Archive for the ‘بيان رقم 1’ Category

الشّعب يريد: الانتفاضة العربيّة مستمرّة!

أغسطس 12, 2013

محمود عمر

في كتابه “الشعب يريد؛ بحث جذري في الإنتفاضة العربيّة” يقدّم جلبير الأشقر؛ الباحث اللبناني وأستاذ دراسات التنمية والعلاقات الدوليّة في معهد الدراسات الشرقيّة والأفريقيّة في جامعة لندن (SOAS)، خلاصة ما كان ألقاه من محاضرات حول مشاكل التنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الأعوام القليلة التي سبقت إندلاع موجة الانتفاضات العربيّة التي واكبها الأشقر، وانكبّ على مجرياتها تحليلاً ودراسة فضمّن الكتاب كشف حساب “مؤقّت” لتجلياتها في البلدن العربيّة الأكثر تأثرًا بها: تونس، مصر، اليمن، ليبيا، البحرين وسوريّا. 

يرقى الكتاب الذي صدر بالفرنسيّة ونقله عمر الشّافعي إلى العربيّة، إلى مستوى عنوانه؛ إنّه بحث جذريّ بكل معنى الكلمة في الأسباب والدوافع والمحرّكات الاجتماعيّة التي دفعت في اتجاه خروج ملايين العرب هاتفين بإسقاط أنظمة وطغاة تبدو وكأنها متباينة، إلّا أنّها في حقيقتها متماثلة إلى حدّ بعيد، مجبولة على الفساد والقمع والنهب وتضييق الخناق على الفرد العربيّ و تنغيص عيشه. كما ويقدّم الكتاب-الدراسة في فصوله المتأخرة مقطعًا عرضيًا للانتفاضة العربيّة وأهمّ الفاعلين فيها ومحاولات احتوائها المستمرّة. 

في الفصل الأوّل، ونظرًا لما تتيحه الامكانات الاكاديميّة والأرشيفيّة لجامعة لندن، يتمكن جلبير الأشقر من رسم صورة عامّة للتنمية المعاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA) مستندًا إلى توليفة واسعة من الدراسات والأبحاث وتقارير المؤسسات الماليّة العالميّة والإقليميّة التي يقارنها بمعطيات مناطق جغرافية أخرى، مثل جنوب أفريقيا وشرق آسيا، ليثبت فشلاً بنيويًا في عمليات التنميّة في منطقة MENA تصحّ معه القاعدة الماركسيّة التي وردت في مقدمة نقد الاقتصاد السياسي، والتي تمثّل حجز الزاوية الفكريّ لهذا الكتاب برمّته:

“عند مرحلة معيّنة من تطورها، تتدخل قوى المجتمع الانتاجيّ الماديّة في تناقض مع علاقات الانتاج القائمة، وتتحول تلك العلاقات من أشكال تتطور القوى المنتجة من خلالها إلى قيود تعيق تطوّر هذه القوى. وعندئذ، تبدأ حقبة من الثورة الاجتماعيّة”. 

أمّا في الفصل الثاني، فيشمّر الأشقر عن ساعديه ليحوض، متسلحًا بأدواته الماركسيّة، في عمق النمطيات الخاصّة للرأسماليّة في المنطقة العربيّة التي تعجّ بدول ميراثيّة ونيوميراثيّة تبدو ريعيّة في مجملها؛ غير مستندة على الضرائب، وغير آبهة لذلك بما لدى مواطنيها ليقولوه أو يعبّروا عنه، وتطبّق بجهد حثيث وصفات نيوليبراليّة جاهزة للتنمية والحداثة تقلّص دور الدولة المباشر في استغلال الموارد وقيادة عملية التنميّة والتشغيل. النيبوليبراليّة التي بلغت الصفاقة بأحدّ منظّريها، الاقتصادي البيروفي هرناندو دي سوتو، حدّ الإدعاء بأن ما ضحى البوعزيزي بنفسه من أجله هو مبدأ “السوق الحرّة” النيوليبرالي. سوتو قال: جاءت قوى السوق إلى العالم العربي، حتى ولو يكن بدعوة من الحكومات. ويجب على القادة السياسيين أن يدركوا أنّ العرب الفقراء، منذ أن أضرم البوعزيزي النار في نفسه وثار أقرانه مجتجّين، لم يعودوا خارج السوق بل داخله، على مقربة من هؤلاء الحكّام.

وإذ يَخلُص الأشقر في فصل الكتاب الثاني إلى أنّ ما لدينا، في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من الرأسماليّة هو أسوأ ما في الرأسماليّة، ينتقل في الفصل اللاحق لمقاربة العوامل السياسيّة الإقليميّة ذات الصلة بالانتفاضة العربيّة. النفط، بطبيعة الحال، هو أوّل تلك العوامل وأهمّها، وإن كان مسمّى الفقرة الخاصة به “لعنة النفط” فإنّ الأشقر يشرح أنّ المصائب التي يختبرها الفضاء الناطق بالعربيّة ليست جرّاء وجود النفط (يفترض بهذا أن يكون أمرًا جيدًا) بل نتيجة لطريقة إدارة هذا الكنز الاستراتيجيّ واستخدامه في المحافظة على دول ريعيّة، ومبادلته بالرضا والدعم الأمريكي (والأسلحة الأمريكيّة والبريطانيّة والفرنسيّة) وحرمان الفضاء الناطق بالعربيّة من أي مردود حقيقي، ناهيك عن عدم استخدامه في أيّ صناعة تحويليّة معدّة للتصدير. 

وفقًا لتقديرات معهد التمويل الدولي، ومقره واشنطن، بلغت تدفقات الرسمايل الخارجة من دول مجلس التعاون الخليجي 530 مليار دولار خلال السنوات الخمس 2002-2006 ومن بين هذا الاجماليّ، ذهب مبلغ 300 مليار دولار إلى الولايات المتحدة، و100 مليار إلى أوروبا. 

ينحى الكتاب، بعد ذلك، منحى أكثر انشغالاً بالسياسة منه في الاقتصاد، إذ يقارب مسألة “الاستثناء الاستبدادي العربي” الذي تجمع عليه الولايات المتحدة وأوروبا من حيث مطالبتهما دولاً حول العالم بمزيد من الديمقراطيّة، وصمتهما المطبق حول عقوبة الجلد ومنع النساء من القيادة في البلد-المصيبة السعوديّة بحجّة “إحترام ثقافة أهل ذلك البلد”. أمّا الإخوان المسلمون وعلاقتهم براعيتهم الأولى، السعوديّة، ومن تحولهم إلى قطر وأميرها المهووس بالسياسة الخارجيّة، فلهم نصيب لا بأس به من الاشارة والتحليل، لاسيّما وأنّ الأشقر يقتبس “اليبان الشيوعيّ” ليوصّف الإخوان المسلمين توصيفًا ماركسيًا دقيقًا: 

الطبقات الوسطى (ليست الطبقة الوسطى=البرجوازيّة) كلها تحارب البرجوازيّة للحفاظ على وجودها كطبقات وسطى من التلاشي. فهي إذًا ليست ثوريّة ولكن مُحافظة بل وأكثر من ذلك، إنها رجعيّة تسعى إلى جعل عجلة التاريخ ترجع القهقرى. 

هؤلاء الذين يسعون إلى “جعل عجلة التاريخ ترجع القهقرى” هم الإخوان المسلمون الذين وعدوا النّاس بفردوس إسلاميّ مفقود، واتخذوا شعارًا أجوفًا هو “الإسلام هو الحل”، وهم -حسب ما يقدّمه الأشقر من إشارات لدراسات وأداء الإسلاميين في الحكم- نيوليبراليين يسعون إلى التخلصّ من “برجوازيّة الدولة” والدخول في برجوازيّة السّوق (زيارة مرسي إلى الصين مثالاً). وإذ يتنبأ لهم الأشقر (مثلما فعل السابقون) بنهايات تعيسة بعد خروجهم من قمقم المظلوميّة إلى نور السلطة السّاطع، فهو يفرق تمام التفريق بينهم وبين “حزب العدالة والتنمية” التركي، بل حتّى بينهم وبين الخميني. أمّا القوى الفاعلة في الثورة، والذين يتطرق لهم الأشقر ويعوّل عليهم فهم: الحركات العماليّة، حركات النضال الاجتماعيّ، والفاعلون الجديد: شباب الإنترنت. 

هل قلت مؤامرة؟

يطرق الأشقر في هذا الكتاب أبواب مفارقات سياسيّة، ونقاط تحوّل ضجّ بها “الربيع العربيّ” وانقسم عليها المنقسمون؛ تدخّل الناتو في ليبيا، تسلّح الثورة في سوريّا، وذلك في معرض تقديم “كشف حساب” لانتفاضتي البلدين. مفردة “المؤامرة” التي طفت إلى السطح (كانت قريبة منه على الدوام) بعيد الحظر الجوّي فوق ليبيا ودخول الانتفاضة السوريّة معترك التسليح هي مفردة يشيع استخدامها، حسب الأشقر، عند فئتين من الناس: مناهضو الإمبرياليّة وأهل الشرق الأوسط. وإن كان الأشقر لا ينفي (ومن يستطيع أن ينفي؟) وجود مؤامرات دائمة في هذا الجزء من العالم، إلا أنّه لا يتحرّج من التنظير داعمًا للانتفاضة الليبيّة، شارحًا أسباب ودوافع الناتو للتدخل فيها ومخرجات ذلك على الصعيد الاجتماعيّ الليبي، ومؤيدًا للثورة السوريّة التي يؤكّد أنّ تسلّحها أمر لم يكن بديهيًا فحسب، بل ومطلوبًا؛ نظرًا لطبيعة الجيش السوريّ واستناده على شريحة شعبيّة من طائفة واحدة. يقول الأشقر: 

التحليل الصحيح لطبيعة النظام السوري، ولاسيّما طبيعة قواته المسلحة، كان من شأنه أن يفضي بالضرورة إلى استنتاج مفاده أنّ النظام السوري يستحيل إسقاطه بغير حرب أهليّة. 

ولمناهضي الإمبرياليّة الذين تحرّجوا من الاصطفاف بجانب الانتفاضة السوريّة (فنّد الأشقر في موضع آخر في الكتاب هذه الحجّة المتعلقة بالامبرياليّة) لم يستخدم الأشقر مبررات ومعطيات جيوسياسيّة واقتصاديّة فحسب، بل وأخلاقيّة أيضًا إذ أورد ما قاله الثوري الفرنسي غراكوس بابوف في 1795:

تصرخون قائلين إنّه يجب تجنب الحرب الأهليّة؟ وأيّ حرب أهليّة أكثر إثارة للاشمئزاز من تلك التي يكون القتلة فيها في كلّ جانب، والضحايا العزّل في جانب آخر؟ هل بوسعكم تجريد من يريد تسليح الضحايا من القتلة؟ أوليس من الأفضل أن تقع حرب أهليّة يكون بوسع كلا الطرفين فيها الدفاع عن النفس؟

في خاتمة الكتاب، يوصل الكاتب أفكاره النهائيّة بإيضاح سابق حول أنّ الإشكاليّة بين الإسلام والديمقراطيّة إشكاليّة وهميّة، ويؤكّد أن السلطة اليوم “في الشّارع” في الفضاء الناطق بالعربيّة. الصّراع ضد النيبوليبراليّة، ورأسماليّة المحاسيب، والفساد الإدراري، وقمع الحريّات، صراع طويل والحقبة الثوريّة العربيّة لا تزال في بدايتها. يختم الأشقر بحثه الجذريّ عن الانتفاضة العربيّة المستمرّة بالقول: المستقبل يدوم طويلاً، كتب الجنرال ديغول في مذكراته خلال الحرب. إنّه لتعبير جميل عن الأمل!

موسيقى أوسلو وشيخ القبيلة.

أبريل 26, 2013

محمود عمر

نُشر هذا المقال على معازف.

في واحد من خطاباته بعد عودته إلى “أرض الوطن”، تحدّث ياسر عرفات بصراحة عن الاعتراضات التي أبداها كثيرون حول اتفاق أوسلو. وحاول، في مشهد نادر وبمنطق عجيب، أن يردّ عليها. قال “السيّد الرئيس” يومها بعد ان انتهى من ابتزاز التاريخ، والتذكير ببعض اعتراضات الصحابة على توقيع صلح الحديبيّة: “إن كان لأحدكم اعتراض على ما حدث، فأنا عندي 100 اعتراض جنبيه”. هذا الرد على ما فيه من اعوجاج ومزاودة يظلّ مُستوعبًا، إذ قاله عرفات في خطاب أمام الناس. أمّا في الغرف المغلقة فكانت ردود عرفات على بعض بطانته، ومنهم شاعره المفضّل محمود درويش، حين اعترضوا على أوسلو وادّعوا أن لفيفًا من الفلسطينيين يشاركهم الرأي، ردودًا أكثر وضوحًا ومباشرة. في أكثر من واقعة، قال “السيد الرئيس” لمحدثيه منهيًا النقاش: أنا الشعب الفلسطيني.

14533_175129219247_5488672_nفي حديثنا عن عرفات، أينما ورد تقديمه على أنّه “السيد الرئيس” فذلك مجازيّ تمامًا. عرفات لم يكن رئيسًا رغم رغبته الجارفة والمرضيّة بأن يكون كذلك. وقّع اتفاق أوسلو من أجل أن يصبح رئيسًا. عاد إلى غزّة وأريحا من أجل أن يصبح رئيسًا. أعطى أوامره بشن حملة ضد أفراد حماس والجهاد الإسلامي في التسعينيّات كي يصبح رئيسًا. لكنّه فشل في ذلك ومات، رحمه الله، على ما هو عليه حقًا؛ شيخًا للقبيلة.

الصحافة، أجهزة الأمن والوعود بالرخاء الاقتصادي كانت ضمن الوسائل التي استخدمتها “السلطة الفلسطينيّة” لتسويق اتفاق أوسلو واقناعهم بأنّ هذا كلُّ ما كان بالإمكان. تلك الوسائل مثّلت الشقّ الصلب من البروباغندا السلطويّة. أما في شقّها الناعم فعلى رأس القائمة كانت الموسيقى. نشأ جيل كامل في التسعينيّات على وقع أغانٍ ذات نكهة مصريّة في عمومها، أغانٍ تمجّد الرئيس وتدعو له بطول العمر. بقرار من “الأعلى” غطّت تلك الأغاني على إرث الانتفاضة الأولى الموسيقيّ الذي غاب (قُل: غُيِّب) في تلك السنين العجاف.

النتاج-النموذج الذي يمكن من خلال تشريحه فَهم الدوافع الفكريّة، والطبيعة اللحنيّة، وماهيّة الكلمات المستخدمة في ذلك النتاج الموسيقيّ السلطوي هو أسطوانة “غزة-أريحا” الذي تمّ انتاجه عام 1994 وبُثت أغانيه، بلا كلل ولا ملل، على تلفزيون فلسطين آلاف المرّات. التوقيع الذي طبعه محمود عباس في حديقة البيت الأبيض كان يعني، فيما يعنيه، وداعًا مؤقتًا لكل التعبيرات الموسيقيّة الشعبيّة، وترحيبًا إجباريًا بالأغنية-الشخص. الصبايا والشبّان الذين نزلوا “يتحدّوا الدوريّة” في أغنية الفرقة المركزيّة نزلوا، في أغاني التسعينات عمومًا، وأغاني غزة-أريحا خصوصًا، ليلتقطوا صورة على بحر غزّة.

الأغنية التي لاشكّ تذكر كثيرين، وأنا منهم، بتلك الأيام، ولربما دفعتهم للابتسام (الابتسام قهرًا؟) تختم نفسها بمشهد ترسمه ببطء: “صوّر عامل في المصنع، وفلّاح بيحرث يزرع، وشعب بيهتف للقائد، ورايات النصر بيرفع”. ينسحب هذا المشهد على أغلب النتاجات الموسيقيّة للبلدان المحكومة بقبضة حديديّة. المثير للسخرية، في الحالة الفلسطينيّة، أنّ هذا المشهد جرى تقديمه لشعب كان لا يزال يرزح تحت الاحتلال.

القائد الذي يظهر في “صوّر يا مصوراتي” في لمحة واحدة، حين يهتف له الشعب، يخصص له نصيب الأسد في أغانٍ أخرى. إنّه “ضمير الشعب، البسمة والإعصار” في “أهلاً أهلاً يا أبو عمّار” التي كانت تبث مصحوبة بتسجيلات لدخول موكب عرفات من جهة رفح قبل أن تتركّز الصورة على سيارته المرسيدس التي يخرج منها ليحيي الجماهير. إنّه “الريّس” حسبما تريد له الأغنية ومن موّلها وكتبها وبثّها وأن يكون، وعلى طريقة السادات، كان الريّس هو الذي يحمل دومًا، في جيبه على الأغلب، “طلقة حبّ وطلقة نار”.

في “هذا هو القائد” يخرج علينا اللحن مصريًّا بامتياز، لاسيّما في مطلعه، تزاحمه دفقات فجّة لمزمار قلق. مصحوبًا بكورس نسائيّ يلطف الأجواء، يغنّي المؤدي الرئيسي الكلمات التي نقعت مطولاً في سوائل السلطة وزُيّنت بمستحضراتها وأريد لها أنّ تجيب عن أسئلة الديمقراطيّة والاختيار فاختارت “الحب” معينًا تنهل منه. “بالحبّ إحنا اخترناه”. هو القائد “إن كنّا برّا أو جوّا”، قائدًا لمسيرة شعبه وأحلامهم وطموحاتهم وغالٍ تحوطه الجماهير التي قررت “بالحبّ” أن تسير معه درب الحرب و درب السلام. كلّه بالحب.

مسألة الاختيار كانت ملحّة وهاجسًا من هواجس من وقف ذلك النتاج الموسيقيّ. وإن كانت “هذا هو القائد” قد بررت الأمر بالحبّ، فإنّ “أعطيناك العهد يا أبو عمار” تبدو أكثر جديّة، يساعدها في ذلك لحنها المشوب بشيء من البداوة. العلاقة متبادلة وسلسة بين القائد والشعب، “أعطيناك العهد” وأنت، يا ريّس، “وفيت الوعد”. وعلى كلّ الأحوال “نحنا ويّاك سايرين”.

مسألة أخرى كانت حاضرة بقوّة في موسيقى أوسلو، والمبرّرات، لاشك، كانت سياسيّة بامتياز. الوحدة الوطنيّة، سواءً أكانت وحدة الأحزاب الفلسطينيّة واجماعها على المصالح العليا، وحدة النسيج المجتمعي، أو دالّة على التفاف الشعب حول قيادته متمثلة بالسلطة الفلسطينيّة.

في “إحنا الفلسطينيّة” ذات اللحن الأوبرالي الذي يذكر بأوبريت “وطني حبيبي الوطن الأكبر” يجري تقديم السلطة الوطنيّة على أنها نموذج حكم شعبي حنون، يعبّر فيه الجميع عن رأيه بكلّ وداعة. يقول مطلع الأغنية: “إحنا الفلسطينيّة، شعب وسلطة وطنيّة، نتكلّم ونحاور، من أعلى المناور، والرأي النهائي: رأي الأغلبيّة”. يكون مفيدًا أن نورد، في هذا السياق، أنّ أغنية من هذا النوع كان يجري تسويقها في الوقت الذي تكدّس فيه عشرات المنتمين لحركتي حماس والجهاد الاسلامي في سجون السلطة التي كانت تقول لنا: “إخوّة أحبّة ما بينا خلاف، نبدي الرأي، وليش نخاف؟ ناكل زعتر لقمة حاف، بس نتنفّس حريّة: سلطتنا الوطنيّة”.

أغنية واحدة من نتاج تلك الفترة الموسيقي كانت موجهّة، ربما، لفئة معينة (مثقفة؟) من الشعب الذي يحبّ “الريّس”. بكلمات فصيحة وألحان تكاد تكون عسكريّة، كانت أغنية “هي في انتظارك”. القدس التي “هي” في انتظاره، في انتظار الريّس. تخاطب الأغنية الريّس قائلة: “أقبل أبا عمار، شعبك عن يمينك عن يسارك (بالمعنيين الفيزيائي والسياسي) يحميك بالحبّ الكبير ولن يحيد عن اختيارك”.

ربّما يكون استحضار تلك الفترة، موسيقيًا، استحضارًا لما انتهى بشكله الواضح. لكنّ المفهوم، والمبتغى لا زال متواجدًا بقوّة. الموسيقى (الرديئة في أغلب الاحيان) تمسك من ياقة قميصها لتخدم كلّ المشاريع السلطويّة في فلسطين، كما في أيّ مكان آخر. المهندس رحل دون أن يستطيع إكمال “هندسته لأمانينا”. “كبير العيلة” رحل ولم تفلح كلّ المحاولات في تحويله من كبير العائلة إلى “ريّس” إذ لا دولة، لا قدس ولا تحرر وطني، لا شيء غير واقع محتدم، تركة فساد طويلة، وأغانٍ اعتزلت ليحلّ محلها أغانٍ جديدة لن يطول الوقت حتى تنتهي بدورها إلى الأرشيف، هذا إن لم نقل إلى مكان آخر أكثر بؤسًا وأشنع رائحة.

عن السيادة المصريّة وأنفاق رفح، حبيبة قلبي.

مارس 14, 2013

محمود عمر

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

تغيّرت معاملة الفلسطينيين في مصر ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتغيّرت معها أساليب طرحهم وقضاياهم في الإعلام المصري. لقد إزداد الأمر سوءًا. الفلسطينيّون، حسب الإعلام المصري ولفيف من الرسميين المصريين، في كلّ مكان. إنّهم يقتحمون السجون، يسرقون البضائع والسيّارات والمحروقات والكهرباء ويحتلّون، في أوقات فراغهم، شبه جزيرة سيناء. عندما يشتدّ الضغط، ويتأزم المشهد، يرسل الفلسطينيون نخبة مختارة من المقاتلين المقنّعين لحماية قصر الرئاسة المصري. الأنفاق على الشريط الحدود بين رفح المصريّة ورفح الفلسطينيّة، وفق نفس المنطق، هي ما مكّنتهم من فعل ذلك كله، إنّها إكسيرهم السرّي، وخنجرهم المسموم.

العقليّة البائسة التي أنتجت كل ما سبق وأكثر من الخزعبلات هي نفس العقليّة التي حكمت، تحت عناوين مختلفة، هذا البلد الممتد صحراءً وحزنًا، على مدار عقود طوال. الثورة التي أطلقها شباب ملّوا الغبار والمصاعد المعطلة لم تتمكن بعد من حسم الأمور تمامًا؛ لم تتمكن -بعد- من إدارة الدفّة، وتصويب البوصلة. العَجزة لا زالوا في الحكم، ملتحين وغير ملتحين، ولا زال الإسقاط الفوقي للمعلومات، منذ أرساه عبد الناصر، وعمّده السادات، يعمل بسلاسة غير معهودة في بلد الانسداد المروري والسيستيم الواقع.

آخر ما جادت به القريحة: اتّهام عناصر من حماس بالتخطيط لقتل الجنود المصريين في منطقة الماسورة في رفح، انتقامًا من الجيش المصري لهدمه الأنفاق. لا أدلّة، لا تحقيق جدّي، دولة برمّتها لا تبالي بمواطنيها وترمي بالتهمة والمسؤولية على المُشيطنين ذوي اللهجة الرثّة. رخيص هو المصريّ عند دولته وولاة أمره، أرخص من أن يبحث في أمر موته، سواء مات على الحدود، أو في قطار محترق، أو برصاص الداخليّة.

ليست الأنفاق “شريان حياة”  وممرًا لمستلزمات الحياة اليوميّة فحسب.  إنّها نوعٌ من القفز فوق الحاجز، استعمال أمثل للعقل البشري، نموذج تجب دراسته في ميكانيزم الاختراق. الأنفاق، في حسابات المناكفة، بصقة في وجه من ظنّوا أنهم حبكوها جيّدًا، إسرائيليين وعربًا وأمريكان، وفي حسابات الجغرافيا، كسبٌ للناس على طرفي الحدود، وإسألوا بدو سيناء وأهلها اللذين لا قيمة ولا معنى لهم في حسابات القاهرة ونخبتها التي تنظّر عن سيناء وما زارتها يومًا.

عندما حفر الفلسطينيّون في غزّة الأنفاق بعدما أغلق العالم أبوابه في وجههم، لم يبالوا لا بسيادة مصريّة ولا قوانين دوليّة. وكيف لهم أن يبالوا؟ هذا الكلام الكبير يصغُر أمام رغبة إنسان فرد واحد في أن يرتاح. يشبه الأمر أنّ تفك حزامك، والزرّ الأول من البنطال، بعد وجبة غداء دسمة. هذه الرّاحة بعد ضيق، هذا الانشكاح الانسانيّ بامتياز، لا مردّ له ولا هويّة. لو كان الأمر متعلقًا بغير الفلسطينيين لفعلوها، لو كانت الجغرافيا مغايرة لتمّت. إنّها ألف باء بشريّة. من لم يفهم الأنفاق ويستشعر حلاوتها وهي التي مكّنت عشّاقًا من اللقاء وعائلات أن يلتم شملها، فلا خيار أمامه إلا أن يراجع إنسانيّته.

حاول كثيرون إنهاء الأنفاق باعتبارها ظاهرة يتفوّق فيها من هم تحت على من هم فوق. أجهزة السلطة الأمنيّة كانت قد أعدّت قبل سنوات خطة تفصيلية يتم تنفيذها بالتعاون بين السلطة، إسرائيل والجيش المصري. ذهبت الخطة ومن وضعها أدراج الرياح. قصفت إسرائيل الأنفاق غير مرّة، قصفوها بصواريخ ارتجاجيّة، بأعقد وأحدث ما جادت به القريحة العسكريّة الأمريكيّة، ولكن عَبس. حاول المصريّون، ضخّوا فيها الغاز، كهربوها، ملأوها بمياه المجاري، ولكن عَبس.

حفرها الفلسطينيّون مجددًا، وأعادوا تنظيم اللوجيستيك بحيث تكون الأنفاق شبكة متداخلة، وللنفق الواحد عدّة أعين. المعركة الذهنيّة بين من يدهن السور، ومن يكتب له عليه “مبروك الدهان الجديد” في القاهرة كانت هي نفس المعركة بين من يهدم الأنفاق ومن يحفرها في رفح، وفي الحالتين الغلبة كانت للمبدع. للرّاقص فوق الأرض، وتحت الأرض ويوم العرض على التاريخ. 

لن تنتهي الأنفاق إلا بانتهاء الوضع المشوّه الذي استدعى حفرها، وفتح المعبر للبضائع. لا يشمل ذلك المعطى أنفاق تهريب السلاح التي إن أرادها البعض مغلقة، كان لزماً عليه توفير السلاح شرعيًا. شيطنة الفلسطينيين في مصر هي نصيبنا من بؤس الدولة المصريّة المتفاقم، وسياسات المؤامرة والعدو المترصّد التي تجري فيها مجرى النَفس. لا يعني ذلك أن نصمت على ما يكال من اتهامات بلا أدلّة ولا شواهد. مهمٌ أن نتحدث، أن نشرح، أن ننفي، وأن نحاجج من أمنوا جانب اسرائيل واستعدوا حفنة من الفلسطينيين بمنطق الحقّ والحقيقة. الأهم، أن لا نكره، رغم كل ما نرى ونسمع، جوار مصر وقربها، وأن لا نكرهها جوارنا وقربنا، وأن ندفع جميعًا في الإتجاه الذي سيحسم كلّ شيء، ويزيل كل لغط ويشفي كل سقم، إتّجاه الثورة، مصريّة كانت أم فلسطينيّة. 

بالخلاص يا شباب، بالخلاص يا سوريا!

نوفمبر 11, 2012

محمود عمر.

إذا كان عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر قد تحدث، في معرض التناول التشريحي للعلمنة، باعتبارها نشاطًا اجتماعيًا معرفيًا، عن “نزع السّحر عن العالم”، فإنّ ياسين الحاج صالح، الكاتب والناشط السّوري، يتحدث في كتابه “بالخلاص يا شباب!” بالدرجة الأولى عن “نزع السّحر عن السجن” وما يتصل به من أساطير وخيالات تحيل على مفاهيم كالبطولة والثبات حيث “لا مجال للتراجع والاستسلام”، و “ليس بعد الليل الا فجر مجد يتسامى” وبدأ تناول السّجن باعتباره موضوع ثقافي، أي “أنسنته” وفق التعبير المحبب لقلب نصر حامد أبو زيد. على الصّعيد الشخصي، لا يخفي الحاج صالح رغبته في تقيؤ التجربة (والوصف لألبير كامو) عبر “التخلّص” من هذا الكتاب بنشره بعد تجميع مواده منذ العام 2003 وصولاً إلى عام 2011، العام الذي يمكن استعاره عنوان كتاب سلافوي جيجيك الجديد لوصفه بـ”عام الأحلام الخطرة”.

يسرد الحاج صالح في مستهلّ الكتاب حقائقًا تشكّل مقياس الرسم الذي يرشد القارئ عبر تلك الدفقات الضوئيّة التي تنير جنبات السجون السوريّة، والمسجون السوري. اعتقل فجر 7/12/1980، كان في العشرين من عمره، طالبًا في السنة الثالثة في جامعة حلب، وعضوًا في الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي، عذّب ليوم واحد في “الفرع” على “الدولاب” و “بساط الريح”، وهي أسماء متداولة لتقنيّات تعذيب بعثيّة، وأحيل إلى سجن المسلمية في حلب قبل أن يتنقّل بين سجن عدرا والسّجن المطلق؛ سجن تدمر. أفرج عنه يوم السّبت 19/121996. بالمحصّلة: 16 عامًا و14 يومًا انتزعت منه، بُترت ولا مجال لاستردادها، وما ذلك إلا عيّنة ضاربة في الدقّة من مجمل ما سُرق من السوريين، بأيادٍ سوريّة.

يلتبس السجن، وتموّه الحريّة، في سوريّا التي يخنقها البعث. لا يتاح للسجين السياسي، بعد الإفراج عنه، فسحة تمكّنه من هضم التجربة، والتصالح مع الذّات. يخرج إلى مجتمع الخطاب الرسمي السّائد فيه يتحدث عن الرغبة في التقدّم، والاستمرار، والتجاوز، حيث لا وقت للتوقّف عند إشكالات صغيرة، كآلاف السجناء السياسيين، والبلد بنظامها وشعبها “مستهدفة”. يشعر “المفرج عنه” بأنّه ممنوع من التذكّر، لكنه أيضًا -في حبكة فاشيّة- ممنوع من النّسيان. عليك أن تظل تتذكّر أنك تحت المراقبة، في دائرة الضّوء، لكن عليك أن تنسى عذاباتك، وتفقد القدرة على طلب المساءلة التي إن حدث وطلبتها فأنت تعبث بنسيج المجتمع، ويفيض من قفصك الصدري حقدٌ لن يفيد الوطن، ولا المواطنين، مع أنّ السجن، بما يفرضه من قرب إجباري، وإستثارة لحساسيّات مجهريّة في الكائن البشري نتيجة وجوده الدّائم في مرمى عين “الآخر”، كان قد أصبح نمط حياة لكثيرين في سوريا.

يناقش الحاج صالح الجدليّات التي تربط السّجن، والضّيق، بالذاكرة، الوقت، الخصوصيّة، المرأة (التي عرّف مصطفى خليفة السّجن بأسره على أنّه غيابها)، الحنين والتّسمية. تنتهي ردّة الفعل الأوليّة بالصّمود المجوّف، ويصير لزامًا على السّجين أن يعترفه بنفسه سجينًا، أن يفتح صفحاته و”يسمح للسّجن بتأليفه”. عقارب السّاعة هي الأخرى تحتاج توليفة من نوع ما كي تصير مأمونة الجانب.  يقتل البعض الوقت، ويكسبه الوقت الآخر، ويكون للكتب، التي سيسمح بإدخالها بعد فترة، أثر ضخم في تدعيم الوجود الانساني للسجناء عمومًا، اليساريين منهم خصوصًا. قرأ ياسين الحاج صالح أثناء وجوده في السّجن كتاب محمد عبد الجابري عن فلسفة العلوم، والاستشراق لادوارد سعيد، النزعات الماديّة في الفلسفة العربيّة الاسلاميّة لحسين مروة، ومجموعة من كتب هيغل وبعض كتب عبدالله العروي. الكتب، مضافة إلى التمطّي الفكري الذي يفرضه “نمط الحياة/السّجن”، دفع بياسين الحاج صالح، كما سبق ودفع بغيره كثيرين، إلى “التحرر” من كثير من القناعات التي دخلوا بها العنابر والزنازين.

قراءة الكتاب، بعيدًا عن ربطه بالبلد، وبالكاتب، وبحقيقة نشره بعيد إندلاع الثورة السورية، والنظر إليه من زاوية أوسع، يفتح الباب لعدّة استنتاجات وتأملات، وخصوصًا في عمليتي البناء والهدم اللتان تلخصان مسيرة الانسان الفكريّة. ربما يجوز القول بأن السجن يكثّف عمليات الأيض الفكريّة -إن جاز التعبير- ويضمن، إلا في حالات نادرة، أن من يدخل إلى السجن، لن يخرج منه بنفس العقليّة. إنّه -أي السجن- حالة “نقد ذاتي” إجباريّة، وطويلة، وجذريّة، وهو ليس موئلاً للمثقفين، بقدر ما هو صانع قاسٍ لهم. يقول ياسين الحاج صالح في معرض حديثه عن هذه النقطة تحديدًا: إنّ التحرر الحقيقي من السجن هو أن يتسنّى لنا أن تجعل منه مجالاً للتحرر من سجون أخرى أشدّ فتكًا، من عبوديّات وقيود ومطلقات أسوأ من السّجن ألف مرة. ويضيف في موضع آخر من الكتاب: صرت على نفور عميق من كلّ مذهبيّة مغلقة ومن كل منزع يقينيّ ودوغمائي، ومن انتهازيّة أصحاب العقائد ولا أخلاقيتهم العميقة. الحديث السّابق يبدو اليوم، وكلّ اليوم، ملحًّا لنا كعرب ننتمي إلى “شرق المتوسّط”، أحد أكثر المناطق إبداعًا في قتل الإبداع، واحتراف الإقصاء، والمساومة بين التفاصيل الصغيرة، وبين الشّعار.

آن أوان الخوض في اللايقيني، كما يقول كارل بوبر. آن لمجتمعاتنا العربيّة أن تُفتح، وأن تبحث في أمر مآسيها، وضحاياها. أن تغفر، وتحاسب. أن نجلس جميعًا على طاولة مستديرة لنصل إلى ما يجب فعله إزاء ما سبق، وإزاء القادم. سوريّا اليوم، بشعبها الثّائر، أقرب إلى ذلك التحدّي من أي شعب عربيّ آخر. إذا كانت الحريّة تعني لياسين الحاج صالح المرأة والحب، فمعناها بالنسبة لسوريّا-المجتمع، سوريّا الأفراد، هو ما تتم الاجابة عنه اليوم. ينقل السّجين القابع في سجن تدمر، السجن المطلق، إلى سجن عدرا، أو صيدنايا، أو المسلميّة، حيث يختبر مجددًا التخالط مع أقرانه استعدادًا للخروج إلى المجال العام. سوريّا البلد، سوريّا الشّعب، خرجت بلاشكّ من تدمرها، أمّا وجهتها القادمة فتحدٍّ قائم، وجرح رطب، وثورة مستمرّة.

النبي صالح: فيلم مبني على أحداث حقيقيّة؟

أغسطس 25, 2012

لكلّ واحدٍ عدسته الخاصّة. الله له عدسة زرقاء ضخمة اسمها السماء، ووكالات الأنباء والصحفيّون المستقلّون وغالبيّة النشطاء الأجانب لهم عدساتهم السوداء على الأرض. جنود الاحتلال أيضًا لهم نصيب، في بنادقهم الحديثة عدساتٌ صغيرة مثبتة بحرفيّة على ظهر البنادق كي تسهّل وضع الهدف في الـ:”Focus”. أقول الـ”Focus” لأنّ اللغة الانجليزيّة ذات أهميّة بالغة في مجالي التصوير والاحتلال، حتّى أن الفعل المستخدم فيها لوصف التقاط الصور، وإطلاق النار, هو الفعل نفسه: Shoot.

يخبرنا المخرج الايطالي مارتن سكورسيزي أنّ السينما هي عملية انتقاء لما سيكون داخل الإطار، واستبعاد لما سيكون خارجه. ومن نافل القول أنّ الأدوات المستخدمة في إنتاج المادة السينمائيّة من كاميرات ومؤثّرات وتجهيزات إضاءة وميكروفونات، يجب أن تكون لا خارج الإطار السينمائيّ فحسب، بل وخارج إطار خيال المشاهد. بكلمات أخرى: يجب أن يتأثّر المشاهد ويصدّق ما يراه، ويتحوّل على إثر ذلك إلى “شاهد” على الأحداث التي باتت تجري أمام ناظريه، لا أمام عدسات الكاميرا.

قلنديا والأربعين مصوّر

قلنديا والأربعين مصوّر

في الضفّة الغربيّة يختلط الحابل بالنّابل، ولا تنطبق مستلزمات الحقيقة ولا اشتراطات السينما. قرية النبي صالح التي يمكن اعتبارها نظرًا لموقعها الجغرافيّ “بؤرة” فلسطين، تعطي مثالاً واضحًا. تدرك أنت إذ تتابع أنباء وصور مظاهراتها الأسبوعيّة أنّ ما يحدث ليس مشهدًا من فيلم. هذه الدموع المنهمرة على خدّ فتاة صغيرة دموع حقيقيّة وليست مكمّلاً جماليًا للقطة حزينة ترافقها موسيقى تصويريّة ناعمة. هذا الجنديّ الذي يلفّ ذراعه حول عنق صبيّة في ربيع ثورتها مستعمرٌ من ظهر مستعمر، وليس ممثلاً سيدخل بعد قليل غرفته الخاصّة ليمسح المكياج ويخلع عنه البدلة العسكريّة مرتديًا ثيابًا أكثر ملائمة للطقس. كل شيء حقيقي وفاعل: قنابل الغاز، البنادق، الجيبات العسكريّة، الجدار الفاصل، كلّ شيء. ومع ذلك لا يسعك إلا أن تشعر أنّ “الصورة” مرتبكة ومربِكة.

يرى الله كل ذلك (كما يرى كل مظاهر القمع والظلم الأخرى في العالم ) ويصّوره بدقّة HD من خلال عدسته الضخمة، ولكنه يفضّل عدم التدخل مباشرة. يقول لنا المتديّنون في معرض التفسير: تلك هي “الإرادة الإلهيّة” التي قد لا يتجلى مرامها السّامي للانسان البسيط، والتي لا يجب أن يطرح الخوض في أمرها تساؤلات حول الشهامة والمواقف. ولكن، ماذا عن البشر؟، ماذا عن اتخاذ القرار في الدماغ، تمريره عبر اشارات الجهاز العصبيّ الكهربيّة إلى العضلات، ليتحوّل إلى جهد فيزيائيِّ مرئيٍّ قادر على إحداث التغيير؟ كيف والأمر يتعلّق بأشخاص مستعمَرين تتراكم الدهون في عضلاتهم ولا مجال – كما أخبرنا فانون- لتصريفها إلا عبر الفعل المقاوم؟.

عندما يحيط سبعة مصورين أو أكثر بجنديين يضربان أو يسحلان أو يحاولان اعتقال شاب أو فتاة, يتراصّون ببلاهة على مسافة لا تتجاوز الخطوة الواحدة من “مسرح الأحداث”، بعضهم يحني ظهره كي يضبط “الشوت”، والبعض الآخر يحاول تقريب الميكروفون قدر المستطاع، وكلّهم يتصرف وكأن لا وجود لشخص آخر غيره، هل يكون الأمر عاديًا_حقيقيًا؟. لو كان ذلك مشهدًا سينمائيًا لما رأيت كل هذه الكاميرات، ولو كان حقيقة مطلقة (حقيقة بالنسبة لكلّ العناصر الظاهرة في الصورة) لما رأيت كلّ هذه الكاميرات. فما الذي يحدث بالضبط؟، ولماذا يتكرر برتابة فجّة ونسق بغيض؟ هل هذا هو “الحياد الصحفي” يتجلّى على مسافة قصيرة من جلاد وضحيّة؟

لا يحاول كاتب هذا المقال الخوض في النوايا أو التشكيك في الأهداف أو التقليل من أهميّة تلك الفعاليّات المقاوِمة. جلّ ما في الأمر أنني إذ أشاهد الصور ومقاطع الفيديو من مظاهرات قرية النبي صالح، او معتقل عوفر، أو حاجز قلنديا ويظهر لي هذا الكمّ الهائل من العدسات داخل الإطار، في تجمّع أقرب إلى العبثيّة، تصيبني الحيرة. هل انتهى الأمر أم أنني سأسمع عمّا قريب صوتًا خافتًا جدًا يقول .. Cut؟!

النبي صالح - جمعة 24/8

النبي صالح – جمعة 24/8

 


%d مدونون معجبون بهذه: