Posts Tagged ‘أوسلو’

أبو رمزي: أسطورة الحب والحرب .. والمتعة!

يوليو 14, 2012

قصّة قصيرة مهداة إلى صديق عزيز، وبعيد.

أبو رمزي رجل في الأربعينيات من عمره، يجيد التحدث منذ ولادته بسبع لغات، يكره الناس ويمقت الوحدة، وسيحتفل خلال فترة قصيرة بعيد ميلاه. جاء أبو رمزي إلى الحارة منذ زمن يقدّره المتعلمون بعشرات السنين، في حين يصرّ الطاعنون في السنّ أنّ أبا رمزي أقدم من الحارة، وأنّ الحارة انما نبتت حوله كما ينبث العشب حول نهر جارٍ. رمزي، ابنه البكر، قتلته اسرائيل وهو يلعب كرة القدم في زقاق ضيّق. لم يستطع أبو رمزي تجاوز ذلك، شعر بالحقد تجاه جيش الدفاع وتجاه الله، لماذا تمنحني إيّاه ما دمت ستأخذه أمام عينيّ؟ لماذا تصرّ على إظهار جبروتك عليّ أنا الكائن-النملة بهذه الطريقة الوحشيّة؟ كان دومًا يتمتم بتلك الأسئلة وهو يتنقّل في شوارع الحارة نصف سكران ونصف فيلسوف. كان عزاء أبو رمزي أنّ كل أطفال الحارة يعتبرونه في منزلة أبيهم، ولربما كان فعلاً أبًا لكثير منهم، وحدها الشياطين تعلم من ضاجع أبو رمزي من نساء الحارة ومن لم يضاجع.

على دربك أبو رمزي.

على دربك أبو رمزي.

عمل أبو رمزي في كل شيء. كان حدادًا، ونجارًا، وسبّاكًا، وطبّاخًا، ومختصًا في إقناع أي عائلة بتزويج ابنتها لأي شاب يرى فيه الجدعنة والعزم، ولكنه قبل كل شيء كان فدائيًا. لم ينتم إلى حزبٍ أو حركة سياسيّة ولم يكن يومًا جزءً من تيار فكري معيّن. الدرب الواصل من قعر المخيّم إلى قمّة العملية المقاوِمة كان دربًا يرسمه أبو رمزي لنفسه بيديه العاريتين، يحفره بأظافره، ويمشيه بقدميه الثابتين ومن ثمّ يتركه مفتوحًا واضحًا لمن أراد السير على خطاه. لم يجهد عقله في البحث عن نظريّات كبيرة معقدة للتأكيد على وجوب القتال، كان الأمر واضحًا في رأسه المغطّى بالشعر الأسود الممزوج بالأبيض: إسرائيل قتلت ابني ونكّدت عليّ عيشتي. الله لا يريحني إن بريّحها!

أثناء عمله الفدائي، لم يكن أبا رمزي ليدّخر أي جهد في البحث عن المتعة. كان يقاوم مبتسمًا، ويعود ليقصّ على أهل الحارة المجتمعين حوله عند ترنس الكهرباء ما يبهجهم ويشرح أساريرهم. حكى بصوته الرخيم الواثق كيف كان يسطو على شحنات البيرة التي ترسل للكتائب الصهيونيّة المرابطة على الحدود. وكيف كان يسير مرّةً قرب بيت العرابيد في المخيّم عندما وجد جيبًا عسكريًا إسرائيليًا يحوم حوله. إتّخذ أبو رمزي وضعيّة دفاعيّة وامتشق “الكارلو” وبدأ يطلق النار على الجيب. في أقلّ من ثلاث دقائق كان الجنود الأربعة بين قتيل وجريح. فتح أبو رمزي باب الجيب العسكري فتدحرجت الجثة من مقعد السائق إلى الأرض. نظر الجندي الجريح بعينيه الزرقاوين إلى سواد مقلتي أبا رمزي وقال: بتقتلني يبو رمزي؟. فردّ عليه: آه بقتلك!، فمات الجنديّ من هول الصّدمة. لقد قتلته بإصراري قبل بندقيّتي، ذلك العرص المسلّح. قال أبو رمزي وهو يضحك والجمع يضحك معه.

لا تستغرب إن أخبرتك أنّ هذا الرجل الذي كان يمكنه رفع عربة رينو 504 بيد واحدة، كان يتكوّر على نفسه باكيًا إذ رأى قرنفلة أو زهرة حنّون وقد نمت على القارعة. الطبيعة والمرأة كانتا التوليفة التي تحوّل أبا رمزي من فدائيّ عنيد إلى طفل في الخامسة من عمره. أخبرني أحدهم مرّة أنّ أبا رمزي كان معجبًا بفتاة في الحارة المجاورة، وقد علم من مصادره (وما أكثرها) أنّ تلك الفتاة تعشق الفراولة؛ فذهب بنفسه إلى بيت لاهيا وقطف لها سلّتين كبيرتين (لك أن تتخيّل المخاطرة-أولئك الفلاحون في بيت لاهيا مستعدون لقتلك إن سرقت منهم حبة فراولة واحدة). عاد أبو رمزي بالسلّتين ووضعهما ليلاً على شرفتها بعد أن وصل إليها بقفزة واحدة. في صباح اليوم التالي، استيقظت الفتاة وخرجت لتحظى بقسط معقول من ضوء الشمس وهواء الوطن فوجدت السلّتين وعليهما ورقة مأخوذة من كرتونة سجائر مالبورو أحمر مكتوب عليها: “مع الحب .. أبو رمزي” فلم تستطع تمالك نفسها من الفرحة. انهارت ومال جسدها على السور الحديديّ فانتهى بها الأمر ملقاةً على الأرض تنزف من كل ثقب في جسدها.  , وصل الخبر إلى أبي رمزي فجاء راكضًا وأمسك بها، واضعًا رأسها على صدره. نظرت إليه وقالت: بتحبني يبو رمزي؟ فأجاب وهو يغرس يديه في شعرها: آه بحبك! .. فماتت من الصدمة.

ما بين العمل الفدائيّ، وأسر قلوب العذارى (والمتزوجات)، واللعب مع الأطفال، وقراءة الكتب، ورسم السكيتشات، والعزف على النّاي، كان يقضي أبو رمزي أوقاته في المخيّم وما حوله، هكذا إلى أن وقّعوا أوسلو. لم يذكر في التاريخ الفلسطيني المعاصر أن أحدًا سبّ الدين والرب بالطريقة والكميّة التي سبّ بها أبو رمزي دين ورب القيادة. كاد قلبه يتشظى إلى ألف قطعة، لكنّ شيئًا ما أنقذه، لعلّه الأمل؟. قضى أبو رمزي أعوامًا طويلة يحاول إقناع الجميع بأنّ هذا خراء، مهما أعطتنا فرنسا من عطور، ومهما أمّدتنا أمريكا بالمال والكنتاكي، فسيظل هذا خراءً، ولكن أحدًا لم يقتنع. هكذا حتّى جاء فصيل آخر فانقلب على القيادة التي كانت قد اعتقلت أبا رمزي مرّات عديدة بعد أن فقدت الأمل في إمكانية رشوته بمنصب أو بزّة عسكريّة. استبشر أبو رمزي خيرًا لكنّ المودّة لم تستمر. تبيّن أن العهر عهر حتى وإن نمت له لحية. عاد أبو رمزي إلى السجن الذي غيّروا اسمه وما غيّروا غايته. دُقّ مسمار آخر في نعش مُتخيّل، وسُكب الملح على الجرح في قلب عاشق.

تغيّر أبو رمزي. أصبح يمشي ببطء ويعاني حين يبتسم. لن أتجرّأ على القول بأن شعلة الحياة في داخله قد انطفأت، لكنها خفتت، خفتت إلى حدٍّ بعيد. قال لي في مقهى رديء يقدّم قهوة مكذوبة: ما عدت أحتمل، حتى الكارلو عثروا عليه وصادروه. سأسافر، سأبتعد حتى أقترب، لا تناقشني، أخبر أهل المخيّم. ومن ثمّ رمى السيجارة في المنفضة وقام و قبلني بشفتين كان ملسهما على خدّي أشبه بقشر البرتقال. رحل أبو رمزي، لم يخبرني شيئًا عن وجهته ولا عن موعد العودة، لكنّ أحدًا جاء من بلد بعيد عبرها أبو رمزي وقصّ علي، وعلى الجمع حول ترنس الكهرباء، أنّ أبا رمزي قضى هناك عدة أيّام بين المقاهي والعمارات الطويلة على النهر العظيم، وتوجّه في آخر يوم إلى الميدان الأعظم، اشترى قطعة قماش رسم عليها مثلّت وثلاث مستطيلات، ثمّ اختفى!

الإنتفاضة: الشّعب الفلسطيني ما يموتش.

ديسمبر 9, 2011
في البدء كان الحجر.

في البدء كان الحجر.

أنا واحد من الذين ولدتهم أمّهاتهم أثناء حظر للتجوّل. أنتمي لجيل كان لا يزال يتعلّم كيف تنتصب القامة، ويكون المشي سليمًا لا ترنّح فيه، في الوقت الذي كانت فيه “القيادة” قد أتقنت فنون الزحف. ثلاثون شهرًا كان قد مضى على وجودي في هذا العالم عندما صافح ياسر عرفات إسحاق رابين معلنًا إنهاء الانتفاضة، ثلاثون شهرًا لم أكن أستطع خلالها أن أوزّع منشورًا، أو أن أكتب على حائط، أو أن أقذف جيبًا عسكريًا بالمولوتوف. كنت مشاركًا بصمت، كنت الخطة ب، أحد الذين لم يعايشوا الانتفاضة لكنّهم ما أن بلغوا سنّ الحنين الواعي حتى انكبوا على الكتب والملصقات، أصغوا بأذن شغوفة إلى مقابر الشهداء، سألوا البعيد قبل القريب، ودوّنوا ما حصّلوه من علوم ودموع في أقصى يسار الذاكرة، وهمسوا في أذن طموحهم: كلُّه سيلزم. اليوم، في الذكرى الرابعة والعشرين لانتفاضة الحجر، لا زال ذلك الكلُّ يلزم، ولا زال ذلك الكلُّ عصريًا ومعاصرًا، بل وربّما كان مُلحًا.

كيف لا يكون مُلحًا اليوم، وعشرات المنظمات والهيئات وأشباه المثقفين يزرعون في حقل الوعي الفلسطيني سمومًا على سبيل “بدنا نعيش”، أن نستحضر قول طفل في الخامسة عشرة من عمره، من مخيّم الدهيشة في بيت لحم، حين قال: “ما دام هنالك احتلال فنحن لا نملك حياة خاصّة”. إن هذه الجملة، على بساطتها، لموغلة في فهم الاحتلال ومعناه، ولقادرة لوحدها،بمفرداتها البسيطة، على أن تهدم كلّ ما بنوه من مجمعات تجاريّة تبيع النّاس اغترابًا، وصروح ثقافيّة شعارها الأوحد تشويه الثقافة.

(more…)

رسالة صادقة إلى الوطن البذيء.

سبتمبر 22, 2011

كان متعبًا من الدّاخل، رأيت فيه، في صدره الهائج، كلّ الأحياء الذين قتلهم مواطنو هذا الوطن الجميل.

كنا قد عدنا من جلسة مطوّلة في أحد مقاهي القاهرة، شربت أنا فيها باسراف في حين لم يطلب هو إلا القهوة. وحده الشيطان يعلم ما هي الأفكار التي كانت تموج في عقله. بدت عيناه لي أكثر اتّساعًا، ربما استرجع كلّ ما قلناه عن الوطن واحتاج أن يرى كلّ هذا القبح، أن يحلّق عاليًا، ويتبرّز من “فوق” على من هم “تحت”. هل كان يرجف؟ لا أعلم. هل ذرف دمعةً أو دمعتين؟ لم أركّز، طلب مني ورقةً وقلم بصوت هادئ، تمدد على السرير وكتب: (more…)

15 آذار، مرَّة أخرى.

مارس 14, 2011

قبل ثلاثة عقود من الآن، وفي مثل هذه الساعات من صباح الخامس عشر من آذار، كان وفدٌ من منظمة التحرير الفلسطينيّة يدق باب بيت سعيد المغربي في حيّ الطريق الجديدة في بيروت، حاملاً معه وصيَّة مكتوبةً باللون الأحمر، ووعودًا لا تُنكث، إن أخلف بها البعض، تلقفها البعض الآخر عازمًا على تحقيقها كاملةً كاستدارة بدر في منتصف سماء العاشقين. فُتح الباب وفُتح القلب، وقرأ سعيد المغربي وصيّة ابنته الشهيدة دلال، مسح ما تستطيع كفّه الوصول إليه من دموع، وترك الباقي منها يسقط بصمت في عيونٍ داخليّة. “لا تذرف دمعًا كثيرًا؛ فلقد صرت بنتًا للبلاد” بهذا ختمت دلال وصيّتها لأبيها، وكتبت في الباقي من الرسالة، بعبقرية فتاة من يافا، مولودة في صبرا، ما لا يمكن لنا أن نخونه، أو نلتفّ حوله؛ ذلك أنّ وصيّة الشهيد هي طلقته الأخيرة التي يسحبها من مخزن بندقيته، ليتركها لمن بعده، ومن يخون رصاصةً، ويطلقها في غير وجهتها، إنما يقتل نفسه، ويمثّل بجثث تدفن بدمها نقيّة .. لا تُغسّل.

أمّا الخامس عشر من يناير، والخامس والعشرون من نفس الشّهر، والسابع عشر من فبراير، فكلُّها تواريخ حديثة على الذاكرة الفلسطينيّة. لم يحدث أن جلسنا، نحن الفلسطينيّون، بجسدنا الثقيل المليء بالرضوض و الرصاص المستورد من أمريكا، على إختلاف مستورديه، بأحلامنا وقضيّتنا المليئة بالورد والأشواك، من يعيش منّا وراء الخطّ الأخضر، ومن يعيش أمامه، ومن يعيش في الشتات، وفي المنفى، وفي السجون، لم يحدث أن جلسنا جميعًا واتحدنا في شيء آخر غير الموت جماعاتٍ أمام الصّاروخ، اتحدنا أمام التلفاز!. نعم .. هذا على الشّاشة خطٌ أحمرُ عريض، وهذي مسيرة، لكنّ الذي يموت ليولد بشكل آخر، وعلى غير العادة، لا يتحدث لهجتنا، إنّه يتحدث نفس اللغة، لكنّ اللهجة مختلفة، هذا تونسي! هذا مصري! هذا ليبي!، أين الفلسطيني؟، إنّه يجلس على أريكته، محاطًا بزجاجات تقتبس الثمالة والأوجاعَ والنسيان والذاكرة، محاطًا بالسجائر المطفأة وأهازيج ظريف الطول، في غرفة علّق طمعًا في حبّ الله على جدرانها آياتٍ من القرآن وترتيلةً للقدّيس شربل وصورةً لأمّ المخلّص؛ جلس الفلسطينيّ ليتابع للمرّة الأولى قصفًا بالطائرات لا يعقبه قصيدة تقول جرّبناك، ولا إتصال من مراسل أو فتحٌ لمعبر رفح ولا – ويا أسف الآسفين في أقاويلٍ أخيرة – إشعالاً للشّموع في مكان ما مدوّر !

(more…)


%d مدونون معجبون بهذه: