Archive for the ‘بيان رقم 1’ Category

معرض فلسطين للكتاب: كيف تضاجع نصرة لرسول الله.

October 7, 2012

غزّة محاصرة على أكثر من مستوى. في المستوى الأوّل-السّهل تتجلّى مظاهر الحصار الجيوسياسيّة: المعابر، البضائع، الكهرباء، المحروقات وآليّات السفر. في مستوى أعمق، وأكثر صعوبة، يتلمّس الباحث ظواهر تقييد مغايرة؛ حصارًا “ناعمًا” يستهدف الأشياء النّاعمة. المخيّم الكبير، كما وصفها إدوارد سعيد، تعاني شحًّا حقيقيًا في الدهشة. الفلسطينيّون داخل غزة محاصرون لا في حركتهم فحسب، بل وفي رأسهم، قوى خارجيّة وداخليّة تستهدف تلك “السنتميترات الأخيرة الآمنة داخل الجمجمة”، في محاولة على ما يبدو لجعل المحاصرين نسخًا مهذّبة من قالب أصليّ واحد.

معرض فلسطين الدولي للكتاب الذي يفترض به، كأيّ معرض كتاب يحترم القرّاء، أن يفتح نافذة للثقافة وناسها على اختلافهم، جاء ليقوّي أساسات الجدران، ويؤكّد قدرة سلطة الأمر الواقع على التنميط. القائمون على المعرض الذي انطلق في غزّة مؤخرًا ويقام هذا العام تحت عنوان «إقرأ نصرة للنبي محمد عليه السلام»، في ردّة فعل على الفيلم المسيء الأخير، لم يتوانوا لحظة في قطع الشكّ باليقين؛ فالمعرض «من أجل فلسطين ونصرة للحبيب محمد صلى الله عليه وسلم»، وهو «جزء من معركة كسر الحصار الثقافي، ومن أجل بناء ثقافي وحضاري يسهم في الذود عن حياض مجدنا وتراثنا ويظهر وجه أمتنا الحقيقي والذي كان فيه الإسلام عنواناً للمجد والسلام». لا مجال للنقاش مع هكذا قواطع، لا مجال لإبداء الامتعارض أو انتقاد خشبيّة الخطاب، رفعت الأقلام وجفّت الصحف، ويبدو فعلاً أن المكتوب، هذه المرّة، بادٍ من عنوانه.

تشارك في المعرض أربعون دار نشر عربيّة، الأمر الذي يفقد بريقه الايجابيّ عندما يظهر أنّ السواد الأعظم من تلك الدور تدور في نفس الفلك. فما بين دار البراء، دار الدعوة، دار العلم والايمان، دار اليقين ودار إقرأ، سيتجوّل القارئ الغزّي باحثًا عن ضالته التي قد لا يجدها وسط كل تلك المتشابهات، إلا إذا كان قارئًا “على مقاس” المعرض. الفعاليّات المرافقة ليست أقل بؤسًا من المشهد العام؛ فما بين محاضرة “أولياء الله” ومحاضرة “عش عظيمًا” تبزغ محاضرة “الأسباب العشرة في غباء اليهود لاختيارهم فلسطين وطنًا قوميًا لهم” لتعطي قولاً فصلاً في العقليّة التي تحكم تلك الفعاليّة التي لاشكّ تحمّس كثيرون ظنًا منهم أنّها ثقافيّة بالمعنى الواسع للكلمة.

أثناء الإطلاع على أسماء المؤَّلفات التي ستعرض على مدار أيّام المعرض، تتجلّى المفارقة. المعرض الذي يرفع نصرة رسول الله عنوانًا له يعجُّ عن آخره بالكتب الرديئة المتعلقة بالتنمية البشريّة، وتلك الضاربة في الاستحمار بعناوينها التي تبدأ غالبًا بخانات رقميّة (25 خطأ في تربية الأولاد، 365 مقولة، 25 قصة نجاح ، 20 طريقة لسعادة الزوج، 20 طريقة لسعادة الزوجة) وطرحها الذي يحاول تقديم كتالوجات جاهزة للحياة البشريّة، والكتب المتعلقة بالجنس باعتباره نشاطًا جسديًا ميكانيكيًا تحت المظلّة الشرعيّة. 100 سؤال في الجنس، أسس ومبادئ التربية الجنسيّة في الاسلام، الأعشاب والجنس، ألف باء السعادة الزوجية، أصول المعاشرة الزوجية، الأسرار الخفية في الحياة الزوجية؛ رومانسيّات في عش الزوجيّة، كلها عناوين ستحتل موقعها على الرفوف في المعرض الذي سيستمر حتى الثالث عشر من أكتوبر. ربّما أرادت وزارة الثقافة أن تقول لفلسطينيي غزّة: انشغلوا بأنفسكم عنّا، وتضاجعوا بشكل أفضل، وانصروا رسول الله، وأتركوا لنا الباقي.

النبي صالح: فيلم مبني على أحداث حقيقيّة؟

August 25, 2012

لكلّ واحدٍ عدسته الخاصّة. الله له عدسة زرقاء ضخمة اسمها السماء، ووكالات الأنباء والصحفيّون المستقلّون وغالبيّة النشطاء الأجانب لهم عدساتهم السوداء على الأرض. جنود الاحتلال أيضًا لهم نصيب، في بنادقهم الحديثة عدساتٌ صغيرة مثبتة بحرفيّة على ظهر البنادق كي تسهّل وضع الهدف في الـ:”Focus”. أقول الـ”Focus” لأنّ اللغة الانجليزيّة ذات أهميّة بالغة في مجالي التصوير والاحتلال، حتّى أن الفعل المستخدم فيها لوصف التقاط الصور، وإطلاق النار, هو الفعل نفسه: Shoot.

يخبرنا المخرج الايطالي مارتن سكورسيزي أنّ السينما هي عملية انتقاء لما سيكون داخل الإطار، واستبعاد لما سيكون خارجه. ومن نافل القول أنّ الأدوات المستخدمة في إنتاج المادة السينمائيّة من كاميرات ومؤثّرات وتجهيزات إضاءة وميكروفونات، يجب أن تكون لا خارج الإطار السينمائيّ فحسب، بل وخارج إطار خيال المشاهد. بكلمات أخرى: يجب أن يتأثّر المشاهد ويصدّق ما يراه، ويتحوّل على إثر ذلك إلى “شاهد” على الأحداث التي باتت تجري أمام ناظريه، لا أمام عدسات الكاميرا.

قلنديا والأربعين مصوّر

قلنديا والأربعين مصوّر

في الضفّة الغربيّة يختلط الحابل بالنّابل، ولا تنطبق مستلزمات الحقيقة ولا اشتراطات السينما. قرية النبي صالح التي يمكن اعتبارها نظرًا لموقعها الجغرافيّ “بؤرة” فلسطين، تعطي مثالاً واضحًا. تدرك أنت إذ تتابع أنباء وصور مظاهراتها الأسبوعيّة أنّ ما يحدث ليس مشهدًا من فيلم. هذه الدموع المنهمرة على خدّ فتاة صغيرة دموع حقيقيّة وليست مكمّلاً جماليًا للقطة حزينة ترافقها موسيقى تصويريّة ناعمة. هذا الجنديّ الذي يلفّ ذراعه حول عنق صبيّة في ربيع ثورتها مستعمرٌ من ظهر مستعمر، وليس ممثلاً سيدخل بعد قليل غرفته الخاصّة ليمسح المكياج ويخلع عنه البدلة العسكريّة مرتديًا ثيابًا أكثر ملائمة للطقس. كل شيء حقيقي وفاعل: قنابل الغاز، البنادق، الجيبات العسكريّة، الجدار الفاصل، كلّ شيء. ومع ذلك لا يسعك إلا أن تشعر أنّ “الصورة” مرتبكة ومربِكة.

يرى الله كل ذلك (كما يرى كل مظاهر القمع والظلم الأخرى في العالم ) ويصّوره بدقّة HD من خلال عدسته الضخمة، ولكنه يفضّل عدم التدخل مباشرة. يقول لنا المتديّنون في معرض التفسير: تلك هي “الإرادة الإلهيّة” التي قد لا يتجلى مرامها السّامي للانسان البسيط، والتي لا يجب أن يطرح الخوض في أمرها تساؤلات حول الشهامة والمواقف. ولكن، ماذا عن البشر؟، ماذا عن اتخاذ القرار في الدماغ، تمريره عبر اشارات الجهاز العصبيّ الكهربيّة إلى العضلات، ليتحوّل إلى جهد فيزيائيِّ مرئيٍّ قادر على إحداث التغيير؟ كيف والأمر يتعلّق بأشخاص مستعمَرين تتراكم الدهون في عضلاتهم ولا مجال – كما أخبرنا فانون- لتصريفها إلا عبر الفعل المقاوم؟.

عندما يحيط سبعة مصورين أو أكثر بجنديين يضربان أو يسحلان أو يحاولان اعتقال شاب أو فتاة, يتراصّون ببلاهة على مسافة لا تتجاوز الخطوة الواحدة من “مسرح الأحداث”، بعضهم يحني ظهره كي يضبط “الشوت”، والبعض الآخر يحاول تقريب الميكروفون قدر المستطاع، وكلّهم يتصرف وكأن لا وجود لشخص آخر غيره، هل يكون الأمر عاديًا_حقيقيًا؟. لو كان ذلك مشهدًا سينمائيًا لما رأيت كل هذه الكاميرات، ولو كان حقيقة مطلقة (حقيقة بالنسبة لكلّ العناصر الظاهرة في الصورة) لما رأيت كلّ هذه الكاميرات. فما الذي يحدث بالضبط؟، ولماذا يتكرر برتابة فجّة ونسق بغيض؟ هل هذا هو “الحياد الصحفي” يتجلّى على مسافة قصيرة من جلاد وضحيّة؟

لا يحاول كاتب هذا المقال الخوض في النوايا أو التشكيك في الأهداف أو التقليل من أهميّة تلك الفعاليّات المقاوِمة. جلّ ما في الأمر أنني إذ أشاهد الصور ومقاطع الفيديو من مظاهرات قرية النبي صالح، او معتقل عوفر، أو حاجز قلنديا ويظهر لي هذا الكمّ الهائل من العدسات داخل الإطار، في تجمّع أقرب إلى العبثيّة، تصيبني الحيرة. هل انتهى الأمر أم أنني سأسمع عمّا قريب صوتًا خافتًا جدًا يقول .. Cut؟!

النبي صالح - جمعة 24/8

النبي صالح – جمعة 24/8

 

الضّحك باعتباره حالة مقاومة: المصريّون نموذجًا.

June 6, 2012

|محمود عمر|

«واجب من يريد الخير للبشريّة أن يجعلها تضحك من الحقيقة، وأن يجعل الحقيقة تضحك فيتحرّر الانسان»

(أمبرتو إيكو، “اسم الوردة”)

أنتِ جادة جدًا، لا يمكنني تخيّل شخص يتبنّى قضيّة يؤمن بعدالتها، ويمشي بين الناس بوجه تحتلُّ الكآبة قسماته؛ ليس هذا الانطباع الذي يجدر بك إعطاؤه للآخرين. لقد كنتُ هكذا، مثلكِ، أصرخ كثيرًا وأقضي وقتي إما في التعبير عن الغضب والجديّة، أو في تهيئة نفسي للقيام بذلك. أنظري إلى مصر، ما الذي حصل هنا؟ كان المصريّون يعيشون في عالمهم المغلق والمحكوم بالزحمة ورداءة الوقت، في الحافلات الضيّقة، في العمارات التي تمتاز بفارق شاسع بين خارجها وداخلها، في العشوائيّات وفي الريف.. وفجأةً خلعوا مبارك بطريقة مذهلة. طرأ شيء ما، في الهواء أو في الماء أو في تركيبة الفرد الذهنيّة فأدّى لهذا الفيضان البشريّ الهادف. يمكنني أن ألخّص ما حدث بكلمات قليلة: لقد ابتسم المصريّون بعد أن كانوا يضحكون في جلسات خاصّة وبصوت منخفض، ضحكوا معًا، علنًا، وبصوت عالٍ!

خوذة ضاحكة

لم أكن أعتقد أنّ الكلام الذي كنت أقوله لتلك الصديقة الأميركيّة-الفلسطينيّة في قهوة البورصة -أحد مقاهي وسط البلد بالقاهرة- هامّ إلى درجة أنني سأعيد تذكره لأبدأ به هذا المقال عن الضّحك. كنت، في الحقيقة، أحاول أن أهدّئ من روعها أو أن أمتصّ غضبها (من الرّاهن الفلسطيني) لأستطيع الاستمتاع بهدوء بفنجان الشاي الذي ينتصب أمامي على الطاولة. تبيّن بعد تسلسل أحداث وقراءات تلت حديثي ذاك أنني كنت، فعلاً، أقول شيئًا هامًا له منابعه في الفلسفة والسّياسة والتاريخ. أفكار قيّمة قد تخرج من رأسك وأنت تحاول تهدئة صديقة لك من أجل أن تستمع بفنجان شاي؛ أليس ذلك، في حدّ ذاته، مضحكًا؟

يعرَّف الضحك في المعاجم الانجليزيّة على أنه “إحداث ضجّة باستخدام الصّوت للدّلالة على الاعتقاد بأنّ حدثًا ما مَدعاة للفرح”، أو أنّه “التعبير عن مشاعر معيّنة، غالبًا ما تكون متعلّقة بالرّضا والسّرور، على شكل سلسلة من الأصوات العفويّة المرتبطة غالبًا بحركة في الأطراف والوجه”، بينما يُعرّفه “لسان العرب” بأنّه “ظهور الثنايا من الفرح”. والضّحك عند العرب على مراتب: التبسّم ثمّ الافترار والانكلال ثمّ الكتكتة ثمّ القهقهة والقرقرة والكركرة، ثمّ الاستغراب ثم الطخطخة ثم الإهزاق، وهي أن يذهب الضحك بصاحبه كلّ مذهب.

في مجال البحث عن علّة الضحك تبرز مدارس عدّة؛ في القديم منها جنح الفلاسفة لتفسير الضّحك على أنّه سخرية من الطبقات الدنيا، أو كحالة حوار مستتر مع الذات. أمّا في المتقدم فتعدّدت الآراء؛ هيغل يرى أنّ الضحك “ينشأ نتيجة لوجود التناقض بين المفهوم والمعنى الحقيقي الدفين الذي يقدّمه هذا المفهوم”، ويؤكّد كيركجارد، بطريقة أو بأخرى، على ذلك فيقول: “حيث توجد حياة يوجد تناقض، وحيث يوجد تناقض، يكون المضحك موجودًا”، بينما يعبّر شوبنهاور عن ذلك “التناقض” بمفردات أخرى على شاكلة “العبور/ الوصول” فيقول: “الضّحك شبيه بقياس منطقيّ تكون القضية الكبرى فيه مؤكدة، ويتم الوصول إلى القضية الصغرى فيه، إلى حدّ ما، من خلال الحيلة أو المغالطة، وتكون نتيجة هذا التركيب بين القضيتين هي الضحك”، وهو الأمر الذي نجده مطبقًا في تصرّفات سقراط الذي كان يتجوّل في الأسواق ويطرح أسئلةً تبدو تافهة، كي يصل من خلال ما يتلوها إلى “اليقين السّرمديّ”.

فرويد فسّر الضحك، كما فعل مع الأحلام، ضمن تأثير القوى الليبيديّة. يقول عن الضحك بمنطق يقترب من الأبيقوريّة بأنّ الضّحك “ينشأ من رغبة مكبوتة في اللاوعي يتحوّل بموجبها آلية دفاعيّة لمواجهة العالم الخارجي المهدّد للذات ويجعل من طاقة الضيق شعورًا بالمتعة التي هي ذات طبيعيّة”. الناس تضحك لتدافع، لتسخر، لتتحمّل، لتستطيع المواصلة. بكلمة أخرى: لتقاوم. هذا هو ما لم يفهمه مالدورور -الشخصيّة التي خلقها لوتريامون في أناشيده- عندما وجد أنّ الناس يضحكون، فأمسك سكينًا وقطع زاويتي شفتيه.

ولأنّ الضحك حالة مقاومة إبداعيّة تسعى بالضرورة للاشتباك مع السلطة فلقد حورب قديمًا وحديثًا. أفلاطون في معرض حديثه عن جمهوريّته الفاضلة كان يحذّر من الضّحك وينفّر منه لما له من “قوّة هائلة على تحويل خطوط الدفاع القويّة للسلطة إلى مجرد أبنية هشّة”. جاء الغزالي بعد قرون عديدة ليسهم في بناء السدود أمام الضحك بقوّة فاقت أفلاطون فحرّم، من دون أيّ سند دينيّ حقيقيّ، الضحك يوم العيد و”جعل عقابه هولاً من أهوال يوم القيامة”، ولم يكتفِ بالمضمار اللاهوتي بل تعدّاه إلى اللغوي فشرح أنّ المزاح سمّي كذلك لأنه “أزاح صاحبه عن الحق”.

الرجالة الي ورا -وقدام- عمر سليمان

الرجالة الي ورا -وقدام- عمر سليمان

في مصر، البلد الذي ما أن يذكر “البحر” فيها حتى يبرز سؤال: “بيضحك ليه؟”، كان المزاح (الألش باللهجة المصريّة) سلاح الشعب السرّي. على مدار عقود من الفساد والإهانة والعيش في اغتراب داخل الوطن صبّ المصريون جام غضبهم على الواقع، والسّلطة، نكاتًا و”إفّيهات” تبادلوها في المواصلات وجلسات السّهر وقاعات المحاضرات. لم تختلف نزعة المصريين “الضاحكة” عمّا لجأ إليه المضطهدون على مدار التاريخ؛ اليهود –كنموذج تاريخي لذلك- عرف عنهم الاستعانة بالنكات لتخفيف ثقل الواقع الأوروبي عليهم حتّى شاع عن اليهودي بأنه “يضحك كي لا يبكي”.

خرج ذلك السّلاح، سلاح الضحك، إلى العلن في ثورة الخامس والعشرين من يناير. لقد كان ميدان التحرير، وميادين السويس والإسكندريّة وباقي المدن المصريّة، مساحات لعرض مسلّح بالضحك. تجلّى ذلك في الشعارات “يا سوزان صحّي البيه، كيلو العدس بعشرة جنيه”، وفي اللافتات التي رفعت في الميدان: هتمشي هتمشي؛ بس انجز عاوز أروح أحلق؛ إرحل؛ الوليّة عاوزة تولد والولد مش عاوز يشوفك، إرحل؛ مراتي وحشتني- ده لو كان عفريت كان طلع!- إرحل يا تِنح، والعشرات من الشعارات والتعبيرات والفعاليات (“الراجل الي واقف ورا عمر سليمان” مثالاً) والرّسومات الأخرى التي دارت الغالبيّة العظمى منها في فلك السخرية من السلطة بشخوصها وفكرتها واستدعاء الضحك كثابت في المشهد الثوري لبلد بأسره.

اليوم، وبعد مرور أكثر من عام على هبّة المصريين، لا يزال الضّحك سلاحًا مُشهَرًا في وجه أعداء الثورة؛ الفلول والمجلس العسكري ومن لفّ لفهم من قوى “الثورة المُضادّة”. بلوفر شفيق (السّخرية من ملابس أحمد شفيق آخر رؤساء وزراء مبارك)، الفيديوهات المركبة لجلسات مجلس الشعب المصري، النكات السّاخرة التي تتلو أيّ تصريح مُسيء للثورة من شخصيّة سياسيّة مهما علا شأنها؛ كل تلك أمثلة واضحة على ذلك.

في أحد المرّات التي تواجدتُ فيها في ميدان التحرير العامر بأهله، أتأمّل، بكل معنى الكلمة، وجوه النّاس وابتساماتهم، لم أستطع إلا أن أفكر بأن المصريين لم يقوموا بواحدة من أكثر الانتفاضات سحرًا وعبقريّة فحسب، بل وفعلوا ذلك، في تجربة فريدة من نوعها عبر التاريخ، فعلوا ذلك.. ضاحكين.

رسالة محمود عبّاس إلى نتنياهو – نسخة مقترحة.

April 6, 2012

عزيزي نتنياهو .. يلعن دينك!

نعم يلعن دينك, هل تظنني سأخاف؟، هل تعدّل نظارتك الفاخرة في هذه اللحظات لتتأكد مما هو مكتوب فعلاً؟، هل ترفع السماعة لتطلب حضور كل مترجمي إسرائيل؟ هه!, أشفق عليك. غسان كنفاني الذي اغتاله موسادك كان قد افتتح بتلك الكلمات رسالة عشقيّة، وها أنا أفتتح بها خطابي إليك. غسّان الذي حاولتُ شطبه وكلَّ ما يمثله من التاريخ والجغرافيا كان غاضبًا من فرط الغيرة, وأنا غاضب من فرط الضجر. عزيزي نتنياهو, لقد اكتشفت أنني لا أملك شيئًا كي أخسره.

اسمعني جيّدًا ففي رسالتي هذه “سأجيب من الآخر” -كما نقول نحن الفلسطينيّون- وسأعكف بعد أن أتاكد من أن الرسالة قد وصلتك على أن أجيب آخرك. عشرون عامًا مرّت منذ وقّعت (أشعر بالعبث حين أتذكر تلك اللحظة) اتفاق اعلان المبادئ في حديقة البيت الأبيض اللعين أنا ورئيسك شيمون بيريز بحضور رابين وعرفات, عشرون عامًا بكل ما فيها من تفاصيل مرّت عليّ وأنا أعاند وأناطح وأنظّر وأصر وتأخذني العزّة بالاثم, عشرون عامًا وأنا أقاوم .. أقاوم فطرة المقاومة. يطلب صحفيُّ مقابلتي فأرتدي وجهي الدبلوماسي وبدلتي الأجنبيّة, أجلس قبالته وأدلق الديباجة إيّاها: المفاوضات هي الحل الوحيد, إسرائيل جارتنا، نريد أن نعيش بسلام. ينتهي اللقاء فأحلّ قليلاً ربطة عنقي لأتنفس يا نتنياهو, كم هو خانق أن تكذب على الهواء!

فعلت كلّ شيء وأنت تعلم ذلك. لم أفوّت مؤتمرًا, لم أتكاسل عن جولة مفاوضات (على اختلاف انواعها) منذ عقود، في 2003 ناطحت حتى شيخ القبيلة واستقلت من منصبي كرئيس للوزراء, طلبت في جلسة سريّة من قيادات عسكريّة أن يطلقوا النار على كل من يرونه يحاول اطلاق الصواريخ عليكم, وفّرت للجنرال دايتون كل الوسائل والدعم والتسهيلات اللازمة لعمله, وقد اعترف الرجل بذلك حين قال: “الذي حققناه وأقول هذا تواضعاً ، هو اننا صنعنا رجالاً جدداً”، التنسيق الأمني بين جماعتي وبينكم أكثر حميمّية من حديث رجل وزوجه آخر الليل، حصار غزّة أجوّده معكم، عشرة مليارات دولار سهّلت سكبها على الفلسطينيين كدعم أجنبي، تركت فياض يرتع في الضفّة الغربية بنظرياته النيوليبرالية حتى بلغ ما اقترضه سكان رام الله من البنوك في عهده فقط ثلاثة مليارات دولار, باختصار يا نتنياهو .. لقد أفنيت حياتي في المفاوضات وفي التنازل علشان خاطركم .. وعلى ماذا حصلت في المقابل؟

لاشيء هو ما حصلت عليه يا نتنياهو الشوم. لاشيء من الوطن, لاشيء من الدولة, لاشيء من السيادة, لاشيء من الكرامة, ولاشيء من الحريّة. أربعون مرّة تضاعف الاستيطان في آخر ثلاث سنوات، الشياطين تعلم كم مرّة تضاعف عدد الأسرى والجرحى والشهداء. أذهب للامم المتحدة ومعي فرقة أكبر من فرقة حسب الله في خطوة غرضها انقاذ بقايا البقايا لأجد مديرك اوباما والفيتو الخاص به في انتظاري، لا بل أن الخراء وصل إلى حد أن تصريح تنقلي نشر على الفيس بوك، وخمّن ماذا؟ لقد ضقت ذرعًا بذلك كله, أنا رجل كبير وقد تعبت، وهذا المشروع كله لا جدوى منه, لقد غزاني الملل, الملل الذي يوصفه كيركجارد بقوله: إنه مرعب إلى حد لا يمكنني عنده أن أصفه إلا بالقول إنه مرعب إلى درجة مملة.

ملاحظة: إيّاك أن تفكر بالرد على هذه الرسالة.

مرفق قرار حل السلطة الوطنية الفلسطينية.

“إنّي لكم لناصح”

March 23, 2012

محمود عمر – القاهرة

حديث هادئ عن الطاغية والمجتمع ومخيّم العروب.

قرأت كثيرًا في الآونة الأخيرة عن الطاغية؛ “من يقطع شجرة من أجل قطف الثمرة”، عن طريقه تفكيره ونشأته وتفسيره للعالم من حوله. أثناء قراءتي كان من السّهل أن أزاوج بين النص المكتوب وبين صور شخصيّة لعشرات الطغاة المعروفين، تتراءى لي ملامحهم أمام ناظريّ، تجاعيد وجوههم، شعرهم المصبوغ وطريقة تحدثّهم وملابسهم المستوردة. الطاغية المفرد، المتفرّد، المؤلّه من شعراء البلاط القدماء والجدد: ما شئت لا ما شاءت الأقدار – فاحكم فانت الواحد القهّار. يشير إليه المنتفعون بالسبابة، وتشير له أنت، من لم تستطع أن ترتدي حذاءك على رأسك، بالوسطى. 

لكن ماذا عن الطاغية الذي لا وجه له؟ عن الطاغية الذي يملك مليون وجه ومليون اسم ومليون عنوان؟ كيف نستطيع حصره في إطار تخيّلي نسلّط عليه فيه أعتى أنواع الكره والرفض؟ كيف نحفظ ملامحه وشكل حاجبيه حتّى نبصق في وجهه ما أن نراه يسير في موكب جليل؟. ربّما يفهمني البعض حديثي على أنّه هجاء للجموع الذين طلّقهم غوستاف لوبون بالثلاثة، لكنّه ليس كذلك. أنا أتحدّث عن المنظومة، عن عشرات العلاقات واللوازم والنواهي، عن الضحّايا الذين وضعوا في معمعة جعلتهم يراكمون تلك النواقص الصغيرة حتّى صارت كاملة في بشاعتها. أنا أتحدّث عن طغيان المجتمع، وعن قوّة الحشد، وعن نوع من التفتيش الذي يستطيع أن يمدّ يده في جيبك دون أن تدري.

(more…)


%d bloggers like this: