Posts Tagged ‘السلطة الفلسطينية’

مرئيّات البؤس في حضرة الحبر الأعظم

May 22, 2014

محمود عمر

نُشر هذا المقال في جريدة السّفير.

دأب أصحاب القضايا العادلة في مرحلة تاريخيّة سابقة على كشف المواضع التي تقاطع فيها نضالهم مع النضال الفلسطينيّ وتشابه معه. كان الفلسطينيّون في نضالهم ضدّ المنظومة الصهيونيّة مثلاً يحتذى ونموذجاً يملك مقوّمات وجوده المستقل والمتفاعل صحيًا مع نضالات الشعوب المُستعمرَة. أمّا معاناتهم فكانت معاناة قائمة في حدّ ذاتها؛ متحررة من هاجس المنافسة المرضيِّ على دموع العالم واهتمامه.

 لوحة شفاء الكسيح للإسباني موريّو (1670)

لوحة شفاء الكسيح للإسباني موريّو (1670)

نَسفت اتفاقية أوسلو هذه الحالة التقدميّة، وأدخلت الفلسطينيين في زقاق بالغ الضيق والقسوة. ومن هذا الزقاق، بدأت في تسعينيات القرن الماضي رحلة البحث عن النموذج والصور الشبيهة. التجأ البعض تحت وطأة انحسار هامش السياسة ومحاولات ضرب التربة الاجتماعيّة في الأرض المحتلّة إلى جبال الأوراس في الجزائر، قبل أن تطلّ جنوب أفريقيا برأسها في مرحلة متقدّمة وتفرض نفسها وخطاب “الفصل العنصريّ” على السّاحة.

بعد يوحنا بولس الثّاني وبيندكت السّادس عشر، يحلّ البابا فرانسيس الأول ضيفاً على “الأراضي المقدّسة” في زيارة تبدأ في صباح الرابع والعشرين من أيار، وتنتهي مع غياب شمس السّادس والعشرين من الشهر نفسه. سيهبط البابا في عمّان قبل أن تحمله، في اليوم التالي، طائرة مروحيّة أردنيّة إلى بيت لحم التي سيلتقي فيها محمود عبّاس ويزور مغارة الميلاد ويقضي بعض الوقت مع أطفال من مخيمات الدهيشة وعايدة للاجئين قبل أن يتوجّه إلى “إسرائيل”.

وقعت على عاتق اللجنة الرئاسيّة الفلسطينيّة لشؤون الكنائس مسؤولية الاستعداد لزيارة الحبر الأعظم. بدورها، أوعزت اللجنة إلى “المتحف الفلسطيني” (وهو قيد الإنشاء) بتصميم مرئيّات يتمازج فيها الوجع الفلسطيني الرّاهن مع لوحات مسيحيّة من القرون الغابرة. ستعلّق المرئيّات في ساحة المهد ومخيّم الدهيشة حتى يراها الضيف ويتأثّر بها قبل أن يكمل رحلته إلى مصنع إنتاج البؤس الفلسطينيّ في تل أبيب.

يقدّم العنوان المُختار لهذه المرئيّات، بالإضافة إلى ماهيّتها، أمثلة صارخة على عقليّة الزقاق ومحاولات إيجاد الحيّز في مسرح العالم والسرديّات الميثولوجيّة الغالبة فيه. “ضع إصبعك على الجرح وتأكّد من حقيقة وجودي”، بهذه الكلمات التي خاطب فيها المسيح توما المشكّك بقيامته، يخاطب الفلسطينيّون البابا فرانسيس الأوّل. يفترض القائمون على الفعاليّة بشكل شبه أوتوماتيكيّ أنّ البابا يشكك في الجرح الفلسطينيّ، ولهذا فهم يحاولون إقناعه.

لكنّ البابا لن يضع إصبعه من خلال المرئيّات على الجرح الفلسطينيّ، بل على الجرح الفلسطينيّ الملتبس بجروح زمن السيّد المسيح. سيرى الحبر الأعظم النصف السفليّ للوحة الرسّام الهولندي رامبرانت التي تظهر إبراهيم وهو على وشك التضحية بإسحاق، قبل أن تمتدّ يد ابراهيم خارج اللوحة لتصير يد جندي إسرائيليّ في الأرض المحتلّة. كما سيرى أيضاً النصف الأيسر للوحة الرسّام الاسباني موريّو التي تظهر شفاء المسيح لرجل كسيح، فيما سيحجز الجدار الأمني الذي أنشأته إسرائيل نصف اللوحة الأيمن.

ربّما، لو نُزعت هذه الأعمال من سياقها وتم النظر إليها باعتبارها منتجات مستقلّة، لوجب القول إنّ فيها من الإبداع والألمعيّة الشيء الكثير. لكنّ هذه المرئيّات في سياقها الذي أُنتجت فيه وفي ظلّ العلاقة التي تربطها بمشروع الحكم الذاتيّ الفلسطينيّ لا يمكن أن توصف إلا بأنها إبداعات بائسة يشوبها الخجل والتسوّل العاطفي، تماماً مثلما كان الحال مع الصور التي انتشرت في مرحلة سابقة ومزجت بين مشاهد راهنة في الضفة الغربيّة، وأخرى من الهجمات النازية على يهود أوروبا.

لا يحتاج الفلسطينيّ أن “يقنع” أحداً غير نفسه بجروحه وآلامه. كما لا يحتاج الفلسطيني، بالتأكيد، إلى دعم أولئك الذين يطلبون إثباتاً، صريحاً أو مستتراً، على أن شلال الدم ليس عصير طماطم. السيّد المسيح نفسه قال ذلك لتوما: “لأنك رأيتني بنفسك فقد آمنت. مباركون هم أولئك الذين لم يروا، ومع ذلك آمنوا”.

رسالة محمود عبّاس إلى نتنياهو – نسخة مقترحة.

April 6, 2012

عزيزي نتنياهو .. يلعن دينك!

نعم يلعن دينك, هل تظنني سأخاف؟، هل تعدّل نظارتك الفاخرة في هذه اللحظات لتتأكد مما هو مكتوب فعلاً؟، هل ترفع السماعة لتطلب حضور كل مترجمي إسرائيل؟ هه!, أشفق عليك. غسان كنفاني الذي اغتاله موسادك كان قد افتتح بتلك الكلمات رسالة عشقيّة، وها أنا أفتتح بها خطابي إليك. غسّان الذي حاولتُ شطبه وكلَّ ما يمثله من التاريخ والجغرافيا كان غاضبًا من فرط الغيرة, وأنا غاضب من فرط الضجر. عزيزي نتنياهو, لقد اكتشفت أنني لا أملك شيئًا كي أخسره.

اسمعني جيّدًا ففي رسالتي هذه “سأجيب من الآخر” -كما نقول نحن الفلسطينيّون- وسأعكف بعد أن أتاكد من أن الرسالة قد وصلتك على أن أجيب آخرك. عشرون عامًا مرّت منذ وقّعت (أشعر بالعبث حين أتذكر تلك اللحظة) اتفاق اعلان المبادئ في حديقة البيت الأبيض اللعين أنا ورئيسك شيمون بيريز بحضور رابين وعرفات, عشرون عامًا بكل ما فيها من تفاصيل مرّت عليّ وأنا أعاند وأناطح وأنظّر وأصر وتأخذني العزّة بالاثم, عشرون عامًا وأنا أقاوم .. أقاوم فطرة المقاومة. يطلب صحفيُّ مقابلتي فأرتدي وجهي الدبلوماسي وبدلتي الأجنبيّة, أجلس قبالته وأدلق الديباجة إيّاها: المفاوضات هي الحل الوحيد, إسرائيل جارتنا، نريد أن نعيش بسلام. ينتهي اللقاء فأحلّ قليلاً ربطة عنقي لأتنفس يا نتنياهو, كم هو خانق أن تكذب على الهواء!

فعلت كلّ شيء وأنت تعلم ذلك. لم أفوّت مؤتمرًا, لم أتكاسل عن جولة مفاوضات (على اختلاف انواعها) منذ عقود، في 2003 ناطحت حتى شيخ القبيلة واستقلت من منصبي كرئيس للوزراء, طلبت في جلسة سريّة من قيادات عسكريّة أن يطلقوا النار على كل من يرونه يحاول اطلاق الصواريخ عليكم, وفّرت للجنرال دايتون كل الوسائل والدعم والتسهيلات اللازمة لعمله, وقد اعترف الرجل بذلك حين قال: “الذي حققناه وأقول هذا تواضعاً ، هو اننا صنعنا رجالاً جدداً”، التنسيق الأمني بين جماعتي وبينكم أكثر حميمّية من حديث رجل وزوجه آخر الليل، حصار غزّة أجوّده معكم، عشرة مليارات دولار سهّلت سكبها على الفلسطينيين كدعم أجنبي، تركت فياض يرتع في الضفّة الغربية بنظرياته النيوليبرالية حتى بلغ ما اقترضه سكان رام الله من البنوك في عهده فقط ثلاثة مليارات دولار, باختصار يا نتنياهو .. لقد أفنيت حياتي في المفاوضات وفي التنازل علشان خاطركم .. وعلى ماذا حصلت في المقابل؟

لاشيء هو ما حصلت عليه يا نتنياهو الشوم. لاشيء من الوطن, لاشيء من الدولة, لاشيء من السيادة, لاشيء من الكرامة, ولاشيء من الحريّة. أربعون مرّة تضاعف الاستيطان في آخر ثلاث سنوات، الشياطين تعلم كم مرّة تضاعف عدد الأسرى والجرحى والشهداء. أذهب للامم المتحدة ومعي فرقة أكبر من فرقة حسب الله في خطوة غرضها انقاذ بقايا البقايا لأجد مديرك اوباما والفيتو الخاص به في انتظاري، لا بل أن الخراء وصل إلى حد أن تصريح تنقلي نشر على الفيس بوك، وخمّن ماذا؟ لقد ضقت ذرعًا بذلك كله, أنا رجل كبير وقد تعبت، وهذا المشروع كله لا جدوى منه, لقد غزاني الملل, الملل الذي يوصفه كيركجارد بقوله: إنه مرعب إلى حد لا يمكنني عنده أن أصفه إلا بالقول إنه مرعب إلى درجة مملة.

ملاحظة: إيّاك أن تفكر بالرد على هذه الرسالة.

مرفق قرار حل السلطة الوطنية الفلسطينية.

عن أيلول ابن الوسخة!

September 12, 2011
هذه التدوينة مكتوبة بحروف غاضبة، وقلم مقهور، ولسان بذيء، ولذا ..
وجب التنبيه، والتشهير.

صبرا .. صبرًا. - 17 أيلول.

«ذقنا من أيلول، ورأينا منه، ما يكفينا لنُدفع بقهرنا ورفضنا إلى كتب الميثولوجيا لنجد أنّ “أيلول” كلمة بابليّة، يقابلها في العربيّة “ول” – أيّ الصراخ والعويل- حيث يقام فيه، في أيلول، النواحُ على فجيعة الإله تمّوز، مخزن التراجيديا والاضطهاد في الحضارة البابليّة. الإله الذي عذبته شياطين الجلا، ونزلت به إلى جحيم الموت، فراح يستجدي كلّ من هبّ ودبّ من الإلهة، بحثًا عن النجاة. ولكن، لا رحمةَ في أيلول، لا فائض من الهواء الرطب، ولا مساحة إلّا لاستدعاء التاريخ شاهدًا ومبررًا كلّ هذي الرداءة .»

الجزء المقتبس في الأعلى يمثّل مستهل مقال كتبته سابقًا عن “استحقاق أيلول”. مقال استعنت فيه بالتاريخ والجغرافيا والقانون والعقل؛ لأقول رأيي بهدوء، وأحاول صدّ هجمات خراء أيلول الآتية من كل حدب وصوب. ولكن المقال لم يقل كلّ شيء، ليس بالطريقة التي يموج فيها كلّ شيء في صدري. ولذا فما أكتبه الآن ليس مقالاً، إنّه هلوسة، صراخ، استفراغ، تبوّل على طاولة المثقفين والمتناقشين والعقلانيين والمؤدبين والجبناء.

فليذهب الى الجحيم كل الحديث، والحديث المتبادل، عن أيلول. فليذهب أيلول شخصيًا الى الجحيم، هو و كل مناقشاته ومناظراته وفتاويه. لا أحاول أن أقنع احدًا ولا أريد أن يقنعني أحد، جلُّ ما أريده أن أترك وحيدًا، وبسلام، في صومعتي، مؤمنًا بكل قناعاتي اللاواقعيّة، ورجعيًّا متخلّفًا يحلم بالمتاريس، ولا يحلم بفلسطين كاملةً، لأنه يراها ماثلةً أمامه في كلّ مكان، في لهجة صديقة من باقة، في قصيدة صديق من غزّة، في رائحة زعتر القدس، وفي ناجية من صبرا وشاتيلا، صبرا التي تدقّ أبوابنا وتأتينا اليوم ونحن يراد لنا لا أن ننساها فحسب، بل أن نعتذر لإسرائيل عنها إن أمكن!

لا أحلم بفلسطين كاملةً .. لا، بل ألهو معها يوميًا ونتخاصم وأتودد إليها مرّة تلو مرّة لتعيد ضمّي، بمدنها جميعًا، وقراها جميعًا، وخربها جميعًا، إلى صدرها. اتركوني وشاني يا أخي! اتركوا موروثي، تبادلوا قصف النظريات والتوجهات والتبريرات والتمجيدات، ولكن لا تبنشوا قبورًا ملعون أبو أبو الي خلّفكم! لا تسرقوا شقائق النعمان من مقابر الشهداء لتزيّنوا مكاتبكم، ولا تفقعوا عيني يا عديمي الاحساس!

ولكن كيف؟ كيف يتركني المتسلّطون في السلطة وفي غيرها وهم قد أسروا مصير شعب بأكمله؟ كيف يُترك الزّاهدُ في ما جدّ من قوانين التحوّل والتلوّن والانبطاح ووضعيّات المضاجعة الدبلوماسيّة ليبقى هادئًا مع وطنه الجميل، وطنٌ لا طَعنة خنجر في ظهره، ولا يجلس على كرسيّ متحرك، ولا ينسى أسماء شهدائه ووصاياهم، كما هو الوطن عندهم. لا لن يتركوني، سيهجم نملهم الأبيض على كوخي النائي، وتنتشر نفاياتهم في كل متنزّه، وستصدر “فرقة العاشقين” التي بكيت ما بكيت وأنا أستمع لأغانيها، واتحسّر انني لم أكن في زمنها، ستصدر – كس أم أمها- أغنية “إعلنها يا شعبي إعلنها” في دعاية رخيصة لدولة أيلول ( التي نعلم مسبقًا أن هناك فيتو أميركي ضدّها ) لتجعلني أندم، لتحاول أن تجعلني أندم على كل لحظة خلوّ وصفاء قضيتها وأنا أستمع إليهم حين كانوا عاشقين!

بعد ترديد “أحا” مليون مرة، بعد قرفي المتعاظم، وبعد نجاة بكارة روحي -مجددًا- من ألف قضيب مسيّس يحاول فضّها، بعد ذلك كلّه، ماذا أفعل أنا؟. بسيطة، أرفع “وصيّة أم” لنفس الفرقة على يوتيوب، الأغنية التي تبدأ بتأكيد حق العودة إلى حيفا قبل ذكر الضفّة، وكيف أنه “رح ينعدل حجر الرحا المقلوب” وإنه “إيّاك يا ابني والنسيان بالنّار نرجع حقنا المسلب”.وأسأل حسين منذر، وفرقة العاشقين، وأسأل كل شخص لا يرى مثلي أن الوطن – لا الدولة – هو المكان الذي يرسمه ويبنيه الأحياء بناءً على وصف الشهداء له، أسألهم جميعًا، على كراسيهم وفي الكافتيريات والفضائيّات، أسأل أولئك “الآخرين”: كيف فعلتموها؟

يا ملعون كس أمكم على أم أيلول، كيف فعلتموها؟ كيف بلعتم هذه اللقمة النجسة بلا خمر وماء ؟ كيف تمكّنتم أن تستمنوا على مشهد إمرأة قصفتها إسرائيل وهي ترضع طفلها؟، قد أفهم – إذا ما أن توقف عن استخدام عقلي لبضع دقائق – كيف تقزّمت ثوابتكم عامًا بعد عام، وقد أفهم واقعيتكم السياسة، ولهاثكم، يا كلاب، وراء الدولة والمنصب والرّاحة، وقد افهم حتى قبولكم استحقاق أيلول، وقد أستوعب أنكم فهتم “حق اسرائيل في الحياة ” وكل نظريات “اللاعنف” فهمًا مغلوطًا وبذيئًا، وقد أتتبع عبر التّاريخ “وقع خطاكم” من ساحات الصّراع على الوجود بيننا وبين الصهيونيّة، إلى أزقّة التنسيق الأمني، لكن أن تشوّهوا الماضي أيضًا؟ تنبشوا القبور؟ تدخلوا على الناس في بيوتها مثلما دخلتم عليّ ؟ هل ستصدرون قريبًا روايةً لغسّان كنفاني يمدح فيها استحقاق أيلول وتقولون أنّه لم ينشرها لظروف إدراية، لكنها ظلّت على فلاشة صائب عريقات؟

كس أمكم، كيف؟ كيف تُبتم؟ مش إنتَ يا حسين يا منذر نفسك الي بتغنّي في وصيّة أم: ما نتوب عن تحرير هالأوطان .. أكبر ذنوب المرء إنه يتوب!


%d bloggers like this: