Archive for the ‘حكايات’ Category

عندما سألني الشرطيّ: مين البنت الي معك؟

يونيو 11, 2013

محمود عمر

على كثرة التعدّيات على الحريّات الشخصيّة التي يقدم عليها أفراد من أجهزة أمنيّة تابعة لحكومة حماس التي تحكم قطاع غزّة (هذه تدوينة كتبتها علا عنان عن مجمل التعديات في العامين الفائتين)، وعلى القرب النسبيّ الذي أحاول الحفاظ عليه -رغم وجودي شبه الدائم بالقاهرة- مع تلك التصرّفات ودراسة انتشارها ومفاعيلها الاجتماعيّة لأغراض توثيقيّة ومعرفيّة، إلا أنّ التعرّض لواحد من تلك الأفعال والانتقال من حيّز «السماع عنها» إلى حيّز اختبارها اختبارًا ذاتيًا يفتح الباب أمام مقاربة سياسيّة مختلفة وشعور أعمق بالنقمة والغضب المغلّف بالازدراء. 

arton9179-9e284 (1)في رحلة غريبة ومكثّفة، قصيرة في زمنها، طويلة في آثارها، دخلت غزّة التي يبدو للوهلة الأولى أنّها ثابتة غير أنّها لا تزال تتغيّر (أو يجري تغييرها) ببطء وانتقائيّة. التغيّرات عديدة والمشاهدات يمكن الاسهاب فيها إلى ما لا نهاية. لكن، ما سيجري سرده في هذا المقال ما هو إلا توثيق وشهادة منّي أنا، الفلسطيني المولود في غزّة والمرتبط بها ارتباطًا لا فكاك منه، لما حدث معي عصر يوم  السّبت، الثامن من حزيران على كورنيش البحر. 

كنت متواجدًا في مطعم الديرة مع صديقة مقرّبة من غزّة وتمّ الاتفاق على أن نتحرك، معًا، إلى مطعم آخر يبعد عن الديرة مسافة لا تزيد عن 150م للاجتماع مع أصدقاء آخرين كانوا في انتظارنا. بعد دفع الحساب خرجت أنا وصديقتي إلى الشّارع العام (ركّز على كلمة «عام») ومشينا نحو المطعم الذي ينتظرنا فيه أصدقاؤنا. في العادة ولأسباب أمنيّة مفهومة تتواجد دوريّة مكونة من 5-6 أفراد بشكل شبه دائم في نقطة كاشفة في تلك المنطقة. بعد مروري وصديقتي أمام أفراد الشرطة الرابضين على الكراسي أشار لي أحدهم بالتوقف، قام من كرسيّه واقترب منّي وبدأ يتحدث إليّ. 

سؤاله الأوّل كان: «مين البنت الي معك؟». جوابي كان: صديقتي. الكلمة أثارت غضبه. ربّما لا يفهم هذا الموكل إليه مهمة «حفظ الأمن» أنّ الصداقة حالة انسانيّة يمكن لها أن تنشأ بين شاب وصبيّة. وجّه كلامه لصديقتي وسألها، بنبرة بطريركيّة مقيتة، إن كان والدها يعلم أنّها خرجت معي. طبيعة الأسئلة وطريقته في طرحها كانت كلها تدفع في اتجاه الاعتقاد بأننا، أنا والصبيّة، قد اقترفنا جريمة أخلاقيّة من الطراز الأوّل، في حين أننا كنا نمشي في الشارع العام! 

بعد أخذ ورد، وارتفاع صوتي وصوت الشرطي، ورفض صديقتي إعطاءه رقم والدها وشرحي له بأنني مقيم في مصر، بدأ  الشرطيّ يتحدث عن اصطحابي إلى مركز شرطة العبّاس القريب للتحقيق معي وعمل اللازم. عندما سألته: هل لأنني كسرت قانونًا أم أنّ هذا «فعل فردي» آخر؟ أجابني، وبكلّ برود: نعم، هذا فعل فردي و«هو هيك». الحادثة التي استمرّت قرابة 20 دقيقة دفعت كثيرين من المارين للتجمع حولنا. بعد قدوم بعض الأصدقاء من داخل المطعم الذي كانوا ينتظرونني وصديقتي فيه، وتدخّل بعض أبناء المنطقة، قرر الشرطيّ بأنه سيتركني في حال سبيلي هذه المرّة بعد أن حذرني قائلاً: ما تمشي في الشارع مع «بناتنا».  

من المنصف والموضوعيّ القول بأن ما حدث معي في ذلك اليوم من تعدّ صارخ على الحريّة الشخصيّة واساءة استخدام للزيّ الرسميّ والسلطة الممنوحة لصاحبه يمكن أن يحدث مع أيّ شحص آخر في غزّة، في أيّ وقت وأيّ مكان. في حالتي، ولأسباب متعددة، انتهى الأمر (بشقّه المباشر) في نفس اللحظة. في حالات أخرى سابقة، وربّما لاحقة، يجري اصطحاب الشاب فعلاً إلى مركز العبّاس الذي غالبًا ما يتعرّض فيه للضرب قبل إجباره على إحضار ولي أمره في حين تتعرّض الفتاة لتعنيف من نوع آخر عبر الاتصال بأهلها وإعطاءهم محاضرات حول سلوك ابنتهم المشين. 

في صباح اليوم التالي، توجهت إلى مكتب مركز الميزان لحقوق الانسان في حيّ الرمال الغربي بغزّة وسردت على مسامع محامي المركز ما حدث معي وقدّمت شكوى وكّلته لمتابعة تطوراتها. الشكوى، بطبيعة الحال، سيجري العمل على رفعها إلى مكتب وزير الداخليّة. المحامي أكّد أن حالات مشابهة عديدة تقع في أنحاء القطاع وأنّ القلة القليلة التي تقرر اللجوء إلى مؤسسات حقوقيّة وطنيّة وتقدم شكوى سرعان ما تسحبها إما لعدم اقتناعها بجدواها أو خوفًا من أي اشتباك مطوّل مع السلطات في غزّة.

في معرض التحليل يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أنّ هذه التصرفات التي يقدم عليها المنتسبون لأجهزة الحكومة الأمنية ما هي الا مخرجات متوقّعة لتصريحات وزير الداخليّة فتحي حمّاد التي أكد فيها أنّ غزة مدينة محافظة ولا مساومات في «منسوب الرجولة» فيها. هذه الأوامر غير المكتوبة وغير الرسمية يتلقفها أفراد الشرطة باعتبارها غطاءً سياسيًا يؤهلهم للتدخل في اللحظات التي يقررون هم فيها أنّ تدخلهم مطلوب سواء كان الأمر يتعلّق بشاب وفتاة يمشون في الشارع، أو تسريحة شعر، أو بنطال ضيّق. بديهيًا، ليس ثمّة أي غطاء قانوني لكلّ هذه التعديات (ولو كان فيجب إلغاؤه فورًا) والحالة القَبليّة التي تعيشها وزارة الداخلية في غزّة تضمن للشرطيّ مقترف الفعل النجاة دون أية محاسبة حقيقيّة. 

أمّا إدانة تلك التصرفات، واعتبارها فعلاً قمعيًا رجعيًا بامتياز، فيتفق على ذلك كثيرون، وإن بنسب مختلفة. من ضمن رافضي تلك التصرفات أبناء مخلصون لحركة المقاومة الاسلاميّة. إبّان حملة البناطيل الضيّقة وتسريحات الشعر كتب براء نزار ريّان على صفحته على الفيس بوك ما أيّدته الكاتبة المقربة من حماس لمى خاطر بأنّ الحملة غير المستندة على أي سند تشريعي ما هي إلا «جريمة يعاقب عليها القانون». واعتبر الغطاء القانوني، إن هو تواجد، «هبلاً وفضاوة». الرجل تحدّث بلغة متّزنة وكان لما كتبه أثر طيّب على نفوس كثيرين وأنا منهم. 

ما يجب أن تفهمه حماس، والحكومة التي تديرها حماس، هو أنّ أهل غزّة ليسوا رهائن ولا نسخ مكررة من قالب واحد. هذا المجموع الانسانيّ البديع الذي حوصر عامًا بعد الآخر كي يثور على حماس ويطلّق البندقية صبر وتحمّل وأبدع في محاربة الحصار، وانتصر على العالم بأسره، ومن انتصاره -انتصار الشعب- جاء انتصار حماس، لا العكس. لو كنت أنا قياديًا حمساويًا عاملاً في الحكومة لكان شاغلي اليوميّ هو كيف أدلّع هذا المجموع الانسانيّ وأردّ له الجميل. هذه التوليفة البشريّة الممتدة من رفح حتى بيت حانون، محزبين وغير محزبين، متدينين وغير متدينين، هذه التوليفة هي الانتصار الحقيقي والضمانة بأن تظلّ غزة شوكة في حلق كلّ من يخطط للاساءة لها أو لمن فيها. 

كتبت سابقًا، وأكتب اليوم، أنّ غزة التي وقفت في وجه العدوان الاسرائيليّ لا يمكنها أن تسقط في معركة الحريّات الشخصيّة، أقلّه دون قتال. الدعوة واجبة للجميع، لكلّ من يتعرض لفعل قعمي حكومي، أن يتوجه لأقرب مؤسسة حقوقيّة ويوثّق ما حدث معه ويبعث بشكوى. إن كان ذلك غير كافٍ (وهو بالفعل كذلك) فواجب علينا، جميعًا، التفكير في آلية أكثر نجاعة للتعامل مع هذه السلطويّة. لابدّ من معاقبة أفراد الشرطة الذين يتعدون على المساحة العامّة وعلى حق الفرد في الاختلاف.

ختامًا، سأقتبس ما كتبه بلال نزار ريّان وأضعه برسم كلّ أعضاء حماس، كل أعضاء حكومتها، وعلى رأسهم وزير الداخليّة الذي يبدو أنّه لا يقدّر قيمة الناس ولا يحترم اختلافهم. كتب بلال: لا أحب أن أعيش منفصمًا، أحبّ أن أعبر عن أفكاري بهدوء و أحترم كل مخالف؛ هذا خير لي من العيش مع النفاق و الانهزام الداخلي. الحريّة للأفكار. الحريّة للانسان.

هذا المقال، هو أيضًا، حادث فردي.

أبريل 9, 2013

محمود عمر

أولاد الوسخة يموتون، ونحن الذين نمنح أنفسنا عادةً حقّ تحديد من أهم “أولاد الوسخة”، نحن أيضًا نموت. ما يضمن للسؤال، سؤال لماذا لا يموت أولاد الوسخة، استمراريته هو أننا وهم نسلّم الراية إلى من بعدنا، فتستمرّ المعركة، ويستمر الاشتباك. مارغريت تاتشر ماتت بالأمس عن عمر يناهز 87 عامًا. فرح الكثيرون بموتها. الدوافع وراء فرحهم مُستوعبة، وما أكثرها. المرأة كانت مصيبة على بريطانيا والعالم. أنا، من ناحيتي، لم أبالي بموتها، هي أصلاً ماتت منذ زمن بعد أن خرجت من دائرة الضوء. ما يعيش هو المنهج الذي انتهجته، والسياسات التي أرستها.

379246_397617986988302_1884518610_nعلى عكسنا، يتمتّع من هم على الطرف الآخر، بميزة هامّة، ميزة الحادث الفردي. في مصر ثمّة حادث طائفي كلّ عام تقريبًا، لكنها طبعًا وفق ما تقوله الحكومات حوادث فرديّة، لا دليلاً على وجود مشكلة طائفيّة في الجمهورية. القمع ليس منهجيًا في وزارة الداخليّة، إنه حادث فردي. الفساد في الجزائر والعنصريّة في لبنان، إنها ليست ظواهر بل حوادث فردية. حكومة حماس في غزّة في رصيدها عشرات “الحوادث الفرديّة” التي قُمع فيها أفراد وفضّت فيها اعتصامات وقطعت الكهرباء عن فعاليّات. الحوادث الفرديّة في كلّ مكان وهي لا تعيب المؤسسة، لا تعيب النظام، لا تعيب السلطة فهي، في نهاية المطاف، مجرّد حوادث فرديّة.

عندما تعرّت علياء المهدي (تعرّى معها صديقها بالمناسبة) قامت الدنيا ولم تقعد. الحراك الشبابي في الضفّة يُواجه مرّات عديدة بتهمة أن غالبيته منحلّة وتشرب الخمور. كان نشطاء في غزّة قد تعرضوا لمحاولة تشويه بادّعاء تواصلهم المباشر مع قوات الاحتلال او وصفهم بالساقطين أخلاقيًا، وكذا كان الحال في مصر. حتى اسرائيل، الدولة التي نشأت على الدم وبه تتغذى تستخدم حجة الحادث الفردي إن شعرت أنها مضطرة. الأمر نفسه ينسحب على أكثر أنظمة العرب وحشيّة، نظام الأسد الذي أكد على لسان رئيسه المجرم أنّ التجاوزات (تهشيم رؤوس الناس بالحجارة مثلاً؟) هي حوادث فردية سيجري العمل على معالجتها.

في هذا الفضاء العربيّ المرتبك، والمُربك، تكون الكتابة فعلاً خطيرًا. إنّ سهوًا صغيرًا أو سوء تعبير، إن هو حصل، قد يجلب على المرء الكثير من المتاعب. ناهيك عن الاستقبال العدائيّ لكل ما هو ليس متسقًا، على الأقل، مع نبرة الصوت الوسط. تخيلوا أن يكتب أحدهم عن تنظيم فعالية تثقيفيّة متعلقة بمسائل الجندر والمثلية في غزّة، بل وتخيّلوا (ولماذا التخيل؟ تذكروا) وصمة العار التي تشمل عائلة برمتها لمجرد أن فردًا فيها تعاون مع الاحتلال. الخارج، بكلّ ما فيه، ليس سهلاً وليس رحيمًا والاشتباك معه يجب أن يتم بحرفيّة.

لكن المرء يخطئ طبعًا، بل لابدّ له أن يفعل. كيف والشك، في حالتي على الأقل، هو نقطة الارتكاز شبه الوحيدة. كيف واليقين فكرة منفرة، والاعتناق مشهد مرعب. كيف لا يخاف المرء؟. صحيح أنّ الخوف لن يمنع من فعل ما عُقد العزم على فعله، لكنه سيعكر الأجواء. الأجواء التي لا تتحدث عنها النشرة. يبدو وقع هذه المفردة “مزبوطًا” تمامًا، خائف، لست متأكدًا ولا مبشّرًا ولا منظرًا، أنا خائف. كثيرون تحدثوا عن الحالة النفسية لكتّاب مشاهير، وكان ثمّة ما يشبه الاجماع على أنهم كانوا، بطريقة أو بأخرى، حزانى. يتراءى لي أن قسمًا كبيرًا منهم كان أيضًا خائفًا على اختلاف الدوافع.

إن كان لابد من السير في حقل الألغام، فليكن السير رقصًا زوربويًا. إن كان لابدّ من المقاومة، فلتكن مقاومة لا تقع في غرام الصاروخ. إن كان لابد من الحديث عن البديهيات، كالحقّ في تسريح الشعر، فليكن الحديث ساخرًا وطاعنًا في مصداقية السلطة الأخلاقيّة وصميمها المعنوي. إن كان لابدّ من الكتابة فلتكن، في حدّ ذاتها، حادثًا فرديًا.

الصورة من صفحة Contemporary Art

عن السيادة المصريّة وأنفاق رفح، حبيبة قلبي.

مارس 14, 2013

محمود عمر

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

تغيّرت معاملة الفلسطينيين في مصر ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتغيّرت معها أساليب طرحهم وقضاياهم في الإعلام المصري. لقد إزداد الأمر سوءًا. الفلسطينيّون، حسب الإعلام المصري ولفيف من الرسميين المصريين، في كلّ مكان. إنّهم يقتحمون السجون، يسرقون البضائع والسيّارات والمحروقات والكهرباء ويحتلّون، في أوقات فراغهم، شبه جزيرة سيناء. عندما يشتدّ الضغط، ويتأزم المشهد، يرسل الفلسطينيون نخبة مختارة من المقاتلين المقنّعين لحماية قصر الرئاسة المصري. الأنفاق على الشريط الحدود بين رفح المصريّة ورفح الفلسطينيّة، وفق نفس المنطق، هي ما مكّنتهم من فعل ذلك كله، إنّها إكسيرهم السرّي، وخنجرهم المسموم.

العقليّة البائسة التي أنتجت كل ما سبق وأكثر من الخزعبلات هي نفس العقليّة التي حكمت، تحت عناوين مختلفة، هذا البلد الممتد صحراءً وحزنًا، على مدار عقود طوال. الثورة التي أطلقها شباب ملّوا الغبار والمصاعد المعطلة لم تتمكن بعد من حسم الأمور تمامًا؛ لم تتمكن -بعد- من إدارة الدفّة، وتصويب البوصلة. العَجزة لا زالوا في الحكم، ملتحين وغير ملتحين، ولا زال الإسقاط الفوقي للمعلومات، منذ أرساه عبد الناصر، وعمّده السادات، يعمل بسلاسة غير معهودة في بلد الانسداد المروري والسيستيم الواقع.

آخر ما جادت به القريحة: اتّهام عناصر من حماس بالتخطيط لقتل الجنود المصريين في منطقة الماسورة في رفح، انتقامًا من الجيش المصري لهدمه الأنفاق. لا أدلّة، لا تحقيق جدّي، دولة برمّتها لا تبالي بمواطنيها وترمي بالتهمة والمسؤولية على المُشيطنين ذوي اللهجة الرثّة. رخيص هو المصريّ عند دولته وولاة أمره، أرخص من أن يبحث في أمر موته، سواء مات على الحدود، أو في قطار محترق، أو برصاص الداخليّة.

ليست الأنفاق “شريان حياة”  وممرًا لمستلزمات الحياة اليوميّة فحسب.  إنّها نوعٌ من القفز فوق الحاجز، استعمال أمثل للعقل البشري، نموذج تجب دراسته في ميكانيزم الاختراق. الأنفاق، في حسابات المناكفة، بصقة في وجه من ظنّوا أنهم حبكوها جيّدًا، إسرائيليين وعربًا وأمريكان، وفي حسابات الجغرافيا، كسبٌ للناس على طرفي الحدود، وإسألوا بدو سيناء وأهلها اللذين لا قيمة ولا معنى لهم في حسابات القاهرة ونخبتها التي تنظّر عن سيناء وما زارتها يومًا.

عندما حفر الفلسطينيّون في غزّة الأنفاق بعدما أغلق العالم أبوابه في وجههم، لم يبالوا لا بسيادة مصريّة ولا قوانين دوليّة. وكيف لهم أن يبالوا؟ هذا الكلام الكبير يصغُر أمام رغبة إنسان فرد واحد في أن يرتاح. يشبه الأمر أنّ تفك حزامك، والزرّ الأول من البنطال، بعد وجبة غداء دسمة. هذه الرّاحة بعد ضيق، هذا الانشكاح الانسانيّ بامتياز، لا مردّ له ولا هويّة. لو كان الأمر متعلقًا بغير الفلسطينيين لفعلوها، لو كانت الجغرافيا مغايرة لتمّت. إنّها ألف باء بشريّة. من لم يفهم الأنفاق ويستشعر حلاوتها وهي التي مكّنت عشّاقًا من اللقاء وعائلات أن يلتم شملها، فلا خيار أمامه إلا أن يراجع إنسانيّته.

حاول كثيرون إنهاء الأنفاق باعتبارها ظاهرة يتفوّق فيها من هم تحت على من هم فوق. أجهزة السلطة الأمنيّة كانت قد أعدّت قبل سنوات خطة تفصيلية يتم تنفيذها بالتعاون بين السلطة، إسرائيل والجيش المصري. ذهبت الخطة ومن وضعها أدراج الرياح. قصفت إسرائيل الأنفاق غير مرّة، قصفوها بصواريخ ارتجاجيّة، بأعقد وأحدث ما جادت به القريحة العسكريّة الأمريكيّة، ولكن عَبس. حاول المصريّون، ضخّوا فيها الغاز، كهربوها، ملأوها بمياه المجاري، ولكن عَبس.

حفرها الفلسطينيّون مجددًا، وأعادوا تنظيم اللوجيستيك بحيث تكون الأنفاق شبكة متداخلة، وللنفق الواحد عدّة أعين. المعركة الذهنيّة بين من يدهن السور، ومن يكتب له عليه “مبروك الدهان الجديد” في القاهرة كانت هي نفس المعركة بين من يهدم الأنفاق ومن يحفرها في رفح، وفي الحالتين الغلبة كانت للمبدع. للرّاقص فوق الأرض، وتحت الأرض ويوم العرض على التاريخ. 

لن تنتهي الأنفاق إلا بانتهاء الوضع المشوّه الذي استدعى حفرها، وفتح المعبر للبضائع. لا يشمل ذلك المعطى أنفاق تهريب السلاح التي إن أرادها البعض مغلقة، كان لزماً عليه توفير السلاح شرعيًا. شيطنة الفلسطينيين في مصر هي نصيبنا من بؤس الدولة المصريّة المتفاقم، وسياسات المؤامرة والعدو المترصّد التي تجري فيها مجرى النَفس. لا يعني ذلك أن نصمت على ما يكال من اتهامات بلا أدلّة ولا شواهد. مهمٌ أن نتحدث، أن نشرح، أن ننفي، وأن نحاجج من أمنوا جانب اسرائيل واستعدوا حفنة من الفلسطينيين بمنطق الحقّ والحقيقة. الأهم، أن لا نكره، رغم كل ما نرى ونسمع، جوار مصر وقربها، وأن لا نكرهها جوارنا وقربنا، وأن ندفع جميعًا في الإتجاه الذي سيحسم كلّ شيء، ويزيل كل لغط ويشفي كل سقم، إتّجاه الثورة، مصريّة كانت أم فلسطينيّة. 

غزّة باعتبارها مدينة بائسة، والغزّيون باعتبارهم أصحابي.

أكتوبر 13, 2012

في موسوعته «معجم البلدان»، يقول ياقوت الحموي عن معنى الاسم: «غزّ فلان بفن واغتزّ به إذا اختصّه من بين أصحابه.» ورجّح آخرون منهم مصطفى الدبّاغ أنها بمعنى: قوى ومخازن وكنوز و«ما يُدّخر». المدينة التي سمّاها المصريّون «غازاتو» وشعر الآشوريون بشيء ما حميمي تجاها فنادوها «عزاتي» مدينة شرسة منذ القدم. في العام 332 قبل الميلاد هاجمها الاسكندر المقدوني فاستعصت عليه، وآثر قائدها “باش” القتال على تسليم المدينة. اشتدّ الحصار وقاوم الغزيّون ببسالة حتى وصل بهم الأمر أن جرحوا الاسكندر المقدونيّ باحدى حرباتهم فجنّ جنونه وانسحب مضمرًا عزمه على اقتحام المدينة في جولة ثانية راح يستعدّ وجيشه لها أيّما استعداد. بعد عودته هاجمها أربع مرّات حتى دخل، وأعمل فيها السيف وذبح فيها خلقًا كثيرًا، لكنّه أمر باعادة اعمارها وجعل بعض اليونانيين يقيمون فيها، هكذا إلى أن مات واقتتل عليها الورثة من بعده، وكانت الغلبة للجانب المصريّ الذي يقوده “بطليموس” حتى اذا ما كبر “انتيغونوس” واشتدّ عوده حتى عاد فأخرج بطليموس منها وآلت سيادتها وكل مدن الساحل له ولمن معه. هذه اللمحة من تاريخ المدينة تتكرر بايقاع ثابت، فقبل اليونانيين كانت سيوف الفراعنة والهيكسوس والآشوريين والبابليين والفرس، وبعدهم الرومان والعرب المسلمون والصليبيون والمماليك والعثمانيون والانجليز الذين رحلوا وما رحلوا. يمكن أن نقول، بكلمات مختصرة ومعبّرة : تاريخ غزّة معركة دائمة يتخللها بعض الهدوء.

اليوم، في عصر السوق التجاري والفيزون والآيفون وعشرات آلاف القتلى الذين يتكدّسون في شريط أخبار لا يزيد عرضه عن بضعة سنتميترات مضيئة في أسفل الشاشة، في العصر الذي قال هنري ميللر عن وسائل الترفيه فيه أنها «ليست سوى عكازات أصابتنا بالشلل»، ماذا يمكن للمرء أن يقول عن تلك “اللطخة” الجغرافيّة الجالسة بحشمة على شاطئ المتوسّط؟ هل أفتح صفحة جديدة في نفس الكتاب القديم الجديد، أم أمزّق كل شيء وأقول ما أريد أن أقوله، انطلاقًا من هذه اللحظة؟. الأكيد أن غزّة كقطعة علكة مضغتها إمرأة في منتصف الثلاثينات حتى العصر قبل أن تبصقها في شارع مزدحم فداستها باصات النقل العام غير مرّة قبل أن يأتي عامل نظافة بزيّ كئيب في آخر الليل ويكنس الأرض من حولها، وتظلّ هي ملتصقة بمصيرها البائس. الأكيد أنّ غزة، كموضوع للحديث، صارت شيئًا مبتذلاً. هذا بند إضافيّ من القائمة الطويلة التي عنوانها: أشياء لابدّ من الاعتراف بها.

أتذكر مرّة أن وسمًا انتشر على موقع “تويتر”. كان موضوعه متعلّقًا بالذكريات. راح شباب غزّة يسردون، في 140 حرف أو أقل، مشاهد انطبعت في ذاكرتهم عن الحياة في المدينة التي أحبّها الشافعي. كنت أقرأ ما يكتبون وأرتعب. لم يكن ثمّة تغريدة واحدة تبعث على المفاجأة، كلّ شيء مشترك. أصناف الطعام، البرامج التلفزيونيّة، صوت المطر على سقف الاسبست، حفلات فنانيين عرب وإعلاناتها في ميدان السّاحة، كر وفر الأمن الوقائي وشباب حماس، شجرة عيد الميلاد في متنزّه الجندي المجهول، كلّ تفصيل دقيق يشاركك فيه عدد ضخم من النّاس. نحن عائلة واحدة، لا بالمعنى الوطني ولا الجغرافي، بل بالمعنى المباشر للكلمة: نحن عائلة واحدة توزّعت على بيوت كثيرة، سواء أعجبنا ذلك أم أصابنا برغبة في الهرب.

في الأشهر القليلة الفائتة، غادر كثيرون غزّة. ربما تكون صدفة أنني أعرف الكثير منهم، أنّهم من نفس فئتي العمريّة وأن وجهتهم في الأغلب بلد لا يتحدث العربيّة، بعضهم خرج للتعليم، بعضهم تزوّج وسيستقر في الخارج، بعضهم خرج للعمل، والبعض خرج من أجل الخروج. في كتابه “التطهير العرقي في فلسطين”، يقول ايلان بابه أن عدد المُهجّرين من فلسطين يربو على 700 ألف فلسطيني. السّوريون أيضًا صاروا لاجئين، غادر الآلاف منهم وتوزّعوا بين الأردن وتركيا ولبنان ومصر وبلدان مختلفة، العراقيّون نالوا نصيبهم أيضًا. المثير للسخرية أنّ أخبار الانتقال الجماعي ما عادت تحرّك شيئًا بعينه في داخلي. ربّما أتجرّأ وأقول أنّ رحيل فرد بعينه، بكلّ خصوصيّته، بكل غبائه وجماله، تدقّ أجراسًا في قصبتي الهوائيّة أكثر ما تفعل أخبار انتقال الآلاف قسرًا من أماكن تواجدهم. في زمن النزوج الجماعيّ والنكبات، لم نتعود على الرّاحلين طوعًا وفرادى. لم نتعوّد على دقّة الوجع المصاحب لذلك الرحيل، حزنٌ يمكن لي أن أشبهه بالألياف الضوئيّة، خفّة في الوزن وامتياز في الأداء.

لا أحكام عندي. لا قواطع ولا تأكيدات. لا ألوم من يقرر الرحيل إلى الأبد. لا ألوم من يقرر الغياب إلى أمد. لا ألوم من يشتم المدينة ويلعن دينها عشرات المرّات. لا ألوم من يعتبر أنّ عجزه عن احتضان حبيبته في الشّارع العام أكثر مركزيّة من الحديث عن الاحتلال . لا ألوم الباحثين عن الفرح، عن الدهشة، عن فسحة حريّة يمكن للفساتين فيها أن تتجلّى، وللآراء أن تُطرح، وللكتب أن تُشترى، وللأنخاب أن تعلو، وللذّات أن تتمدد تحت وقع المشاوير الطويلة. لا ألوم المسافرين أصحابي من غزّة، لا لأني أنا الآخر سافرت، بل لأنّي لا ألومهم. لست مستعدًا لاجتراع صراع وهميّ بينهم وبين الوطن، أو بينهم وبين الصمود والثبات والتحدّي. لست مستعدًا لاعطاء محاضرات ولا للتشكيك في الغاية والمراد. أنا فقط أشعر بالحزن حين يرحل أحدهم ويصير ثمّة مدة تقاس بالسنوات، لا بالأيام، يجب أن تمضي قبل لقائنا المقبل، وحديثنا المقبل عن الوطن، عن السياسة، عن غزّة وعن ما قصده أهل التاريخ واللغة حين قالوا أنّ معنى اسمها: «ما يُدّخر».

معرض فلسطين للكتاب: كيف تضاجع نصرة لرسول الله.

أكتوبر 7, 2012

غزّة محاصرة على أكثر من مستوى. في المستوى الأوّل-السّهل تتجلّى مظاهر الحصار الجيوسياسيّة: المعابر، البضائع، الكهرباء، المحروقات وآليّات السفر. في مستوى أعمق، وأكثر صعوبة، يتلمّس الباحث ظواهر تقييد مغايرة؛ حصارًا “ناعمًا” يستهدف الأشياء النّاعمة. المخيّم الكبير، كما وصفها إدوارد سعيد، تعاني شحًّا حقيقيًا في الدهشة. الفلسطينيّون داخل غزة محاصرون لا في حركتهم فحسب، بل وفي رأسهم، قوى خارجيّة وداخليّة تستهدف تلك “السنتميترات الأخيرة الآمنة داخل الجمجمة”، في محاولة على ما يبدو لجعل المحاصرين نسخًا مهذّبة من قالب أصليّ واحد.

معرض فلسطين الدولي للكتاب الذي يفترض به، كأيّ معرض كتاب يحترم القرّاء، أن يفتح نافذة للثقافة وناسها على اختلافهم، جاء ليقوّي أساسات الجدران، ويؤكّد قدرة سلطة الأمر الواقع على التنميط. القائمون على المعرض الذي انطلق في غزّة مؤخرًا ويقام هذا العام تحت عنوان «إقرأ نصرة للنبي محمد عليه السلام»، في ردّة فعل على الفيلم المسيء الأخير، لم يتوانوا لحظة في قطع الشكّ باليقين؛ فالمعرض «من أجل فلسطين ونصرة للحبيب محمد صلى الله عليه وسلم»، وهو «جزء من معركة كسر الحصار الثقافي، ومن أجل بناء ثقافي وحضاري يسهم في الذود عن حياض مجدنا وتراثنا ويظهر وجه أمتنا الحقيقي والذي كان فيه الإسلام عنواناً للمجد والسلام». لا مجال للنقاش مع هكذا قواطع، لا مجال لإبداء الامتعارض أو انتقاد خشبيّة الخطاب، رفعت الأقلام وجفّت الصحف، ويبدو فعلاً أن المكتوب، هذه المرّة، بادٍ من عنوانه.

تشارك في المعرض أربعون دار نشر عربيّة، الأمر الذي يفقد بريقه الايجابيّ عندما يظهر أنّ السواد الأعظم من تلك الدور تدور في نفس الفلك. فما بين دار البراء، دار الدعوة، دار العلم والايمان، دار اليقين ودار إقرأ، سيتجوّل القارئ الغزّي باحثًا عن ضالته التي قد لا يجدها وسط كل تلك المتشابهات، إلا إذا كان قارئًا “على مقاس” المعرض. الفعاليّات المرافقة ليست أقل بؤسًا من المشهد العام؛ فما بين محاضرة “أولياء الله” ومحاضرة “عش عظيمًا” تبزغ محاضرة “الأسباب العشرة في غباء اليهود لاختيارهم فلسطين وطنًا قوميًا لهم” لتعطي قولاً فصلاً في العقليّة التي تحكم تلك الفعاليّة التي لاشكّ تحمّس كثيرون ظنًا منهم أنّها ثقافيّة بالمعنى الواسع للكلمة.

أثناء الإطلاع على أسماء المؤَّلفات التي ستعرض على مدار أيّام المعرض، تتجلّى المفارقة. المعرض الذي يرفع نصرة رسول الله عنوانًا له يعجُّ عن آخره بالكتب الرديئة المتعلقة بالتنمية البشريّة، وتلك الضاربة في الاستحمار بعناوينها التي تبدأ غالبًا بخانات رقميّة (25 خطأ في تربية الأولاد، 365 مقولة، 25 قصة نجاح ، 20 طريقة لسعادة الزوج، 20 طريقة لسعادة الزوجة) وطرحها الذي يحاول تقديم كتالوجات جاهزة للحياة البشريّة، والكتب المتعلقة بالجنس باعتباره نشاطًا جسديًا ميكانيكيًا تحت المظلّة الشرعيّة. 100 سؤال في الجنس، أسس ومبادئ التربية الجنسيّة في الاسلام، الأعشاب والجنس، ألف باء السعادة الزوجية، أصول المعاشرة الزوجية، الأسرار الخفية في الحياة الزوجية؛ رومانسيّات في عش الزوجيّة، كلها عناوين ستحتل موقعها على الرفوف في المعرض الذي سيستمر حتى الثالث عشر من أكتوبر. ربّما أرادت وزارة الثقافة أن تقول لفلسطينيي غزّة: انشغلوا بأنفسكم عنّا، وتضاجعوا بشكل أفضل، وانصروا رسول الله، وأتركوا لنا الباقي.


%d مدونون معجبون بهذه: