعرّقون ويفكّون أزرار قمصانهم الأخيرة.

سمح الجنود لصخر بالترجل من السيارة (ذلك كله جزء من البروتوكول) والتوجّه نحو مكتب الأمن الحدودي (هكذا يسمّي الجنود الصندوق). وفي المكتب، دار بين صخر والضّابط الذي كان لا يزال منهكمًا بالبلياردو حوار غير متّزن؛ صخر يغلي ويشتم، والضّابط يرد في كلّ مرة بكلمة واحدة فقط: تعليمات-إجراءات-توجيهات .. إلخ إلخ. شعر صخر بالمهانة وقال للضابط أنه ورفاقه لن ينتظروا أكثر من عشر دقائق أخرى، أدار ظهره وسار نحو باب الصندوق، وعند العتبة تمامًا، قال من أمعائه: يلعن ر***.

هل سمعه الجنديِّ الذي كان قد ظلّ يلهو بسلاحه فعمّر بيت النار واتخذ وضعيّة هجومية بغية الدفاع عن الله ببندقية روسيّة؟. لا أحد يدري. هل قال صخر فعلاً ما يبدو أن قاله؟ لا أحد يدري. ما يعلمه الجميع، ويحكونه، ان الدقائق العشر مرّت دون تغيير يذكر. الضابط يلعب البلياردو، صخر ومحمد واسماعيل وروحي يغلون غضبًا ويحاولون، كيفما اتفق، تطبيب جرحهم النرجسي، والجنود الملتحون يركلون الهواء من فرط الملل.

عندما عادت بهم السيارة مرّوا مجددًا على الضابط الاسرائيلي. لم يكن مُستغرِبًا عودتهم السريعة بل وكأنه كان يتوقعها، إذ راح يقول لهم، بلكنته المتكسرة، مصطلحات على سبيل التهوين والتخفيف. يقول البعض، وهذا ليس مؤكدًا، أن اللحظة التي وقع الضابط الاسرائيلي فيها على تصريح السماح لهم بالعودة، كانت هي نفسها اللحظة التي استقبل فيها ضابط الصندوق اتصالاً أمره بان يسمح للعلمانيين بالدخول. 

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: