Archive for the ‘بيان رقم 1’ Category

الكنيست الإسرائيلي كما يُشاهد من غزّة

مارس 14, 2015

محمود عمر
عادت مشاركة العرب الفلسطينيين في إسرائيل في انتخابات الكنيست لتحظى بنصيب الأسد من جدالات المقاهي وشبكات التواصل. الحدّة التي تتسم بها هذه الجدالات النخبويّة بين أطراف يَصعُب رؤية الحدّ الفاصل بين خلافاتها السياسية والشخصيّة، لا تعكس، للأسف، حالة عصف ذهنيّ أو انقسام ملحوظ في الشّارع العربي الفلسطيني في “إسرائيل” الذي يبدو أنّه يجنح، تحت تأثير عوامل تراكميّة متعددة، باتجاه المشاركة الفاعلة في الانتخابات البرلمانيّة الاسرائيليّة.

knesset_logoالأصوات الداعية لمقاطعة انتخابات الكنيست الاسرائيليّ، وهنا نقصد لفيفًا واسعًا غير متجانس من النشطاء الحزبيين وغير الحزبيين، لا يبدو أنّها تخلّصت تمامًا من توتّرها في التعبير عن موقفها الذي يتّسم في الصميم منه، وهنا تكمن المفارقة، بالكثير من البساطة، إذ يعتبر هؤلاء أن مشاركة قسم من الشعب الفلسطينيّ في انتخابات برلمان المشروع الصهيونيّ غير مقبولة ولا مجدية. يتعثّر التعبير عن هذا الموقف الوطنيّ الذي تدعمه جملة من الأسباب الرزينة، فيُستعاض عنه في معظم الحالات بابتزازات ومزايدات حول الخيانة وتقسيم الشعب والتصهين.

يُقابل توتّر خطاب المقاطعة بتوتّر مضاد من مؤيدي المشاركة الفاعلة في الانتخابات الاسرائيليّة، فيتحوّل الجدل النخبويّ، والذي يترجّى مفاهيم متنوّعة عن «الشعب» ولا يعبّر عنه في الحالتين، إلى جدلٍ بيزنطيٍّ بين معسكرين تفصل بينهما حدودٌ مساميّة، ويغيب أيّ بحث معمّق يحاول، على الأقل، تحجيم إدّعاءات الطرفين، وبالأخص، مساءلة العملية التي يجري الاشتغال عليها، بغرض تحويل مشاركة عرب فلسطينيين في الكنيست الصهيونيّ من شذوذ يقع على هامش تاريخ وحاضر القضيّة الفلسطينيّة، إلى ظاهرة وحدويّة و «نضاليّة» تقع في القلب منها.

اكتشاف «كنز» المواطنة

بدأ العرب الفلسطينيّون داخل إسرائيل بإدراك المزايا والمساحات الواسعة التي تمنحها لهم المواطنة الإسرائيليّة في نفس الفترة التي بدأ فيها الفلسطينيّون عديمو المواطنة بتطوير مفهوم ووعي حديث، ما بعد استعماريّ، بهويّتهم الوطنيّة. والواقع أنّ عقد السبعينيات، وهو عقدّ “المدّ الثوريّ” الفلسطينيّ، كان أيضًا عقد “اكتشاف المواطنة” عند العرب الفلسطينيين في إسرائيل، بعد رفع الحكم العسكريّ عنهم عام ٩٦٦١، ليتمايزوا بشكل منهجي ونَسقي عن باقي الفلسطينيين، ولتصير لإسرائيل عندهم صورة مختلفة، أكثر مرونة وأقلّ دموية بكثير من صورتها عند فلسطينيي الضفّة والقطاع والشتات.

كما وسهّل انتهاء حكم الحزب الواحد في إسرائيل في نهاية السبعينيات، بعد فوز حزب الليكود بقيادة مناحيم بيغن بأربعة وثلاثين مقعدًا في الكنيست، الطريق أمام الفلسطينيين في إسرائيل لوضع وعيهم المضطرد بمزايا مواطنتهم المنقوصة موضع التطبيق، بعد أن صارت إسرائيل دولة أكثر ليبراليّة، يتناوب على حكمها حزبان سياسيان رئيسان، وتمتاز بتوفر هامش واسع من حرية التعبير والتنظيم والتجمّع والعمل الإعلاميّ. وفي تطبيق كلاسيكيّ لمقولة هيغل “الحاجة هي وعي النقص”، رافق وعي الفلسطينيين في إسرائيل بـ”مواطنتهم”، وعيًا بالنقص الذي يشوب هذه المواطنة، وبالتالي، حاجة للوصول إلى صيغة تملأ هذا النقص وتنهيه.

ومن هنا جاء المشروع السياسيّ الذي قسّم الاشكالية السياسيّة عند فلسطينيي الداخل إلى مركبتين، الأولى داخلية تتمثل في المطالبة بالمساواة، والثانية خارجية/قوميّة تتمثّل بدعم خيار الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة بإقامة الدولة في الضفّة والقطاع. ولقد تعرّض هذا المشروع الذي أراد العرب في مناطق ٤٨ إسرائيليين داخل حدود “الدولة”، وفلسطينيين في الضفة والقطاع، لضربات موضوعيّة وذاتيّة قاتلة، فجاء مشروع “دولة المواطنين” الذي طرحه عزمي بشارة في منتصف الثمانينيات، ليحلّ محله، ويعكس إتجاه المركبّة القوميّة لتصير موجّهة نحو الداخل من خلال ربط مطلب المساواة الكاملة بالاعتراف بالحقوق القوميّة الجماعية للفلسطينيين في إسرائيل.

بكلمات أخرى، جاء مشروع “دولة المواطنين” ليقول إنّ بإمكان الفلسطيني الحامل للجنسيّة الإسرائيليّة أن يكون مواطنًا إسرائيليًا كامل الأهليّة والحقوق، وفي نفس الوقت، فلسطينيًا تامًا يمتّع بحقوق قوميّة داخل إسرائيل لا خارجها. ولا يمكن، في واقع الأمر، لأيّ من متفّهمي أو داعمي المشاركة في انتخابات الكنيست باعتبارها “نضالاً” أو دفعًا بإسرائيل لـ”ترزح تحت تناقضاتها”، أن يبتعدوا كثيرًا عن الأسس المعرفيّة لمشروع دولة المواطنين، وعن الأثمان الواجب دفعها من أجل جعل هذا المشروع مشروعًا سياسيًا يمكن اختبار قابليّته للحياة بشكل جدّي.

«الاشتباك مع الواقع من أجل تغييره»

يشتمل أيّ موقف داعم للمشاركة العربيّة في انتخابات الكنيست على تأييد لفكرة التسليم بالواقع كخطوة تسبق الاشتباك معه من أجل تغييره. ولا يجب، في واقع الأمر، نفي هذه الفكرة أو إبداء فوقيّة عدميّة تجاهها كما يفعل كثيرٌ من دعاة المقاطعة، حتى يكون فيها ما يمكن معارضته وتبيان تهافته ضمن حدود نموذج “دولة المواطنين”. فالمشكلة، بالنسبة لفلسطيني لا يحمل الجنسية الاسرائيليّة، ليست بالضرورة في «الاشتباك مع الواقع من أجل تغييره»، بل في التشخيص السّائد لهذا الواقع والتحديد المُتّبع لطبيعة «الاشتباك» معه والحدود التي ينتهي عنها هذا الاشتباك. فإذا ما سلّمنا بصوابيّة «الاشتباك مع الواقع من أجل تغييره»، كان لزامًا أن نسأل: من يملك سلطة تشخيص الواقع؟

الواقع في نموذج “دولة المواطنين” هو دولة إسرائيلية ذات فضاء سياسيّ وقانوني محدد، رغم أنّها لم ترسّم حدودها أبدًا، والتغيير المُرتجى هو تحويل هذه الدولة من دولة صهيونيّة يهوديّة عنصريّة، إلى دولة لكافة مواطنيها، وكافّة مواطنيها هنا لا تشمل بعطفها الفلسطينيين في الضفّة الغربيّة أو قطاع غزّة أو مخيمات سوريا ولبنان والأردن، لاستناد نموذج “دولة المواطنين” بشكل شبه كامل على تصوّر أوسلويّ للواقع القائم اليوم في فلسطين ما بين النهر والبحر.

يشتمل النموذج، بكلمات أخرى، على نفس القصور في المخيلة والسياسة الذي أدّى إلى إطفاء شرعيّة فلسطينيّة وطنيّة على تقسيمات جاء بها الاستعمار والمشروع الصهيونيّ. أمّا الثّمن الواجب دفعه من أجل الوصول إلى “دولة المواطنين”، أو أيّ هدف آخر بوسائل “ديمقراطيّة”، فهو ثمن بالغ الوضوح: هذا “نضال” يجري تحت سقف المواطنة الإسرائيليّة، وبلغة ليبراليّة حقوقيّة تفهمها المؤسسة الصهيونيّة، وهو نضال محدود الخطورة وشديد الأنانيّة بالضرورة، لاستناده على تصور قوميّ لهويّة فرعيّة وجزء محدود من الشعب الفلسطينيّ، شاءت المصادفة التاريخيّة أن يجد نفسه في الجهة الأخرى من السلك الشائك.

وهنا، ينتفي عن جزء من أرض فلسطين الفهم الفانوني (من فرانز فانون) للاستعمار باعتباره عنفًا خالصًا لا يمكن أن يخضع إلّا في حالة مواجهته بعنف أقوى، في حين يُعاد تبني هذا الفهم بطريقة وصوليّة ما أن يتعلّق الأمر بجزء آخر من نفس الأرض، الأمر الذي لا يعدو كونه إعادة إنتاج تنكريّة لمشروح حلّ الدولتين الذي مات وتعفّن. وبالتالي، يصبح ممكنًا لإسرائيل، في نموذج “دولة المواطنين”، أن تكون واقعًا ذكيًا ومنطقيًا ومرنًا وخجولاً -في مناطق جغرافيّة معيّنة دون غيرها-، يمكن انتزاع تنازلات منه بل وتغييره جذريًا عبر سُبل ديمقراطيّة وليبراليّة.

يُصدَّر هدف الحصول على المساواة والاعتراف بالحقوق القوميّة، والسعي نحو هذا الهدف، باعتباره نضالاً يجعل “إسرائيل” ترزح تحت وطأة تناقضاتها، في حين يمكن الإدّعاء، في ظلّ محدوديّة هذا النموذج السياسية والجغرافيّة والديموغرافيّة، وتنكّره المضاد لواقع الفلسطينيين خارج فردوس المواطنة، وكونه سيفًا ذو حدّين (جاهل فقط يمكن أن ينكر استفادة إسرائيل من وجود نوّاب عرب “يناضلون” من داخل الكنيست)، أنه لا يجعل إسرائيل “ترزح تحت وطأة تناقضاتها” بقدر ما يحاول، من حيث يدري أو لايدري، حاله حال الليبراليين اليهود في أحياء نيوريورك ولندن، إنقاذ إسرائيل من نفسها.

في ضرورة مساءلة «أوسلو الداخل»

يدّعي مناصرو المشاركة العربيّة في الانتخابات الاسرائيليّة، أو أولئك الذين لا يبدون موقفًا مبدئيًا ضدّها، في معظمهم، أنّ هذه المشاركة تنبع من “خصوصيّة” واقع العرب الفلسطينيين في إسرائيل وتميّز واقعهم. والحال أنّ العرب الفلسطينيين في إسرائيل لهم “خصوصيتهم” بالفعل. ولكن غيرهم من الفلسطينيين لهم “خصوصيتهم” أيضًا، وهذا هو ما يتوجّب على المتحمسين لانتخابات الكنيست فهمه ومحاولة الردّ عليه إن كانوا يصدقون أنفسهم بالفعل عندما يعتبرون أنّ دخول البرلمان الاسرائيليّ لا يتعارض، إن لم يدعم، حقوق وتطلّعات الشعب الفلسطينيّ في كافة أماكن تواجده.

إنّ وضع “خصوصيّة” قطاعات معيّنة من الشعب الفلسطينيّ في مقابلة “خصوصيّة” أجزاء أخرى تكشف البؤس الكامن في هذا المنطق برمّته، رغم أنّه يعكس، على مرآة مهشّمة، أجزاء متفرقة من واقع موضوعيّ لا يمكن إنكاره. فإذا كان العربي الفلسطينيّ في إسرائيل يعتبر مشاركته في الترشّح أو التصويت في الانتخابات “نضالاً” ضدّ العنصريّة والصهيونيّة، فإنّ عليه أن يفهم -منطلقًا من خصوصيّته، أنّ هذا النضال ليس له وجود أو دلالة أو قيمة في قاموس فلسطينيّ من غزّة، جرّاء “خصوصيّة” الوضع الغزّي، هذا إن لم يكن هذا “النضال” صورة طبق الأصل عن نقيضه.

وبذلك، فإنّ ما قد يمنح المشاركة في الانتخابات الحدّ الأدنى من الاتّساق المعرفيّ والعملانيّ ضمن حدودها نموذجها المشغِّل هو تقديمها على ما هيّ عليه بالفعل: أوسلو الدّاخل النابعة من “خصوصيّة” لا يمكن من دونها فهم أو تلمّس أي فحوى نضاليّة، والكفّ عن محاولة تصوير هذه المشاركة على أنّها “حصان طروادة” نخبّئ فيه أعضاء الكنيست العرب ونرسلهم ليتفجّروا في قلب المشروع الصهيونيّ ويجهزوا عليه، ذلك أنّ ملايين الفلسطينيين من القابعين خارج هذه “الخصوصيّة”، لا يمكنهم، نتيجة شرطهم التاريخيّ و “خصوصيتهم”، إلا أن يروا فيها استغلالاً بيّنًا لمزايا منحها المشروع الصهيونيّ لبعض الفلسطينيين دون غيرهم.

ما بعد بعد «الخصوصيّة»

لن يكون من الممكن خلق وضع سياسيّ واجتماعي أفضلّ في البقعة الجغرافيّة الممتدة بين نهر الأردنّ والبحر المتوسّط عبر مشاريع تحاول التعامل مع الأعراض بدلاً من التعامل مع المرض. إنّ منطق “الخصوصيّة”، لو مُدّ على آخره، فهو يضعنا، كشعب، أمام نفس الأسئلة التي يحاول بعضنا، عبر انتخابات الكنيست، أن يضع إسرائيل أمامها: هل ما زلنا شعبًا واحدًا بالفعل؟ هل ما زال من الممكن بالنسبة لنا أن نطوّر مشروع مقاومة جامع ومتعدد الأبعاد يضمن لنا، في آخر الدرب، حقوقنا القوميّة والوطنيّة والفرديّة، سواء كنّا من غزّة أو عين الحلوة أو بئر السبع؟

لا يمكن لنموذج “دولة المواطنين”، أو أيّ نموذج آخر يحصر نفسه ضمن مساحة معرفيّة أو سياسيّة مسيّجة ومسقوفة بشعار دولة إسرائيل، أن يجيب على الأسئلة السابقة بالايجاب لأنّه، لو فعل، فسينفي نفسه. الأمر نفسه ينطبق على نموذج “أوسلو” في كافة تفرّعاته وتجلياته. التحدّي، إذًا، كامنٌ في البحث المستمر عن بدائل متطوّرة، من دون الغرق في الابتزازات العاطفيّة والعزوف عن السياسة أو تخوين قطاعات واسعة من “الشّعب” ومحاولة إخراجهم من معادلة الصّراع، بل من خلال الانخراط في السياسة، ومحاولة العثور فيها على ما هو أبعد من “الخصوصيّة”؛ أي على الشيء الذي قد يربط، من دون أن يساوي أو يدمج، بين الفلسطينيّ الذي وجّه صاروخه من بين الركام باتجاه الكنيست، والفلسطينيّ الذي وجّه آماله تجاهه.

مبتذلاً كفيلم زياد دويري، كقبر عرفات، كزيارة فنّانة

ديسمبر 30, 2013

محمود عمر

لطالما اختبرت صعوبة في “بلع” الأفلام المعمولة لفلسطين أو عنها. سواء كان الغرض تمجيد الفلسطينيين أو تحقيرهم أو ببساطة عرضهم، ثمّة مسحة من الركاكة تسم كلّ شيء؛ التصوير، الحبكة، المَشاهد، الممثلين، وبالأخص: السيناريو. ما هذا الهراء؟ ما هذا الترديد الأبله لجمل محسوبة ومفضوحة الرمزيّة؟ نحن لا نتحدث هكذا! نحن لسنا مبتذلين وبدائيين إلى هذه الدرجة وكلامنا ليس مباراة تنس أرضي نتبادل فيها الضربات بمنطقيّة محسوبة، بل ثلاجة مليئة بالأصناف أو صوت مسافرين في محطة قطار مزدحمة. نحن نتكلّم، بكلّ معنى الكلمة، في حين يجري تقديمنا في الأفلام على أننا نؤدّي؛ نعلك الهواء ونقول أشياءً مهما بدت بليغة إلا أنّها، بكلّ أمانة، غارقة في السخافة.

MV5BMTYxODIyMTQzMF5BMl5BanBnXkFtZTcwNTk4OTU0OQ@@._V1__SX640_SY720_أعمال قليلة تفلت من هذا السياق وتقول شيئًا ما. فيلم ايليا ابي سليمان “الزمن الباقي” مثلاً. هناك “حقيقة” ما فيه. ملمس خشن للأشياء وكثافة محترمة لكلّ اشتغال بصري. أمّا الغالبية العظمى فهي نفس التكرار البائس: مشهد في قمة الاعتباطيّة لفلسطيني يفترض أنّه على وشك القيام بعملية استشهاديّة. استعراض يتراوح بين الهمجيّة والتحضر لدولة اسرائيل. تصاميم قميئة لبوسترات شهداء ماتوا وعلّقناهم على الحائط. قصص حب عبيطة وهبلة يُحاول مخرج ما أن يجعلها تبدو “فلسطينيّة” بامتياز.

هل هكذا يكون الحبُّ فلسطينيًا بامتياز؟ أن يكون مبتذلاً كقطّ مبلول؟ لماذا لا يريحوا أنفسهم، ويريحونا معهم، ويعلنوا أنّ كل الأفلام السابقة، واللاحقة، عن فلسطين،  تقع في خانة الكوميديا؟ نعم، الكوميديا. كوميديا الزيت والزعتر والكوفيّة والزيتون والحاجز والجندي والجدار والرجعيّة والتنوير والواقعيّة والصاروخ. كوميديا القضيّة المركزيّة.

فيلم زياد دويري الأخير، الهجمة 2012، وبعيدًا عن كلّ الجدل السياسي الذي صاحبه ولحقه، هو تكثيف نموذجيّ لكلّ ما هو بغيض في الأعمال السينمائيّة المقتربة من فلسطين: السيناريو المفضوح بالغ الركاكة، التكرار العدمي لنفس المتاهات الفلسفيّة المرتبطة بالصراع، ومحاولة خلق التراجيديا عبر الاستعانة بقائمة لا نهائيّة من الكليشيهات التي تكاد تبتلع كلّ شيء. الفيلم حالة ابتذال سينمائيّة تجعل من الأرض بين البحر المتوسط ونهر الأردن “لوكيشن تصوير”، وتجعل من القاطنين في تلك الأرض، أيًا تكن هوياتهم والمهام المفروضة على عاتقهم بناءً على تلك الهويات، دمى بالغة البلاهة لا تحركها إذ تحركها إلا رغبة في إنجاز إشتغالة سينمائيّة لطيفة يتمايل على إثرها المجوّفون طربًا وسعادة.

ولكن، هل يقتصر ذلك على الفنّ السابع، على الكذب الموضوع في كادر والمسبوق بكلمة “أكشن”؟. أليس قبر عرفات القائم في رام الله، والزيارات الموسميّة له مع إكليل الورد الذي لا يتغير ولا يتبدل، أليس ذلك في حدّ ذاته ابتذالاً لا يملك حتى في معرض الدفاع عن نفسه أن يقول إنّه تمثيل؟. وبماذا، إن وضع المرء كلّ وسائله الدفاعيّة ولاءاته البنيويّة جانبًا، بماذا يمكنه مقاربة ما هو ليس فيلمًا مبتذلاً، لكنّه يبدو كذلك؟ على أيّ صفحة سنجد هذا الفيلم، الذي هو ليس فيلمًا، لنقيّمه أردئ تقييم؟

الفنانات الواقفات بخشوع عقيم وحزن مغشوش أمام قبر الرئيس، والرئيس الجاثم على الكرسيّ من بعد الرئيس، ورام الله المُضحكة التي تقف على البار محاولةً، دون يأس، أن تمنع لحمها المهترئ من التسرّب من فتحات قميصها الضيّق، ممسكة بيد شاب ظنّ كثيرون في غير موضع أنّه ابنها لا عشيقها المراهق. المسيرات التي يقودها المصورون الصحفيون، ويشاركهم فيها أحيانًا بعض المتظاهرين، وأورجازم لفيف الراديكاليين في رام الله مع كلّ عرض عسكريّ في غزّة. هذا كله، من وماذا يبرره؟ أيّ مخرج وأي طاقم؟ مع من يجب أن نتحدث حتى نوقف هذه المهزلة؟

أتكون حياتنا، حقًا، مجرّد فيلم طويل يشبه أفلام “زيتون” و”خمس كاميرات مكسورة” والصدمة”؟ أتكون حياتنا الفعليّة والمأمولة تفاعلاً لا نهائيًا وعرضًا متقنًا لنفس المواد والافكار المنتجة لتلك الأفلام؟. أيعقل هذا؟ لكن لا! مستحيل! لماذا؟ لأنّ هذا هراء. نحن لا نتحدث هكذا، نحن لسنا مبتذلين وبدائيين ومغرقين في هذه الركاكة إلى هذه الدرجة. يستحيل، لأسباب موجودة وأخرى لا مشكلة في إختلاقها، أن نكون كذلك. 

الشّعب يريد: الانتفاضة العربيّة مستمرّة!

أغسطس 12, 2013

محمود عمر

في كتابه “الشعب يريد؛ بحث جذري في الإنتفاضة العربيّة” يقدّم جلبير الأشقر؛ الباحث اللبناني وأستاذ دراسات التنمية والعلاقات الدوليّة في معهد الدراسات الشرقيّة والأفريقيّة في جامعة لندن (SOAS)، خلاصة ما كان ألقاه من محاضرات حول مشاكل التنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الأعوام القليلة التي سبقت إندلاع موجة الانتفاضات العربيّة التي واكبها الأشقر، وانكبّ على مجرياتها تحليلاً ودراسة فضمّن الكتاب كشف حساب “مؤقّت” لتجلياتها في البلدن العربيّة الأكثر تأثرًا بها: تونس، مصر، اليمن، ليبيا، البحرين وسوريّا. 

يرقى الكتاب الذي صدر بالفرنسيّة ونقله عمر الشّافعي إلى العربيّة، إلى مستوى عنوانه؛ إنّه بحث جذريّ بكل معنى الكلمة في الأسباب والدوافع والمحرّكات الاجتماعيّة التي دفعت في اتجاه خروج ملايين العرب هاتفين بإسقاط أنظمة وطغاة تبدو وكأنها متباينة، إلّا أنّها في حقيقتها متماثلة إلى حدّ بعيد، مجبولة على الفساد والقمع والنهب وتضييق الخناق على الفرد العربيّ و تنغيص عيشه. كما ويقدّم الكتاب-الدراسة في فصوله المتأخرة مقطعًا عرضيًا للانتفاضة العربيّة وأهمّ الفاعلين فيها ومحاولات احتوائها المستمرّة. 

في الفصل الأوّل، ونظرًا لما تتيحه الامكانات الاكاديميّة والأرشيفيّة لجامعة لندن، يتمكن جلبير الأشقر من رسم صورة عامّة للتنمية المعاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA) مستندًا إلى توليفة واسعة من الدراسات والأبحاث وتقارير المؤسسات الماليّة العالميّة والإقليميّة التي يقارنها بمعطيات مناطق جغرافية أخرى، مثل جنوب أفريقيا وشرق آسيا، ليثبت فشلاً بنيويًا في عمليات التنميّة في منطقة MENA تصحّ معه القاعدة الماركسيّة التي وردت في مقدمة نقد الاقتصاد السياسي، والتي تمثّل حجز الزاوية الفكريّ لهذا الكتاب برمّته:

“عند مرحلة معيّنة من تطورها، تتدخل قوى المجتمع الانتاجيّ الماديّة في تناقض مع علاقات الانتاج القائمة، وتتحول تلك العلاقات من أشكال تتطور القوى المنتجة من خلالها إلى قيود تعيق تطوّر هذه القوى. وعندئذ، تبدأ حقبة من الثورة الاجتماعيّة”. 

أمّا في الفصل الثاني، فيشمّر الأشقر عن ساعديه ليحوض، متسلحًا بأدواته الماركسيّة، في عمق النمطيات الخاصّة للرأسماليّة في المنطقة العربيّة التي تعجّ بدول ميراثيّة ونيوميراثيّة تبدو ريعيّة في مجملها؛ غير مستندة على الضرائب، وغير آبهة لذلك بما لدى مواطنيها ليقولوه أو يعبّروا عنه، وتطبّق بجهد حثيث وصفات نيوليبراليّة جاهزة للتنمية والحداثة تقلّص دور الدولة المباشر في استغلال الموارد وقيادة عملية التنميّة والتشغيل. النيبوليبراليّة التي بلغت الصفاقة بأحدّ منظّريها، الاقتصادي البيروفي هرناندو دي سوتو، حدّ الإدعاء بأن ما ضحى البوعزيزي بنفسه من أجله هو مبدأ “السوق الحرّة” النيوليبرالي. سوتو قال: جاءت قوى السوق إلى العالم العربي، حتى ولو يكن بدعوة من الحكومات. ويجب على القادة السياسيين أن يدركوا أنّ العرب الفقراء، منذ أن أضرم البوعزيزي النار في نفسه وثار أقرانه مجتجّين، لم يعودوا خارج السوق بل داخله، على مقربة من هؤلاء الحكّام.

وإذ يَخلُص الأشقر في فصل الكتاب الثاني إلى أنّ ما لدينا، في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من الرأسماليّة هو أسوأ ما في الرأسماليّة، ينتقل في الفصل اللاحق لمقاربة العوامل السياسيّة الإقليميّة ذات الصلة بالانتفاضة العربيّة. النفط، بطبيعة الحال، هو أوّل تلك العوامل وأهمّها، وإن كان مسمّى الفقرة الخاصة به “لعنة النفط” فإنّ الأشقر يشرح أنّ المصائب التي يختبرها الفضاء الناطق بالعربيّة ليست جرّاء وجود النفط (يفترض بهذا أن يكون أمرًا جيدًا) بل نتيجة لطريقة إدارة هذا الكنز الاستراتيجيّ واستخدامه في المحافظة على دول ريعيّة، ومبادلته بالرضا والدعم الأمريكي (والأسلحة الأمريكيّة والبريطانيّة والفرنسيّة) وحرمان الفضاء الناطق بالعربيّة من أي مردود حقيقي، ناهيك عن عدم استخدامه في أيّ صناعة تحويليّة معدّة للتصدير. 

وفقًا لتقديرات معهد التمويل الدولي، ومقره واشنطن، بلغت تدفقات الرسمايل الخارجة من دول مجلس التعاون الخليجي 530 مليار دولار خلال السنوات الخمس 2002-2006 ومن بين هذا الاجماليّ، ذهب مبلغ 300 مليار دولار إلى الولايات المتحدة، و100 مليار إلى أوروبا. 

ينحى الكتاب، بعد ذلك، منحى أكثر انشغالاً بالسياسة منه في الاقتصاد، إذ يقارب مسألة “الاستثناء الاستبدادي العربي” الذي تجمع عليه الولايات المتحدة وأوروبا من حيث مطالبتهما دولاً حول العالم بمزيد من الديمقراطيّة، وصمتهما المطبق حول عقوبة الجلد ومنع النساء من القيادة في البلد-المصيبة السعوديّة بحجّة “إحترام ثقافة أهل ذلك البلد”. أمّا الإخوان المسلمون وعلاقتهم براعيتهم الأولى، السعوديّة، ومن تحولهم إلى قطر وأميرها المهووس بالسياسة الخارجيّة، فلهم نصيب لا بأس به من الاشارة والتحليل، لاسيّما وأنّ الأشقر يقتبس “اليبان الشيوعيّ” ليوصّف الإخوان المسلمين توصيفًا ماركسيًا دقيقًا: 

الطبقات الوسطى (ليست الطبقة الوسطى=البرجوازيّة) كلها تحارب البرجوازيّة للحفاظ على وجودها كطبقات وسطى من التلاشي. فهي إذًا ليست ثوريّة ولكن مُحافظة بل وأكثر من ذلك، إنها رجعيّة تسعى إلى جعل عجلة التاريخ ترجع القهقرى. 

هؤلاء الذين يسعون إلى “جعل عجلة التاريخ ترجع القهقرى” هم الإخوان المسلمون الذين وعدوا النّاس بفردوس إسلاميّ مفقود، واتخذوا شعارًا أجوفًا هو “الإسلام هو الحل”، وهم -حسب ما يقدّمه الأشقر من إشارات لدراسات وأداء الإسلاميين في الحكم- نيوليبراليين يسعون إلى التخلصّ من “برجوازيّة الدولة” والدخول في برجوازيّة السّوق (زيارة مرسي إلى الصين مثالاً). وإذ يتنبأ لهم الأشقر (مثلما فعل السابقون) بنهايات تعيسة بعد خروجهم من قمقم المظلوميّة إلى نور السلطة السّاطع، فهو يفرق تمام التفريق بينهم وبين “حزب العدالة والتنمية” التركي، بل حتّى بينهم وبين الخميني. أمّا القوى الفاعلة في الثورة، والذين يتطرق لهم الأشقر ويعوّل عليهم فهم: الحركات العماليّة، حركات النضال الاجتماعيّ، والفاعلون الجديد: شباب الإنترنت. 

هل قلت مؤامرة؟

يطرق الأشقر في هذا الكتاب أبواب مفارقات سياسيّة، ونقاط تحوّل ضجّ بها “الربيع العربيّ” وانقسم عليها المنقسمون؛ تدخّل الناتو في ليبيا، تسلّح الثورة في سوريّا، وذلك في معرض تقديم “كشف حساب” لانتفاضتي البلدين. مفردة “المؤامرة” التي طفت إلى السطح (كانت قريبة منه على الدوام) بعيد الحظر الجوّي فوق ليبيا ودخول الانتفاضة السوريّة معترك التسليح هي مفردة يشيع استخدامها، حسب الأشقر، عند فئتين من الناس: مناهضو الإمبرياليّة وأهل الشرق الأوسط. وإن كان الأشقر لا ينفي (ومن يستطيع أن ينفي؟) وجود مؤامرات دائمة في هذا الجزء من العالم، إلا أنّه لا يتحرّج من التنظير داعمًا للانتفاضة الليبيّة، شارحًا أسباب ودوافع الناتو للتدخل فيها ومخرجات ذلك على الصعيد الاجتماعيّ الليبي، ومؤيدًا للثورة السوريّة التي يؤكّد أنّ تسلّحها أمر لم يكن بديهيًا فحسب، بل ومطلوبًا؛ نظرًا لطبيعة الجيش السوريّ واستناده على شريحة شعبيّة من طائفة واحدة. يقول الأشقر: 

التحليل الصحيح لطبيعة النظام السوري، ولاسيّما طبيعة قواته المسلحة، كان من شأنه أن يفضي بالضرورة إلى استنتاج مفاده أنّ النظام السوري يستحيل إسقاطه بغير حرب أهليّة. 

ولمناهضي الإمبرياليّة الذين تحرّجوا من الاصطفاف بجانب الانتفاضة السوريّة (فنّد الأشقر في موضع آخر في الكتاب هذه الحجّة المتعلقة بالامبرياليّة) لم يستخدم الأشقر مبررات ومعطيات جيوسياسيّة واقتصاديّة فحسب، بل وأخلاقيّة أيضًا إذ أورد ما قاله الثوري الفرنسي غراكوس بابوف في 1795:

تصرخون قائلين إنّه يجب تجنب الحرب الأهليّة؟ وأيّ حرب أهليّة أكثر إثارة للاشمئزاز من تلك التي يكون القتلة فيها في كلّ جانب، والضحايا العزّل في جانب آخر؟ هل بوسعكم تجريد من يريد تسليح الضحايا من القتلة؟ أوليس من الأفضل أن تقع حرب أهليّة يكون بوسع كلا الطرفين فيها الدفاع عن النفس؟

في خاتمة الكتاب، يوصل الكاتب أفكاره النهائيّة بإيضاح سابق حول أنّ الإشكاليّة بين الإسلام والديمقراطيّة إشكاليّة وهميّة، ويؤكّد أن السلطة اليوم “في الشّارع” في الفضاء الناطق بالعربيّة. الصّراع ضد النيبوليبراليّة، ورأسماليّة المحاسيب، والفساد الإدراري، وقمع الحريّات، صراع طويل والحقبة الثوريّة العربيّة لا تزال في بدايتها. يختم الأشقر بحثه الجذريّ عن الانتفاضة العربيّة المستمرّة بالقول: المستقبل يدوم طويلاً، كتب الجنرال ديغول في مذكراته خلال الحرب. إنّه لتعبير جميل عن الأمل!

برنامج “الفتوّة” في غزّة: خدمة للمقاومة؟

يوليو 31, 2013

نُشر هذا المقال في ملحق السفير العربي.

محمود عمر

في الأوّل من أيلول/سبتمبر من العام الفائت، وبمجرّد تسلّم أسامة المزيني منصب وزير التعليم في حكومة حماس المقالة، وتحت شعار «لا إله إلا الله، في غزّة أغلى راية»، بدأ تطبيق برنامج «الفتوّة» في صفوف المرحلة الثانويّة في المدارس الحكوميّة بقطاع غزّة المحاصر.

imagesالبرنامج الذي جاء نتاج تعاون ما بين وزارة التربية والتعليم ووزارة الداخليّة والأمن الوطني وكتائب الشهيد عزّ الدين القسّام شمل حوالي مئة ألف طالب موزعين على محافظات القطاع، وكان حسب القائمين عليه – تمثلاً لقول الرسول «المؤمن القويّ خيرٌ وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف»، ونصرة للدين، ومحاولة حثيثة لحماية الجيل من بعض «المسلكيّات الخاطئة» التي استفاض في الحديث عنها محمد صيام، مدير الأنشطة التربوية في وزارة التعليم، موضحاً أنّها تشمل «الزيّ والشعر والملبس». صيام أشار إلى أنّ هذه «المسلكيات الخاطئة» بدأت تندثر بعد تطبيق برنامج الفتوّة الذي يسعى، بينما يسعى إليه، إلى ترسيخ مظهر شموليّ لا حياد عنه: الانضباط.

يشمل البرنامج جوانب تتعلّق بإعلاء الحسّ الأمني، وتثبيت «الهويّة الاسلاميّة»، والتدريب على بعض الفنون القتاليّة واستخدام السلاح والتعامل مع الأجسام المشبوهة واطفاء الحرائق، ناهيك عن رفع اللياقة البدنيّة وغرس معاني «الرجولة والبطولة والفداء» في وجدان جيل كان ولا يزال، حسب أهل البرنامج وداعميه، مهدداً «بالالتفات الى اللهو والضياع والانحراف».

خرّج هذا البرنامج دفعة مخيّمه الأوّل قبل بضعة أشهر في مهرجان احتفالي، كان يلوّح فيه رئيس الوزراء المقال اسماعيل هنيّة، من منصته العالية، للفتية الذين يسيرون في تشكيلات عسكريّة، في مشهد يذكر بمجتمعات سابقة تعسكرت واندثرت. وهو منسجم مع حكومة حماس التي لم تدّخر جهدا، لا بالقول ولا بالفعل، لتؤكّد على سعيها المقدّس، لا نحو حكم غزّة فحسب، بل وتغيير المدينة بقدّها وقديدها، وتشذيب ما خالف الايديولوجيا الحاكمة فيها، وجعل شبابها نسخا من قالب واحد متّفق عليه.

ففي حين كُلّفت الكتلة الاسلاميّة (ذراع حماس الطلابي) بالقيام بحملات «فضيلة» تحثّ الشباب على ترك التدخين واختيار تسريحات شعر «إسلاميّة» ورفع بناطيلهم، ومُنح أفراد الأمن المنتشرين في الشوارع «إذناً على بياض» للتدخل في أي موقف يشكّون في «أخلاقيّته» في الفضاء العام، يأتي برنامج الفتوّة ليقول الشيء نفسه، إنّما بأسلوب أكثر عسكريّة وشدّة. بل إنّ المسؤولين في وزارة التعليم يؤكدون أن «طموحهم» يمتدّ ليشمل برنامج الفتوة، في المستقبل القريب، طلاباً من المرحلة الإعداديّة!

البرنامج الذي تسوّق البروباغندا الرسميّة له باعتباره سعياً نحو خلق «مجتمع مقاوم»، ما هو في حقيقته إلا عسكرة لا وزن استراتيجيّ لها، ومحاولة من قبل فصيل لابتلاع مجتمع بأسره. في البرنامج وحصصه، ترتبط الدوافع الوطنيّة بتحليلات ايديولوجية معينة. عبّر عن القلق من هذا البرنامج عدد من المشتغلين بمجال علم النفس وحقوق الانسان وعلم الاجتماع، والذين كان من بينهم سمير زقّوت، مدير البحث الميداني بمركز «الميزان» لحقوق الانسان، في مقابلة تلفزيونيّة له حول تداعيات برنامج الفتوّة. زقّوت اعتبر البرنامج «خطوة جوفاء بالكامل» ووضع يده على حقيقة أنّ خطوة من هذا النوع، والتي تعني ما تعنيه من تأثير على جيل بأكمله، لم يستشر فيها أحد، وخططت لها ونفذتها الحكومة التي هي، بالتعريف البنيويّ، من ايديولوجيا واحدة ولون فصائلي واحد. بداهةً، سيواجه أيّ نقد لهذه الخطوة بالقدح في وطنيّة صاحبه ومنطلقاته المبدئيّة. إذ من هذا الذي يجرؤ على رفض المقاومة ويطالب بتحجيمها؟

لكن، ليس في «الفتوّة» مقاومة كي يرفضها من يرون في الفتوّة فعلاً متعدياً وشموليّة مقيتة. كيف يكون تعليم شباب المشية العسكريّة مفيداً لقضيّة فلسطين؟ وكيف يكون تدريبهم على السلاح الخفيف اسهاماً ايجابياً في الصراع مع اسرائيل الذي تجاوز، أقلّه في غزة، مرحلة الاشتباك المباشر بالبنادق، ورست مراكبه عند تبادل الصواريخ؟ كما أنّ غزّة ليست بحاجة إلى من يحضّ شبابها، وفق فهمه المغلق، على حبّ فلسطين والاسلام.

ما كان للمقاومة، على اختلاف فصائلها، أن تنشط في غزّة وتتمدد لولا الطبيعة الديموغرافية لأهلها، ونشأتهم التي هي ـ من دون تدخل خارجي ـ تدفع لاعتناق كلّ ما يلزم من أفكار وطنيّة وحسّ أمني ومهارات مدنيّة.

والمقاومة تعمل اليوم بكل أريحيّة، على الصعيد الداخلي، دون أية معوقات تذكر. كما وأنّ درب الانضمام إليها معروفٌ للجميع، ويمكن للشباب بعد سنّ معينة أن يسلكوه إذا رأوا في نفسهم الكفاءة والاتّساق. أما أن تتعسكر المدارس، دون استشارة ولا دراية، ويصبح النشاط الوحيد المتاح صيفاً، بعد إلغاء الأونروا لمخيّماتها الترفيهيّة، هو المزيد من المخيمات العسكريّة، وأن يجري التهليل لمشاهد شباب في السادسة عشرة من عمرهم، ستقتل إسرائيل من تقتل منهم بالصواريخ، يفكّون، معصوبي الأعين، بنادق روسيّة تكاد تكون خارجة بالمطلق عن الاستخدام، فما هكذا تورد الإبل، ولا هكذا تكون المقاومة!

عندما سألني الشرطيّ: مين البنت الي معك؟

يونيو 11, 2013

محمود عمر

على كثرة التعدّيات على الحريّات الشخصيّة التي يقدم عليها أفراد من أجهزة أمنيّة تابعة لحكومة حماس التي تحكم قطاع غزّة (هذه تدوينة كتبتها علا عنان عن مجمل التعديات في العامين الفائتين)، وعلى القرب النسبيّ الذي أحاول الحفاظ عليه -رغم وجودي شبه الدائم بالقاهرة- مع تلك التصرّفات ودراسة انتشارها ومفاعيلها الاجتماعيّة لأغراض توثيقيّة ومعرفيّة، إلا أنّ التعرّض لواحد من تلك الأفعال والانتقال من حيّز «السماع عنها» إلى حيّز اختبارها اختبارًا ذاتيًا يفتح الباب أمام مقاربة سياسيّة مختلفة وشعور أعمق بالنقمة والغضب المغلّف بالازدراء. 

arton9179-9e284 (1)في رحلة غريبة ومكثّفة، قصيرة في زمنها، طويلة في آثارها، دخلت غزّة التي يبدو للوهلة الأولى أنّها ثابتة غير أنّها لا تزال تتغيّر (أو يجري تغييرها) ببطء وانتقائيّة. التغيّرات عديدة والمشاهدات يمكن الاسهاب فيها إلى ما لا نهاية. لكن، ما سيجري سرده في هذا المقال ما هو إلا توثيق وشهادة منّي أنا، الفلسطيني المولود في غزّة والمرتبط بها ارتباطًا لا فكاك منه، لما حدث معي عصر يوم  السّبت، الثامن من حزيران على كورنيش البحر. 

كنت متواجدًا في مطعم الديرة مع صديقة مقرّبة من غزّة وتمّ الاتفاق على أن نتحرك، معًا، إلى مطعم آخر يبعد عن الديرة مسافة لا تزيد عن 150م للاجتماع مع أصدقاء آخرين كانوا في انتظارنا. بعد دفع الحساب خرجت أنا وصديقتي إلى الشّارع العام (ركّز على كلمة «عام») ومشينا نحو المطعم الذي ينتظرنا فيه أصدقاؤنا. في العادة ولأسباب أمنيّة مفهومة تتواجد دوريّة مكونة من 5-6 أفراد بشكل شبه دائم في نقطة كاشفة في تلك المنطقة. بعد مروري وصديقتي أمام أفراد الشرطة الرابضين على الكراسي أشار لي أحدهم بالتوقف، قام من كرسيّه واقترب منّي وبدأ يتحدث إليّ. 

سؤاله الأوّل كان: «مين البنت الي معك؟». جوابي كان: صديقتي. الكلمة أثارت غضبه. ربّما لا يفهم هذا الموكل إليه مهمة «حفظ الأمن» أنّ الصداقة حالة انسانيّة يمكن لها أن تنشأ بين شاب وصبيّة. وجّه كلامه لصديقتي وسألها، بنبرة بطريركيّة مقيتة، إن كان والدها يعلم أنّها خرجت معي. طبيعة الأسئلة وطريقته في طرحها كانت كلها تدفع في اتجاه الاعتقاد بأننا، أنا والصبيّة، قد اقترفنا جريمة أخلاقيّة من الطراز الأوّل، في حين أننا كنا نمشي في الشارع العام! 

بعد أخذ ورد، وارتفاع صوتي وصوت الشرطي، ورفض صديقتي إعطاءه رقم والدها وشرحي له بأنني مقيم في مصر، بدأ  الشرطيّ يتحدث عن اصطحابي إلى مركز شرطة العبّاس القريب للتحقيق معي وعمل اللازم. عندما سألته: هل لأنني كسرت قانونًا أم أنّ هذا «فعل فردي» آخر؟ أجابني، وبكلّ برود: نعم، هذا فعل فردي و«هو هيك». الحادثة التي استمرّت قرابة 20 دقيقة دفعت كثيرين من المارين للتجمع حولنا. بعد قدوم بعض الأصدقاء من داخل المطعم الذي كانوا ينتظرونني وصديقتي فيه، وتدخّل بعض أبناء المنطقة، قرر الشرطيّ بأنه سيتركني في حال سبيلي هذه المرّة بعد أن حذرني قائلاً: ما تمشي في الشارع مع «بناتنا».  

من المنصف والموضوعيّ القول بأن ما حدث معي في ذلك اليوم من تعدّ صارخ على الحريّة الشخصيّة واساءة استخدام للزيّ الرسميّ والسلطة الممنوحة لصاحبه يمكن أن يحدث مع أيّ شحص آخر في غزّة، في أيّ وقت وأيّ مكان. في حالتي، ولأسباب متعددة، انتهى الأمر (بشقّه المباشر) في نفس اللحظة. في حالات أخرى سابقة، وربّما لاحقة، يجري اصطحاب الشاب فعلاً إلى مركز العبّاس الذي غالبًا ما يتعرّض فيه للضرب قبل إجباره على إحضار ولي أمره في حين تتعرّض الفتاة لتعنيف من نوع آخر عبر الاتصال بأهلها وإعطاءهم محاضرات حول سلوك ابنتهم المشين. 

في صباح اليوم التالي، توجهت إلى مكتب مركز الميزان لحقوق الانسان في حيّ الرمال الغربي بغزّة وسردت على مسامع محامي المركز ما حدث معي وقدّمت شكوى وكّلته لمتابعة تطوراتها. الشكوى، بطبيعة الحال، سيجري العمل على رفعها إلى مكتب وزير الداخليّة. المحامي أكّد أن حالات مشابهة عديدة تقع في أنحاء القطاع وأنّ القلة القليلة التي تقرر اللجوء إلى مؤسسات حقوقيّة وطنيّة وتقدم شكوى سرعان ما تسحبها إما لعدم اقتناعها بجدواها أو خوفًا من أي اشتباك مطوّل مع السلطات في غزّة.

في معرض التحليل يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أنّ هذه التصرفات التي يقدم عليها المنتسبون لأجهزة الحكومة الأمنية ما هي الا مخرجات متوقّعة لتصريحات وزير الداخليّة فتحي حمّاد التي أكد فيها أنّ غزة مدينة محافظة ولا مساومات في «منسوب الرجولة» فيها. هذه الأوامر غير المكتوبة وغير الرسمية يتلقفها أفراد الشرطة باعتبارها غطاءً سياسيًا يؤهلهم للتدخل في اللحظات التي يقررون هم فيها أنّ تدخلهم مطلوب سواء كان الأمر يتعلّق بشاب وفتاة يمشون في الشارع، أو تسريحة شعر، أو بنطال ضيّق. بديهيًا، ليس ثمّة أي غطاء قانوني لكلّ هذه التعديات (ولو كان فيجب إلغاؤه فورًا) والحالة القَبليّة التي تعيشها وزارة الداخلية في غزّة تضمن للشرطيّ مقترف الفعل النجاة دون أية محاسبة حقيقيّة. 

أمّا إدانة تلك التصرفات، واعتبارها فعلاً قمعيًا رجعيًا بامتياز، فيتفق على ذلك كثيرون، وإن بنسب مختلفة. من ضمن رافضي تلك التصرفات أبناء مخلصون لحركة المقاومة الاسلاميّة. إبّان حملة البناطيل الضيّقة وتسريحات الشعر كتب براء نزار ريّان على صفحته على الفيس بوك ما أيّدته الكاتبة المقربة من حماس لمى خاطر بأنّ الحملة غير المستندة على أي سند تشريعي ما هي إلا «جريمة يعاقب عليها القانون». واعتبر الغطاء القانوني، إن هو تواجد، «هبلاً وفضاوة». الرجل تحدّث بلغة متّزنة وكان لما كتبه أثر طيّب على نفوس كثيرين وأنا منهم. 

ما يجب أن تفهمه حماس، والحكومة التي تديرها حماس، هو أنّ أهل غزّة ليسوا رهائن ولا نسخ مكررة من قالب واحد. هذا المجموع الانسانيّ البديع الذي حوصر عامًا بعد الآخر كي يثور على حماس ويطلّق البندقية صبر وتحمّل وأبدع في محاربة الحصار، وانتصر على العالم بأسره، ومن انتصاره -انتصار الشعب- جاء انتصار حماس، لا العكس. لو كنت أنا قياديًا حمساويًا عاملاً في الحكومة لكان شاغلي اليوميّ هو كيف أدلّع هذا المجموع الانسانيّ وأردّ له الجميل. هذه التوليفة البشريّة الممتدة من رفح حتى بيت حانون، محزبين وغير محزبين، متدينين وغير متدينين، هذه التوليفة هي الانتصار الحقيقي والضمانة بأن تظلّ غزة شوكة في حلق كلّ من يخطط للاساءة لها أو لمن فيها. 

كتبت سابقًا، وأكتب اليوم، أنّ غزة التي وقفت في وجه العدوان الاسرائيليّ لا يمكنها أن تسقط في معركة الحريّات الشخصيّة، أقلّه دون قتال. الدعوة واجبة للجميع، لكلّ من يتعرض لفعل قعمي حكومي، أن يتوجه لأقرب مؤسسة حقوقيّة ويوثّق ما حدث معه ويبعث بشكوى. إن كان ذلك غير كافٍ (وهو بالفعل كذلك) فواجب علينا، جميعًا، التفكير في آلية أكثر نجاعة للتعامل مع هذه السلطويّة. لابدّ من معاقبة أفراد الشرطة الذين يتعدون على المساحة العامّة وعلى حق الفرد في الاختلاف.

ختامًا، سأقتبس ما كتبه بلال نزار ريّان وأضعه برسم كلّ أعضاء حماس، كل أعضاء حكومتها، وعلى رأسهم وزير الداخليّة الذي يبدو أنّه لا يقدّر قيمة الناس ولا يحترم اختلافهم. كتب بلال: لا أحب أن أعيش منفصمًا، أحبّ أن أعبر عن أفكاري بهدوء و أحترم كل مخالف؛ هذا خير لي من العيش مع النفاق و الانهزام الداخلي. الحريّة للأفكار. الحريّة للانسان.


%d مدونون معجبون بهذه: