الأدب المجوّف؛ عن رام الله الشقراء أتحدّث.


محمود عمر

519x340-fit

الكتابة عن «رام الله الشقراء» تستلزم استخدامًا جامحًا لعلامات التنصيص. إنّها «رواية» وفق ما يرد على الغلاف، لكنّها ليست كذلك فيما يليه. يستسهل «مؤلّفها» عبّاد يحيى فيخبرنا في الصفحة الأولى أن ضغط زر print out على أرشيف مراسلات «الفيس بوك» قد يكون كافيًا، أحيانًا، لانتاج «رواية ما». بعد الانتهاء من قراءة النص الذي جاء في 126 صفحة يمكن القول بنبرة واثقة أنّ النص ليس رواية على الاطلاق، ولكنه أيضًا ليس حديث سياسة محض، إنّه «ستيتوس» مطوّل، يختطف بعض القصص القصيرة رغمًا عنها ويجعلها رهينته ليتجمّل بها ويبتعد قدر المستطاع عن خشبيّة التنظير والحكي المُسقَط عموديًا، فيخرج الوليد إلى النّور مشوّهًا بسياسة تقصم ظهر القصّة، وبقصّة تنزع عن السياسة جديّتها وتدفع بها إلى بيئة معادية، وتجبر الكاتب/السياسي على التحدّث بنبرة تدفع للاعتقاد بأنّ كتلة ضخمة من العلكة تشغل حيزًا في فمه.

لا يمكن تجاوز الصفحات الأولى للنص، واتّخاذ قرار المضيّ في «اجتراعه» على ركاكة أسلوبه حتى النهاية، إلا في حالتين. الأولى هي أن يكون القارئ من نفس «المعسكر» الذي ينتمي إليه المؤلّف، فيطرب لوصف الأجانب في رام الله بـ «الفرنجة» والحديث عن ضرورة ابتداع «استراتيجيّة وطنيّة» للتمييز بين «الأخيار والأشرار منهم»، وينتشي لرفض الشخصيّة الرئيسة في النص الوقوف لنشيد «فدائي» وإعلانها انتماءها فقط لنشيد الثورة الجزائريّة قبل أن تتحدث (في لبس منطقيّ سيتكرر كثيرًا) عن جماليّة نشيد «موطني» والرغبة في استعادته. أمّا الحالة الثانية فهي أن يكون القارئ ناقدًا، أو قارئًا على طريق النقد. حينها سيضحك على سخافة مصطلح «الفرنجة» هذا ويشتمّ رائحة فاشيّة في تلك «الاستراتيجيّة الوطنيّة» المقترحة لتوزيع أوسمة الخير والشّر، ويتبادر إلى ذهنه وضع الجزائر الذي لا تنتمي الشخصيّة الرئيسة إلا إلى نشيد ثورتها، وهي ترزح تحت حكم العسكر الذي خرج من رحم جبهة التحرير، وخرج شبابها بالآلاف وقت زيارة الرئيس الفرنسي السّابق مرددين شعار «الفيزا يا شيراك!»، وتعرّضت لفائف الأوراق المستخدمة في طباعة عملتها الوطنيّة مؤخرًا للسرقة من ميناء الجزائر، قبل أن تقرر السلطات نقل اللفائف باستخدام طائرة عسكريّة، والتي ستتحطّم لاحقًا “في «ظروف غامضة» في مكان ما.

في الحالتين سيقف القارئ أمام نتواءت كتابيّة، وأغلاط فجّة، وتناقضات، يقرر راغبًا أو صاغرًا القفز عنها، والأمثلة كثيرة على ذلك كله. في الصفحة رقم 58، وعلى طريقة جملة «رقاصة، وبترقص!» تقول الشخصيّة الرئيسيّة التي تتولّى مهمة كتابة قصّة عن عمر الفلسطيني وعلاقته مع أوليفيا (يصير اسمها أوليف في مواضع أخرى) بعد أن تفرغ من كتابة القصّة: «هذا ما كتبته اليوم، هنا قصّة قد تستحق الكتابة». في موضع آخر تطالب الفتاة التي تراسلها الشخصيّة الرئيسيّة على إثر التطرّق لمستحضرات معالجة سرعة القذف، تطالب الفتاة الشخصيّةَ الرئيسة أن لا تكرر بذاءتها، قبل أن تستمتع بصدر رحب لاحقًا لحديثها عن مغامرات يوسف الايروتيكيّة في ايطاليا. كمثال أخير يمكن إيراد النقد والازدراء الذي وجّهته الشخصيّة الرئيسة آنفة الذكر لسلافوي جيجيك ولحقيقة أنها كانت مضطرة لدفع مبلغ من النقود لدخول محاضرته في رام الله في حين كان بإمكانها أن لا تذهب إلى المحاضرة بكل بساطة.

استخدام مصطلح «الشخصية الرئيسة» مقصود في عموميّته ويهدف للدلالة على فشل عبّاد يحيى في خلق شخصيّات فاعلة مستقلّة ومتّسقة، وهو فشل مُتوقّع ومبني على الفشل العام في بناء المنظومة الروايّة برمتها، بما تعنيه من خط زمني وحيّز خيالي وفسحة حريّة تُترك كي تشارك الشخصيّات في رسم الأحداث. إنّ عبّاد يتحدث بشخصه في الرواية، ووجوده يبدو فاقعًا في طرفي المراسلات التي يفترض أنها بين شاب وفتاة. يمكن القول ببساطة أن إضافة عبّاد على الفيس بوك تغني بالمطلق عن شراء «الرواية»، وأنّه «كتب نفسه» في «روايته» الأولى وهو الخطأ المنتشر والذي أشار إليه الروائي عبد الرحمن منيف وأردف أنّه يبشر بأن النتاج الاوّل سيكون غالبًا الأخير. يُحسب لعباد يحيى، بعيدًا عن سياقات الابداع الأدبي والخيال والمتعة والاتّساق السياسي، أنّه تمكّن من «تزبيط» هذا النص بسرعة وإخراجه إلى الحيّز العام لا ليصنع -أي النص- ضجّة كنتيجة لحرفيّته وتميّزه وطرحه الجديد، بل ليعلي من صوت الضجّة الموجودة أصلاً والمصاحبة للتساؤلات التي تُطرح عندما يتم الحديث عن ظواهر الوجود الاجنبي ومنظمات المجتمع المدني وسياسات الهندسة الاجتماعيّة في فلسطين عمومًا، ورام الله خصوصًا.

Advertisements

الأوسمة: ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: