Archive for the ‘حكايات’ Category

الحداثة المعكوسة في الصّورة الفلسطينيّة

مايو 29, 2014

محمود عمر

نُشر هذا المقال في ملحق السّفير العربي.

أدرك الفلسطينيون في وقت مبكر أهميّة «الصورة»، واستشعروا إمكانيّة أن تقف هذه الأخيرة في صفِّهم. كان الفَهم الفلسطينيُّ الأول للصورة، حاله حال الفهم الأوّل للكلمة والبندقيّة، فهماً مادياً بامتياز: الصّورة أداة من أدوات إنتاج الحقيقة. تطوّر هذا الفهم على مدار سنوات الثورة الفلسطينيّة وخضع لعمليّات نقد تراكميّة حرّة حتى صار أقرب إلى ما قالته الناقدة الأميركيّة سوزان سونتاج: ليست الصّورة أداة إنتاج للحقيقة، بل أداة إضفاء طابع حقيقيّ على الأشياء.

«والبحر صورتنا»

شعار وحدة الأفلام الفلسطينيّة

شعار وحدة الأفلام الفلسطينيّة

مثلما أضفى الله على الإنسان طابعاً حقيقياً إذ جعله على صورته، حاول الفلسطينيون مع انطلاق ثورتهم إطفاء طابع حقيقي على كلّ ما أنتجوه ونتج منهم، على كلّ ما فقدوه وسقط منهم: فلسطين، المخيّم، عمّان وبيروت التي ضاع أثناء الخروج منها القسم الأكبر من الأرشيف وانقطع على شاطئها الخطّ الزمني للحكاية الفلسطينيّة. فُقدت في بيروت كميات مهولة من المواد البصريّة والمكتوبة تحت القصف، أو ذهبت بأيادي الكوماندوز إلى إسرائيل التي سرعان ما وضعت كلَّ ما وصل إليها خارج التّاريخ. لكنّ الضياع لم يكن ضياعاً مطلقاً.

استطاع فنّانون فلسطينيون وعرب وأجانب إنقاذ بعض نتاج تلك الحقبة الزمنيّة وطاروا به إلى جهات الأرض الأربع. وعلى الرّغم من أن الاستسلام الفلسطينيّ الرسمي في أوسلو قد وقف حائلاً دون سرعة الاشتغال على ما لم يدمّر أو تسرقه إسرائيل، بما يمكِّن من إعادة تملّك الخط الزمنيّ للصورة الفلسطينيّة، إلّا أنّ بوادر معطوفة على تلك الضرورة قد بدأت تخرج إلى العلن، لا سيّما أنّ أوسلو وما فرضته من رجعيّة فكريّة على العقل الجمعي الفلسطينيّ قد وصلت إلى حالة مطْبقة من الفشل السكونيّ.

«والبحر يسمع…»

عكفت مؤسسة الأفلام الفلسطينيّة منذ مدّة على مهمّة تشتبك بشكل مباشر مع الصّورة الفلسطينيّة. أطلقت المؤسسة مشروعاً يختصّ بالبحث عن الأفلام الناجية من تراجيديا الخروج من بيروت، والحصول عليها بغية حفظها وإعادة ترجمتها وتحويلها إلى صيغة رقميّة لإعادة إكسابها ميّزتها الوجوديّة الأهم: أن تكون أفلاماً قابلة للعرض بشكل جماهيري. ظهرت أولى نتائج هذا المشروع مع إعلان المؤسسة عن انطلاق فعاليّة «العالم معنا» في لندن، التي تستمرّ من 16 أيار/مايو إلى 14 حزيران/يونيو، وهي ستعيد اكتشاف أكثر من ثلاثين فيلما أُنتجت من مواضع ومسافات مختلفة من الثورة الفلسطينيّة في ستينيّات وسبعينيّات القرن الماضي.

ستعرض من خلال الفعالية أفلام من إنتاج «وحدة أفلام فلسطين» التي تأسست عام 1970 وقامت على مدار سِنِيِّ عملها بإنتاج أكثر من 15 فيلما بين المتوسّط والقصير. ستشمل الفعالية أيضا أعمالاً لمخرجين عرب وأجانب اشتبكوا فنيا مع الثورة الفلسطينيّة، مثل المخرج العراقي قيس الزبيدي، واللبنانيّة نبيهة لطفي، والايطالي لويجي بيرلي، والفرنسي جان لود غودار الذي أخرج فيلم «هنا وهناك» عام 1974. لا تكمن أهميّة وقيمة هذه الأعمال في كمِّها أو طابعها التوثيقيّ فحسب، بل في كَيفها وسمتها الفنيّة أيضاً. فهي تطرح تساؤلات متعلّقة بالمقاومة الفنيّة والحداثة بمعنييهما العام، كما تتيح فرصة حقيقيّة لتسليط الضوء على جانب مهم ومغبون من الثورة الفلسطينيّة، المتعلّق بأنّها كانت ـ على ما كان فيها من علّات ـ حاضنة أساسيّة للفنّ العربيّ ومحطّة إنتاج وتوزيع رئيسة للصّورة والمعنى.

«واسحب ظلالك من بلاط الحاكم»

وحدة الأفلام الفلسطينيّة

وحدة الأفلام الفلسطينيّة

أوّل ما يستنتجه المشاهد لهذه الأعمال، وما تقدّمه من لمحة عن الظروف الاجتماعيّة التي جعلها ممكنة، هو انّها تتسم بكثير من الحداثة الثوريّة التي نهجس اليوم باحثين عنها. إنّها أفلام خرجت من رحم المشروع الجمعيّ والتجربة التي تَلاقح فيها الشخصيّ مع العام. أفلام تصوّر معاناة الفلسطينيين وشتاتهم لكنّها لا تثبِّت الفلسطينيّ في حيّز الضحيّة. في هذه الأفلام، يظهر الفلسطينيّ باعتباره حالة رفض لإسرائيل وأنظمة القهر العربيّة، ولكنه يظهر أيضا في حالة ضجر خلّاقة من ضحويِّته ومحاولات تقديمها على أنها سرديّته الوحيدة.

في فيلم «الزيارة» (1970) يظهر الشوط التقدميّ الطويل الذي قطعته الفكرة السينمائيّة في منطقتنا واتساع رقعة تفاعلها مع السينما العالميّة. تذكر الطريقة الوحشيّة التي يتمازج فيها المشهد بالموسيقى التصويريّة بالمدرسة التعبيريّة الألمانيّة وبأعمال عمالقة مثل بيرغمان وتاركوفسكي. يحظى المشاهد في فيلم «شهادة أطفال في زمن الحرب» (1972) بإطلالة على الطابع التجريبيّ الذي وَسم كثيرا من النتاج الفنّي الذي قدّمته الثورة الفلسطينيّة بشكل مباشر، أو عملت على تثويره من خلال علاقات الدعم والتوزيع.

في الفيلم، تقوم الفنانة منى السعودي بتوزيع مئات الأوراق البيضاء وعلب الألوان على أطفال مخيم البقعة بعد 1967 مباشرة وتطلب منهم أن يرسموا كلّ ما يخطر على بالهم. يرافقها في المشروع المصوّر هاني جوهريّة الذي استشهد لاحقاً في بيروت. يقوم قيس الزبيدي بدمج الصور التي أخذها هاني جوهريّة، وهي بالأبيض والأسود، مع صور ملوّنة أخذها هو بنفسه لما أنتجه الأطفال من لوحات. يخرج الفيلم في صورته النهائيّة تجريبياً وإبداعياً، يشتبك مع مسألة في غاية الدقّة: أيّها له وقع حقيقيٌ أكثر على وعي المشاهد، الأبيض والأسود أم الألوان؟

«ذهب الذين تحبّهم، ذهبوا»

في وسط مفرّغ من المعرفة كما آلت إليه الحالة الفلسطينيّة، يكون الافتراض المنطقيّ الأسلم بأنّ الصورة الفلسطينيّة، بوضعها موضع التحريك من خلال السينما، قد تطوّرت بنيوياً عن الأعمال التي تعرضها فعالية «العالم لنا». لكنّ إقحام الرّاهن الفلسطينيّ في المعادلة ينسف هذا الافتراض من جذوره. عندما نتحدث اليوم عن الأعمال الفلسطينيّة المرئيّة ونقارنها بما تقدّم عرضه، فإننا نشعر وكأنّ عقارب السّاعة تسير، بشكل ما، إلى الوراء.

تمكّنت الثورة الفلسطينيّة، في وضع تاريخيّ دقيق، من أن تقزّم المسافة بين البنية التحتية والبنية الفوقية، وأن تجعل من كلّ ضحية مؤكدة مقاتلاً محتملاً في مجاله. فرضت الثورة نفسها على القصّة والرواية والصورة، وكانت خير مثال على التبادليّة التي تحكم التفاعل بين الموجود الاقتصاديّ والموجود الفكريّ. كانت الثورة في حدّ ذاتها نظرية اعتنقها الملايين فتحوّلت بذلك إلى قوّة ماديّة مهولة لها القدرة على الانتاج في المخيّم والمدينة والبلد. مع الخروج من بيروت وتوقيع اتفاقيّة أوسلو، انتفت الثورة تماماً، وانتفى كلّ ما كانت تمارسه على النتاج الفنّي المتعلِّق بفلسطين، ودخل المعنى الفلسطيني صحراء التيه.

يمكن للمرء اليوم في معرض حديثه عن الأفلام الفلسطينيّة التي خرجت إلى النور بعد تشكيل السلطة الفلسطينيّة وبدء ضخّ أموال التمويل الأوروبيّة والأميركيّة، أن يتطرّق إلى أعمال جيّدة، وأخرى رديئة، لكنّه قطعاً لن يجد أعمالاً ثوريّة بالمعنى السياسيّ والاجتماعي والثّقافي. عادت عدسات الكاميرات لتصوّر في الفلسطينيين معاناتهم أو تمارس عليهم أنواعاً مختلفة من الاستشراق والتثبيت داخل الإطار.

يعني هذا، على سبيل الاستنتاج، أنّ الحداثة معكوسة تماماً في الصّورة الفلسطينيّة. إنّ الأفلام التي رعتها الثورة وأنتجها مخرجون فلسطينيون وعرب وأجانب بكاميرات 16 ملم وعالجوها بأقلّ الإمكانيّات (معمل الألوان الوحيد كان في بعلبك) في ستينيات وسبعينيّات القرن الماضي كانت أكثر حداثة وتقدميّة وجمالاً بكثير من الأفلام التي تخرج علينا اليوم بصور بالغة الوضوح ويصل مخرجوها أحياناً إلى مهرجانات عالميّة. ليس هذا حكماً عاطفياً بل نقداً يتوخّى الموضوعيّة ويعرف أن عقارب السّاعة لا يمكنها أن تسير بالمقلوب إلى الأبد.

لا تزد الطين بلّة. لا تشتر الوردة.

مايو 26, 2014

محمود عمر

بالإضافة إلى عربات الكستناء المشويّة والكعك المرشوش بالسمسم وأفوّاج السيّاح الهدّارة بمن فيها من عجائز يبحثن عن فرص ملائمة للموت، وشباب أقسم أن يعبر إلى تركيّا ويكيّف، وبائعات هوى، وجنود سابقين في جيش إسرائيل، ورجال أعمال صينيين، وتجار أقمشة سوريين، يمكنك أن تجد في شارع الاستقلال في قلب اسطنبول الكثير من بائعي الورد. يقف هؤلاء على مسافات من بعضهم البعض ويحملون في أيديهم بضاعتهم التي يلفُّونها بأشرطة من القماش الأبيض وترتسم على وجوههم ابتسامة في غاية البلاهة.

ومثلما تحتدّ عينا صّقر في رحلة صيد، تحتدّ أعين بائعي الورد بحثًا عن الطريدة. وطريدة هؤلاء ذات طابع مزدوج: شاب وفتاة يتأبطان بعضهما البعض، أو رجل وزوجته يتمشيان في دعة في هذا الشّارع التجاريّ العريق. بعد تحديده الهدف؛ يقترب بائع الورد وقد دفع بالابتسامة على وجهه إلى حدّها الأقصى، ويمدّ على زبونيه المُحتملين وردة حمراء يريد لها أن تُمثِّل أكثر مما هي عليه حقًا. أن تكون تتويجًا لشيء ما.

tumblr_n580gbLMwb1rouua1o10_1280أمّا على كوبري أكتوبر أو قصر النيل في القاهرة فجرت العادة أن يُستعاض عن وردة اسطنبول الحمراء بعقد صغير من الفلّ الأبيض. عالمنا هذا، في نهاية المطاف، مليء بالفروقات الثقافيّة التي تفرض نفسها حتّى على نوع النبات الملائم لعلاقة حب مُفترضة. في بعض المدن، لا يخضع النبات المعروض للبيع على حساب الحبّ للتغيير، بل للإلغاء التّام. في متنزّه الجنديّ المجهول في غزّة (وهذه نعتبرها مدينة على سبيل التقريب لا أكثر) يمكنك أن تجد الكثير من بائعي الشاي والقهوة، لكنك ستكون بلا شك في موقف نادر إذا ما اقترب منك أحدهم وأنت تسير إلى جوار صبيّة ما وعرض عليك –بدلاً من فنجان الشّاي أو القهوة- أن تشتري وردة!

في لحظة اتخاذه قرار البدء في معاملاته التجاريّة، يمزج بائع الورد في عقله بين أمرين. الأمر الاوّل ذو طابع ذاتي يتعلّق بشخصه وقدراته العقليّة. يفترض بائع الورد بأنّه قادر على كشف الحبّ والتعرّف عليه ويقرر بناءً على ذلك الشروع في مسيرة مهنية يرتبط الربح فيها ارتباطًا عضويًا باللعب على وتر خجل العاشق أمام معشوقه، أو خجل الزوج أمام زوجته. أمّا الاعتبار الثاني فهو متعلّقٌ بطبيعة الحبّ وتجلياته التي تكرر نفسها بإيقاع رتيب في الفضاء العام. في لندن مثلاً، وهنا يسمح الفضاء العام بما لا يسمح به في مدن كإسطنبول والقاهرة، فإنّ رؤية شاب وفتاة يتمددان على العشب وقد انكبّا على تقبيل ومداعبة تصبح بعد فترة معيّنة من الوقت جزءًا لا يتجزّأ من الحديقة العامّة تمامًا مثل المقاعد ونقاط المعلومات. 

يعني هذا أنّ بائع الورد، بعد افتراضه المبدئيّ بأنه يملك ما يؤهله كي يكون “كاسحة مشاعر بشريّة” فإنّه يسخّر كلّ إمكانات ذاكرته وحصيلة مشاهدته وما قرأ وسمع كي يستحضر ويكثّف الـ”داتا” التي ستساعده على إثبات فرضيّته ووضعها موضع التشغيل: إمساك الأيدي أثناء المشي؛ وضع اليد على الكتف أو حول الخصر، التشارك في كيس كستناء واحد، التقبيل بسبب وبدون سبب، النظرات الشبقة أو أن يقوم الرجل بإطعام المرأة بيديه؛ أو العكس.

ما لا يدركه بائع الورد –وهنا تبدأ مرحلة خلافنا الجذريّ معه– هو أنّ طبيعة المنتج الذي اختار تسويقه والفرضيّة التي اعتنقها (وهي، كما تقدّم الذكر، فرضيّة أنّه “كاسحة مشاعر بشريّة”) تدفع به لأن يكون مثل الغريب الذي دخل –بنيّة حسنة– مسجد القرية الوادع دون أن ينزع من رجليه حذاءه المتّسخ بالطين.

يمكن لنا أن نتفهم الفقر والعازة وضيق الحال، بل إنّ من واجنا الإنسانيّ أن نتفهم ذلك وأن نتمنّى التوفيق لكلّ صغار الكسبة الذين يركضون وراء لقمة العيش في شارع الاستقلال مثلما نتمنّى الدمار والخراب للماركات العالميّة الموجودة في نفس الشارع، لكن هذا لا يعني أن نتسامح، ولو كنّا نرزح تحت ضغط المظلوميّة الاجتماعيّة، مع فعل على درجة عالية من قلّة الذوق مثل دخول المسجد بالحذاء!

إذ أنّ بائع الورد، على عكس بائع الكستناء والكعك والشّاي والقهوة والمكسّرات، ما أن يطلّ برأسه حتى يهمّ بكسر ما لا يجب أن يُكسر أو أن يمسّ بسوء في زمن الاستهلاك والتكرار المقيت الذي نعيش فيه. والمقصود هنا هو الطابع الثنائيّ بالغ الخصوصيّة للعلاقة العاطفيّة، والذي يساعدنا –نحن المنخرطين فيها– على أن نقنع أنفسنا، زورًا وبهتانًا، بأن ما نعيشه من معترك عاطفيّ مليء بالقلق والعرق والتقلّبات ليس أمرًا قابلاً للكشف، هكذا، بسهولة، وبحدّ أدني من الجهد. نحن نعرف أنّ علاقتنا العاطفيّة موّال غناه قبلنا الملايين، وسيغنيه من بعدنا الملايين، لكننا لا نريد أن يخبرنا أحدٌ بذلك. 

أمّا بائع الورد فإنّه ما أن يمدّ يده كي يعرض على زبونيه البضاعة حتى ينتفي عنها غلاف الخصوصيّة الهش وتصير مكوّنة من ثلاث أفراد: الشّاب، الصبيّة، وبائع الورد. تحدث عملية الاختراق فجأة وبدون مقدمات ويصير بائع الورد، لدقيقة أو دقيقتين، جزءً من المشهد. ينام بين الحبيب والحبيبة في منتصف السرير ويتابع معهما فيلم السهرة ويبدي رأيه في العلاقة برمّتها. كأنّ به يقول “انا أعتقد أن علاقتنا (علاقتنا!) بحاجة لأن يشتري أحدكما للآخر وردة. هاك وردة”.

إنّ هذا الاقتحام في غاية الخطورة؛ لاسيّما أنّ أحد المحبوبين عادة ما يخضع –إمّا تحت تأثير الخجل من نظرات محبوبه، أو تحت وطأة إغراء اقتراف الابتذال– إلى شراء الوردة بالفعل، وبذلك تكون أركان المصيبة قد اكتملت. لا يساهم الحبيب إن هو اشتري الوردة في جعل ما يربط بينه وبين حبيبته يرتد ليحيل على ملايين قصص الحب المجترّة فحسب، بل إنّه يرد أيضًا على بائع الورد قائلاً: “نعم، أعتقد أنّك محق. هذه العلاقة بحاجة إلى وردة. هاك ثمنها”.

إنّ النصيحة الواجبة لكلّ بائعي الوردّ حول العالم هو أن يغيّروا مجال عملهم إلى منتجات أقلّ إثارة للاشمئزاز والمشاكل. الفستق المملّح مثلاً. أمّا النصيحة الواجبة لكلّ عشاق العالم فهي أن لا يزيدوا الطين بلّة. بكلمات أخرى، أن لا يشتروا الوردة.

مرئيّات البؤس في حضرة الحبر الأعظم

مايو 22, 2014

محمود عمر

نُشر هذا المقال في جريدة السّفير.

دأب أصحاب القضايا العادلة في مرحلة تاريخيّة سابقة على كشف المواضع التي تقاطع فيها نضالهم مع النضال الفلسطينيّ وتشابه معه. كان الفلسطينيّون في نضالهم ضدّ المنظومة الصهيونيّة مثلاً يحتذى ونموذجاً يملك مقوّمات وجوده المستقل والمتفاعل صحيًا مع نضالات الشعوب المُستعمرَة. أمّا معاناتهم فكانت معاناة قائمة في حدّ ذاتها؛ متحررة من هاجس المنافسة المرضيِّ على دموع العالم واهتمامه.

 لوحة شفاء الكسيح للإسباني موريّو (1670)

لوحة شفاء الكسيح للإسباني موريّو (1670)

نَسفت اتفاقية أوسلو هذه الحالة التقدميّة، وأدخلت الفلسطينيين في زقاق بالغ الضيق والقسوة. ومن هذا الزقاق، بدأت في تسعينيات القرن الماضي رحلة البحث عن النموذج والصور الشبيهة. التجأ البعض تحت وطأة انحسار هامش السياسة ومحاولات ضرب التربة الاجتماعيّة في الأرض المحتلّة إلى جبال الأوراس في الجزائر، قبل أن تطلّ جنوب أفريقيا برأسها في مرحلة متقدّمة وتفرض نفسها وخطاب “الفصل العنصريّ” على السّاحة.

بعد يوحنا بولس الثّاني وبيندكت السّادس عشر، يحلّ البابا فرانسيس الأول ضيفاً على “الأراضي المقدّسة” في زيارة تبدأ في صباح الرابع والعشرين من أيار، وتنتهي مع غياب شمس السّادس والعشرين من الشهر نفسه. سيهبط البابا في عمّان قبل أن تحمله، في اليوم التالي، طائرة مروحيّة أردنيّة إلى بيت لحم التي سيلتقي فيها محمود عبّاس ويزور مغارة الميلاد ويقضي بعض الوقت مع أطفال من مخيمات الدهيشة وعايدة للاجئين قبل أن يتوجّه إلى “إسرائيل”.

وقعت على عاتق اللجنة الرئاسيّة الفلسطينيّة لشؤون الكنائس مسؤولية الاستعداد لزيارة الحبر الأعظم. بدورها، أوعزت اللجنة إلى “المتحف الفلسطيني” (وهو قيد الإنشاء) بتصميم مرئيّات يتمازج فيها الوجع الفلسطيني الرّاهن مع لوحات مسيحيّة من القرون الغابرة. ستعلّق المرئيّات في ساحة المهد ومخيّم الدهيشة حتى يراها الضيف ويتأثّر بها قبل أن يكمل رحلته إلى مصنع إنتاج البؤس الفلسطينيّ في تل أبيب.

يقدّم العنوان المُختار لهذه المرئيّات، بالإضافة إلى ماهيّتها، أمثلة صارخة على عقليّة الزقاق ومحاولات إيجاد الحيّز في مسرح العالم والسرديّات الميثولوجيّة الغالبة فيه. “ضع إصبعك على الجرح وتأكّد من حقيقة وجودي”، بهذه الكلمات التي خاطب فيها المسيح توما المشكّك بقيامته، يخاطب الفلسطينيّون البابا فرانسيس الأوّل. يفترض القائمون على الفعاليّة بشكل شبه أوتوماتيكيّ أنّ البابا يشكك في الجرح الفلسطينيّ، ولهذا فهم يحاولون إقناعه.

لكنّ البابا لن يضع إصبعه من خلال المرئيّات على الجرح الفلسطينيّ، بل على الجرح الفلسطينيّ الملتبس بجروح زمن السيّد المسيح. سيرى الحبر الأعظم النصف السفليّ للوحة الرسّام الهولندي رامبرانت التي تظهر إبراهيم وهو على وشك التضحية بإسحاق، قبل أن تمتدّ يد ابراهيم خارج اللوحة لتصير يد جندي إسرائيليّ في الأرض المحتلّة. كما سيرى أيضاً النصف الأيسر للوحة الرسّام الاسباني موريّو التي تظهر شفاء المسيح لرجل كسيح، فيما سيحجز الجدار الأمني الذي أنشأته إسرائيل نصف اللوحة الأيمن.

ربّما، لو نُزعت هذه الأعمال من سياقها وتم النظر إليها باعتبارها منتجات مستقلّة، لوجب القول إنّ فيها من الإبداع والألمعيّة الشيء الكثير. لكنّ هذه المرئيّات في سياقها الذي أُنتجت فيه وفي ظلّ العلاقة التي تربطها بمشروع الحكم الذاتيّ الفلسطينيّ لا يمكن أن توصف إلا بأنها إبداعات بائسة يشوبها الخجل والتسوّل العاطفي، تماماً مثلما كان الحال مع الصور التي انتشرت في مرحلة سابقة ومزجت بين مشاهد راهنة في الضفة الغربيّة، وأخرى من الهجمات النازية على يهود أوروبا.

لا يحتاج الفلسطينيّ أن “يقنع” أحداً غير نفسه بجروحه وآلامه. كما لا يحتاج الفلسطيني، بالتأكيد، إلى دعم أولئك الذين يطلبون إثباتاً، صريحاً أو مستتراً، على أن شلال الدم ليس عصير طماطم. السيّد المسيح نفسه قال ذلك لتوما: “لأنك رأيتني بنفسك فقد آمنت. مباركون هم أولئك الذين لم يروا، ومع ذلك آمنوا”.

دراما كوينز، أحرار، هنكمّل المشوار!

مايو 16, 2014

محمود عمر

على سيرة النكبة؛ تنتمي عائلتي التي هاجرت من قرية «بيت طيما» بعد النكبة إلى عشيرة «السماعنة» التي تتوزّع اليوم على فلسطين وسوريا والأردن ومصر التي تضم قرية باسم العشيرة في محافظة الشرقيّة. وعشيرة «السماعنة» هذه بطنٌ من بني مهدي، وهم قبيلة من بني عذرة التي سكنت المدينة المنورة ونُسب إليها الحبُّ العذري الذي ساد بين شبابها وانتشر.

وقد حكم أجدادي بنو مهدي إمارةً لهم في بلقاء الأردن مدة تفوق الخمسة قرون قبل أن يأخذوا ملوخيّاتهم بدري بدري ويتوجّهوا غربًا. كانت إمارتهم أيّام عزّها تمتدّ لتشمل مما نراه اليوم محافظات عمّان وإربد والزرقاء، وكانوا أيّام الدولة العثمانية مسؤولين عن حماية طريق الحجّ قبل أن يدخلوا في العصيان في أوائل ستينيّات القرن السّابع عشر (بنحب نجر شكل من يومنا) ويمتنعوا عن دفع الرسوم للدولة. وبعد تسلِّم الأمير جودة المهداوي زمام الأمور في إمارة البلقاء، بدأت الدولة العثمانيّة تعدّ العدّة للإطاحة به مستعينة بقبائل أخرى في البلقاء وما جاورها، وقد انتهت الحرب التي دامت خمسة وعشرين عامًا بين بني مهدي والدولة العثمانية إلى هزيمة المهداويين وشتاتهم.

keep-calm-and-be-a-dramaqueen-2انتقلت عشيرة السماعنة جرَّاء الحرب وما صاحبها من فتن إلى فلسطين، ونزلوا أوَّل ما نزلوا في الخليل. وذكرهم الزبيدي المتوفّى عام 1791م في تاج العروس قائلاً: السماعنة بطنٌ من العرب في بلد الخليل عليه السلام. وبعد فترة، اقتتل السماعنة مع أهل المناطق الأصليين في معارك كان من أشهرها معركة خربة عيد الميّة، ونزحوا على الأثر إلى شمال سيناء ومحافظة الشرقيّة بمصر، وقرى بيت نتيف وصميل وترقوميا قضاء الخليل، وإلى السّوافير ودير سنيد وبيت طيما التي هاجر منها جدّي عام 1948 إلى مخيّم جباليا في قطاع غزّة.

من اليمن إلى الحجاز إلى الأردنّ إلى الخليل إلى غزّة؛ أنا لاجئ من ظهر لاجئ من ظهر لاجئين. هكذا إلى أن يصل بنا النسب إلى قبيلة قضاعة التي قال البعض بعدنانيّتها، نسبة إلى عدنان وهو الجدّ العشرين للنبي محمّد، في حين قال البعض الآخر بقحطانيِّتها، نسبة إلى قحطان جدّ العرب العاربة الذي يرجع نسبه إلى سام بن نوح – وأنا، في الحقيقة، أفضِّل هذا الاحتمال لما في حكاية نوح من هجرة ولجوء؛ ذلك أنني غاوي نكد بطبعي.

يعني هذا العرض السريع أشياء كثيرة منها، ولعلّه أهمها، أنني وجميل بن عبد الله بن معمر العذري القضاعي، الشهير بجميل بثينة، أقارب. بالأحضان يا ابن عمّي بالأحضان!

ليس جميلة بثينة على نفس مستوى الشهرة مع قيس بن الملوّح؛ لكن ابن عمّي جميل لايزال مشهورًا إلى حدّ ما، وما يزال اسمه–كما أراد هو، ذلك العكروت– يرتبط باسم المرأة التي أحبّها دون أن يحصل عليها أبدًا: إنّه جميلُ بثينة.

هكذا تعرفه النّاس وتفهمه على الرَّغم من أنّ غالبيتهم لا تدري كيف بدأت حكايته مع بثينة. لا يعرفون أنّه التقاها في وادي بغيض، وأنّ قصة حبهما بدأت بتبادل الشتائم.. هو قال ذلك بنفسه:

وأوّل ما قاد المودَّة بيننا .. بوادي بغيضٍ يا بثينُ سِبابُ

كان لكتاب صادق جلال العظم «في الحبّ والحبّ العذريّ» المنشور قبل عقود إسهام في تثبيت وجود جميل في الذاكرة. أراد المفكِّر السوري تحطيم أسطورة الحبّ العذريّ الذي عادة ما نُسب إلى جميل وإلى قبيلته، وحسنًا فعل. أنا على قناعة، لمعرفتي بجميل وللشبه بيني وبينه، أنَّه كان ليسعد لو قرأ الكتاب، لكنك بلا شكّ كان سيترك بعض الملاحظات.

نظريّة العظم في غاية البساطة: كان بإمكان جميل أن يكتم حبّه لبثينة لتتجنب الاشتباك مع قانون القبائل، لكنّه صرّح به مدركًا العواقب. كما كان بمقدرة جميل -وهو الفارس الجميل- أن يطلِّق بثينة من زوجها ويظفر بها، لكنّه لم يفعل ذلك أبدًا. ومن هنا، يحاجج العظم بأنّ جميل ليس العاشق المخلص، المحكوم بالعفاف والهائم على وجهه لاستحالة وصوله إلى محبوبه، كما صوَّرته لنا عديد من المؤلّفات ذات العلاقة.

يقول العظم، واتفق معه فيما يقول، بأنّ جميل كان يريد العذاب، وأنّ علاقته بالمحبوبة (والتي يصفها العظم بالزنا في القلب – وهنا أختلف معه) استمرّت بعد زواجها من غيره؛ ما يعني أنّ جميل كان يريد المزيد من المشاكل، ضاربًا بعرض الحائط كلّ التقاليد والعادات، وباصقًا في وجه مؤسسة الزواج. بل ويتعدّى الأمر ذلك ليصل إلى حدود أنّه، مستغلاً وضعه وقوّة قبيلته، كان يتردد على بيت بثينة فيعجز زوجها وأهلها عن ردعه. هو نفسه تحدث عن ذلك:

إذا ما رأَوني طالعًا من بثينةٍ .. يقولون مَن هذا وقد عرفوني
يقولون لي أهلاً وسهلاً ومرحبًا .. ولو ظفروا بي خاليًا قتلوني

يستنتج العظم ما يلي: لقد كان ابن عمي جميل دونجوانًا. لكنّه، على عكس الدونجوان الذي يتنقَّل من امرأة إلى أخرى، فضَّل أن يكون دونجوان إمرأة واحدة فقط، وأن تكون بثينة دونجوانته وحده. بلغة اليوم الدراجة: لقد كانا، هو وبثينة، «دراما كوينز» بامتياز.

قرأت الكتاب أوّل مرة قبل سنوات، وحين أعدت قراته مؤخرًا، لم أستطع إلا أن أشعر بشبه كبير بيني وبين جميل. نحن، في نهاية المطاف، أقارب وأولاد عمومة. أنا أيضًا على علاقة غير وطيدة مع مؤسسة الزواج ومع كلّ مظاهر الاستقلال والالتزام. أنا أيضًا لا أملك إلّا أن أشعر بأن موسيقى ستصدح عندما أقرأ : «متى ظفر العاشق بالمعشوق مرّة واحدة، نقص تسعة أعشار عشقه».

يقسو جلال العظم علينا قليلاً، ولا يفهم تمامًا أنّ «الإنسّان علّته الإنسان». يعيب على جميل، وعليَّ بالتسامي، أن نكون «دراما كوينز». لكن، أتعرف ماذا؟ فليذهب العالم إلى الجحيم. نحن لا نملك إلا أن نكسر القواعد، أن نسكت عندما يتوجّب أن نتكلّم، وأن نتكلّم حين يُطلب منّا السكوت. ما لا يفهمه العظم بالحدّ الكافي هو أننا، وإن كنَّا، أنا وجميل، ننتمي لسلالة عشَّاق مهزومين كما تقدّم؛ فإنّ هذا لا ينفي أننا ثوّار لا يُعاد انتاج هزيمتنا إلا عبر إعادة إنتاج ثوراتنا وهجراتنا. أن سعادتنا المَرضيّة بالألم وسعينا وراءه لا يعني انتفاء ما له من آثار مدمّرة.

كم نحن غلابة!

نحن تمامًا كما قدّم لنا ووصفنا الجاحظ في واحدة من رسائله: المستمتعين بالنعمة، المؤثرين للذّة، المعدّين لوظائف الأطعمة وصنوف الأشربة، والراغبين بأنفسهم عن قبول شيء من الناس، أصحاب الستر والستارات، والسرور والمرواءات.

كان جميل يدرك أنّ انتصار الثوّار سيعني أنهم لم يعودوا ثوارًا، بل صاروا شيئًا آخر. كان هذا ما يرعبه، تمامًا مثلما يرعبني. أن تتزوّج بثينة، وبثينة هنا مجاز مطبق. أن تستسلم وتمشي جنب الحيط، أو أن تصل بالصخرة إلى قمّة الجبل، تضعها من بين يديك، تنظر من حولك ولا تجد ما تفعله. والألعن: لا تجد ما تحكي عنه. 

عن السيادة المصريّة وأنفاق رفح، حبيبة قلبي.

مارس 14, 2013

محمود عمر

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

تغيّرت معاملة الفلسطينيين في مصر ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتغيّرت معها أساليب طرحهم وقضاياهم في الإعلام المصري. لقد إزداد الأمر سوءًا. الفلسطينيّون، حسب الإعلام المصري ولفيف من الرسميين المصريين، في كلّ مكان. إنّهم يقتحمون السجون، يسرقون البضائع والسيّارات والمحروقات والكهرباء ويحتلّون، في أوقات فراغهم، شبه جزيرة سيناء. عندما يشتدّ الضغط، ويتأزم المشهد، يرسل الفلسطينيون نخبة مختارة من المقاتلين المقنّعين لحماية قصر الرئاسة المصري. الأنفاق على الشريط الحدود بين رفح المصريّة ورفح الفلسطينيّة، وفق نفس المنطق، هي ما مكّنتهم من فعل ذلك كله، إنّها إكسيرهم السرّي، وخنجرهم المسموم.

العقليّة البائسة التي أنتجت كل ما سبق وأكثر من الخزعبلات هي نفس العقليّة التي حكمت، تحت عناوين مختلفة، هذا البلد الممتد صحراءً وحزنًا، على مدار عقود طوال. الثورة التي أطلقها شباب ملّوا الغبار والمصاعد المعطلة لم تتمكن بعد من حسم الأمور تمامًا؛ لم تتمكن -بعد- من إدارة الدفّة، وتصويب البوصلة. العَجزة لا زالوا في الحكم، ملتحين وغير ملتحين، ولا زال الإسقاط الفوقي للمعلومات، منذ أرساه عبد الناصر، وعمّده السادات، يعمل بسلاسة غير معهودة في بلد الانسداد المروري والسيستيم الواقع.

آخر ما جادت به القريحة: اتّهام عناصر من حماس بالتخطيط لقتل الجنود المصريين في منطقة الماسورة في رفح، انتقامًا من الجيش المصري لهدمه الأنفاق. لا أدلّة، لا تحقيق جدّي، دولة برمّتها لا تبالي بمواطنيها وترمي بالتهمة والمسؤولية على المُشيطنين ذوي اللهجة الرثّة. رخيص هو المصريّ عند دولته وولاة أمره، أرخص من أن يبحث في أمر موته، سواء مات على الحدود، أو في قطار محترق، أو برصاص الداخليّة.

ليست الأنفاق “شريان حياة”  وممرًا لمستلزمات الحياة اليوميّة فحسب.  إنّها نوعٌ من القفز فوق الحاجز، استعمال أمثل للعقل البشري، نموذج تجب دراسته في ميكانيزم الاختراق. الأنفاق، في حسابات المناكفة، بصقة في وجه من ظنّوا أنهم حبكوها جيّدًا، إسرائيليين وعربًا وأمريكان، وفي حسابات الجغرافيا، كسبٌ للناس على طرفي الحدود، وإسألوا بدو سيناء وأهلها اللذين لا قيمة ولا معنى لهم في حسابات القاهرة ونخبتها التي تنظّر عن سيناء وما زارتها يومًا.

عندما حفر الفلسطينيّون في غزّة الأنفاق بعدما أغلق العالم أبوابه في وجههم، لم يبالوا لا بسيادة مصريّة ولا قوانين دوليّة. وكيف لهم أن يبالوا؟ هذا الكلام الكبير يصغُر أمام رغبة إنسان فرد واحد في أن يرتاح. يشبه الأمر أنّ تفك حزامك، والزرّ الأول من البنطال، بعد وجبة غداء دسمة. هذه الرّاحة بعد ضيق، هذا الانشكاح الانسانيّ بامتياز، لا مردّ له ولا هويّة. لو كان الأمر متعلقًا بغير الفلسطينيين لفعلوها، لو كانت الجغرافيا مغايرة لتمّت. إنّها ألف باء بشريّة. من لم يفهم الأنفاق ويستشعر حلاوتها وهي التي مكّنت عشّاقًا من اللقاء وعائلات أن يلتم شملها، فلا خيار أمامه إلا أن يراجع إنسانيّته.

حاول كثيرون إنهاء الأنفاق باعتبارها ظاهرة يتفوّق فيها من هم تحت على من هم فوق. أجهزة السلطة الأمنيّة كانت قد أعدّت قبل سنوات خطة تفصيلية يتم تنفيذها بالتعاون بين السلطة، إسرائيل والجيش المصري. ذهبت الخطة ومن وضعها أدراج الرياح. قصفت إسرائيل الأنفاق غير مرّة، قصفوها بصواريخ ارتجاجيّة، بأعقد وأحدث ما جادت به القريحة العسكريّة الأمريكيّة، ولكن عَبس. حاول المصريّون، ضخّوا فيها الغاز، كهربوها، ملأوها بمياه المجاري، ولكن عَبس.

حفرها الفلسطينيّون مجددًا، وأعادوا تنظيم اللوجيستيك بحيث تكون الأنفاق شبكة متداخلة، وللنفق الواحد عدّة أعين. المعركة الذهنيّة بين من يدهن السور، ومن يكتب له عليه “مبروك الدهان الجديد” في القاهرة كانت هي نفس المعركة بين من يهدم الأنفاق ومن يحفرها في رفح، وفي الحالتين الغلبة كانت للمبدع. للرّاقص فوق الأرض، وتحت الأرض ويوم العرض على التاريخ. 

لن تنتهي الأنفاق إلا بانتهاء الوضع المشوّه الذي استدعى حفرها، وفتح المعبر للبضائع. لا يشمل ذلك المعطى أنفاق تهريب السلاح التي إن أرادها البعض مغلقة، كان لزماً عليه توفير السلاح شرعيًا. شيطنة الفلسطينيين في مصر هي نصيبنا من بؤس الدولة المصريّة المتفاقم، وسياسات المؤامرة والعدو المترصّد التي تجري فيها مجرى النَفس. لا يعني ذلك أن نصمت على ما يكال من اتهامات بلا أدلّة ولا شواهد. مهمٌ أن نتحدث، أن نشرح، أن ننفي، وأن نحاجج من أمنوا جانب اسرائيل واستعدوا حفنة من الفلسطينيين بمنطق الحقّ والحقيقة. الأهم، أن لا نكره، رغم كل ما نرى ونسمع، جوار مصر وقربها، وأن لا نكرهها جوارنا وقربنا، وأن ندفع جميعًا في الإتجاه الذي سيحسم كلّ شيء، ويزيل كل لغط ويشفي كل سقم، إتّجاه الثورة، مصريّة كانت أم فلسطينيّة. 


%d مدونون معجبون بهذه: