Archive for the ‘بيان رقم 1’ Category

النبي صالح: فيلم مبني على أحداث حقيقيّة؟

أغسطس 25, 2012

لكلّ واحدٍ عدسته الخاصّة. الله له عدسة زرقاء ضخمة اسمها السماء، ووكالات الأنباء والصحفيّون المستقلّون وغالبيّة النشطاء الأجانب لهم عدساتهم السوداء على الأرض. جنود الاحتلال أيضًا لهم نصيب، في بنادقهم الحديثة عدساتٌ صغيرة مثبتة بحرفيّة على ظهر البنادق كي تسهّل وضع الهدف في الـ:”Focus”. أقول الـ”Focus” لأنّ اللغة الانجليزيّة ذات أهميّة بالغة في مجالي التصوير والاحتلال، حتّى أن الفعل المستخدم فيها لوصف التقاط الصور، وإطلاق النار, هو الفعل نفسه: Shoot.

يخبرنا المخرج الايطالي مارتن سكورسيزي أنّ السينما هي عملية انتقاء لما سيكون داخل الإطار، واستبعاد لما سيكون خارجه. ومن نافل القول أنّ الأدوات المستخدمة في إنتاج المادة السينمائيّة من كاميرات ومؤثّرات وتجهيزات إضاءة وميكروفونات، يجب أن تكون لا خارج الإطار السينمائيّ فحسب، بل وخارج إطار خيال المشاهد. بكلمات أخرى: يجب أن يتأثّر المشاهد ويصدّق ما يراه، ويتحوّل على إثر ذلك إلى “شاهد” على الأحداث التي باتت تجري أمام ناظريه، لا أمام عدسات الكاميرا.

قلنديا والأربعين مصوّر

قلنديا والأربعين مصوّر

في الضفّة الغربيّة يختلط الحابل بالنّابل، ولا تنطبق مستلزمات الحقيقة ولا اشتراطات السينما. قرية النبي صالح التي يمكن اعتبارها نظرًا لموقعها الجغرافيّ “بؤرة” فلسطين، تعطي مثالاً واضحًا. تدرك أنت إذ تتابع أنباء وصور مظاهراتها الأسبوعيّة أنّ ما يحدث ليس مشهدًا من فيلم. هذه الدموع المنهمرة على خدّ فتاة صغيرة دموع حقيقيّة وليست مكمّلاً جماليًا للقطة حزينة ترافقها موسيقى تصويريّة ناعمة. هذا الجنديّ الذي يلفّ ذراعه حول عنق صبيّة في ربيع ثورتها مستعمرٌ من ظهر مستعمر، وليس ممثلاً سيدخل بعد قليل غرفته الخاصّة ليمسح المكياج ويخلع عنه البدلة العسكريّة مرتديًا ثيابًا أكثر ملائمة للطقس. كل شيء حقيقي وفاعل: قنابل الغاز، البنادق، الجيبات العسكريّة، الجدار الفاصل، كلّ شيء. ومع ذلك لا يسعك إلا أن تشعر أنّ “الصورة” مرتبكة ومربِكة.

يرى الله كل ذلك (كما يرى كل مظاهر القمع والظلم الأخرى في العالم ) ويصّوره بدقّة HD من خلال عدسته الضخمة، ولكنه يفضّل عدم التدخل مباشرة. يقول لنا المتديّنون في معرض التفسير: تلك هي “الإرادة الإلهيّة” التي قد لا يتجلى مرامها السّامي للانسان البسيط، والتي لا يجب أن يطرح الخوض في أمرها تساؤلات حول الشهامة والمواقف. ولكن، ماذا عن البشر؟، ماذا عن اتخاذ القرار في الدماغ، تمريره عبر اشارات الجهاز العصبيّ الكهربيّة إلى العضلات، ليتحوّل إلى جهد فيزيائيِّ مرئيٍّ قادر على إحداث التغيير؟ كيف والأمر يتعلّق بأشخاص مستعمَرين تتراكم الدهون في عضلاتهم ولا مجال – كما أخبرنا فانون- لتصريفها إلا عبر الفعل المقاوم؟.

عندما يحيط سبعة مصورين أو أكثر بجنديين يضربان أو يسحلان أو يحاولان اعتقال شاب أو فتاة, يتراصّون ببلاهة على مسافة لا تتجاوز الخطوة الواحدة من “مسرح الأحداث”، بعضهم يحني ظهره كي يضبط “الشوت”، والبعض الآخر يحاول تقريب الميكروفون قدر المستطاع، وكلّهم يتصرف وكأن لا وجود لشخص آخر غيره، هل يكون الأمر عاديًا_حقيقيًا؟. لو كان ذلك مشهدًا سينمائيًا لما رأيت كل هذه الكاميرات، ولو كان حقيقة مطلقة (حقيقة بالنسبة لكلّ العناصر الظاهرة في الصورة) لما رأيت كلّ هذه الكاميرات. فما الذي يحدث بالضبط؟، ولماذا يتكرر برتابة فجّة ونسق بغيض؟ هل هذا هو “الحياد الصحفي” يتجلّى على مسافة قصيرة من جلاد وضحيّة؟

لا يحاول كاتب هذا المقال الخوض في النوايا أو التشكيك في الأهداف أو التقليل من أهميّة تلك الفعاليّات المقاوِمة. جلّ ما في الأمر أنني إذ أشاهد الصور ومقاطع الفيديو من مظاهرات قرية النبي صالح، او معتقل عوفر، أو حاجز قلنديا ويظهر لي هذا الكمّ الهائل من العدسات داخل الإطار، في تجمّع أقرب إلى العبثيّة، تصيبني الحيرة. هل انتهى الأمر أم أنني سأسمع عمّا قريب صوتًا خافتًا جدًا يقول .. Cut؟!

النبي صالح - جمعة 24/8

النبي صالح – جمعة 24/8

 

الضّحك باعتباره حالة مقاومة: المصريّون نموذجًا.

يونيو 6, 2012

|محمود عمر|

«واجب من يريد الخير للبشريّة أن يجعلها تضحك من الحقيقة، وأن يجعل الحقيقة تضحك فيتحرّر الانسان»

(أمبرتو إيكو، “اسم الوردة”)

أنتِ جادة جدًا، لا يمكنني تخيّل شخص يتبنّى قضيّة يؤمن بعدالتها، ويمشي بين الناس بوجه تحتلُّ الكآبة قسماته؛ ليس هذا الانطباع الذي يجدر بك إعطاؤه للآخرين. لقد كنتُ هكذا، مثلكِ، أصرخ كثيرًا وأقضي وقتي إما في التعبير عن الغضب والجديّة، أو في تهيئة نفسي للقيام بذلك. أنظري إلى مصر، ما الذي حصل هنا؟ كان المصريّون يعيشون في عالمهم المغلق والمحكوم بالزحمة ورداءة الوقت، في الحافلات الضيّقة، في العمارات التي تمتاز بفارق شاسع بين خارجها وداخلها، في العشوائيّات وفي الريف.. وفجأةً خلعوا مبارك بطريقة مذهلة. طرأ شيء ما، في الهواء أو في الماء أو في تركيبة الفرد الذهنيّة فأدّى لهذا الفيضان البشريّ الهادف. يمكنني أن ألخّص ما حدث بكلمات قليلة: لقد ابتسم المصريّون بعد أن كانوا يضحكون في جلسات خاصّة وبصوت منخفض، ضحكوا معًا، علنًا، وبصوت عالٍ!

خوذة ضاحكة

لم أكن أعتقد أنّ الكلام الذي كنت أقوله لتلك الصديقة الأميركيّة-الفلسطينيّة في قهوة البورصة -أحد مقاهي وسط البلد بالقاهرة- هامّ إلى درجة أنني سأعيد تذكره لأبدأ به هذا المقال عن الضّحك. كنت، في الحقيقة، أحاول أن أهدّئ من روعها أو أن أمتصّ غضبها (من الرّاهن الفلسطيني) لأستطيع الاستمتاع بهدوء بفنجان الشاي الذي ينتصب أمامي على الطاولة. تبيّن بعد تسلسل أحداث وقراءات تلت حديثي ذاك أنني كنت، فعلاً، أقول شيئًا هامًا له منابعه في الفلسفة والسّياسة والتاريخ. أفكار قيّمة قد تخرج من رأسك وأنت تحاول تهدئة صديقة لك من أجل أن تستمع بفنجان شاي؛ أليس ذلك، في حدّ ذاته، مضحكًا؟

يعرَّف الضحك في المعاجم الانجليزيّة على أنه “إحداث ضجّة باستخدام الصّوت للدّلالة على الاعتقاد بأنّ حدثًا ما مَدعاة للفرح”، أو أنّه “التعبير عن مشاعر معيّنة، غالبًا ما تكون متعلّقة بالرّضا والسّرور، على شكل سلسلة من الأصوات العفويّة المرتبطة غالبًا بحركة في الأطراف والوجه”، بينما يُعرّفه “لسان العرب” بأنّه “ظهور الثنايا من الفرح”. والضّحك عند العرب على مراتب: التبسّم ثمّ الافترار والانكلال ثمّ الكتكتة ثمّ القهقهة والقرقرة والكركرة، ثمّ الاستغراب ثم الطخطخة ثم الإهزاق، وهي أن يذهب الضحك بصاحبه كلّ مذهب.

في مجال البحث عن علّة الضحك تبرز مدارس عدّة؛ في القديم منها جنح الفلاسفة لتفسير الضّحك على أنّه سخرية من الطبقات الدنيا، أو كحالة حوار مستتر مع الذات. أمّا في المتقدم فتعدّدت الآراء؛ هيغل يرى أنّ الضحك “ينشأ نتيجة لوجود التناقض بين المفهوم والمعنى الحقيقي الدفين الذي يقدّمه هذا المفهوم”، ويؤكّد كيركجارد، بطريقة أو بأخرى، على ذلك فيقول: “حيث توجد حياة يوجد تناقض، وحيث يوجد تناقض، يكون المضحك موجودًا”، بينما يعبّر شوبنهاور عن ذلك “التناقض” بمفردات أخرى على شاكلة “العبور/ الوصول” فيقول: “الضّحك شبيه بقياس منطقيّ تكون القضية الكبرى فيه مؤكدة، ويتم الوصول إلى القضية الصغرى فيه، إلى حدّ ما، من خلال الحيلة أو المغالطة، وتكون نتيجة هذا التركيب بين القضيتين هي الضحك”، وهو الأمر الذي نجده مطبقًا في تصرّفات سقراط الذي كان يتجوّل في الأسواق ويطرح أسئلةً تبدو تافهة، كي يصل من خلال ما يتلوها إلى “اليقين السّرمديّ”.

فرويد فسّر الضحك، كما فعل مع الأحلام، ضمن تأثير القوى الليبيديّة. يقول عن الضحك بمنطق يقترب من الأبيقوريّة بأنّ الضّحك “ينشأ من رغبة مكبوتة في اللاوعي يتحوّل بموجبها آلية دفاعيّة لمواجهة العالم الخارجي المهدّد للذات ويجعل من طاقة الضيق شعورًا بالمتعة التي هي ذات طبيعيّة”. الناس تضحك لتدافع، لتسخر، لتتحمّل، لتستطيع المواصلة. بكلمة أخرى: لتقاوم. هذا هو ما لم يفهمه مالدورور -الشخصيّة التي خلقها لوتريامون في أناشيده- عندما وجد أنّ الناس يضحكون، فأمسك سكينًا وقطع زاويتي شفتيه.

ولأنّ الضحك حالة مقاومة إبداعيّة تسعى بالضرورة للاشتباك مع السلطة فلقد حورب قديمًا وحديثًا. أفلاطون في معرض حديثه عن جمهوريّته الفاضلة كان يحذّر من الضّحك وينفّر منه لما له من “قوّة هائلة على تحويل خطوط الدفاع القويّة للسلطة إلى مجرد أبنية هشّة”. جاء الغزالي بعد قرون عديدة ليسهم في بناء السدود أمام الضحك بقوّة فاقت أفلاطون فحرّم، من دون أيّ سند دينيّ حقيقيّ، الضحك يوم العيد و”جعل عقابه هولاً من أهوال يوم القيامة”، ولم يكتفِ بالمضمار اللاهوتي بل تعدّاه إلى اللغوي فشرح أنّ المزاح سمّي كذلك لأنه “أزاح صاحبه عن الحق”.

الرجالة الي ورا -وقدام- عمر سليمان

الرجالة الي ورا -وقدام- عمر سليمان

في مصر، البلد الذي ما أن يذكر “البحر” فيها حتى يبرز سؤال: “بيضحك ليه؟”، كان المزاح (الألش باللهجة المصريّة) سلاح الشعب السرّي. على مدار عقود من الفساد والإهانة والعيش في اغتراب داخل الوطن صبّ المصريون جام غضبهم على الواقع، والسّلطة، نكاتًا و”إفّيهات” تبادلوها في المواصلات وجلسات السّهر وقاعات المحاضرات. لم تختلف نزعة المصريين “الضاحكة” عمّا لجأ إليه المضطهدون على مدار التاريخ؛ اليهود –كنموذج تاريخي لذلك- عرف عنهم الاستعانة بالنكات لتخفيف ثقل الواقع الأوروبي عليهم حتّى شاع عن اليهودي بأنه “يضحك كي لا يبكي”.

خرج ذلك السّلاح، سلاح الضحك، إلى العلن في ثورة الخامس والعشرين من يناير. لقد كان ميدان التحرير، وميادين السويس والإسكندريّة وباقي المدن المصريّة، مساحات لعرض مسلّح بالضحك. تجلّى ذلك في الشعارات “يا سوزان صحّي البيه، كيلو العدس بعشرة جنيه”، وفي اللافتات التي رفعت في الميدان: هتمشي هتمشي؛ بس انجز عاوز أروح أحلق؛ إرحل؛ الوليّة عاوزة تولد والولد مش عاوز يشوفك، إرحل؛ مراتي وحشتني- ده لو كان عفريت كان طلع!- إرحل يا تِنح، والعشرات من الشعارات والتعبيرات والفعاليات (“الراجل الي واقف ورا عمر سليمان” مثالاً) والرّسومات الأخرى التي دارت الغالبيّة العظمى منها في فلك السخرية من السلطة بشخوصها وفكرتها واستدعاء الضحك كثابت في المشهد الثوري لبلد بأسره.

اليوم، وبعد مرور أكثر من عام على هبّة المصريين، لا يزال الضّحك سلاحًا مُشهَرًا في وجه أعداء الثورة؛ الفلول والمجلس العسكري ومن لفّ لفهم من قوى “الثورة المُضادّة”. بلوفر شفيق (السّخرية من ملابس أحمد شفيق آخر رؤساء وزراء مبارك)، الفيديوهات المركبة لجلسات مجلس الشعب المصري، النكات السّاخرة التي تتلو أيّ تصريح مُسيء للثورة من شخصيّة سياسيّة مهما علا شأنها؛ كل تلك أمثلة واضحة على ذلك.

في أحد المرّات التي تواجدتُ فيها في ميدان التحرير العامر بأهله، أتأمّل، بكل معنى الكلمة، وجوه النّاس وابتساماتهم، لم أستطع إلا أن أفكر بأن المصريين لم يقوموا بواحدة من أكثر الانتفاضات سحرًا وعبقريّة فحسب، بل وفعلوا ذلك، في تجربة فريدة من نوعها عبر التاريخ، فعلوا ذلك.. ضاحكين.

يا خضر عدنان .. ارحمنا قليلاً!

فبراير 16, 2012

محمود عمر – غزّة

الأسير المعتقل إداريًا الحُر فعليًا خضر عدنان المضرب عن الطعام منذ أكثر من 60 يومًا، السلام عليكَ وبعد: 

مكتوب في نشرة الأخبار أنّك تواجه خطر الموت. أنا أكتب لك هذه الكلمات لأنني، عدا عن كوني غاضب منك ومستاء من أخبارك، أواجه خطر الحياة. الحياة اليوميّة بتفاصيلها الكئيبة يا خضر. أكتب لأنّ الجَمع من حولي مشغول فيما أنا مشغول فيه، والكل ينظر في عين من يجاوره كتفًا إلى كتف – لا فسحة للشيطان بيننا كما تعلم، ما عاد الشيطان ضروريا – نظرة استحقار من عين تكاد تشرع بالبكاء. بكاء كالذي اعترى جنود بني أمية وهم يسرقون حليّ نساء بيت النبي. نبكي ونسرق يا خضر، نبكي ونسرق.

أكتب إليك لأسأل: من تحسب نفسك؟ ها؟ من أين جئت بهذه القدرة الموجعة على اللامبالاة؟ كيف تسرّب هذا الكمُّ الهائل من الجَلد إلى جلدك؟ ماذا خطر في بال الله وهو يقلّبك طينًا بين يديه؟ أبشرٌ أنتَ مثلنا أم لك كفّ مضاءة وأفعى تسعى؟ هل تتبرّز وتبصق على الأرض ويطول شعرك وتختبر شكوكًا عميقة في كلّ شيء من حين إلى آخر؟ وكيف نجوت، أعني: لو كنت بطلاً وراجل قد كلمته، كيف في زماننا هذا نجوت؟ أجب!، قل أيّ شيء، دعني أسمع صوتك تتلقفه جبال فلسطين، والويل الويل لك لو ذكّرتني بسيناء القريبة وانهار على إثر صوتك أحدها! 

قاسٍ أنت يا خضر.

العشرات، وربّما المئات، غيروا صورة الفيس بوك إلى صورتك. العشرات، وربّما المئات، خرجوا في مسيرات تضامنيّة وأشعلوا الشموع، العشرات، وربّما المئات بل وربما الآلاف من عاهرات وعاهري وداعرات وداعري هذا الوطن السعيد أتوا من كل حدب وصوب يلهثون وراء فلاش الكاميرات وأسلاك الميكروفونات ليجدوا أنفسهم، دون تخطيط مسبق، في حضرتك أنت، تسلّم عليهم وتطلب منهم الجلوس والهدوء قبل أن تبدأ في إلقاء درسك اليوميّ عن الأخلاق والأمراض المنقولة جنسيًا. أيُّ عذاب هذا يا خضر؟ أيُّ عذاب سببت لنا، ولي أنا، على وجه الخصوص؟

هل تصلك في أرض الأبطال التي أنت فيها أخبار أسعار المحروقات؟ هل تعلم أن لتر البنزين في غزّة شارف سعره على الأربع شواكل؟ هل جاءك حديث الراتب؟ وشتم شرطة المرور؟ وتوقيع المصالحة للمرّة المليون؟ وأسماء قرىً يسرقها الحاجز ليتسمّى بها فتضيع القرية ويظلُّ الحاجز؟ هل عندكم مواتير وسهرات شواء وحفلات زفاف في فنادق خمس نجوم؟، هل تشعرون، أنت وصحبك، ولو بقليل من العجز الذي ينخر عظم السواد الأعظم؟

اسمع يا خضر، خارج سجنك، خارج وجهك، خارج عينيك .. “الحياة” باتت جداول يا عزيزي، جدول رواتب، جدول انقطاع كهرباء، جدول حواجز، وأنت تتجاهل ذلك وتتناساه وتحدثنا بكل برود عن الشّعر الحر ورفض الواقع. نحاول ارتجال شيء للحفاظ على ماء الوجه فنشيّد لك خيمة اعتصام أمام الصليب الأحمر ويقترح أحدهم (قصة حقيقية) أن نقيم من أجلك أمسية شعرية ولا نقعدها! سنقصفهم بالكلمات وندكّ أسوار السجن بالمجازات ونشبعكَ مديحًا يا أيُّها المضرب عن الطعام. الحياة جداول يا عزيزي، وما دمت حيًا تصارع، ستظلُّ تؤلمني وتنغص عليّ حياتي (كم هي مؤلمة هذه المفردة)، تقع مني في هذا الزحام فأنكسر. أمّا حين تموت .. فسنأتي من كبار السنّ والمجانين والصناديق العتيقة بالجدول الأوّل – جدول الشهداء – ونكتب اسمك ونمضي .. ويُقال أننى نكاد ننسى .. حتى يجيئنا نبيُّ آخر غيرك.

عام على الثورة: إلبس يا عم سعيد!

يناير 24, 2012

الفيلسوف الانجليزي فرانسيس بيكون قال: إنّ جابر بن حيان هو أول من علّم الكيمياء للعالم؛ فهو أبو الكيمياء. ولا اظنّ فرانسيس هذا كان يحابي بن حيان حين أعطاه تلك المنزلة الرفيعة؛ الرجل كان أوّل من مارس الكيمياء فعليًا، أبدع في المؤلفات النظرية (كتب حوالى 3000 مخطوطة) كما أبدع في التطبيق العملي، إذ اكتشف عددًا غير قليل من الأحماض، ناهيك عن طرق تحضير وتحليل المواد الكيميائية كالتقطير و التبخير والتصفية والانصهار والتبلور. بكلمات أخرى: جابر بن حيان هو برنس الكيمياء بلا منازع. 

ولمّا كان جابر بن حيان خطيرًا إلى ذاك الحد، فلقد عزّ على الدولة المصريّة الحديثة أن تجعله يمرُّ -تاريخيًا- مرور الكرام، وأن تترك ذكره محصورًا في كتب الزمن الغابر ومؤلفات العلوم التي لا يلتفت لها العامّة المنشغلون بالطريقة الأمثل للحاق بالأوتوبيس. وبناءً على ذلك، جاءت تسمية شارع فرعي ضيّق نسبيًا في حيّ الدقي الواقع في محافظة الجيزة، أحد أهم المحافظات المصريّة، باسم العالم الكيميائي اللامع. وفي شارع جابر بن حيان المذكور، والذي يتضمن مستشفى للولادة، ويتفرّع منه شارع يقود إلى مدرسة أجنبية، ثمّة حاجز عسكري يقف عليه عادةً جنديان يتناولان سندويتشات فول وطعميّة ملفوفة بجريدة الأهرام أو الأخبار اليوم ويراقبان بضجر (مصطنع ربما) النّاس من حولهم. 

على ذلك الحاجز المضمّخ برائحة الفول والمخللات، وقف محدثكم أكثر من ستّ مرات مشهرًا بطاقته الجامعيّة. يطلب مني في كلّ مرة أحد الجنديين فتح حقيبتي، أفتحها، يلقي نظرةً ويشير إلى بالدخول. الطريق من بعد الحاجز ليس طويلاً على أي حال، بضع خطوات حتى تجد مستطيلاً أزرقًا (يشبه اللوحات التي تكتب عليها عناوين عيادات ومدارس الاونروا) يشير النصُّ المكتوب عليه إلى مكتب استقبال المراجعين.  أدخل فيرنُّ جهاز كاشف المعادن لكن أحدًا لا يبالي، “عم سعيد” يجلس على مكتبه يقرأ الجريدة ولا يقرأها، وبضعة مراجعين يرتمون على الكراسي في انتظار ما ينتظرونه. أهلاً بكم في إدارة امن الدولة – قسم الجيزة.

كسّم حبيب العادلي بتاعكم

كسّم حبيب العادلي بتاعكم

ربّما يختلف في كل مرة موعد وصولي، لون قميص “عم سعيد”، عدد المراجعين، حالة الطقس، لكنّ غايتي من المجيء هي نفسها دائمًا: لقاء الضابط طارق الصيّاد المسؤول عن “الملف الفلسطيني” في محافظة الجيزة. لماذا أريد أن أقابل الضابط؟ لماذا قضيت عامًا كاملاً ما بين فرع امن الدولة في ستة أكتوبر ومبنى الداخلية في لازوغلي وإدارة أمن الدولة في الجيزة؟ الاجابة في حالتي طويلة عريضة ولا مجال لسردها بالتفصيل، لكنها بالعموم، وضمن اطار الصورة الاكبر، بسيطة ويمكن تلخيصها في كلمتين: لأنّي فلسطيني.

المهم، عبأت الطلب الذي حفظته عن ظهر قلب، سلّمته للحيوان سعيد هذا، نظر إليه ومرره إلى أحد المستخدمين الذي أوصله بدوره إلى عامل الهاتف، ومن ثمّ جلست، كالعادة، أنتظر على أحد الكراسي وأنا ألعن أخت هالقصة. أنتظر دون أن أكون قادرًا على القراءة، من يأتيه مزاج للقراءة في مكان عفن كهذا؟، لم يكن باستطاعتي غير تأمل السجادة حينًا، والسقف حينًا، والقادمين من الباب المزوّد بكاشف المعادن حينًا آخر، وارخاء سمعي لما يدور من أحاديث بين “العم سعيد” وأحد المستخدمين. كانت تلك “زيارتي” الأولى للمقر بعد هروب بن علي، وكان أثناءها أن سمعت الحديث التالي:

– شفت حصل إيه في تونس؟
– آه شفت، دول خربوا البلد. عملوا زي ما الفلسطينيين عملوا في الكويت. حاجة تقرف.
– لكن بالك يا عم سعيد الكلام ده ممكن يحصل عندنا؟
– انت حمار يَله؟ انت فاكر نفسك فين؟ احنا عندنا دولة، عندنا حكومة يا حيوان.
– لا لا ما أئصدش، أنا بسأل بس.
– ما تسألش، عاوز تسأل روّح عند أمك يا روح أمّك.

ينتهي حوارهم وينتهي انتظاري بأن أنال الرد الجاهز : تعال بكرة. أحمل حقيبتي وأخرج كما دخلت، او هكذا اعتقدت حتى قضى الشعب أمرًا كان مفعولا .. ولا يزال. 

 

 

الصورة بكاميرا حسام الحملاوي.

تحية فلسطينية للثورة السورية | Palestinians for Syria

يناير 21, 2012


حريةمنذ عشرة أشهر يسير الشعب السوري نحو الحريّة وثقتنا به لا تشوبها شائبة؛ لذا نرى أن من واجبنا أن نحذره من خطر التدخل الأجنبي وأن نشد على أياديه للحفاظ على سلميّة الثورة التي عودتنا منذ بدايتها على رفض الطائفيّة والفئويّة.

منذ عشرة أشهر يسير الشعب السوري نحو الحريّة بثبات، رغم تعثر خطواته التي يقطعها إجرام نظام بشار الأسد بأسلحة كان أولى بها تحرير أرضه المحتلة، أو يقطعها اختلاف من ائتمنهم الشّعب السوري على تمثيله.

منذ عشرة أشهر يسير الشعب السوري نحو الحريّة دون أن يَحدّ القتل ومحاولة تفريق الصفوف من صموده البطولي.

منذ عشرةأشهر يسير الشعب السوري نحو الحرية والعالم كله يُحلل شعارات مظاهراته، وتحقق الفضائيّات نسب المشاهدة المرتفعة فوق دماء شهدائه، ويبيع الإعلام الكلام والصور عن حرب أهلية أو مؤامرة، أو يتكالب على الثورة السورية من لم يدعموا يومًا الحرية والديمقراطية في شرقنا، معتقدين أن مؤامراتهم ونواياهم تنطلي علينا. ونحن على ثقة أن هذه المؤامرات ستتهاوى عند أقدام الشعب السوري العربي العريق، حالما يستعيد عافيته.

(more…)


%d مدونون معجبون بهذه: