Archive for the ‘بيان رقم 1’ Category

عن السيادة المصريّة وأنفاق رفح، حبيبة قلبي.

March 14, 2013

محمود عمر

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

تغيّرت معاملة الفلسطينيين في مصر ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتغيّرت معها أساليب طرحهم وقضاياهم في الإعلام المصري. لقد إزداد الأمر سوءًا. الفلسطينيّون، حسب الإعلام المصري ولفيف من الرسميين المصريين، في كلّ مكان. إنّهم يقتحمون السجون، يسرقون البضائع والسيّارات والمحروقات والكهرباء ويحتلّون، في أوقات فراغهم، شبه جزيرة سيناء. عندما يشتدّ الضغط، ويتأزم المشهد، يرسل الفلسطينيون نخبة مختارة من المقاتلين المقنّعين لحماية قصر الرئاسة المصري. الأنفاق على الشريط الحدود بين رفح المصريّة ورفح الفلسطينيّة، وفق نفس المنطق، هي ما مكّنتهم من فعل ذلك كله، إنّها إكسيرهم السرّي، وخنجرهم المسموم.

العقليّة البائسة التي أنتجت كل ما سبق وأكثر من الخزعبلات هي نفس العقليّة التي حكمت، تحت عناوين مختلفة، هذا البلد الممتد صحراءً وحزنًا، على مدار عقود طوال. الثورة التي أطلقها شباب ملّوا الغبار والمصاعد المعطلة لم تتمكن بعد من حسم الأمور تمامًا؛ لم تتمكن -بعد- من إدارة الدفّة، وتصويب البوصلة. العَجزة لا زالوا في الحكم، ملتحين وغير ملتحين، ولا زال الإسقاط الفوقي للمعلومات، منذ أرساه عبد الناصر، وعمّده السادات، يعمل بسلاسة غير معهودة في بلد الانسداد المروري والسيستيم الواقع.

آخر ما جادت به القريحة: اتّهام عناصر من حماس بالتخطيط لقتل الجنود المصريين في منطقة الماسورة في رفح، انتقامًا من الجيش المصري لهدمه الأنفاق. لا أدلّة، لا تحقيق جدّي، دولة برمّتها لا تبالي بمواطنيها وترمي بالتهمة والمسؤولية على المُشيطنين ذوي اللهجة الرثّة. رخيص هو المصريّ عند دولته وولاة أمره، أرخص من أن يبحث في أمر موته، سواء مات على الحدود، أو في قطار محترق، أو برصاص الداخليّة.

ليست الأنفاق “شريان حياة”  وممرًا لمستلزمات الحياة اليوميّة فحسب.  إنّها نوعٌ من القفز فوق الحاجز، استعمال أمثل للعقل البشري، نموذج تجب دراسته في ميكانيزم الاختراق. الأنفاق، في حسابات المناكفة، بصقة في وجه من ظنّوا أنهم حبكوها جيّدًا، إسرائيليين وعربًا وأمريكان، وفي حسابات الجغرافيا، كسبٌ للناس على طرفي الحدود، وإسألوا بدو سيناء وأهلها اللذين لا قيمة ولا معنى لهم في حسابات القاهرة ونخبتها التي تنظّر عن سيناء وما زارتها يومًا.

عندما حفر الفلسطينيّون في غزّة الأنفاق بعدما أغلق العالم أبوابه في وجههم، لم يبالوا لا بسيادة مصريّة ولا قوانين دوليّة. وكيف لهم أن يبالوا؟ هذا الكلام الكبير يصغُر أمام رغبة إنسان فرد واحد في أن يرتاح. يشبه الأمر أنّ تفك حزامك، والزرّ الأول من البنطال، بعد وجبة غداء دسمة. هذه الرّاحة بعد ضيق، هذا الانشكاح الانسانيّ بامتياز، لا مردّ له ولا هويّة. لو كان الأمر متعلقًا بغير الفلسطينيين لفعلوها، لو كانت الجغرافيا مغايرة لتمّت. إنّها ألف باء بشريّة. من لم يفهم الأنفاق ويستشعر حلاوتها وهي التي مكّنت عشّاقًا من اللقاء وعائلات أن يلتم شملها، فلا خيار أمامه إلا أن يراجع إنسانيّته.

حاول كثيرون إنهاء الأنفاق باعتبارها ظاهرة يتفوّق فيها من هم تحت على من هم فوق. أجهزة السلطة الأمنيّة كانت قد أعدّت قبل سنوات خطة تفصيلية يتم تنفيذها بالتعاون بين السلطة، إسرائيل والجيش المصري. ذهبت الخطة ومن وضعها أدراج الرياح. قصفت إسرائيل الأنفاق غير مرّة، قصفوها بصواريخ ارتجاجيّة، بأعقد وأحدث ما جادت به القريحة العسكريّة الأمريكيّة، ولكن عَبس. حاول المصريّون، ضخّوا فيها الغاز، كهربوها، ملأوها بمياه المجاري، ولكن عَبس.

حفرها الفلسطينيّون مجددًا، وأعادوا تنظيم اللوجيستيك بحيث تكون الأنفاق شبكة متداخلة، وللنفق الواحد عدّة أعين. المعركة الذهنيّة بين من يدهن السور، ومن يكتب له عليه “مبروك الدهان الجديد” في القاهرة كانت هي نفس المعركة بين من يهدم الأنفاق ومن يحفرها في رفح، وفي الحالتين الغلبة كانت للمبدع. للرّاقص فوق الأرض، وتحت الأرض ويوم العرض على التاريخ. 

لن تنتهي الأنفاق إلا بانتهاء الوضع المشوّه الذي استدعى حفرها، وفتح المعبر للبضائع. لا يشمل ذلك المعطى أنفاق تهريب السلاح التي إن أرادها البعض مغلقة، كان لزماً عليه توفير السلاح شرعيًا. شيطنة الفلسطينيين في مصر هي نصيبنا من بؤس الدولة المصريّة المتفاقم، وسياسات المؤامرة والعدو المترصّد التي تجري فيها مجرى النَفس. لا يعني ذلك أن نصمت على ما يكال من اتهامات بلا أدلّة ولا شواهد. مهمٌ أن نتحدث، أن نشرح، أن ننفي، وأن نحاجج من أمنوا جانب اسرائيل واستعدوا حفنة من الفلسطينيين بمنطق الحقّ والحقيقة. الأهم، أن لا نكره، رغم كل ما نرى ونسمع، جوار مصر وقربها، وأن لا نكرهها جوارنا وقربنا، وأن ندفع جميعًا في الإتجاه الذي سيحسم كلّ شيء، ويزيل كل لغط ويشفي كل سقم، إتّجاه الثورة، مصريّة كانت أم فلسطينيّة. 

عزيزتي حماس، بعضنا لا يريد دخول الجنّة.

January 24, 2013

محمود عمر

يقول المعلّم ميشيل فوكو أنّ أكثر الشعوب تحريمًا لشيء هي أكثرها هوسًا به. تبدو تلك العبارة إذا ما أضيف إليها ما يلزم من اعتبارات اجتماعيّة وسياسيّة مدخلاً ملائمًا لفهم ما وراء العديد من أفعال الحظر والمنع والتغطية التي حدثت وتحدث في الوطن العربي. ولأنّ الوطن العربي كبير، مساحةً ومفهومًا، فستحصر هذه المقالة مُبتغاها في تسليط الضوء على «تشكيلة» من الفعاليّات والقرارات التي اتخذتها حكومة حماس في قطاع غزّة أو التي شجّعت على اتخاذها، والتي يجمع بينها مرامها الذي يشمل القمع والتنميط والالغاء ودعوة المسلمين إلى الإسلام، ومحاولة تحليل تلك القرارات، والحض على رفضها وتغييرها وإن بالقلب؛ أضعف الإيمان.

arton10766-66e5dقبل الشروع في تناول تلك القرارات، باعتبارها عيّنة قابلة للدراسة، لابدّ من التنويه إلى أمرين لقطع الطريق على عشّاق الاستباقيّة وحرّاس الفضيلة الوطنيّة. الأمر الأوّل أنّ كاتب هذا المقال ليس مستشرقًا ولا يبتغي انتقاد سياسات الحكومة في غزّة كمحاولة التفافيّة لضرب حماس في صميمها؛ ميثاقها القائم على المقاومة. كاتب هذا المقال يؤيّد ويحب صاروخ حماس الذي انطلق من غزّة ليضرب تل أبيب. الأمر الثّاني أن الحجّة السمجة التي لا يملّ من البعض من تردادها، والقائمة على أنّ الحديث عن أمور من قبيل الحريّات الشخصيّة وحقوق الانسان ليست محلّ ترحاب إذا ما تعلّق الشأن بشعب يرزح تحت الاحتلال، انما هي حجّة قمعيّة (إن لم تكن فاشيّة) وتحمل في جوفها تباشيرًا بمزيد من القهر لشعب عنده ما يكفي من المنع والتقييد. لا يحق لأيٍّ كان أن يقول لفلسطينيّ في غزّة أن يمتنع عن التعبير عن استيائه ورفضه لمخرجات العقليّة الحمساويّة التي تحكم عمل حكومتها فقط لأنّ حماس مقاومة وبطلة وشوكة في حلق «الامبرياليّة». وبالمثل، لا يمكن التعامل مع الحكومة في غزّة باعتبارها حكومة عاديّة تحكم مجموعًا عاديًا من المواطنين. كلمة السر: الموازاة.

في جلسته المنعقدة يوم 13/11/2012 قام مجلس جامعة الأقصى بغزّة بإصدار قرار يلزم طالبات الجامعة بـ«اللباس الشرعي المنضبط» داخل الجامعة ابتداءً من الفصل الدراسي الثاني. القرار الذي صيغ في بيان وزّع ناشطون صوره على الشبكات الاجتماعيّة ليس تعديًا في نصّه وفحواه على الحريّة الشخصيّة فحسب، بل ويتضمن إجحافًا مركبًا بحق المرأة ويمدّ لسانه في وجه كل من هم يحلّقون خارج السرب. لا يوجَّه الحديث فيه إلى طالبات الجامعة، انطلاقًا من كونهن، كنساء، جزء أساسي فيها، بل إلى «بناتا الكريمات». فالمرأة حتّى وإن درست وتثقفت وتعلّمت ودخلت الجامعة ما هي، وفق أولئك، إلا أخت كريمة أو أمّ حنون. فلنتذكر أن قوائم الأسرى المفرج عنهم في صفقة التبادل الأخيرة التي رعتها حماس كانت تصف الجهة التي سيخرج إليها الأسير بـ«مدينته/بلدته الأصليّة»، في حين كان الوصف المستخدم للأسيرة المحررة: إلى البيت.

الأساس النفسي/الميثولوجي للقرار في سياقه القائم على اعتبار أنّ المرأة «عورة» لابدّ من التعامل معها بشكل أو بآخر هو نفس الأساس الذي يحكم العقليّة الاسلاميّة والخطاب الاسلامي المعاصر في عمومه: مرجعيّة النصوص، وأستاذيّة العالم. هناك آيات في القرآن تتحدث عن الجلاليب والحجاب، وهناك أوروبا بسافراتها وأمراضها المنقولة جنسيًا، القارة التي لا تريد شيئًا غير تدمير الاسلام والمسلمين، ولذلك فلابدّ من هكذا قرارات نحصّن بها أنفسنا. البيان، كما كَتبته ومن يقفون خلفه، لا يهتم بحقيقة أن العورة إنما هي مفهوم سيسيولوجي يختلف من حين إلى آخر ويعاد تشكيله في عملية تداخليّة مستمرّة، وأنّ لا جهة تحتكر حقّ التعريف والاجبار في هذا الاطار. والبيان إذ هو يعتبر أن «اللباس الشرعي المنضبط» يراد له أن يعكس «المنطق الديني لإسلامنا والحضاري لمجتمعنا» فإنما يلغي شطرًا واسعًا من تأويلات ذلك المنطق، وتجليّات تلك الحضارة.

ربّما يكون مفيدًا أن نورد في هذا المقام ما قاله الإمام الراحل محمّد عبده عن مسألة الحجاب واللباس الشرعي، لعلّ أولئك يدركون أنّ الاسلام ليس ورثة ورثوها، وأنّ «بناتهم الكريمات» لسن أوعية حمل ومضاجعة: «والحقّ أن الانتقاب والتبرقع ليسا من المشروعات الاسلاميّة لا للتعبد ولا للأدب، بل هما من العادات السابقة على الإسلام والباقية بعده، يدلّنا على ذلك أن العادة ليست معروفة في كثير من البلاد الاسلاميّة». من نافل القول أنّ اشارتنا إلى تأويلات مغايرة لما هو سائد من المدارس الفقهيّة الاسلاميّة، ومحاول ابراز نصوص مغايرة، والاستعانة بأئمّة من معسكر الحداثة، لا تعني أبدًا إسقاط المنطلق الفكري بأنّ كل ما تمّ الجود به في هذا الاطار يخضع بالضرورة والقطع للسياق التاريخي الذي جاءت فيه نصوص القرآن وأحاديث النبي، وطبيعة العصر الذي نعيش فيه اليوم.

وعلى نفس اللحن والمقام، تعزف وزارة الأوقاف التابعة لحماس. إذ قررت دائرة الأوقاف في المحافظة الوسطى قبل عدّة أيام الشروع في حملة توعويّة تهدف إلى «ترسيخ الفضيلة» وتستهدف الشباب من الجنسين للحد من مظاهر كالبنطلون «الساحل» وطريقة معيّنة من طرق ربط الحجاب. الواعظ نور عيد قال لإذاعة الأقصى متحدثًا عن الحملة: «لابدّ من تحديد الحلال والحرام في مسألة الملابس». نور عيد لابدّ سيكون سعيدًا لو تمّ إصدار كاتلوج يتضمن صورًا ورسومًا بيانيّة لما هو «حلال» وما هو «حرام» وفق فتاوى وخيال رجال دين السلطة الحاكمة الضحل. المختص بعلم الاجتماع قال أن «تلك الملابس صورة من صور الغزو الثقافي». يفترض الاسلاميّون، كما فعل كبيرهم سيّد قطب، أن أوروبا هي ما لدى التقدميين والعلمانيين العرب كي يقدموه، ولذلك فلابدّ من شيطنة تلك البلاد وكل ما هو قائم منها، رغم أنّ الاسلاميين أنفسهم إذا ما أرادوا إثبات حلاوة الاسلام وجماله إنما يشيرون إلى أنّه سبق «أوروبا» في إعطاء المرأة حقوقها والدفع باتجاه المساواة.

حملة ترسيخ الفضيلة التي هي «سلميّة» من حيث مظهرها ليست سلميّة في مضمونها على الاطلاق. نحن لا نتحدث هنا عمّا هو خطير بتوافق جمعي كالمخدرات، بل عن شأن شخصي بحت، ألا وهو المظهر الخارجي. هل يمكن لحماس أن تتقبّل حملة «سلميّة» تنصح بحلق اللحية لما لها من مظهر منفّر ولما تتسبب به من إعاقات عند الأكل؟ هل يمكن لها أن تتقبل حملة «سلميّة» للتعريف بحقوق المثليين؟ الاجابة معروفة وما «تنصح» به السلطة الحاكمة اليوم، ستغريها أدواتها غدًا لفرضه بالقوّة.

يمكن على سبيل التلخيص الاشارة إلى عديد من القرارات التي اتخذتها حماس منذ سيطرتها التامة على قطاع غزّة عام 2007 وحتى اليوم. بعض تلك القرارات أُعلن وجرى اتخاذه ضمن أروقة الحكم الحمساوي الرسميّة، وبعضها الآخر كان قرارًا غير مكتوب، إنما هو وحي يوحى. من تلك القرارات فرض الزي الشرعي المنضبط في المدراس الثانويّة الحكوميّة، وفرض الزي الشرعي على المحاميات وعلى زائرات المحاكم الشرعيّة، والقرار الغير مكتوب بالحد –إن لم يكن منع- كل مظاهر الاختلاط في الفضاء العام. داهمت قوّة حمساويّة تجمعًا مختلطًا لواحدة من فعاليّات احتفاليّة فلسطين للأدب العام الفائت وحاولت فضّها، في حين قطعت النور عن فعاليّة أخرى لأنّ الحابل بها اختلط بالنابل وجلس الشباب إلى جوار البنات يستمعون مستمتعين ومتحمّسين وفخورين بهذا الشرخ في جدار ما هو ممنوع وغير مستحب إلى ما لدى فرقة اسكندريلا المصريّة لتقوله.

قالت الناشطة الفلسطينيّة إباء رزق في مقابلتها على القناة الاسرائيليّة الثانية إبّان عدوان عامود السحاب: في أوقات كهذه، غزّة هي حماس، وحماس هي غزّة. من المهم اليوم وقد عادت التعدّيات الاسرائيلية إلى شكلها الناعم وصار حديثنا داخليًا يزعج بعض الفلسطينيين ويرضي بعضهم، من المهم أن نقول أنّ غزّة ليست حماس، وحماس ليست غزّة. غزّة التي كان فيها أكثر من سبع دور سينما قبل النكبة، وتحوي اليوم زاوية للصوفيين، وتتردد أحاديث عن اعتناق أقليّة من سكانها للمذهب الشيعي، ناهيك عن أن لفيفًا واسعًا من ناسها لا يحبّ التديّن أصلاً، لا يمكن لها أن تسقط في معركة الحريّات التي هي واحدة من معارك الحرب مع الاسلاميين معتدلين كانوا أم متشددين، لا يمكن لها أن تسقط في تلك المعركة دون “مقاومة”، ويا حبّذا لو انتصرت.

عزيزتي حماس، بعضنا لا يريد دخول الجنّة عبر الطريق الذي ترسمين أنتِ معالمه. بعضنا يمتلك ما يلزم من الوعي كي يقول للحكومة: لا أريد لكِ أن تحددي لي كيف أعيش حياتي. بعضنا «بيقاوم إسرائيل وبيشرب كاس»، وبعضنا يحلم ويسعى نحو مجتمع متصالح مع ذاته، مجتمع مفتوح على الممكن والابداع حيث يتجاور المسجد والمسرح والبار دون أدنى مشكلة، والله الموفق والمستعان.

نزع القداسة عن المقاوم الفلسطيني: عبدالله البرغوثي نموذجًا.

January 6, 2013

محمود عمر

علينا كفلسطينيين أن ندرك أن محاولاتنا لتغيير واقعنا، عبر المقاومة، لا أفق حقيقي لها ما لم تترافق مع تبدّلات نقديّة فينا نحن، في وعينا، وفي السياق الذي نقرر أن نضع فيه مسألتنا الوطنيّة. لا يمكن لفلسطيني سلفي (بالمعنى الوطني للسلفيّة) أن ينجح فعلاً في تقصير عمر احتلال ذكي ومتمرّس كالاحتلال الاسرائيلي. إنّ حلبة المواجهة الأولى بين الفلسطيني ومحتلّه هي حلبة الفكر، ولهذا فإنّ العقل الفلسطيني مطالبٌ باعتناق مذهب يمكنه من التفوّق، بالدرجة الأولى، على المنظومة الفكريّة التي تحكم سير العمليّات في الدولة القائمة على ساحل فلسطين المحتل. ستّة عقود من عمر القضية كانت كفيلة بأن يتراكم الكثير من الغبار على العقليّة الفلسطينيّة التي وقعت ولا تزال في براثن الطوبى، ويسير بسبب منتجاتها كثيرٌ منّا إلى جهنم سالكًا الطريق المحفوف بالنوايا الحسنة.


عبد الله البرغوثيتعمل تلك العقليّة، الواجب تشريحها تمهيدًا لتغييرها، وفق آليّات من أهمها الإقحام في الأسطورة، وإطفاء طابع القداسة. بسبب تلك العقليّة، يعتبر كثير منّا أن «الثورة الفلسطينيّة» انتصرت في حصار بيروت 1982، وأنّ «المقاومة الفلسطينيّة» انتصرت في عدوان الرصاص المصبوب على قطاع غزّة عام 2009. يقدّم المدافعون عن ذلك المنهاج قصصًا تكاد تكون خياليّة عن البطولة، والفداء، لتقوّي موقفهم، وتقنع المزيد من الفلسطينيين، لاسيّما من الأجيال الجديدة، بأننا نسير من نصر إلى نصر، وأننا شعب جبّارين يمارس «حياته الطبيعيّة» رغم القصف. المقاوم الفلسطيني، باعتباره حجر الزاوية، يخضع في إطار هذه المنظومة الفكريّة/المجتمعيّة لعمليّات تشذيب على كافة الأصعدة، كي يتم تقديمه لاحقًا على أنّه بلا أخطاء، خارق للعادة، وأنّ نضاله كفل له هالة من القداسة لا يجب أن يفكر أحدٌ في الاقتراب منها.

عبد الله البرغوثي، الأسير الفلسطيني المحكوم 67 مؤبدًا و5200 عامًا وصاحب أكبر ملف أمني لدى إسرائيل، هو واحد من أولئك المقاومين الذي جرى ويجري إدخالهم في الأسطورة، وإطفاء طابع القداسة عليهم، دون سابق إذن أو إنذار. ولد البرغوثي في الكويت قبل أن ينتقل وأسرته إلى عمّان. سافر من عمّان إلى كوريا الجنوبيّة بحثًا عن وظيفة، فعمل في مصنع للميكانيك ودرس في إحدى المعاهد الهندسيّة هناك. خلال إقامته في كوريا تمكن من دخول عالم الانترنت الذي أتاح له فرصة التعرّف على آليات صنع المتفجرات والأحزمة الناسفة، وخبايا العالم الرقمي وطرق اختراق شبكات الاتصالات والهواتف النقالة. تزوّج فتاة كوريّة تدعى «مي سن» قبل أن يطلقها لأنّها لا تنجب إبّان عودته إلى عمّان. بعد سنين قليلة، كان عبد الله البرغوثي من أهم المطلوبين لإسرائيل في الضفة الغربية لتخطيطه وإشرافه المباشر على عدّة عمليات قام فيها شبان فلسطينيّون بتفجير أنفسهم في داخل الأراضي المحتلة عام 1948، كان من بينها عمليّة مطعم سبارو في القدس، ومقهى مومنت في تل أبيب.

يملك عبدالله البرغوثي كلّ ما يمكنه من أن يكون، في نظر البعض الفلسطيني، خطًا أحمرًا، ورجلاً من غير هذا الزمان. تمكّن من إدارة عمليّات كتائب القسام في الضفة الغربيّة بحنكة وعبقريّة، ونجح غير مرّة في إختراق المنظومة الأمنيّة الاسرائيليّة ورديفتها لدى أجهزة عرفات/عبّاس الأمنيّة. لكنّ البرغوثي أيضًا، ولسوء حظ مدمني الأفيون الوطني، قام مؤخرًا بإنهاء مذكراته داخل عزله في سجن ريمون، قبل أن يتم نشرها خارج السجن. المذكرات التي تحمل اسم «أمير الظل .. مهندس على الطريق» تقدّم الأدوات، والمشاهدات، التي تمكّن مَن يرغب في إعادة النظر في طريقة التعامل مع الفعل المقاوم، والفلسطيني المقاوم، من أن يفعل ذلك مطمنًا إلى سدادة رأيه، وصلابة حجّته.

تقدم تلك المذكرات، رديئة الأسلوب، فرصة ذهبيّة للاطلاع على خبايا العمل المقاوم في الضفة الغربية ما بين الأعوام 2000 إلى 2003. من خلال قصة عبدالله البرغوثي التي يرويها في حديث موجّه بالأساس إلى ابنته تالا، يدرك القارئ أن الأشياء ليست كما تبدو، حتى وإن كانت تلك الأشياء ذات طابع يشتبك مع الاحتلال الصهيوني. يرتسم أمام أعيننا مع كل صفحة عبدالله البرغوثي مغاير لعبدالله البرغوثي الذي تكتب عنه الأخبار، وتروى عنه القصص. يرتسم أمام أعيننا عبدالله البرغوثي الذي اشترط على أمّه، بعد تطليقه زوجته الكورية، بأن تكون الزوجة الجديدة فلسطينية، برغوثيّة، متعلمة، ولا ترغب في العمل؛ كي تربّي الأطفال، وأن يكون والدها هو رجل المنزل لا أمها، فهو لا يريد «زوجة قويّة تحول حياته إلى جحيم». إذًا، نحن أمام رجل عربي تقليدي، بعقليّة ذكوريّة.

العشاء الأخير لمقاتلي مخيم جنين.

العشاء الأخير لمقاتلي مخيم جنين.

ليس هذا وحسب، إذ يزيّن البرغوثي مذكراته بإيراد مقتطفات يسمّيها هو «شعريّة» ليصف بها مشاهداته في الضفة، وما يختلج صدره من غضب تجاه الاحتلال، وحبّ لفلسطين. يصف القدس بعد زيارته الأولى لها، في أبيات شعريّة حامت حوله «كأنها سرب من الصقور»: في القدس ما عاد للانتظار مكان / في القدس ما عاد بالامكان انسان / في القدس غرست أنياب الطغيان / في القدس غرس الصهاينة والاستيطان / في القدس ما عاد للحجارة ثمن / في القدس ما عاد يسمع صوت الأذان» .. إلى آخر «القصيدة». ويقول في موضع آخر واصفًا رام الله: «رام الله قومي استيقظي أرجوكِ / وأيقظي كلّ من أحبوكِ / أحزينة أنتِ فأبكوكِ؟ / على الشهداء الذين ودعوكِ؟ / وتحالفوا مع المحتل فبالظهر طعنوكِ؟ / رام الله قومي استيقظي أرجوكِ!». من نافل القول، طبعًا، أنّ الجمل السابقة، والتي تتلبّس تجنيًا لبوس الشعر، ليست من الشعر في شيء، بل هي رديئة بمقاييس النثر العادي. إذًا، عبد الله البرغوثي ليس رجلاً عربيًا ذكوريًا فحسب، بل و يكتب خواطرًا تشبه خواطر فتاة في الثانية عشرة من عمرها كذلك.

يورد عبدالله البرغوثي نفسه، عن غير قصد على الأغلب، مزيدًا من تجاربه التي تؤكّد أن الطوبى لا مكان لها في الأرض المحتلّة، وأن ما حدث ليس فعلاً كما تابعنا على الأخبار. يروي في مذكراته عن شاب فلسطيني قدم إليه طلبًا للشهادة، فقام عبدالله البرغوثي بتجهيزه بالحزام الناسف، قبل أن يغيّر رأيه ويمنعه من التوجه إلى داخل الخط الأخضر، بعد أن صمت الشاب ولم يجب على سؤال «لماذا تريد أن تستشهد؟». يشرح البرغوثي أنّ الشاب، والذي خضع للتحقيق عند «الأمن القسّامي»، كان انما يريد أن يستشهد حتى يمحي جرم والده، الذي كان عميلاً، فلا يقال عنه وعن أهله أنهم «أبناء العميل»، بل «أهل الشهيد». لم يفجّر ذلك الشاب نفسه بعد أن منع البرغوثي تجهيزه وطلب منه العودة، لكنّه قتل لاحقًا بعد أن قام بشراء مسدس وتوجه إلى أقرب نقطة اشتباك مع الجنود الاسرائيليين. قصّة أخرى كانت عن إمرأة أردت هي الأخرى أن تستشهد، وما ذلك إلا لأنها لا تنجب أطفالاً. صفعها عبدالله البرغوثي وأعادها، ومن ثمّ طلب من استشهادي آخر، أن يدعو الله لها، حين يصعد إلى الجنة، بأن تنجب أطفالاً. يذكر البرغوثي أنّها أنجبت لاحقًا ثلاثة أطفال سمّت ثالثهم عبدالله!

قد يعتقد البعض أنّ هذه المقاربة لشخص المقاوم الفلسطيني (عبدالله البرغوثي نموذجًا)، أو لفكرة الفعل المقاوم في حدّ ذاته، انما هي مقاربة وقحة تتجرأ على نضالات الكثيرين. لا يبخّس كاتب هذه الأسطر من قدر المقاومين والمقاومات، يدرك جيدًا أنّهم ضحّوا كثيرًا، وأنهم أفضل منه بكثير على المقياس الوطني، وأنّ الوضع الفلسطيني كان ليكون أسوأ بمراحل لولا وقفتهم في وجه المشروع الصهيوني، لكنّه يحاول القول، بكل هدوء، أنّهم بشر عاديّون، وأنّ فلسطين الحرّة هي فلسطين العاديّة، والتي سينجز تحرريها العاديّون، وأن لا شيء فوق النقد، لا الأفكار، ولا الأشخاص. فليبحث من يريد «شعبًا جبّارًا» عن شعب آخر، وليشتري من يصوّر لنا المقاومين الفلسطينيين على أنّهم أساطير و super men كتبًا عن الميثولوجيا الإغريقية ويتركنا نقارب اضطرارنا إلى المقاومة، ونبحث في طرق إشباع نهمنا إلى أفق بلا أسلاك شائكة.

تنتهي المذكرات أن يبدي عبدالله البرغوثي خيبته من استمرار سجنه بعد صفقة التبادل التي أبرمتها حماس مع السلطات الاسرائيليّة. جديرٌ بالذكر أن عبدالله البرغوثي خرج من العزل الانفرادي بعد اضراب الأسرى الجماعي الأخير عن الطعام، وفق الاتفاق الذي وقّعته قيادة الاضراب الموحدة مع مصلحة السجون. إنّه فلسطيني آخر عادي، قاوم إسرائيل على طريقته، وأبدع في ذلك، لا أكثر ولا أقل.

إلى «أسرانا البواسل» المضربين عن الطعام: طيّب وبعدين معكم؟!

December 26, 2012

محمود عمر

في تتابع يذكّر بالطقس الأوليمبي، تنتقل شعلة «أطول إضراب عن الطعام في التاريخ» من أسير فلسطينيّ إلى آخر، فبعد أن حملها خضر عدنان الذي دشّن مرحلة «الإضرابات الفرديّة»، انتقلت الشعلة إلى ثائر حلاحلة فبلال ذياب فمحمود السرسك قبل أن يستقرّ بها المقام – مؤقتًا – عند الأسير الفلسطيني أيمن الشراونة المضرب عن الطعام منذ أكثر من 170 يومًا. يمكن لهذا المقال أن يكون نقلة أخرى في التتابع الذي يوازي تتابع الشعلة إذا ما شرع كاتبه في تمجيد بطولات أولئك الأسرى، والشدّ على أياديهم، ودعوة «أحرار العالم» للتحرّك الفوريّ والسريع، ومطالبة «السلطة الوطنيّة» على طريقة حلمي الأعرج -مدير إحدى المؤسسات الحقوقيّة في رام الله- بأن تدعو لاجتماع عاجل للجامعة العربيّة كي يتم، على الأغلب، إعلان حالة «البيانات شديدة اللهجة» على إسرائيل، في حين يمكن للمقال أن يحاول مقاربة المسألة من ناحية مختلفة، وأن يسلّط الضوء على مناطق معتمة في هذا الفضاء الموسوم بالبطولة البائسة حدّ الملل.

Fifteen Days of Hunger Strikeمنذ نكسة العرب عام 1967 وحتى اليوم، خاضت الحركة الأسيرة الفلسطينيّة أكثر من عشرين إضرابًا مفتوحًا عن الطعام. أوّل تلك الإضرابات كان سنة 1969 بسجن الرملة، وآخرها كان في مايو من العام الحالي واستمرّ لمدة 28 يومًا. أنهت تلك الاضرابات الجماعيّة بما سبقها من تخطيط مشترك وجاهزيّة نفسيّة، وما زامنها من ثبات وواقعيّة، العديدَ من مظاهر القهر والذل داخل معتقلات إسرائيل. لم يعد الأسرى مجبرين على العمل في الخياطة وما شاكلها، سُمح لهم بتبادل الكلام في الساحات ومشاهدة التلفاز واستخدام الملاعق والصحون، وانتهى إلى غير رجعة زمن مناداة السجّان بـ«أمرك سيدي». تلك المنجزات لم تكن بالمجّان. استشهد العديد من الأسرى في تلك الاضرابات، كان أوّلهم عبد القادر أبو الفحم عام 1970 في سجن عسقلان، ومن بينهم راسم حلاوة وعلي الجعفري وإسحاق مراغة في إضراب سجن نفحة عام 1980 الذي استمر لمدّة 32 يومًا وحاولت إدارة السجون إنهاءه باتبّاع أسلوب «الإطعام القسري»، قبل أن تلتحق بقيّة السجون بالإضراب فترضخ مصلحة السجون الاسرائيلية لمطالب الأسرى وتوصي بإدخال الأسرّة وتوسيع مساحات الغرف والساحات والسماح بألبومات الصور ومواد القرطاسيّة. التحرّك الشعبي الفلسطينيّ في الضفة الغربيّة وقطاع غزّة والداخل كان دومًا عاملاً مساندًا لإضرابات الأسرى الجماعيّة، بل وحاسمًا بعض الأحيان كما هو الحال في إضراب سبتمبر 1992 الذي تابع خلاله الأسرى الفعاليّات الفلسطينيّة المقاومة الموازية (يشاع الآن استخدام كلمة تضامن، حفنة من الفلسطينيين «تتضامن» مع حفنة أخرى) قبل أن ينتهي الاضراب بالسماح بالزيارات الخاصة وإدخال بلاطات الطبخ إلى غرف المعتقلات وإضافة المعلّبات والمشروبات الغازيّة على قوائم «الكانتينة».

يظهر جليًا أثناء معاينة الإضراب عن الطعام باعتباره السلاح الأكثر فعاليّة، وفحص توقيتات وآليّات استخدام ذلك السلاح من قبل الحركة الأسيرة الفلسطينيّة، أنّ العمل الجماعي، والتصعيد المتسلسل، وعموميّة المطالب التي سيستفيد من تحققها كلّ الأسرى، كلّها عوامل تدفع لا في سبيل إنجاز الهدف المحدد وتحسيت الظروف المعيشيّة داخل المعتقلات وإجبار إسرائيل على الرضوخ فحسب، بل وفي سبيل إجبار «الفلسطينيين خارج السجون» على أن يتركوا ما في أيديهم، ويلتفتوا مجبرين لما يحدث داخل السجون، لا أن يكون ذلك حسن أخلاق منهم، وتمتعًا بوطنيّة ذات منسوب مرتفع. يكفي أن نقول أنّ إضراب سجن نفحة عام 1980 الذي كان نقطة تحوّل تامّة حظي بإسناد شعبي عارم، وأنّ إضراب سجن جنيد عام 1987 كان رافدًا أساسيًا من روافد الإنتفاضة الفلسطينيّة الأولى، وعاملاً أساسيًا من عوامل إندلاعها، في حين تتلخص مظاهر الدعم (التضامن؟) مع الإضرابات الفرديّة الراهنة عن الطعام، لأسرى فلسطينيين يغلب عليهم لون حزبيّ واحد، في إقامة “خيام” أمام مراكز الصليب الأحمر (خيام تضامن؟) ومسيرات تتحرّك من نقطة محددة وتنتهي عند نقطة محددة، والعديد من «ستيتوس» الفيس بوك، والتدوينات الانجليزيّة التي يجود بها علينا كثيرون. 

بالمنطق، والأرقام، نجد أنّ أطول إضراب جماعي عن الطعام كان في عام 1976، وانطلق من سجن عسقلان. المدّة: 45 يومًا. النتائج: إدخال القرطاسيّة، السماح بمراسلة الأهل، تحسين نوعية وكمية الطعام، واستبدال فرشات الأسرِّة. الاضراب الثاني في استمراريّته كان اضراب سجن نفحة عام 1980. المدّة: 32 يومًا. المدد الزمنيّة للاضرابات الجماعيّة الأخرى تتراوح بين ثمانية أيام (اضراب معتقل كفار يونا)، وتسعة أيام (إضراب سجن نفي ترستا)، و13 يومًا في إضرابات أخرى، و23 يومًا كانت هي مدة الاضراب الجماعيّ الأخير والذي تمّ إنهاؤه بتوقيع القيادة الموحدة للاضراب اتفاقًا مع مصلحة السجون الاسرائيليّة يقضي بالغاء  «قانون شاليط » وسحب تدريجي لمحدثاته في السجون الاسرائيليّة. اذا ما تناولنا الاضرابات الفرديّة، يكاد المنطق يختفي، وتصير الأرقام فلكيّة: هناء شلبي – 42 يومًا. خضر عدنان – 66 يومًا. ثائر حلاحلة وبلال الذيب – 76 يومًا. محمود السرسك – 96 يومًا. سامر العيساوي 145 يومًا. أيمن الشروانة – 171 يومًا. (مين يزيد؟). النتيجة: إفراج عن الأسير، إما فورًا أو في موعد محدد، وإما إلى محل إقامته الأصلي أو «منفيًا» إلى غزّة.

بعد كل ما سبق، وبعد التأكيد على إحترام نضالات أولئك الأسرى الذين قرروا خوض إضرابات فرديّة عن الطعام إحترامًا لا يعطيهم حصانة من أي نوع، ولا يجعلهم فوق النقد، وبعد التطرّق لحقيقة أنّ لا مجال لإنسان أن يصمد في إضراب “حقيقيّ” عن الطعام لأيام يصل عددها لتلك الأرقام الخياليّة دون إسناد طبّي خارجي تقدّمه إسرائيل دون عناء (بوبي ساندز مات بعد 66 يومًا فقط)، وبعد حصر ردود الفعل الفلسطينيّة في خيام التضامن والمسيرات وبيانات الشجب ووسوم تويتر، وبعد التخمة التي سببّتها كلّ مقولات التمجيد والإقحام في الأسطورة، ألا يجدر بنا أن نتأنّى قليلاً، ونطرح بعض الأسئلة؟. هل يجب إعتماد هذا النسق من المقاومة؟ ما رأي الأسرى بقرار أحدهم الفردي بخوض إضراب عن الطعام؟ ما هي خطواتهم هم لدعمه ولماذا لم نسمع عنها؟ ألا نملّ من البطولة وكسر أرقام قياسيّة تكسرنا؟ هل كُتِب علينا هذا المجد المرهق؟ أليس ثمّة ما هو أسهل، وأنجع؟ هذه أسئلة وغيرها مطروحة برسم الجميع.

بالخلاص يا شباب، بالخلاص يا سوريا!

November 11, 2012

محمود عمر.

إذا كان عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر قد تحدث، في معرض التناول التشريحي للعلمنة، باعتبارها نشاطًا اجتماعيًا معرفيًا، عن “نزع السّحر عن العالم”، فإنّ ياسين الحاج صالح، الكاتب والناشط السّوري، يتحدث في كتابه “بالخلاص يا شباب!” بالدرجة الأولى عن “نزع السّحر عن السجن” وما يتصل به من أساطير وخيالات تحيل على مفاهيم كالبطولة والثبات حيث “لا مجال للتراجع والاستسلام”، و “ليس بعد الليل الا فجر مجد يتسامى” وبدأ تناول السّجن باعتباره موضوع ثقافي، أي “أنسنته” وفق التعبير المحبب لقلب نصر حامد أبو زيد. على الصّعيد الشخصي، لا يخفي الحاج صالح رغبته في تقيؤ التجربة (والوصف لألبير كامو) عبر “التخلّص” من هذا الكتاب بنشره بعد تجميع مواده منذ العام 2003 وصولاً إلى عام 2011، العام الذي يمكن استعاره عنوان كتاب سلافوي جيجيك الجديد لوصفه بـ”عام الأحلام الخطرة”.

يسرد الحاج صالح في مستهلّ الكتاب حقائقًا تشكّل مقياس الرسم الذي يرشد القارئ عبر تلك الدفقات الضوئيّة التي تنير جنبات السجون السوريّة، والمسجون السوري. اعتقل فجر 7/12/1980، كان في العشرين من عمره، طالبًا في السنة الثالثة في جامعة حلب، وعضوًا في الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي، عذّب ليوم واحد في “الفرع” على “الدولاب” و “بساط الريح”، وهي أسماء متداولة لتقنيّات تعذيب بعثيّة، وأحيل إلى سجن المسلمية في حلب قبل أن يتنقّل بين سجن عدرا والسّجن المطلق؛ سجن تدمر. أفرج عنه يوم السّبت 19/121996. بالمحصّلة: 16 عامًا و14 يومًا انتزعت منه، بُترت ولا مجال لاستردادها، وما ذلك إلا عيّنة ضاربة في الدقّة من مجمل ما سُرق من السوريين، بأيادٍ سوريّة.

يلتبس السجن، وتموّه الحريّة، في سوريّا التي يخنقها البعث. لا يتاح للسجين السياسي، بعد الإفراج عنه، فسحة تمكّنه من هضم التجربة، والتصالح مع الذّات. يخرج إلى مجتمع الخطاب الرسمي السّائد فيه يتحدث عن الرغبة في التقدّم، والاستمرار، والتجاوز، حيث لا وقت للتوقّف عند إشكالات صغيرة، كآلاف السجناء السياسيين، والبلد بنظامها وشعبها “مستهدفة”. يشعر “المفرج عنه” بأنّه ممنوع من التذكّر، لكنه أيضًا -في حبكة فاشيّة- ممنوع من النّسيان. عليك أن تظل تتذكّر أنك تحت المراقبة، في دائرة الضّوء، لكن عليك أن تنسى عذاباتك، وتفقد القدرة على طلب المساءلة التي إن حدث وطلبتها فأنت تعبث بنسيج المجتمع، ويفيض من قفصك الصدري حقدٌ لن يفيد الوطن، ولا المواطنين، مع أنّ السجن، بما يفرضه من قرب إجباري، وإستثارة لحساسيّات مجهريّة في الكائن البشري نتيجة وجوده الدّائم في مرمى عين “الآخر”، كان قد أصبح نمط حياة لكثيرين في سوريا.

يناقش الحاج صالح الجدليّات التي تربط السّجن، والضّيق، بالذاكرة، الوقت، الخصوصيّة، المرأة (التي عرّف مصطفى خليفة السّجن بأسره على أنّه غيابها)، الحنين والتّسمية. تنتهي ردّة الفعل الأوليّة بالصّمود المجوّف، ويصير لزامًا على السّجين أن يعترفه بنفسه سجينًا، أن يفتح صفحاته و”يسمح للسّجن بتأليفه”. عقارب السّاعة هي الأخرى تحتاج توليفة من نوع ما كي تصير مأمونة الجانب.  يقتل البعض الوقت، ويكسبه الوقت الآخر، ويكون للكتب، التي سيسمح بإدخالها بعد فترة، أثر ضخم في تدعيم الوجود الانساني للسجناء عمومًا، اليساريين منهم خصوصًا. قرأ ياسين الحاج صالح أثناء وجوده في السّجن كتاب محمد عبد الجابري عن فلسفة العلوم، والاستشراق لادوارد سعيد، النزعات الماديّة في الفلسفة العربيّة الاسلاميّة لحسين مروة، ومجموعة من كتب هيغل وبعض كتب عبدالله العروي. الكتب، مضافة إلى التمطّي الفكري الذي يفرضه “نمط الحياة/السّجن”، دفع بياسين الحاج صالح، كما سبق ودفع بغيره كثيرين، إلى “التحرر” من كثير من القناعات التي دخلوا بها العنابر والزنازين.

قراءة الكتاب، بعيدًا عن ربطه بالبلد، وبالكاتب، وبحقيقة نشره بعيد إندلاع الثورة السورية، والنظر إليه من زاوية أوسع، يفتح الباب لعدّة استنتاجات وتأملات، وخصوصًا في عمليتي البناء والهدم اللتان تلخصان مسيرة الانسان الفكريّة. ربما يجوز القول بأن السجن يكثّف عمليات الأيض الفكريّة -إن جاز التعبير- ويضمن، إلا في حالات نادرة، أن من يدخل إلى السجن، لن يخرج منه بنفس العقليّة. إنّه -أي السجن- حالة “نقد ذاتي” إجباريّة، وطويلة، وجذريّة، وهو ليس موئلاً للمثقفين، بقدر ما هو صانع قاسٍ لهم. يقول ياسين الحاج صالح في معرض حديثه عن هذه النقطة تحديدًا: إنّ التحرر الحقيقي من السجن هو أن يتسنّى لنا أن تجعل منه مجالاً للتحرر من سجون أخرى أشدّ فتكًا، من عبوديّات وقيود ومطلقات أسوأ من السّجن ألف مرة. ويضيف في موضع آخر من الكتاب: صرت على نفور عميق من كلّ مذهبيّة مغلقة ومن كل منزع يقينيّ ودوغمائي، ومن انتهازيّة أصحاب العقائد ولا أخلاقيتهم العميقة. الحديث السّابق يبدو اليوم، وكلّ اليوم، ملحًّا لنا كعرب ننتمي إلى “شرق المتوسّط”، أحد أكثر المناطق إبداعًا في قتل الإبداع، واحتراف الإقصاء، والمساومة بين التفاصيل الصغيرة، وبين الشّعار.

آن أوان الخوض في اللايقيني، كما يقول كارل بوبر. آن لمجتمعاتنا العربيّة أن تُفتح، وأن تبحث في أمر مآسيها، وضحاياها. أن تغفر، وتحاسب. أن نجلس جميعًا على طاولة مستديرة لنصل إلى ما يجب فعله إزاء ما سبق، وإزاء القادم. سوريّا اليوم، بشعبها الثّائر، أقرب إلى ذلك التحدّي من أي شعب عربيّ آخر. إذا كانت الحريّة تعني لياسين الحاج صالح المرأة والحب، فمعناها بالنسبة لسوريّا-المجتمع، سوريّا الأفراد، هو ما تتم الاجابة عنه اليوم. ينقل السّجين القابع في سجن تدمر، السجن المطلق، إلى سجن عدرا، أو صيدنايا، أو المسلميّة، حيث يختبر مجددًا التخالط مع أقرانه استعدادًا للخروج إلى المجال العام. سوريّا البلد، سوريّا الشّعب، خرجت بلاشكّ من تدمرها، أمّا وجهتها القادمة فتحدٍّ قائم، وجرح رطب، وثورة مستمرّة.


%d bloggers like this: