Archive for the ‘مكتبة ايفان’ Category

في مديح الحريّة والانبساط.

July 19, 2012

أنا أكره المتأكّدين، لا أستطيع احتمالهم، نبرة صوتهم ترعبني. ما أن أجلس معهم على طاولة حتّى أرغب، بكل لباقة، أن أمسك رأس أحدهم وأحفر ثقبًا فيها، أو أن أعتذر للذهاب إلى الحمام. في الحقيقة سأذهب لأضرب رأسي أنا بحائط الحمّام. الشخص المتأكّد، الواثق، لا يسيء لنفسه ويجنح للتخفيف من ثقل الواقع عبر شعوذات حديثة فحسب، بل ويستخف بالخازوق. الخازوق الذي هو الحياة. هذا الاشكال المتحرّك. أحد الفلاسفة قال: تكمن مأسآة الانسان في أنه يكون طفلاً ثمّ يكبر بعد ذلك، حركة الخازوق إذًا، أو بالأحرى: حركة الوعي بهذا الخازوق، إنما تتجه نحو الاتّساع. يقول المعلّم الأرجنتيني بورخيس: أكتب لنفسي ولأصدقائي، ولتهدئة جريان الزمن. بمعنى آخر: بورخيس يدفع بالخازوق بعيدًا، يبحث عن الانبساط، ولهذا كان يكتب، أو لهذا تورّط بالكتابة.

شروق أمين - فنانة كويتية/سوريّة.

شروق أمين – فنانة كويتية/سوريّة.

التفاؤل جرعة مخففة من الإيمان. يمكنك القول: المتفائل يحاول البحث عن صيغة “تسوية” بين الصورة القاتمة والمصباح. يضع المرايا في المسافة الفاصلة، لعلّها تعكس بعض الأشعة. أنا لست متفائلاً، ولست مؤمنًا، ولا أحبّ المرايا. أعيش على كوكب مريض، معتوه، ضارب في القماءة، وأنتمي لإقليم هو في حدّ ذاته التجسيد الجغرافي الأمثل لغياب العدالة والمنطق. هل تعرف كميّة الطعام التي سترمى في النفاية في دول الخليج العربي في شهر رمضان الذي غايته الاحساس بالفقراء؟، هل تعرف كم خادمة أجنبيّة قتلت ورميت في الشارع في لبنان؟، كم فتاة أُجبرت على تزوّج مغتصبها في الأردن؟، هل سمعت بالحكم بالسجن 7سنوات على شباب تونسي لأنّه عبر عن رأيه؟ هل سمعت خالد مشعل وهو يعزّي بواحد من أشهر مهندسي التعذيب والفاشيّة في الوطن العربي؟ ماذا عن حسن نصرالله الذي اختصر سوريا بكل سنين حضارتها في شخص قائد جهاز قمعي؟، هل تستطيع أن تتخيّل مليون وسبمعائة ألف إنسان في 360 كيلو متر مربّع بساعات قطع للتيار الكهربائي تصل إلى 12 ساعة يوميًا في هذا الصيف الحارق، وأثناء شهر صيام؟هل قرأت كتاب “اللاطمأنينة” لفرناندو بيسوا؟ إذا كانت الاجابة بالنفي، فافعل في أقرب فرصة. 

أنا لست متفائلاً لكنني مقتنع بمقولة منصف المرزوقي: “من السذاجة محاولة تغيير العالم، ومن الاجرام عدم المحاولة”. يبقى السؤال عن ماهيّة هذه المحاولة، والغرض منها، وآليتها. يمكن إجمال تاريخ الحركات السياسيّة على اختلاف مشاربها في أنّها أجابت على السؤال السابق بقولها: عبر خلق عالم أفضل. ويمكن إجمال الغرض من كل مقالي هذا باجابة نفس السؤال: بالتخفيف من خراء هذا العالم قدر الامكان. 

يقول أمين معلوف، الكاتب اللبناني-الفرنسي الذي دخل مؤخرًا الأكاديميّة الفرنسيّة برداءٍ أخضر وسيف مزخرف، في كتابه “الهويّات القاتلة” ما نصّه: “لقد علّمنا القرن العشرون أنّ ليس هنالك بالضرورة عقيدة تحريريّة بذاتها، فجميع العقائد قد تنحرف عن أهدافها ويشوبها الفساد، وتقوم بسفك الدماء، من الشيوعيّة والليبراليّة والقوميّة وكل ديانة من الديانات الكبرى، وحتى العلمانيّة. فلا أحد يحتكر التطرّف، وبالعكس، لا أحد يحتكر النزعة الانسانيّة.” كلام جميل, أليس كذلك؟. ستجيب: نعم إن كنت صايعًا مثلي، وستتردد إن كنت شيوعيًا أو ليبراليًا أو قوميًا أو منتميًا بحق إلى واحدة من الديانات الكبرى. ستبدأ في الحديث إيّاه عن الفارق بين النظرية والتطبيق وأنّ الخلل في التطبيق لا يعيب النظريّة وما إلى هنالك من ذلك الهراء الذي يمكن به تبرير دفن الملايين في سيبيريا أو البحث عن ديكتاتوريّة لطبقة بعينها أو حبس الآلاف في السجون المصريّة أو منع إرتداء الحجاب أو تجريم المثليّة أو الفرحة باعتناق ملكة جمال جنوب افريقيا السّابقة الديانة الاسلامية في غزّة، والمطالبة بإقامة الحد على أيّ مسلم يحاول أن “يرتد”. يبدو لي الخيار واضحًا إذًا: إمّا أن تكون صايعًا، أو مبعبصًا.

كتاب “المجتمع المفتوح وأعداؤه – أحاجي أفلاطون” الذي ألّفه كارل بوبر وترجمه السيّد نفادي يمثّل فيما يمثله دفعة صميميّة نحو الصياعة. يبدأ الكاتب في أوّل سطر بالتشديد على التخلّص من كل شحوم السكون والتلقين والتعليم النظامي. تكاد تسمع صدى يشبه صوت مظفر النواب وهو يقول: ستقولون بذيئًا. لكن كارل بوبر لا يطلب أن نريه واقعًا أكثر بذاءةً مما نحن فيه في معرض تبرير تلك الهجوميّة، يمسك بأيدينا لنحتسي معه بعض البيرة ونبدأ النقاش حول الطريقة الأمثل للاصلاح، وللاقتناع بأنّ “المستقبل يعتمد علينا، ولسنا معتمدين على أيّة ضرورة تاريخيّة”. ألا تُشعرنا هكذا جملة بالخفّة؟ ألا تبدأ أطراف الاصابع بالتلوّي في أورجازم فكري فشيخ؟. إنّه إله آخر يتصدّع، إله التّاريخ. ومن بين الثقوب في صرحه النحاسي يبدأ الهواء النقيّ بمداعبة الرئة.

“أنا فهمتكم”، يقول كارل بوبر لأفلاطون وجماعته، وهيغل وجماعته، وماركس وجماعته. أنتم أيضًا أدركتم خراء العالم ورغبتم بشيء أفضل، لكنكم فشختونا في الطريق. الحضارة مؤلمة، هذا النمط السّريع الذي ينقده كونديرا في “البطء” أفقد الأشياء نكتهما. الاستهلاك جعلنا نضيّع روحنا كما نضيع قلادة المفاتيح. “التاريخانيّة” إذاً، كما يعرّفها بوبر، هي ذلك المنهج الذي يعتقد بأن الميل العلمي والفلسفي الحقّ تجاه علم السياسة، والفهم الأعمق للحياة الاجتماعيّة بصفة عامة، ينبغي أن يعتمدا على تأمّل وتفسير التاريخ الانساني. يقسّمها بوبر إلى يمينيّة ويساريّة تشترك كلاهما في كونها تملك شيئًا مخلّصًا ومطلقًا. العرق في الأولى، والطبقة في الثانية. يفسّر نشأتها عبر “أبوها” أفلاطون بعدما اكتشف هيراقليطس فكرة اللاثبات وقال أن “كل شيء في تغيّر متواصل ولا شيء ثابت”. جاءت التاريخانيّة لحل إشكال ذلك التغيّر، والبحث عن النموذج الأوّل بالعودة للمجتمع القبلي، وما قبل القبلي، مجتمع السكون. مجتمع لو وضعت فيه بوكسرك على المكتب، فستعود بعد 100 عام لتجده لا زال مكانه على المكتب.

ومن أجل تمرير تلك التاريخانيّة، الدم الذي يسري في عروق المجتمع المغلق، يبتدع أفلاطون نظريّة الصور والمُثل، ويؤسس لعلم الاجتماع الوصفي. كل تغير اجتماعي تفسّخ، الفرديّة شر كبير والدولة هي كل شيء. عليك أن تكون تعيسًا حتى تسعد الكل، ضحّي من أجل الشيء الأكبر، انغمس حتى تصرّح بمل الفم أنك، أنت أيضًا، “تحب الأخ الأكبر”. ألا يذكّر ذلك بشعارات “مصر أولاً، الأردن أولاً، بطيخ أولاً؟” التي لا يجرؤ أحد على انتقادها في الحيّز العام؟، ألا يشبه ذلك الدعوات إلى تحمّل تعدي حكومة حماس على الحريّات الشخصيّة في غزة بحجة أنها حركة مقاومة وأننا نملك قضيّة كبرى؟ أليس ذلك مشابهًا لمقولة لينين “من أجل صنع العجّة، عليك أن تفقش بعض البيض”؟ الاجابة: بلي. إنّه تناسخ متشابه حد القماءة. أفواه كبيرة وكلام حنيّن، وصوت فرم أجساد بشريّة وفقش بيض يطغى في الخلفيّة.

: (

: (

يستلم كارل بوبر أفلاطون، الفيلسوف المقدّس، كما يستلم زوج عربيّ زوجته التي عادت إلى البيت متأخرًا. يفنّد أفكار الصدق، والحكمة، والجمال، والخير، والعدالة عند أفلاطون بإسهاب وموضوعيّة. عدالة أفلاطون هي أن يظل كلٌ في مكانه، وأن تستمرّ الدولة. الجمال عند أفلاطون هو ناتج “أكيد” لدولة يذوب فيها الكل، ويحكمها الملك-الفيلسوف. وفي حين حلّ ماركس مشكلة الصراع الطبقي بدعوته لإقامة مجتمع لا طبقي، كان أفلاطون أكثر براجماتيّة فأكّد أن الحل، كما العادة، في الثبات: أن نفصل بمسافات شاسعة بين الطبقات، وأن نمدّ كل أفراد هذه الطبقات بالوعي اللازم كي تظلّ في مكانها، كي تدرك أنها يد لا يمكن أبدًا ان تتحوّل إلى رجل، أو قضيب لا يمكنه إدّعاء مرتبة الأمعاء. أفلاطون، وماركس، وحتى آدم سميث، وورثتهم، لم يطبّقوا مقولة كانط “تحقق دائمًا من أفراد الانسان هم غايات، ولا تستخدمهم كمجرّد وسائل لغاياتك”. دفاعهم جاهز بالطبع، كلهم أرادوا سعادة الانسان، أرادوا مجتمعًا أفضل، وانتهى بهم الأمر لخلق، أو إعادة خلق المجتمع المغلق.

في الكتاب، يتطرق بوبر إلى مسائل راهنة في واقعنا العربي اليوم، سيّما بعد انتفاضات تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن وسوريا (ولسا)، رغم أن الكتاب نشر قبل عقود طويلة. من يجب أن يحكم، ما طبيعة هذا الحكم، السياسة الاجتماعيّة للدولة، ومسألة الحريّات: هل هي مطلقة؟ محددة؟, وإن كانت محددة، فما هي الكميّة الدقيقة من الرقابة التي إن زادت تحوّلت إلى فاشيّة؟. يبذل بوبر جهدًا لمّاعًا في الحفر بحثًا عن مقاربة منطقيّة لتلك الاشكالات، وأظنّه في غير مرّة ينجح.  يقول مثلاً في صفحة 114، عن إشكاليّة الحريّة ومحدداتها: قيل إنّه بمجرد الاعتراف بضرورة تحديد الحريّة، فإنّ مبدأ الحرية بالكامل ينهار، والسؤال عن ماهيّة التحديدات الضروريّة وماهية الأشياء المطلقة لا يمكن أن يقرر بطريقة عقلانيّة، وإنما فقط من خلال السلطة. ولكن هذا الاعتراض به بعض التشويش، فهو يختلط بين المسألة الأساسيّة لما نريده من الدولة وبين صعوبات فنيّة هامة معينة في وسيلة تحقيق أهدافنا، فمن الصعب بالتأكيد أن نحدد بالضبط درجةالحريّة التي يمكن أن تُترك للمواطنين دون تعريض تلك الحريّة – التي تعد حمايتها من مهمات الدولة – للخطر. ولكن التجربة تدل على أنّ شيئًا ما مثل هذا التحقيق التقريبي لهذه الدرجة ممكن. وذلك من خلال وجود دول ديمقراطيّة. يمكن الرد على الاعتراض الكلّي بأنه من الصعب معرفة أين تنتهي الحريّة وتبدأ الجريمة بالقصة الشهيرة للفتوّة  الذي كان يحتجّ أنه، لكونه مواطن حر، فيمكنه أن يسدد قبضته في أيّ اتجاه يشاء. وكان الرد الحكيم للقاضي: إن حريّة تسديد قبضتك محددة بموضع أنف جارك.

الحل؟. لن يكون هذا الطرح مختلفًا لو أنّه وفّر حلاً سحريًا، أو مقولات يكتبها الشباب المتحمّس على صفحات الفيس بوك. الحل في أنّ ليس ثمة حل أكيد. الحل هو التجربة والخطأ. هو البدء في طرح أسئلة حول المطلوب من الدولة، لا حول شكلها، هو اعتبار كل فرد في هذه الدولة فردًا خاصًا وسعادته أهمّ من ميزانية القوات المسلّحة و السياسة الخارجيّة. الحل هو البحث عن الحل، كما شرح عبد الرحمن منيف في كتابه “الديمقراطية أولاً، الديمقراطيّة دائمًا”، وكما بيّن نصر حامد ابو زيد في مجمل فكره، وكما قال بوبر في آخر الكتاب:

إذا رغبنا في أن نظلّ بشرًا، فليس أمامنا إلا طريقًا واحدًا، ألا وهو الطريق إلى المجتمع المفتوح. وتيعيّن علينا أن نثابر في المجهول، واللايقيني وغير الآمن مستعينين بما قد يخططه لنا العقل بقدر إمكاننا من أجل الأمان والحريّة معًا.

يمكن تحميل نسخة الكترونيّة من كتاب المجتمع المفتوح وأعداؤه هنا.

“اعتنوا بأنفسكم”، كما قال سقراط : )

معذّبو الأرض: أنا وأنت.

April 29, 2012

دعك من حقيقة أنّي طبعت هذا الكتاب الصّادر عام 1961م مرّتين على حساب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (كل لاجئي العالم يتبعون لوكالة اللاجئين إلا الفلسطينيين لهم وكالة مخصوص – ابسط يا عم)، ودعك من المعاتيه ذوي الملابس الأنيقة الذين يقولون بأن هذا العالم لا شرق ولا غرب فيه، وأنّ مفردة كـ”الاستعمار” ماتت وتعفّنت، دعك من كل شيء إلا الصوت داخل رأسك. لن أحاول أن أقدّم لك قراءة للكتاب، ولن أحاول إقناعك بما اقتنع به فرانز فانون، سأقتبس لك مقاطع من الكتاب وأقول لك ماذا شعرت أثناء قراءتي إيّاها؛ لتكتشف أنّك أنت وأنا لا زلنا، رغم الضحكات والرايات والأناشيد الوطنيّة والجيوش والمطارات والميادين والشركات العالميّة وكأس العالم وبرامج المسابقات، من معذّبي هذه الأرض. اكتشاف لا يراد منه أن “نصرخ” ولا أن نندب حظّنا العاثر, ولكن أن نتسلّح بالوعي الذي هو خطوة أولى على طريق فشخ هذا “العالم المضيّق، المزروع بكلّ أنواع المنع”.

يقول فرانز فانون في كتابه «معذبو الأرض»:

F.F

F.F

«إنّ أول شيء يتعلمه السكان الأصليون (أنا وأنت) هو أن يلزموا أماكنهم، ألا يتجاوزوا الحدود. لذلك كانت الأحلام التي يحلمها السكّان الأصليون أحلامًا عضليّة, أحلامَ فعل، أحلام هجوم وعدوان.» في الحقيقة, هذه الجملة استدعت دفقة ذكريات إلى رأسي, بعض تلك الذكريات مشترك وبعضها الآخر خاص. أوّلها، وأهمّها ربما، هو مشهد الفلسطينيين يقتحمون الحدود في أيّار العام الفائت, معظمهم ظلّ في مجدل شمس المحتلة في حين وصل حسن حجازي إلى يافا، إنّ عضلاته المتعطشة للركض بلا نهاية هزمت منظومة إسرائيل الأمنيّة، حسن حجازي، كما أنا وأنت، وكما فرانز فانون يجلم بأن “يركض، يتسلّق، يضحك، يجتاز نهرًا بقفزة”, يسافر إلى أي مكان يريد دون الحاجة لإعطاء مبررات صحيّة أو دبلوماسيّة, يفعل ذلك لأنّه -ببساطة- يريد أن يفعله.

«إنّ الانتصار الكبير الذي حققه الشعب الفيتنامي في ديان بيان فو لم يبق انتصارًا فيتناميًا فحسب، فمنذ شهر تمّوز من 1954 أصبحت المسألة التي تطرحها الشعوب المستعمَرة على نفسها هي المسألة التالية: (ماذا يجب أن نعمل حتى نحقق ديان بيان فو ثانية؟ كيف يجب أن نفعل حتى نحقق ديان بيان فو ثانية؟).» أنا لا أعرف كيف هي الأمور عندك, لكنني أعلم يقينًا أنّي سألت هذا السؤال مليون مرّة, ليس شرطًا أن يكون النموذج ديان بيان فو، في حالتي يغلب أن يكون جنوب لبنان. ماذا يجب أن نعمل حتى نحقق بنت جبيل ثانية؟.

 «إنّ قادة البلاد المتخلفة وطلاب البلاد المتخلفة هم من أحسن زبائن شركات الطيران. ان المسؤولين الافريقيين والآسيويين يستطيعون في شهر واحد أن يحضروا مؤتمرًا عن التخطيط الاشتراكي في موسكو، وعن محاسن الاقتصاد الحر في لندن أو في جامعة كولومبيا.» ذكّرني من فضلك – متى وإلى أين كانت رحلة الرئيس عباس الأخيرة؟ ماذا عن الرئيس اللبناني؟

 «إنّ الأحزاب السياسية الوطنيّة لا تلح أبدًا على ضرورة استعمال القوّة، لان هدفها ليس قلب النظام القائم واستئصاله من جذوره. ان هذه “الأحزاب السياسية” أحزاب مسالمة تنادي بالمشروعيّة وتناصر في حقيقة الأمر النظام .. الجديد، ولا تزيد على أن توجه إلى البرجوازيّة الاستعمارية هذا الطلب: أعطونا مزيدًا من السلطة.» طفل عمره 12 عامًا يقدر أنّ يقول لك بعد فقرة كهذه: آه, زي ما السلطة الفلسطينية بتعمل.

«بأي شيء تريدون أن تحاربوا المستعمرِين؟ بسكاكينكم؟ ببنادق الصيد التي عندكم؟.» كم مرّة سمعنا هذا السؤال من البرجوازية الفلسطينيّة وليبراليي العواطف وأعلى مستويات “القيادة” التي ما وصفت غير مرّة الصواريخ بأنها “عبثيّة” في حين كان “الكوادر” أكثر قربًا الى لغة الشارع فقالوا عنها: مواسير حديد فارغة. حتى أنّ البعض ينظّر اليوم – وهذا حقهم – لمقاومة سلميّة, أولئك لم يجدوا مكانًا للمفردة الأجمل في اللغة العربية “لا” إلا قبيل المفردة الأكثر الحاحًا “عنف”. يرد فرانز فانون على تلك الأسئلة الاستنكاريّة: «نابوليون، في حملة اسبانيا التي كانت حربًا استعماريّة تمامًا، أجبر على التقهقر رغم جيوشه التي بلغت أثناء هجمات الربيع من عام 1810 رقمًا هائلاً عو 400 ألف مقاتل. لقد اكتشف الاسبان الذين كان يحركهم ايمان لا يتزعزع، اكتشفوا تلك الطريقة في حرب العصابات التي كان المقاتلون الأمريكان قد جبروها قبل خمسة وعشرين عامًا في محاربة الجيوش الانجليزيّة.» نستطيع اليوم أن نضيف: في فيتنام، في كوبا، والجزائر وفي جنوب لبنان.

..

فرقة: la rumeur
nature morte – طبيعة ميتة

(الأغنية مستوحاة من الكتاب). 

الحارس في حقل الشّوفان.

October 2, 2011
J. D. Salinger

J. D. Salinger

من الطبيعي أن تكون هذه، بطابعها العدائي، واحدة من الصور القليلة المتوفّرة لابن الزانية سالنجر على شبكة الانترنت. شخص يكتب رواية مثل «الحارس في حقل الشّوفان», كيف ستُلتقط له صورة؟ متمددًا بالقرب من أحد شواطئ هاواي يتناول شرابه من جوزة هند؟ جالسًا في أحد المقاهي الثقافة في نيويورك؟ لا طبعًا. ستُلتقط صورته وهو يحاول أن يلعن شرف المصوّر الذي، كما كلّ المصورّين، يحاول حبسه في إطار إلى آخر أيام الوجود على سطح هذا الكوكب البائس. حُبس في الإطار نعم، لكنّه حبس بعيدًا عن الماكياج والكلام الرث، حبس حقيقيًّا وحرًّا.

سالنجر، الروائيّ الأميركي الذي فارق الحياة يوم السّابع والعشرين من يناير من العام الفائت, لايملك في رصيده من الأعمال المنشورة سوى بضعة قصص قصيرة نشرت أغلبها في «النيويوركر»، روايات أخرى قليلة لا أعرف عنها شيئًا لعدم ترجمتها إلى العربيّة، ورواية لا أبالغ حين أقول أنها هزّت العالم، وهزّته شخصيًا، فانزوى بعد نشره إيّاها واشترى عام 1953 بيتا في منطقة كورنيش، في نيو هامبشاير، واختار العيش في عزلة، ولم يتعامل مع أي كائن بشري يملك قضيبًا، وحدهن النساء كنّ يدخلن حياته ويخرجن منها الواحدة تلو الأخرى. الحارس في حقل الشّوفان، المنشورة له عام 1951، بيع منها أكثر من 65 مليون نسخة، ولا تزال تحتفظ بمكانتها إلى لحظة كتابة هذه التدوينة اللعينة.

(more…)

وأعرّي شجر الزيتون*

August 12, 2011
فلسطين - 12 آب ذكرى تل الزعتر

فلسطين - 12 آب ذكرى تل الزعتر

آفة حارتنا النّسيان، يقول نجيب محفوظ.

والنسيان، كما أظنّه قصده، هو ذاك الذي يتسلل، لا الذي يتم إدخاله عمدًا، إلى بيوت الذاكرة. النسيان العادي، الناعم، الذي لا يملك أجندات خارجيّة. ومع ذلك فهو في رأي الراحل الأديب، ورأيي المتواضع، آفة ومصيبة سودة. فما بالكم بنسيان متعمّد، بمنظومة كاملة يُراد بها شطب الذاكرة وجعل النسيان إدمانًا وصلاةً تُقرّب المواظب عليها إلى قلب الحاكم وفردوس “الواقعية السياسية”، منظومة يأتيها الدعم من أقصى شمال أوروبا ومن بلاد النفط. تختلف العناوين والغرض واحد: النسيان المعتمّد وخلق جيل لا يملك مساحة في التّاريخ، ولا يجرؤ على أن يضع اصبعه في عين المستقبل، جيل لا يعلم أن الفارق بين البندقيّة والوردة فارق توقيت لا أكثر. بماذا يوصف ذاك النوع من النسيان الذي يراد لنا أن نمارسه؟ النسيان الذي سيعمينا عن بوستر كهذا طبع قبل حتى يفكر الهبيلة أبو مازن في كل هذه الدوشة إزاء ايلول ويزمّر له الحالمون بدولة جيب الكنغر. أعتقد أن بئرًا من الخراء ليترفّع ويرفض بكل قواه الخرائيّة أن يشبّه به، فهو نسيان الاتفاقيّات، والعناوين المبدّلة، والنصف موقف، والربع محاولة. ولذا؛ هذه محاولة صادقة للضغط في الإتجاه الآخر، في إتجاه الذاكرة، في إتجاه البعد عن الآفة، ونحو حارة أفضل.

.

(more…)

سلالم الشرق

January 21, 2011

Amin Maalouf

لقد شعرت بغضب حقيقيٍّ عندما قلبت الورقة فوجدت صفحةً خالية من نسق الكتابة الذي تعوّدت عليه، صفحة تكاد تكون نقيَّةً لولا وجود عنوان بريد إلكترونيٍّ كتبه على ما يبدو شخص ما وقعت الرواية بين يديه قبل أن تصل إلي. لم أغضب لأنّ خطّه البشع قد لوّث ظهر الصفحة الأخيرة، غضبت لأنها كانت الصفحة الأخيرة، أحسست بالمرارة، وكرهت شركة مايكروسوفت، وأقلام الحبر الزرقاء، حرّكت المنظار محاولاً الرؤية عن قرب، بحثت عن تتمة على الغلاف، أيعقل أن صفحةً سقطت سهوًا ؟ وتساءلت وان بصوت منخفض، أيكون من ناقض نفسه، وتوغّل بين السطور، ورسم صورًا، مجرّد عابر متطفّل ؟

(more…)


%d bloggers like this: