Archive for the ‘مكتبة ايفان’ Category

نهاية السيّد واي: هل شاهدت أوليمبياد الصّين؟

يونيو 21, 2014

محمود عمر

إذا كان ناكاتا في “كافكا على الشّاطئ” يستطيع التحدث مع القطط تحت سماء تمطر سمكًا فإنّ آرييل مانتو، شخصيّة نهاية السيّد واي الرئيسة، تشرب القهوة مع إله فأر اسمه أبولّو سمينثوس وتسافر، بمعنى ما، عبر الزّمن. هذه البطلة التي تقدّمها لنا سكارليت توماس مدججة بالتناقضات لا تتحرّك عندما تسمع جرس الإنذار، تدخّن بشراهة، تنفق معظم ما لديها من مال قليل على الكتب، وتمارس الجنس مع الأشخاص الذين لا يجب أن تمارس الجنس معهم. إنّها طالبة دكتوارة عند دكتور الدراسات الإنجليزيّة سول بيرلوم الذي يعدّ بحثًا عن اللعنة التي تحوم حول كاتب انجليزي من القرن التّاسع عشر اسمه ثوماس لوماس قبل أن تتلقف منه طالبته آرييل هذا الاهتمام بلوماس ولعنته وكتابه الضائع: نهايّة السيد واي.

الرواية بنسختها الانجليزيّة

الرواية بنسختها الانجليزيّة

تعثر آرييل على “نهاية السيّد واي” بالصدفة في واحدة من مكتبات لندن الصغيرة. تقرر أنّ تستجمع قواها وتقرأ الكتاب الذي طلب منها دكتورها بيرلوم أن تغضّ البصر عنه. المخاطرة بالغة البساطة: من يقرأ كتاب “نهاية السيّد واي” سوف يموت. لهذه الجمل المحدودة في مبناها، الخطرة في معناها، أثر شبه عكسيّ في معظم الحالات. إنّ التحذير من الموت عند قراءة كتاب لفتاة مستعدّة أن تعيش على النودلز طوال الشهر من أجل أن تبتاع الكتب يعني، بطريقة ما، تشجيعًا لها على قراءته. هذا الطابع الفدائيّ-المسيحيّ لآرييل سيظر لاحقًا في ثنايا النص وسيعطيها، ولا غرابة، راية كسر العود الأبديّ لفضاء الأذهان (التروبوسفير) الذي تكمن خطورة “نهاية السيّد واي” في إحتوائه لمكوّنات الخلطة التي تمكّن من الدخول إليه.

فكرة التروبوسفير ليست جديدة ولا رياديّة. إنّ “الماتريكس” تشبه التروبوسفير كثيرًا في المنطلق الابستمولوجي النابع من صميم الفلسفة التفكيكيّة: الأشياء ليست كما تبدو. الاختلاف يكمن في الحيثيّات. التروبوسفير ليس عالمًا حقيقيًا ولا زائفًا، إنّه فضاء الأذهان الذي يحضر فيه اللاوعي الفردي والجمعي لكل الموجودات العضويّة على الكوكب، على امتداد خط الزمن على طرفي نقطة الأصل في المستوى الديكارتي. أيّ أن التروبوسفير، والذي يمكن الولوج إليه من خلال خلطة بمكوّنات بسيطة من ضمنها الماء المقدسّ، يسمح للمتجولّ فيه أن يدخل رأس أحدهم ويتمشّى فيه. لاحقًا، تكتشف آرييل  أنّ التروبوسفير ليس مفرّغا من القدرة تمامًا. يمكن بالإضافة إلى الدخول إلى رأس أحدهم العبث في هذا الرأس. شطب الأفكار والإغراء بفعل شيء أو التمنّع عنه. ستكون هذه الميّزة ذات الطابع الربوبيّ  سببًا في نهاية التروبوسفير-أو إدّعاء نهايته.

ليست الفكرة الأمّ في رواية سكارليت توماس جديدة بالمعنى الواسع للكلمة، فما الجديد؟

الجديد في “نهاية السيّد واي” (وهو جديد في فضائنا المعرفيّ العربي أكثر بكثير مما هو الحال في الغرب) يتمثّل في إعادة توظيف المزيج التالي: الأدب + النظريّة + الخيال. يحترف هذه الثلاثيّة قلّة من الكتاب والمثقفين الأفقيين. الإيطالي أمبرتو إيكّو واحد من أهمهم وهو، لطبيعة مجال خبرته الأكاديميّة، يركّز في أدبه على القرون الوسطى، وفي نظريّته على الفلسفة الكلاسيكيّة واللسانيّات، وفي خياله على خدعة واحدة مألوفة. أمّا سكارليت توماس التي أبدعت عملاً أدبيًا “به مسحة من السرور، وله رائحة قويّة من الكبريت” فاختارت لنفسها، في تطبيق أمثل لما قاله فيرغاس يوسّا عن أكل المؤلِّف لنفسه، تفضيلات مغايرة وأكثر حدّة وشبابًا.

الأدب عند سكارليت توماس أدب يركض، لا يتمشّى. يشتم، ولا يعتذر. أدبٌ سريع لكنه لا يمكن أن يمرّ من دون أن تلحظه. أمّا النظريّة فهي تتراوح بين هايدغر الذي تغوص الرواية في بحور أفكاره عن الزمن والوجود، وبين دريدا الذي يبدو أبًا روحيًا لآرييل الفخورة بأنها استطاعت أن تفهمه نظريّته حول الاختلاف. أمّا الخيال، وهنا تتقاطع سكارليت توماس مع مؤلَّفين آخرين كُثر من المابعد حداثيين والتفكيكيين، فهو خيال علميّ-أرضيّ لا يملّ من التفصيل والشرح والتفكيك بغية إثبات نفسه. وهنا تتجلّى قدرة ورغبة سكارليت توماس على الاستعراض: فيزياء الكم، النظريّة النسبيّة، كتلة الرّوح البشريّة (ادّعى د.دونكان ماكدوجال أنّها تبلغ 21 غرامًا)، نظريّة الخلق، نظريّة التطوّر، نظرية الوعي، نظرية الإنفجار العظيم .. وتطول القائمة.

وفي “تطول القائمة” هذه تكمن واحدة من ميّزات “نهاية السيّد واي” الأدبيّة التي تقرّبه من عناوين كبيرة في تاريخ الرواية الأوروبيّة مثل رواية إيطالو كالفينو “الفارس الذي لا وجود له”، وعمل جويس الأشهر “عوليس”. إيراد القوائم، واللوائح، والتكرار، ونسج الروابط، والتعداد الشاق لعدد يكاد يكون لا نهائيًا من الأشياء ميّزة عموديّة في فنّ الروايّة الغربيّة. وإن كان هذه الاشتغال جليًا أكثر في الأعمال الكلاسيكيّة، لاسيّما أعمال القرون الوسطى، إلا أنّه ما يزال يطلّ برأسه في العناوين الجديدة و”نهاية السيّد واي” ليست استثناءً.

تورد آرييل لنا قوائم في أكثر من موضع. منها، مثلاً: “أحسّ الآن بعواء يذكر بشيء ما: “طبقات من مخاوف آخرين. خوف من دمى تقول لك “أغرب عن وجهي”، خوف من حرب نوويّة، من طفل يغرق، من الاختناق بشوكة سمكة، من سرطان الرئة، من أورام المخ، من الزحام، من طبيب الأسنان، من بلع لسانك، من قدمك، من الأحلام، من الكبار، من الأسنان الصناعيّة، من الانتحار، من الدم، من العناكب، من فتق الرحم، من انقطاع النفس، من الأكل، من الصراصير، من الأكياس البلاستيكيّة، من المرتفعات، من مثلثت برمودا، من الأشباح، من مكعبات الثلج، من الشيخوخة .. إلخ إلخ”

جديد الرواية، إذًا، هو إعادة توليف الجديد -والذي هو بدوره إعادة توليف لجديد سابق- مع إجترار لبعض الثوابت الهولوديّة: يبحث عميلان سابقان من وكالة المخابرات الأمريكيّة التي أنهت مشروعًا يتعلّق بالسيطرة على أذهان الناس من خلال التروبوسفير، يبحثان عن كتاب “نهاية السيد واي” من أجل الحصول على الخلطة و احتكارها أو بيعها في السواق السّوداء – لروسيا ربّما؟ للصين؟ للإرهابيين في أفغانستان؟ يذكّر هذا الاستسهال بما فعله ألفونسو كوارن في فيلمه الأخير “جاذبيّة” عندما حمّل “الروس” مسؤولية الكارثة التي حدثت لساندرا بولوك وجورج كلوني.

في صفحاتها التي تزيد على الأربعمائة، تتبدّى “نهاية السيّد واي” ضخمة ورحبة ومتنوّعة مثل حفل افتتاح أوليمبياد الصّين عام 2008. الكثير من الألوان، من الأضواء، من اللوحات، من المشاهد، من ردود الفعل ومن الربح الرّاهن والخسارة المخبأة. لم تقل سكارليت توماس، وهي أستاذة أدب إنجليزي في جامعة كنت، ما يمكن له أن يوقف سيولة الوقت أو يغيّر حقيقة أنّ “كل الأشياء تحت المجهر الالكترونيّ ستبدو متشابهة”، لكنّها قدّمت عملاً أدبيًا شهيًا مفرودًا على طاولة يتوزّع حولها أكثر من 150 ألف قارئ اشتروا الرواية بنسختها الإنجليزيّة.

الشّعب يريد: الانتفاضة العربيّة مستمرّة!

أغسطس 12, 2013

محمود عمر

في كتابه “الشعب يريد؛ بحث جذري في الإنتفاضة العربيّة” يقدّم جلبير الأشقر؛ الباحث اللبناني وأستاذ دراسات التنمية والعلاقات الدوليّة في معهد الدراسات الشرقيّة والأفريقيّة في جامعة لندن (SOAS)، خلاصة ما كان ألقاه من محاضرات حول مشاكل التنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الأعوام القليلة التي سبقت إندلاع موجة الانتفاضات العربيّة التي واكبها الأشقر، وانكبّ على مجرياتها تحليلاً ودراسة فضمّن الكتاب كشف حساب “مؤقّت” لتجلياتها في البلدن العربيّة الأكثر تأثرًا بها: تونس، مصر، اليمن، ليبيا، البحرين وسوريّا. 

يرقى الكتاب الذي صدر بالفرنسيّة ونقله عمر الشّافعي إلى العربيّة، إلى مستوى عنوانه؛ إنّه بحث جذريّ بكل معنى الكلمة في الأسباب والدوافع والمحرّكات الاجتماعيّة التي دفعت في اتجاه خروج ملايين العرب هاتفين بإسقاط أنظمة وطغاة تبدو وكأنها متباينة، إلّا أنّها في حقيقتها متماثلة إلى حدّ بعيد، مجبولة على الفساد والقمع والنهب وتضييق الخناق على الفرد العربيّ و تنغيص عيشه. كما ويقدّم الكتاب-الدراسة في فصوله المتأخرة مقطعًا عرضيًا للانتفاضة العربيّة وأهمّ الفاعلين فيها ومحاولات احتوائها المستمرّة. 

في الفصل الأوّل، ونظرًا لما تتيحه الامكانات الاكاديميّة والأرشيفيّة لجامعة لندن، يتمكن جلبير الأشقر من رسم صورة عامّة للتنمية المعاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA) مستندًا إلى توليفة واسعة من الدراسات والأبحاث وتقارير المؤسسات الماليّة العالميّة والإقليميّة التي يقارنها بمعطيات مناطق جغرافية أخرى، مثل جنوب أفريقيا وشرق آسيا، ليثبت فشلاً بنيويًا في عمليات التنميّة في منطقة MENA تصحّ معه القاعدة الماركسيّة التي وردت في مقدمة نقد الاقتصاد السياسي، والتي تمثّل حجز الزاوية الفكريّ لهذا الكتاب برمّته:

“عند مرحلة معيّنة من تطورها، تتدخل قوى المجتمع الانتاجيّ الماديّة في تناقض مع علاقات الانتاج القائمة، وتتحول تلك العلاقات من أشكال تتطور القوى المنتجة من خلالها إلى قيود تعيق تطوّر هذه القوى. وعندئذ، تبدأ حقبة من الثورة الاجتماعيّة”. 

أمّا في الفصل الثاني، فيشمّر الأشقر عن ساعديه ليحوض، متسلحًا بأدواته الماركسيّة، في عمق النمطيات الخاصّة للرأسماليّة في المنطقة العربيّة التي تعجّ بدول ميراثيّة ونيوميراثيّة تبدو ريعيّة في مجملها؛ غير مستندة على الضرائب، وغير آبهة لذلك بما لدى مواطنيها ليقولوه أو يعبّروا عنه، وتطبّق بجهد حثيث وصفات نيوليبراليّة جاهزة للتنمية والحداثة تقلّص دور الدولة المباشر في استغلال الموارد وقيادة عملية التنميّة والتشغيل. النيبوليبراليّة التي بلغت الصفاقة بأحدّ منظّريها، الاقتصادي البيروفي هرناندو دي سوتو، حدّ الإدعاء بأن ما ضحى البوعزيزي بنفسه من أجله هو مبدأ “السوق الحرّة” النيوليبرالي. سوتو قال: جاءت قوى السوق إلى العالم العربي، حتى ولو يكن بدعوة من الحكومات. ويجب على القادة السياسيين أن يدركوا أنّ العرب الفقراء، منذ أن أضرم البوعزيزي النار في نفسه وثار أقرانه مجتجّين، لم يعودوا خارج السوق بل داخله، على مقربة من هؤلاء الحكّام.

وإذ يَخلُص الأشقر في فصل الكتاب الثاني إلى أنّ ما لدينا، في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من الرأسماليّة هو أسوأ ما في الرأسماليّة، ينتقل في الفصل اللاحق لمقاربة العوامل السياسيّة الإقليميّة ذات الصلة بالانتفاضة العربيّة. النفط، بطبيعة الحال، هو أوّل تلك العوامل وأهمّها، وإن كان مسمّى الفقرة الخاصة به “لعنة النفط” فإنّ الأشقر يشرح أنّ المصائب التي يختبرها الفضاء الناطق بالعربيّة ليست جرّاء وجود النفط (يفترض بهذا أن يكون أمرًا جيدًا) بل نتيجة لطريقة إدارة هذا الكنز الاستراتيجيّ واستخدامه في المحافظة على دول ريعيّة، ومبادلته بالرضا والدعم الأمريكي (والأسلحة الأمريكيّة والبريطانيّة والفرنسيّة) وحرمان الفضاء الناطق بالعربيّة من أي مردود حقيقي، ناهيك عن عدم استخدامه في أيّ صناعة تحويليّة معدّة للتصدير. 

وفقًا لتقديرات معهد التمويل الدولي، ومقره واشنطن، بلغت تدفقات الرسمايل الخارجة من دول مجلس التعاون الخليجي 530 مليار دولار خلال السنوات الخمس 2002-2006 ومن بين هذا الاجماليّ، ذهب مبلغ 300 مليار دولار إلى الولايات المتحدة، و100 مليار إلى أوروبا. 

ينحى الكتاب، بعد ذلك، منحى أكثر انشغالاً بالسياسة منه في الاقتصاد، إذ يقارب مسألة “الاستثناء الاستبدادي العربي” الذي تجمع عليه الولايات المتحدة وأوروبا من حيث مطالبتهما دولاً حول العالم بمزيد من الديمقراطيّة، وصمتهما المطبق حول عقوبة الجلد ومنع النساء من القيادة في البلد-المصيبة السعوديّة بحجّة “إحترام ثقافة أهل ذلك البلد”. أمّا الإخوان المسلمون وعلاقتهم براعيتهم الأولى، السعوديّة، ومن تحولهم إلى قطر وأميرها المهووس بالسياسة الخارجيّة، فلهم نصيب لا بأس به من الاشارة والتحليل، لاسيّما وأنّ الأشقر يقتبس “اليبان الشيوعيّ” ليوصّف الإخوان المسلمين توصيفًا ماركسيًا دقيقًا: 

الطبقات الوسطى (ليست الطبقة الوسطى=البرجوازيّة) كلها تحارب البرجوازيّة للحفاظ على وجودها كطبقات وسطى من التلاشي. فهي إذًا ليست ثوريّة ولكن مُحافظة بل وأكثر من ذلك، إنها رجعيّة تسعى إلى جعل عجلة التاريخ ترجع القهقرى. 

هؤلاء الذين يسعون إلى “جعل عجلة التاريخ ترجع القهقرى” هم الإخوان المسلمون الذين وعدوا النّاس بفردوس إسلاميّ مفقود، واتخذوا شعارًا أجوفًا هو “الإسلام هو الحل”، وهم -حسب ما يقدّمه الأشقر من إشارات لدراسات وأداء الإسلاميين في الحكم- نيوليبراليين يسعون إلى التخلصّ من “برجوازيّة الدولة” والدخول في برجوازيّة السّوق (زيارة مرسي إلى الصين مثالاً). وإذ يتنبأ لهم الأشقر (مثلما فعل السابقون) بنهايات تعيسة بعد خروجهم من قمقم المظلوميّة إلى نور السلطة السّاطع، فهو يفرق تمام التفريق بينهم وبين “حزب العدالة والتنمية” التركي، بل حتّى بينهم وبين الخميني. أمّا القوى الفاعلة في الثورة، والذين يتطرق لهم الأشقر ويعوّل عليهم فهم: الحركات العماليّة، حركات النضال الاجتماعيّ، والفاعلون الجديد: شباب الإنترنت. 

هل قلت مؤامرة؟

يطرق الأشقر في هذا الكتاب أبواب مفارقات سياسيّة، ونقاط تحوّل ضجّ بها “الربيع العربيّ” وانقسم عليها المنقسمون؛ تدخّل الناتو في ليبيا، تسلّح الثورة في سوريّا، وذلك في معرض تقديم “كشف حساب” لانتفاضتي البلدين. مفردة “المؤامرة” التي طفت إلى السطح (كانت قريبة منه على الدوام) بعيد الحظر الجوّي فوق ليبيا ودخول الانتفاضة السوريّة معترك التسليح هي مفردة يشيع استخدامها، حسب الأشقر، عند فئتين من الناس: مناهضو الإمبرياليّة وأهل الشرق الأوسط. وإن كان الأشقر لا ينفي (ومن يستطيع أن ينفي؟) وجود مؤامرات دائمة في هذا الجزء من العالم، إلا أنّه لا يتحرّج من التنظير داعمًا للانتفاضة الليبيّة، شارحًا أسباب ودوافع الناتو للتدخل فيها ومخرجات ذلك على الصعيد الاجتماعيّ الليبي، ومؤيدًا للثورة السوريّة التي يؤكّد أنّ تسلّحها أمر لم يكن بديهيًا فحسب، بل ومطلوبًا؛ نظرًا لطبيعة الجيش السوريّ واستناده على شريحة شعبيّة من طائفة واحدة. يقول الأشقر: 

التحليل الصحيح لطبيعة النظام السوري، ولاسيّما طبيعة قواته المسلحة، كان من شأنه أن يفضي بالضرورة إلى استنتاج مفاده أنّ النظام السوري يستحيل إسقاطه بغير حرب أهليّة. 

ولمناهضي الإمبرياليّة الذين تحرّجوا من الاصطفاف بجانب الانتفاضة السوريّة (فنّد الأشقر في موضع آخر في الكتاب هذه الحجّة المتعلقة بالامبرياليّة) لم يستخدم الأشقر مبررات ومعطيات جيوسياسيّة واقتصاديّة فحسب، بل وأخلاقيّة أيضًا إذ أورد ما قاله الثوري الفرنسي غراكوس بابوف في 1795:

تصرخون قائلين إنّه يجب تجنب الحرب الأهليّة؟ وأيّ حرب أهليّة أكثر إثارة للاشمئزاز من تلك التي يكون القتلة فيها في كلّ جانب، والضحايا العزّل في جانب آخر؟ هل بوسعكم تجريد من يريد تسليح الضحايا من القتلة؟ أوليس من الأفضل أن تقع حرب أهليّة يكون بوسع كلا الطرفين فيها الدفاع عن النفس؟

في خاتمة الكتاب، يوصل الكاتب أفكاره النهائيّة بإيضاح سابق حول أنّ الإشكاليّة بين الإسلام والديمقراطيّة إشكاليّة وهميّة، ويؤكّد أن السلطة اليوم “في الشّارع” في الفضاء الناطق بالعربيّة. الصّراع ضد النيبوليبراليّة، ورأسماليّة المحاسيب، والفساد الإدراري، وقمع الحريّات، صراع طويل والحقبة الثوريّة العربيّة لا تزال في بدايتها. يختم الأشقر بحثه الجذريّ عن الانتفاضة العربيّة المستمرّة بالقول: المستقبل يدوم طويلاً، كتب الجنرال ديغول في مذكراته خلال الحرب. إنّه لتعبير جميل عن الأمل!

حتى تتخلّى إيمان مرسال عن فكرة البيوت.

أبريل 17, 2013

محمود عمر

ترى إيمان مرسال (1966) ما نعجز نحن، لفرط انشغالنا، عن رؤيته. تمسك بلحظات إنسانيّة تكاد تبدو عاديّة قبل أن نكتشف حين تصيّر تلك اللحظة شعرًا كم كنّا نحن مخطئين وعاديين. الشاعرة المصريّة المقيمة في كندا تكتب قصيدة سرديّة حديثة تطول حينًا وتقصر أحيانًا، لكنها تظلّ، في كلّ الأحوال، محتفظة بنصيب وافر من الذكاء والخفّة وربما قلنا: من الفلسفة.

eman_mersal-2في ديوانها الأخير «حتى أتخلى عن فكرة البيوت» الذي صدر عن داري «شرقيات» و «التنوير» تهجس إيمان مرسال بالحب، بالمنفى والمسافات الطويلة. الديوان الذي يقع في 92 صفحة ويضم 37 قصيدة مكتوبة بين 2007 و 2010 مقسّم إلى ثلاثة أجزاء هي: «وفاتتني أشياء». «ونصنع وهمًا ونتقنه». «الحياة في شوارعها الجانبيّة». صدرت لمرسال من قبل أربعة دواوين هي: «اتصافات» (1990)، «ممر معتم يصلح لتعلم الرقص» (1995)، «المشي أطول وقت ممكن» (1997)، و «جغرافيا بديلة» (2006). ويبدو أنّ الشاعرة التي طلّقت الشعارات الكبيرة لا يزال في جعبتها المزيد.

في حديثها لإذاعة مونت كارلو الدوليّة، قالت إيمان مرسال عن الديوان: «طبيعة اللحظات والتجارب التي عشتها ساعدتني كثيرًا في الكتابة». اللحظات تلك، حين نقرأ الديوان، نكتشف كم هي لحظات هشّة وعابرة لولا نقاط تفتيش إيمان مرسال التي تستوقفها وتفتّش فيها عمّا هو أبديّ. في قصيدتها «مقبرةٌ سأحفرها» ترسم مرسال مشهدًا لها وهي في طريقها إلى المقبرة التي ستحفرها للعصفور الميّت بين يديها. الجنازة المكونة من شخص واحد كان يجب أن تكون مهيبة، تقول القصيدة، «لولا هذا الحذاء الرياضيّ» تقول القصيدة والقواعد التي لم يكتبها أحد، واتّفق عليها الجميع.

التخلّي كلمة مركزيّة في حياة الشاعرة الأربعينيّة، وفي اشتغالاتها الفكريّة. سواء كان ذاك التخلّي كبيرًا وقديمًا حين يتعلق الأمر بشعارات القوميّة والقضايا الكبرى (في الديوان قصيدة عنوانها «كأس مع أحد القوميين العرب»)، أو كان تخليًا متأخرًا وفرديًا. عن الأخير قالت إيمان مرسال: «هذا هو النضج بالنسبة لي، أن تتخلى عن مقولات حول الكتابة والغرض منها. مقولاتٌ كنت أنت نفسك قد وقفت وراءها ودافعت عنها».

«الربيع العربيّ» ليس ربيعًا حقًا بالنسبة لإيمان مرسال. في لحظة الاندلاع، لحظة القمّة، كانت تشعر، وكثيرون معها، أنّ ما يحصل «أكبر منّا كأفراد». ربما سمعت هي أيضًا «أجنحة التاريخ ترفرف فوق ميدان التحرير»، لكن المستقبل القريب كشف عن بؤس الخطاب الثوري، إذ قدّمت الانتفاضات جديدًا في الغرافيتي والموسيقى لكن «أبدًا ليس في اللغة»، حسب رأي الشاعرة البعيدة.

في قصائد الديوان الأخير، ليس هنالك مستوى واحد للواقع، بل عدّة مستويات. في قصيدة قصيرة نسبيًا، يمكن لإيمان مرسال أن تنتقل، وتنقل معها القارئ، من قارة إلى قارة، من توقيت إلى توقيت. إقامتها في بلد بعيد عن «هنا» جعلها تورده في القصائد على أنّه «هناك» وتتساءل بسخرية بيضاء: «ماذا يفعل شخصٌ جاء إلى «هنا» ليقرأ قصائده عن «هناك» / لأناسٍ ليسوا من «هناك» حين يأكله الذنب / سوى أن يقف مثلي الآن في شرفة فندق خمس نجوم ويشعل سيجارة / ثم يلعن العالم بالصراخ والهمهمة».

عن اليوميّ والمعاصر، عن السير الذاتيّة وتلك «الحياة التي حَشرَ فيها أكثر من أب طموحه، أكثر من أمّ مقصاتها / أكثر من طبيب مهدئاته، أكثر من مناضل سيفه، أكثر من مؤسسة غباوتها، أكثر من مدرسة شعرية تصوّرها عن الشعر». عن العالم الذي ينقصه شبّاك أزرق، عن الحبّ الذي قد يكون نسيان رجل لساعته بجوار السرير، وعن فكرة البيوت تكتب إيمان مرسال. تكتب حتى تتخلّى وتقول: «ليكن البيت هو المكان الذي لا تلاحظ البتة إضاءته / السيئة، جدار تتسع شروخه حتى تظنها يومًا بديلاً / للأبواب».

نُشر هذا المقال في الصفحة الثقافية لمجتمع شبكة القدس الاخباري.

الأدب المجوّف؛ عن رام الله الشقراء أتحدّث.

ديسمبر 15, 2012

محمود عمر

519x340-fit

الكتابة عن «رام الله الشقراء» تستلزم استخدامًا جامحًا لعلامات التنصيص. إنّها «رواية» وفق ما يرد على الغلاف، لكنّها ليست كذلك فيما يليه. يستسهل «مؤلّفها» عبّاد يحيى فيخبرنا في الصفحة الأولى أن ضغط زر print out على أرشيف مراسلات «الفيس بوك» قد يكون كافيًا، أحيانًا، لانتاج «رواية ما». بعد الانتهاء من قراءة النص الذي جاء في 126 صفحة يمكن القول بنبرة واثقة أنّ النص ليس رواية على الاطلاق، ولكنه أيضًا ليس حديث سياسة محض، إنّه «ستيتوس» مطوّل، يختطف بعض القصص القصيرة رغمًا عنها ويجعلها رهينته ليتجمّل بها ويبتعد قدر المستطاع عن خشبيّة التنظير والحكي المُسقَط عموديًا، فيخرج الوليد إلى النّور مشوّهًا بسياسة تقصم ظهر القصّة، وبقصّة تنزع عن السياسة جديّتها وتدفع بها إلى بيئة معادية، وتجبر الكاتب/السياسي على التحدّث بنبرة تدفع للاعتقاد بأنّ كتلة ضخمة من العلكة تشغل حيزًا في فمه.

لا يمكن تجاوز الصفحات الأولى للنص، واتّخاذ قرار المضيّ في «اجتراعه» على ركاكة أسلوبه حتى النهاية، إلا في حالتين. الأولى هي أن يكون القارئ من نفس «المعسكر» الذي ينتمي إليه المؤلّف، فيطرب لوصف الأجانب في رام الله بـ «الفرنجة» والحديث عن ضرورة ابتداع «استراتيجيّة وطنيّة» للتمييز بين «الأخيار والأشرار منهم»، وينتشي لرفض الشخصيّة الرئيسة في النص الوقوف لنشيد «فدائي» وإعلانها انتماءها فقط لنشيد الثورة الجزائريّة قبل أن تتحدث (في لبس منطقيّ سيتكرر كثيرًا) عن جماليّة نشيد «موطني» والرغبة في استعادته. أمّا الحالة الثانية فهي أن يكون القارئ ناقدًا، أو قارئًا على طريق النقد. حينها سيضحك على سخافة مصطلح «الفرنجة» هذا ويشتمّ رائحة فاشيّة في تلك «الاستراتيجيّة الوطنيّة» المقترحة لتوزيع أوسمة الخير والشّر، ويتبادر إلى ذهنه وضع الجزائر الذي لا تنتمي الشخصيّة الرئيسة إلا إلى نشيد ثورتها، وهي ترزح تحت حكم العسكر الذي خرج من رحم جبهة التحرير، وخرج شبابها بالآلاف وقت زيارة الرئيس الفرنسي السّابق مرددين شعار «الفيزا يا شيراك!»، وتعرّضت لفائف الأوراق المستخدمة في طباعة عملتها الوطنيّة مؤخرًا للسرقة من ميناء الجزائر، قبل أن تقرر السلطات نقل اللفائف باستخدام طائرة عسكريّة، والتي ستتحطّم لاحقًا “في «ظروف غامضة» في مكان ما.

في الحالتين سيقف القارئ أمام نتواءت كتابيّة، وأغلاط فجّة، وتناقضات، يقرر راغبًا أو صاغرًا القفز عنها، والأمثلة كثيرة على ذلك كله. في الصفحة رقم 58، وعلى طريقة جملة «رقاصة، وبترقص!» تقول الشخصيّة الرئيسيّة التي تتولّى مهمة كتابة قصّة عن عمر الفلسطيني وعلاقته مع أوليفيا (يصير اسمها أوليف في مواضع أخرى) بعد أن تفرغ من كتابة القصّة: «هذا ما كتبته اليوم، هنا قصّة قد تستحق الكتابة». في موضع آخر تطالب الفتاة التي تراسلها الشخصيّة الرئيسيّة على إثر التطرّق لمستحضرات معالجة سرعة القذف، تطالب الفتاة الشخصيّةَ الرئيسة أن لا تكرر بذاءتها، قبل أن تستمتع بصدر رحب لاحقًا لحديثها عن مغامرات يوسف الايروتيكيّة في ايطاليا. كمثال أخير يمكن إيراد النقد والازدراء الذي وجّهته الشخصيّة الرئيسة آنفة الذكر لسلافوي جيجيك ولحقيقة أنها كانت مضطرة لدفع مبلغ من النقود لدخول محاضرته في رام الله في حين كان بإمكانها أن لا تذهب إلى المحاضرة بكل بساطة.

استخدام مصطلح «الشخصية الرئيسة» مقصود في عموميّته ويهدف للدلالة على فشل عبّاد يحيى في خلق شخصيّات فاعلة مستقلّة ومتّسقة، وهو فشل مُتوقّع ومبني على الفشل العام في بناء المنظومة الروايّة برمتها، بما تعنيه من خط زمني وحيّز خيالي وفسحة حريّة تُترك كي تشارك الشخصيّات في رسم الأحداث. إنّ عبّاد يتحدث بشخصه في الرواية، ووجوده يبدو فاقعًا في طرفي المراسلات التي يفترض أنها بين شاب وفتاة. يمكن القول ببساطة أن إضافة عبّاد على الفيس بوك تغني بالمطلق عن شراء «الرواية»، وأنّه «كتب نفسه» في «روايته» الأولى وهو الخطأ المنتشر والذي أشار إليه الروائي عبد الرحمن منيف وأردف أنّه يبشر بأن النتاج الاوّل سيكون غالبًا الأخير. يُحسب لعباد يحيى، بعيدًا عن سياقات الابداع الأدبي والخيال والمتعة والاتّساق السياسي، أنّه تمكّن من «تزبيط» هذا النص بسرعة وإخراجه إلى الحيّز العام لا ليصنع -أي النص- ضجّة كنتيجة لحرفيّته وتميّزه وطرحه الجديد، بل ليعلي من صوت الضجّة الموجودة أصلاً والمصاحبة للتساؤلات التي تُطرح عندما يتم الحديث عن ظواهر الوجود الاجنبي ومنظمات المجتمع المدني وسياسات الهندسة الاجتماعيّة في فلسطين عمومًا، ورام الله خصوصًا.

بالخلاص يا شباب، بالخلاص يا سوريا!

نوفمبر 11, 2012

محمود عمر.

إذا كان عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر قد تحدث، في معرض التناول التشريحي للعلمنة، باعتبارها نشاطًا اجتماعيًا معرفيًا، عن “نزع السّحر عن العالم”، فإنّ ياسين الحاج صالح، الكاتب والناشط السّوري، يتحدث في كتابه “بالخلاص يا شباب!” بالدرجة الأولى عن “نزع السّحر عن السجن” وما يتصل به من أساطير وخيالات تحيل على مفاهيم كالبطولة والثبات حيث “لا مجال للتراجع والاستسلام”، و “ليس بعد الليل الا فجر مجد يتسامى” وبدأ تناول السّجن باعتباره موضوع ثقافي، أي “أنسنته” وفق التعبير المحبب لقلب نصر حامد أبو زيد. على الصّعيد الشخصي، لا يخفي الحاج صالح رغبته في تقيؤ التجربة (والوصف لألبير كامو) عبر “التخلّص” من هذا الكتاب بنشره بعد تجميع مواده منذ العام 2003 وصولاً إلى عام 2011، العام الذي يمكن استعاره عنوان كتاب سلافوي جيجيك الجديد لوصفه بـ”عام الأحلام الخطرة”.

يسرد الحاج صالح في مستهلّ الكتاب حقائقًا تشكّل مقياس الرسم الذي يرشد القارئ عبر تلك الدفقات الضوئيّة التي تنير جنبات السجون السوريّة، والمسجون السوري. اعتقل فجر 7/12/1980، كان في العشرين من عمره، طالبًا في السنة الثالثة في جامعة حلب، وعضوًا في الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي، عذّب ليوم واحد في “الفرع” على “الدولاب” و “بساط الريح”، وهي أسماء متداولة لتقنيّات تعذيب بعثيّة، وأحيل إلى سجن المسلمية في حلب قبل أن يتنقّل بين سجن عدرا والسّجن المطلق؛ سجن تدمر. أفرج عنه يوم السّبت 19/121996. بالمحصّلة: 16 عامًا و14 يومًا انتزعت منه، بُترت ولا مجال لاستردادها، وما ذلك إلا عيّنة ضاربة في الدقّة من مجمل ما سُرق من السوريين، بأيادٍ سوريّة.

يلتبس السجن، وتموّه الحريّة، في سوريّا التي يخنقها البعث. لا يتاح للسجين السياسي، بعد الإفراج عنه، فسحة تمكّنه من هضم التجربة، والتصالح مع الذّات. يخرج إلى مجتمع الخطاب الرسمي السّائد فيه يتحدث عن الرغبة في التقدّم، والاستمرار، والتجاوز، حيث لا وقت للتوقّف عند إشكالات صغيرة، كآلاف السجناء السياسيين، والبلد بنظامها وشعبها “مستهدفة”. يشعر “المفرج عنه” بأنّه ممنوع من التذكّر، لكنه أيضًا -في حبكة فاشيّة- ممنوع من النّسيان. عليك أن تظل تتذكّر أنك تحت المراقبة، في دائرة الضّوء، لكن عليك أن تنسى عذاباتك، وتفقد القدرة على طلب المساءلة التي إن حدث وطلبتها فأنت تعبث بنسيج المجتمع، ويفيض من قفصك الصدري حقدٌ لن يفيد الوطن، ولا المواطنين، مع أنّ السجن، بما يفرضه من قرب إجباري، وإستثارة لحساسيّات مجهريّة في الكائن البشري نتيجة وجوده الدّائم في مرمى عين “الآخر”، كان قد أصبح نمط حياة لكثيرين في سوريا.

يناقش الحاج صالح الجدليّات التي تربط السّجن، والضّيق، بالذاكرة، الوقت، الخصوصيّة، المرأة (التي عرّف مصطفى خليفة السّجن بأسره على أنّه غيابها)، الحنين والتّسمية. تنتهي ردّة الفعل الأوليّة بالصّمود المجوّف، ويصير لزامًا على السّجين أن يعترفه بنفسه سجينًا، أن يفتح صفحاته و”يسمح للسّجن بتأليفه”. عقارب السّاعة هي الأخرى تحتاج توليفة من نوع ما كي تصير مأمونة الجانب.  يقتل البعض الوقت، ويكسبه الوقت الآخر، ويكون للكتب، التي سيسمح بإدخالها بعد فترة، أثر ضخم في تدعيم الوجود الانساني للسجناء عمومًا، اليساريين منهم خصوصًا. قرأ ياسين الحاج صالح أثناء وجوده في السّجن كتاب محمد عبد الجابري عن فلسفة العلوم، والاستشراق لادوارد سعيد، النزعات الماديّة في الفلسفة العربيّة الاسلاميّة لحسين مروة، ومجموعة من كتب هيغل وبعض كتب عبدالله العروي. الكتب، مضافة إلى التمطّي الفكري الذي يفرضه “نمط الحياة/السّجن”، دفع بياسين الحاج صالح، كما سبق ودفع بغيره كثيرين، إلى “التحرر” من كثير من القناعات التي دخلوا بها العنابر والزنازين.

قراءة الكتاب، بعيدًا عن ربطه بالبلد، وبالكاتب، وبحقيقة نشره بعيد إندلاع الثورة السورية، والنظر إليه من زاوية أوسع، يفتح الباب لعدّة استنتاجات وتأملات، وخصوصًا في عمليتي البناء والهدم اللتان تلخصان مسيرة الانسان الفكريّة. ربما يجوز القول بأن السجن يكثّف عمليات الأيض الفكريّة -إن جاز التعبير- ويضمن، إلا في حالات نادرة، أن من يدخل إلى السجن، لن يخرج منه بنفس العقليّة. إنّه -أي السجن- حالة “نقد ذاتي” إجباريّة، وطويلة، وجذريّة، وهو ليس موئلاً للمثقفين، بقدر ما هو صانع قاسٍ لهم. يقول ياسين الحاج صالح في معرض حديثه عن هذه النقطة تحديدًا: إنّ التحرر الحقيقي من السجن هو أن يتسنّى لنا أن تجعل منه مجالاً للتحرر من سجون أخرى أشدّ فتكًا، من عبوديّات وقيود ومطلقات أسوأ من السّجن ألف مرة. ويضيف في موضع آخر من الكتاب: صرت على نفور عميق من كلّ مذهبيّة مغلقة ومن كل منزع يقينيّ ودوغمائي، ومن انتهازيّة أصحاب العقائد ولا أخلاقيتهم العميقة. الحديث السّابق يبدو اليوم، وكلّ اليوم، ملحًّا لنا كعرب ننتمي إلى “شرق المتوسّط”، أحد أكثر المناطق إبداعًا في قتل الإبداع، واحتراف الإقصاء، والمساومة بين التفاصيل الصغيرة، وبين الشّعار.

آن أوان الخوض في اللايقيني، كما يقول كارل بوبر. آن لمجتمعاتنا العربيّة أن تُفتح، وأن تبحث في أمر مآسيها، وضحاياها. أن تغفر، وتحاسب. أن نجلس جميعًا على طاولة مستديرة لنصل إلى ما يجب فعله إزاء ما سبق، وإزاء القادم. سوريّا اليوم، بشعبها الثّائر، أقرب إلى ذلك التحدّي من أي شعب عربيّ آخر. إذا كانت الحريّة تعني لياسين الحاج صالح المرأة والحب، فمعناها بالنسبة لسوريّا-المجتمع، سوريّا الأفراد، هو ما تتم الاجابة عنه اليوم. ينقل السّجين القابع في سجن تدمر، السجن المطلق، إلى سجن عدرا، أو صيدنايا، أو المسلميّة، حيث يختبر مجددًا التخالط مع أقرانه استعدادًا للخروج إلى المجال العام. سوريّا البلد، سوريّا الشّعب، خرجت بلاشكّ من تدمرها، أمّا وجهتها القادمة فتحدٍّ قائم، وجرح رطب، وثورة مستمرّة.


%d مدونون معجبون بهذه: