“إنّي لكم لناصح”


محمود عمر – القاهرة

حديث هادئ عن الطاغية والمجتمع ومخيّم العروب.

قرأت كثيرًا في الآونة الأخيرة عن الطاغية؛ “من يقطع شجرة من أجل قطف الثمرة”، عن طريقه تفكيره ونشأته وتفسيره للعالم من حوله. أثناء قراءتي كان من السّهل أن أزاوج بين النص المكتوب وبين صور شخصيّة لعشرات الطغاة المعروفين، تتراءى لي ملامحهم أمام ناظريّ، تجاعيد وجوههم، شعرهم المصبوغ وطريقة تحدثّهم وملابسهم المستوردة. الطاغية المفرد، المتفرّد، المؤلّه من شعراء البلاط القدماء والجدد: ما شئت لا ما شاءت الأقدار – فاحكم فانت الواحد القهّار. يشير إليه المنتفعون بالسبابة، وتشير له أنت، من لم تستطع أن ترتدي حذاءك على رأسك، بالوسطى. 

لكن ماذا عن الطاغية الذي لا وجه له؟ عن الطاغية الذي يملك مليون وجه ومليون اسم ومليون عنوان؟ كيف نستطيع حصره في إطار تخيّلي نسلّط عليه فيه أعتى أنواع الكره والرفض؟ كيف نحفظ ملامحه وشكل حاجبيه حتّى نبصق في وجهه ما أن نراه يسير في موكب جليل؟. ربّما يفهمني البعض حديثي على أنّه هجاء للجموع الذين طلّقهم غوستاف لوبون بالثلاثة، لكنّه ليس كذلك. أنا أتحدّث عن المنظومة، عن عشرات العلاقات واللوازم والنواهي، عن الضحّايا الذين وضعوا في معمعة جعلتهم يراكمون تلك النواقص الصغيرة حتّى صارت كاملة في بشاعتها. أنا أتحدّث عن طغيان المجتمع، وعن قوّة الحشد، وعن نوع من التفتيش الذي يستطيع أن يمدّ يده في جيبك دون أن تدري.

..

..

يؤمن البعض بمقولة هاملت: لابدّ أن أقسو لكي أكون رحيمًا. ويكون إيمانهم ذلك السّبب في أفعالهم التي يعتقدون أنّهم بها يهزّون أساسات “طغيان الشّارع”. يتعرّون، يشتمون، يتجاهلون العادات والتقاليد وطرق العيش، يسيرون على مسافة من كلّ شيء ويشعرون بقليل من العزلة المُستحقّة والتميّز المفرط. هذه مجتمعات متخلفة، مكبوتة جنسيًا، رجعيّة، مفعمة بالطائفيّة والقبليّة، لا تستحقّ قيم الحضارة، الاعلان العالمي لحقوق الانسان لا يترجم للعربيّة .. هكذا يقولون. أنا لست من أولئك لكنني أتفهم موقفهم، أتفهم الجرح الذي يؤلمهم صباح مساء، أتفهم أنّهم فهموا القسوة في هذا المقام فَهما سطحيًا، فنسوا أن صمتًا بعد الاساءة قد يؤلم أكثر من ألف عصا. 

على بعد 15 كيلو مترًا من بيت لحم، في منطقة وادي الصقيع، تمّ إنشاء مخيّم العروب للاجئين في الضفّة الغربيّة. مِيا، صديقتي الألمانيّة التي أقامت في فلسطين في العامين الفائتين في عدّة أماكن كان أهمها – بالنسبة لي- ذلك المخيّم الذي يعاني 30% من سكانه من البطالة، جاءت إلى القاهرة لتزورها وتزورني. تحدثنا أنا وميا لساعات عن فلسطين، وعن ذلك المخيّم تحديدًا. أخبّرتني كيف أنّ المخيم (كما أغلب المخيمات) قطعة واحدة يعرف الكلّ فيها الكل، عائلة واحدة مقسّمة على البيوت الصغيرة البسيطة، وكيف أن فتيات ذلك المخيّم (كما أغلب المخيمات, والمدن, والمجتمعات العربيّة) لا يستطعن اللعب في الشّارع ولا دخول “الفيس بوك” ولا حتّى إقتناء هاتف محمول. لربما كانت تلك “معلومات بايتة”, لكنّ مواقف أخرى حدثت في القاهرة جعلت تلك المعلومات، مع ما تراه عينيّ، فصلاً طويلاً ومهمًا في رواية “الأشياء التي يجب تغييرها” في هذه البقعة من العالم.

الشّرطي ذو الثلاثة نجوم الذي يستغرب ويستعجب ويستهجن كيف لفلسطينيّ من غزّة أن يصادق ألمانيّة ويحادثها بالانجليزيّة، بوّاب العمارة الذي يدحش أنفه “في الطالعة والنازلة”، والشّاب الملتحي الذي لم يجد حرجًا في نفسه من أن يسير نحونا ونحن ننتظر سيّارة تقلنا إلى البيت بعد منتصف الليل، ويقول بعد أن قرر أننا مجموعة من العصاة عديمي الأخلاق: “يا جماعة، إني لكم لناصح، حذاري من سخط الله!”. شذرات، قصاصات، قطع صغيرة مشتعلة من الخشب تندفع من النّار إلى وجهك مباشرة لتخدشك. يمكن لردّة فعلك أن تنحصر على الصراخ والشتائم، ويمكن لها أن تتحلى بقليل من الهدوء .. كما أريد لردّة فعلي أن تكون.

كفى. كفى لعدم قبول الآخر، لعدم فهم الاختلاف، لحرّاس الفضيلة، للقمع الجماعي، لطغيان الشّارع. ولكن كيف نبدأ بالتغيير؟ كيف يكون سعينا نحو فسحة أوسع من الحب والحريّة والتفاهم؟. هذه أسئلة أنا لا أعتقد أنني قادر تمامًا على الاجابة عليها، لكنني أحاول. أحاول أن أقول أنّ محمود الذي يكتب هذه الأسطر اليوم، ليس هو محمود قبل 7 أعوام (كنت اسلاميًا معجبًا ببن لادن وأشعر بالغيرة من كل الملتحين لأن لديهم حسنات أكثر منّي ). وبما أنني أنا، محمود، قد تغيّرت كمًا وكيفًا، بدأت أستوعب نفسي والنّاس من حولي فالتغيير الجمعي ليس مستحيلاً. من هم الناس؟ إنّهم في النهاية مجموعة من الأفراد الذين تربطهم علاقات مختلفة. أريد أن أحاول تغيير أولئك الأفراد، فردًا فردًا، أن أغيّرهم دون فظاظة، دون تعالي، بل بكلّ ما يمكن لقلبي أن يحمل من التفهم والاحترام، أريد أن أكون مثالاً لما أريد لمجتمعي أن يكون.

ولذلك فأنا، لا الشيوخ ولا حملة الكتب المقدسة، ناصح لكم. ناصح لمن يضرب أخواته في مخيّم العروب، لمن يعتقد أنّ الرجولة تعني منع المرأة من العمل أو جعل يومها أسودًا بالتحرّش اللفظي/الجسدي إن هي خرجت، لمن يظن أنني عضو ذكري وبضعة أشياء ثانويّة أخرى، لمن يظنّ أن لأيّ كان حقّ منع الحجاب أو فرضه، أنا ناصح ومجتهد وقاصد للقانون، وجه الحريّة الآخر كما يعتقد هيغل، الحريّة التي عرفها بنيامين كونستانت على أنها : الاستمتاع الهادئ بالاستقلال الفردي.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , , ,

3 تعليقات to ““إنّي لكم لناصح””

  1. Rawan Says:

    يحدث أن الظلم والطغاة أصبحوا في كل زاوية ،أينما وجد الظلم تجد فلسطينو الجينات هناك .
    بوركت يمناك أستاذ محمود

  2. Hadeel Says:

    بتعرف إنّو مدونتك محجوبة عنّا بالسعوديّة؟

    حتى أنا بمراهقتي كنت “إسلاميّةً معجبة ببن لادن” وكنت مقتنعة بالنسخة السعوديّة من الإسلام، بس الحمدالله كبرت وقرأت ووعيت
    إنت كاتب رائع محمود، وإنساني، “بتمنّى إنك ما تعتبر كلمة إنساني إهانة” ؛)
    وإنت من خير الناصحين !  

  3. shadia Says:

    السؤال المشاع والذي نعرف ما هو جوابه قبل ان نكمل وضع الاستفهام
    هل نحن اصحاب حق في المطالبة بالحق ونحن نهدره ونجهز عليه من خلال الحياة اليومية لكل واحد منا
    اظن اننا جميعا و” انا واحد ” شاركنا بتثبيت الكثير من المفاهيم
    لتصبح سائدة ، نطبقها وفي النهاية نرفضها
    ونقع في فخ التناقض

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: