Posts Tagged ‘التنميط’

معرض فلسطين للكتاب: كيف تضاجع نصرة لرسول الله.

أكتوبر 7, 2012

غزّة محاصرة على أكثر من مستوى. في المستوى الأوّل-السّهل تتجلّى مظاهر الحصار الجيوسياسيّة: المعابر، البضائع، الكهرباء، المحروقات وآليّات السفر. في مستوى أعمق، وأكثر صعوبة، يتلمّس الباحث ظواهر تقييد مغايرة؛ حصارًا “ناعمًا” يستهدف الأشياء النّاعمة. المخيّم الكبير، كما وصفها إدوارد سعيد، تعاني شحًّا حقيقيًا في الدهشة. الفلسطينيّون داخل غزة محاصرون لا في حركتهم فحسب، بل وفي رأسهم، قوى خارجيّة وداخليّة تستهدف تلك “السنتميترات الأخيرة الآمنة داخل الجمجمة”، في محاولة على ما يبدو لجعل المحاصرين نسخًا مهذّبة من قالب أصليّ واحد.

معرض فلسطين الدولي للكتاب الذي يفترض به، كأيّ معرض كتاب يحترم القرّاء، أن يفتح نافذة للثقافة وناسها على اختلافهم، جاء ليقوّي أساسات الجدران، ويؤكّد قدرة سلطة الأمر الواقع على التنميط. القائمون على المعرض الذي انطلق في غزّة مؤخرًا ويقام هذا العام تحت عنوان «إقرأ نصرة للنبي محمد عليه السلام»، في ردّة فعل على الفيلم المسيء الأخير، لم يتوانوا لحظة في قطع الشكّ باليقين؛ فالمعرض «من أجل فلسطين ونصرة للحبيب محمد صلى الله عليه وسلم»، وهو «جزء من معركة كسر الحصار الثقافي، ومن أجل بناء ثقافي وحضاري يسهم في الذود عن حياض مجدنا وتراثنا ويظهر وجه أمتنا الحقيقي والذي كان فيه الإسلام عنواناً للمجد والسلام». لا مجال للنقاش مع هكذا قواطع، لا مجال لإبداء الامتعارض أو انتقاد خشبيّة الخطاب، رفعت الأقلام وجفّت الصحف، ويبدو فعلاً أن المكتوب، هذه المرّة، بادٍ من عنوانه.

تشارك في المعرض أربعون دار نشر عربيّة، الأمر الذي يفقد بريقه الايجابيّ عندما يظهر أنّ السواد الأعظم من تلك الدور تدور في نفس الفلك. فما بين دار البراء، دار الدعوة، دار العلم والايمان، دار اليقين ودار إقرأ، سيتجوّل القارئ الغزّي باحثًا عن ضالته التي قد لا يجدها وسط كل تلك المتشابهات، إلا إذا كان قارئًا “على مقاس” المعرض. الفعاليّات المرافقة ليست أقل بؤسًا من المشهد العام؛ فما بين محاضرة “أولياء الله” ومحاضرة “عش عظيمًا” تبزغ محاضرة “الأسباب العشرة في غباء اليهود لاختيارهم فلسطين وطنًا قوميًا لهم” لتعطي قولاً فصلاً في العقليّة التي تحكم تلك الفعاليّة التي لاشكّ تحمّس كثيرون ظنًا منهم أنّها ثقافيّة بالمعنى الواسع للكلمة.

أثناء الإطلاع على أسماء المؤَّلفات التي ستعرض على مدار أيّام المعرض، تتجلّى المفارقة. المعرض الذي يرفع نصرة رسول الله عنوانًا له يعجُّ عن آخره بالكتب الرديئة المتعلقة بالتنمية البشريّة، وتلك الضاربة في الاستحمار بعناوينها التي تبدأ غالبًا بخانات رقميّة (25 خطأ في تربية الأولاد، 365 مقولة، 25 قصة نجاح ، 20 طريقة لسعادة الزوج، 20 طريقة لسعادة الزوجة) وطرحها الذي يحاول تقديم كتالوجات جاهزة للحياة البشريّة، والكتب المتعلقة بالجنس باعتباره نشاطًا جسديًا ميكانيكيًا تحت المظلّة الشرعيّة. 100 سؤال في الجنس، أسس ومبادئ التربية الجنسيّة في الاسلام، الأعشاب والجنس، ألف باء السعادة الزوجية، أصول المعاشرة الزوجية، الأسرار الخفية في الحياة الزوجية؛ رومانسيّات في عش الزوجيّة، كلها عناوين ستحتل موقعها على الرفوف في المعرض الذي سيستمر حتى الثالث عشر من أكتوبر. ربّما أرادت وزارة الثقافة أن تقول لفلسطينيي غزّة: انشغلوا بأنفسكم عنّا، وتضاجعوا بشكل أفضل، وانصروا رسول الله، وأتركوا لنا الباقي.


%d مدونون معجبون بهذه: