Posts Tagged ‘القاهرة’

سنة أولى لندن

أغسطس 26, 2014

سنة أولى لندن. سنة كاملة. كنت سأقول: فصولٌ أربعة لولا أنّ الفارق بين الفصول، في لندن، ليس جديًا بالمرّة. فالشتاء هنا هو «المعلّم»، والصيف والخريف والربيع صبيانه الذين يرسلهم في مهمّات سريعة حيث يحب، ويعيدهم إلى بيت طاعته متى يحب.

10654173_10202405813094557_632994189_nلم تكن الطائرة التي حملتني من القاهرة مشغولة بكاملها. أتذكر أنّني حظيت بثلاثة مقاعد فارغة لي وحدي ولتوقعاتي وخططي للمدينة الجديدة التي رأيت منها، أوّل ما رأيت، نثارًا ضوئيًا أصفر يشبه أضواء مستوطنة «دوغيت» التي كثيرًا ما تأملتها في سهرات لعب الشدّة على السطح.

التقطت صورًا للمشهد القابع تحت الطائرة. المشهد المتمدد كجثّة. التقطت صورًا كثيرة وما زلت أقلّبها كلّما عَنَّ على بالي أن أنقّب في هاتفي المحمول. أتأملها: بساط أسود كبير، ونقاط ضوئيّة صفراء لا نهائيّة. لم أتجرّأ بعدُ على حذف هذه الصور حتى عندما أكون في أمسّ الحاجة، على هاتفي المحمول، إلى مزيد من «الذاكرة». أحذف صورًا أخرى وأشخاصًا آخرين. فلقد كانت هذه، على الرّغم من كلّ شيء، المرة الأولى التي أركب فيها طائرة في حياتي.

كان صباحي اللندنيّ الأوّل أبيض. أبيض بحقّ. رطبًا ومثبّتًا إلى الأرض ويمكن، لتوقيته، إمساكه باليدين. مشينا، حمزة وأنا، إلى محطّة المترو. قلت له: دعني قليلاً، أريد أن أتأكد أنني لا أمشي في صفحات رواية. إلى هذا الحدّ كنت مأخوذًا، وبماذا؟ بشارع عاديّ في إيست آكتون، واحدة من أبسط مناطق لندن وأقلّها جذبًا للسيّاح.

كانت تلك الجملة بندًا على فاتورة شحّ منسوب الدهشة في حياتي التي دفعتُها، صاغرًا، في أكثر من مناسبة. فأنا، كأجيال بأكملها، كنت أعتبر الذهاب من مخيّم جباليا إلى مدينة غزّة «رحلة» يجب الاستعداد لها والتخطيط وارتداء أفضل الملابس لعلّ واحدة من «بنات غزّة» المتوهجّات كنجم بعيد لا يمكن لمسه تقع في حبّي، أنا إبن المخيّم، من النظرة الأولى. لقد خالط هذا النوع من البؤس القويّ كثيرًا من سنوات العمر. أشعر، عندما أفكّر في ذلك، بالفداحة والتسليم. هذا ما كان، ولن يتغيّر.

ضحك حمزة على جملتي. ولو كان العالم يستمع إليّ في حينها، لكان لزامًا عليه أن يضحك. تمامًا مثلما أضحك أنا اليوم عندما أفكّر في تعامليّ العادي مع الشوارع، وعندما أتذكر ما حملته معي، قبل عام، إلى لندن. كنت أعتقد أنني «نجوت» من القاهرة، وربّما أكون قد نجوت منها فعلاً، لكنني لم أنج منّي، ومن لندن. أفكّر، بعد سنة أولى لندن، أنّ هذه المدينة لو كان لها أن تقول لي شيئًا واحدًا فلابد له أن يكون شيئًا من قبيل: ليس كما كنت تتوقعّ، أليس كذلك؟ ستقول ذلك ونصف ابتسامة صفراء على وجهها.

لقد غيّرت هذه السنة كثيرًا من الأشياء في رأسي. عبثت به مثلما كان يعبث جارنا أبو أحمد بمحرّكات السيارات في ورشته المفتوحة على الدوام، يمدّ يده في جوفها وينحني عليها فيظهر خيط مؤخرته من فوق بنطلون الجينز. يفكّ، ويركّب، ويشحّم، ويقطع، ويوصل، وينادي على الشغّيل لتجهيز الشّاي.

تخلّيت عن أفكار كثيرة، وفتحت الباب لأفكار جديدة. أشرت بيدي لها كي تدخل، ودللتها على طريق الصّالة. رحّبت بها ووضعت ضيافتها كاملة على الطاولة لعلمي أنّها ستمكث كثيرا. خسرت أشخاصًا، وكسبت أشخاصًا آخرين. حدث ذلك فجأة، في غمضة عين كما يقولون. الطبيعيّ أن يتبدّل الناس في حياة المرء، لكن هذا التبدل يحدث، عادةً، بهدوء، وعلى فترات. لكنه حدث معي مُكثفًا، ودون سابق إنذار. وما زلت أحتفظ، وأنا أودّع السنة الأولى في لندن، بكثير من خيبات الأمل، والتحفّظات، والنقمة، والغضب، والاعتذارات، والهواجس، لكنني لا أبدو جديًا في محاولة تصريفها.

أراكمها مثلما كانت تفعل جدّتي مع كلّ شيء. تضعه في صناديق وبراميل وعلب وترميه تحت بيت الدرج: سكّر، زيت، مخللات، دقيق، نحاسيّات، ملابس، وكلّ ما يمكن للمرء أن يتخيّله. «كلّه بيلزم»؛ كانت جدّتي تقول. أقول لنفسي الشيء ذاته كلّما صدف وقمت بزيارة تفقديّة إلى بيت درج حياتي.

وفي السنة الأولى، مرّت علي أيّام وُضعِت فيها كلُّ مُركّبات هويتي في حالة استنفار؛ لغتي، فلسطينيتي، غزّاويتي، لكنني أحسب أنني استطعت عبور الجسر، بشكل أو بآخر. لم أعبره سريعًا، ولم أعبره بمهارة. عبرته وأنا أمسك بجانبيه؛ أتشبّث كي لا أقع. أمشي ببطء؛ خطوة خطوة، في الطريق إلى الجهة الأخرى. الجهة الأكثر نضجًا.

والنضج هذا، كما كان أبي يقول، مرهونٌ بالبهدلة. ولقد ثبت لي قوله أيّما إثبات. كلّما تبهدل المرء، وكلّما شحّت عليه الموارد؛ ماديّة كانت أم عاطفيّة، كلما أُضطر إلى أن ينضج ويبدّل جلده بجلد أقسى، ويتمهّل أكثر قبل إبداء رأيه حول أيّ مسألة، كبيرة كانت أم صغيرة. ومع أنني لم أكن أريد لسنتي الأولى في لندن أن تكون سنة نضج، بل سنة لعب ومشاكسة وراحة، إلّا أنها كانت كذلك.

وفي سنتي الأولى عرفتُ الغربة. هذه المفردة التي كانت غريبةً عليّ حتى بعد ثلاث سنوات قضيتها في القاهرة. ليس ثمّة في القاهرة غربة. القاهرة فيها ازدحام، وفشل، وفوضى، ونهر، وأصحاب، وأغانٍ، وإيقاع حياة سريع. لكن لم يكن فيها، على الأقلّ بالنسبة لي، غربة كالتي سمعت عنها، طفلاً، في أحاديث عائليّة تختصّ بمن سافر من الأخوال والأعمام.

في لندن عرفتُ الغربة. وقد استغرق تعارفنا، وموعدنا الأوّل، بضعة أشهر. لابدّ أننا شربنا، معًا، مئات الفناجين من القهوة. لم نتحدث كثيرًا. قضينا الوقت نتأمّل بعضنا. بدت لي الغربة، أوّل ما بدت، شبحًا. لم أصدّق أنها موجودة. هذه الفكرة الكلاسيكيّة التي أنفر منها مثلما أنفر من الأدب الرديء.

ثمّ كيف أشعر بالغربة؟ لقد تركت المنزل، وأسلوب الحياة الخاص به، منذ سنين طويلة. تركت كلام الناس وضرورة مراعاته، وأسعار السجائر وارتفاعها، وأسلاك الكهرباء وانقطاعها. تركت غابة الاسمنت. تركت الغرف الضيّقة، والفصل بين الجنسين، والحدود المغلقة، وحفظ القرآن الإجباريّ، وطائرة الاستطلاع، والتديّن الزائف، والمتع المخبّأة. تركت كلّ هذا وذهبت بعيدًا عنه، في رأسي، حتى صار مجرّد نقطة في أفق بعيد.

لكنني شعرت بالغربة. هكذا، بكلّ تفاهة. واكتشفت أنّ كلّ ما تركته، لم يتركني. يتعلّق بي مثلما يتعلّق طفل جائع بوالدته. يطاردني ويجعلني أفكّر أنني لا أريد أن أرى العالم بقدر ما أريد أن أريه لأولئك الذين أحب.

لكن الانغماس في القراءة والتعلّم مكنني من تحجيم الإحساس بالغربة. كان هذا أيضًا علامة فارقة في السّنة الأولى. أن أقرأ ما أحب، وأن أدرس ما أحب، وأن أضع قدمي، أخيرًا على مسار أستطيع أن أواجه نفسي وأقول: لقد اخترته أنا، ولم يولد معي. ومع أنني كنت أتمنّى أن لا يكون المسار بالشاكلّة التفصيليّة التي هو عليها، لكنني تيقّنت أن المرء لا يحصل أبدًا على ما يريده بالضّبط – لا في العلم، ولا في العاطفة.

وفي سنتي الأولى مرّ الوقت كرصاصة، وشاهدت الملايين تركب الميترو بخطوة واحدة، وتخرج منه بخطوة واحدة،. رقصت، في سنتي الأولى، ساعات طويلة في نادٍ من ثلاث طوابق، وشاهدت المسيح يصلب في ترافالغار سكوير، ومشيت في شارع عمره أكثر من خمسة قرون، وجلست على طرف آيرلندا لأشاهد اسكتلندا على الطرف الآخر. وفي سنتي الأولى زرت اسطنبول وعمّان، ووقفت لأتأمّل أحيانًا بعض لمحات الجمال الحقيقيّة، والنادرة، التي تقدّمها لندن عندما تقرر أن تتخلى قليلاً، لدقائق، عن طابعها الميكانيكيّ.

وفي سنتي الأولى شعرت أنني لم أفعل شيئًا، ولم أبارح مطرحي. وفي سنتي الأولى شعرت بالبرد، والحبّ، والوحدة، وتحسّنت تحسنًا هائلًا في صنع الشكشوكة. وفي سنتي الأولى صرت عدوًا أفضل لمن يستحقّ عدواتي، وتأكدت من جهلي البنّاء، ومن كرهي للمجوّفين. وشتمت نفسي، والآخرين.

وفي سنتي الأولى، تساءلت مرارًا، وأنا أتأمل نزول المطر –مثلما أتأمله الآن يموّج زجاج نافذتي- عن منبع رغبتي الدائمة بالهرب. كأن رغبتي بالهرب نهر النيل! منذ سنوات طويلة وهي تجري ولا تنضب، ولا تتوقّف، ولا تلين.

الحياة في زقاق آخر

مايو 28, 2014

لم يعد ثمّة مجالٌ للشّك. الأيّام التي أعيشها أيام سوداء بحقّ. أيّام بالغة الحلكة. فكّرت أن أشبهها بقرن الخرّوب وأقول “أيام سوداء كقرن الخرّوب” لتخرج جملتي أنيقة كمذيعة أخبار ومألوفة كرنّة الهاتف المحمول لكنني، بعد أن بحثت عن صورة له على جوجل، وجدت أن قرن الخرّوب ليس أسود بل يغلب عليه البنّي المحروق. كان غيرك أشطر يا قرن الخرّوب.

قبل خمسة أعوام، وفي مساء اليوم الثّالث من يناير، كتبت البوست الأوّل في هذه المدوّنة. كنت طالبًا في سنتي الأخيرة من الثانويّة العامّة وكانت الحياة بالنسبة لي أمرًا مبهمًا وفي غاية التضليل. كنت أريد أن أتخرّج بمعدّل مرتفع حتى أسافر وأبدأ في “عيش حياتي”. كَبُرت هذه الرغبة معي مذ كنت في الابتدائيّة. كنت أتأمل أولاد خالي كلّما عادوا من ألمانيا وأفكّر: إذا كانوا هم قادرين على فعلها، فلابد أنني أيضًا سأقدر!

Two figures , 1904 - Pablo Picasso

Two figures , 1904 – Pablo Picasso

سافرت. عانيت مع معبر رفح معاناة سببت لي رُهابًا حقيقيًا ما زال يلازمني، لكنني سافرت. كنت أتحدث على الهاتف مع ضابط في الأمن الوقائي في رام الله كي يساعدني بعد أن رفض المصريّون السماح لي بالدخول ستّة مرّات. نسيت تفاصيل الكيفيّة التي أوصلتني إلى هذا الضّابط. كنت أغرق في وحل غزّة وأبحث عن يد تمتد لي لتنقذني حتّى لو كانت يد الشيطان. إنّ هذه اللحظات التي نشعر فيها أننا لوحدنا تثبّت فينا، في نسيجنا، كثيرًا مما لن ننجح في التخلّص منه. 

قال لي: “أنا لا أستطيع أن أفعل لك شيئًا على الجهة الفلسطينيّة. اقطع من عند أولاد الشرموطة إلى جهة المصريين، وهناك سأخدمك”. كان يقصد بـ”أولاد الشرموطة” ضبّاط حماس الذين كان من بينهم أحد أقربائي. بعد انتهاء المكالمة مع ضابط رام الله، هاتفت الضابط الحمساويّ قريبي. قال لي: “أنا لا أستطيع أن أفعل لك شيئًا عند المصريين. سأخدمك وأوصلك إلى الصالة المصريّة، لكن هناك أنت وحظّك”. إلى هذا اليوم، أشعر أنه كان يريد أن يقول “المصريين أولاد الشرموطة” لكنّ تديّنه منعه. مسكين!

كانت القاهرة أولى المدن في حياتي. كبيرة وفوضويّة ومُتعبةً لكن فيها مسحة جمال لا يرد ولا يُقاوم. جمال العيش الطّاحن والمدى المفتوح والشّوارع التي لا تنام. جمال اللامبالاة التي لا تقدر عليها إلّا النساء الخبيرات اللاتي يعرفن أنّ الرجل موضوع مكرر. كانت تربطني بغزّة (ولا تزال) علاقة الندّ بالندّ. علاقة زوجيّة إن جاز التعبير. أمّا القاهرة فهي المرأة التي تتلقفك عندما تخرج من البيت بعد خناقة عنيفة مع المدام وقد عقدت العزم على أنّ تسكر حتى الصباح.

للشّاعرة الأمريكيّة مايا أنجيلو التي ماتت اليوم جملة في غاية الدقّة تقول: “ليس ثمّة عذابًا أكبر من عذاب أن تحمل في داخلك قصّة غير مرويّة”. تنهشك القصّة غير المرويّة من الداخل. تأكل كبدك ورئتيك. الشّاعرة التي كانت تعرف “لماذا يغرّد الطير المحبوس” كانت تعرف أيضًا هول فقدران القدرة على رواية قصّة وعلى امتلاك صوت متفرّد يخدش وطأة الصمت الرهيب.

تأكلني قصّتي غير المرويّة مع لندن. تتمشّى هواجسي الوطنيّة والشخصيّة في غرفتي الصغيرة وتبول وهي تضحك في أذني عندما أنام. وضميري، ابن الشّرموطة، يضع فوق صدري صخرة أكبر من تلك التي صلّيت تحتها عندما زرت القدس مع أمّي. أتحدّث من تحت الصّخرة إلى ضميري. أخاطب فيه ضميرَه. أترجّاه وأقول له “انت فاهم غلط” لكن كلماتي ترتد عليّ. أفنّد الأعداء واضحين ومجازيين فأجد في كلّ واحد منهم ما يجعله عدوًا نخب ثاني. عندما يكون عدوّك مجبولاً من طين البلد فمن واجبك أن تتمنّى له أن يكون عدوًا ممتازًا حتى يرفع الفائز فيكما على صورته في المرآة رأسَ البلد. 

أنا أفضل أعدائي. ومثلما يدور الحلّاق حول رأس الزبون، أدور حول حياتي. أنصب لنفسي كمائن طيّارة وألقي القبض عليّ. أتقلّب في سريري ساعات بكاملها وأنا أحاول أن أضع نفسي مكان الآخرين الذي قال عنهم سارتر إنّهم الجحيم. أتقمّص هذا الجحيم وأقدم على نقده. لا أفعل ذلك كي أطفئ ناره، بل كي أحسّن منها. أريد لنار محرقتي أن تكون نار جهنّم؛ وقودها النّاس والحجارة. لا أعرف من أين آتي بالحجارة، لكنني أعرف من أين آتي بالنّاس. أنا النّاس.

قبل يومين، وأنا أتصفح الانترنت هائمًا على وجهي، هاربًا من مقالات العلاقات الدوليّة واقتصاد القرن العشرين، عثرت على هذا الفيديو. إنّه مأخوذ من برنامج يقوم على ترجمة تغطيات وتقارير من الإعلام الإسرائيليّ. يختصّ هذا الفيديو بعملية “زقاق الموت” التي نفّذها ثلاثة استشهاديين من سرايا القدس في الخليل قبل أكثر من عشر سنوات. شاهدت الفيديو منذ تعثّرت به إلى لحظة كتابة هذه الكلمات أكثر من عشرين مرّة. في الأيّام السوداء التي أعيشها، كان “زقاق الموت” وحده مضيئًا ويبعث على الحبّ والطمأنينة.

“أول جندي مات. ثاني جندي مات. ثالث جندي مات. رابع جندي مات. خامس جندي مات. سادس جندي مات. سابع جندي مات. ثامن جندي. تاسع جندي مات.”

لا أعرف من أين تأتي الموسيقى المرافقة للصور في الفيديو. هل هي من القناة العاشرة الاسرائيليّة نفسها، أم من البرنامج العربي. لكنني أعرف ما تفعله هذه الموسيقى بي: تأخذني إلى شاطئ استوائيّ وتضيّفني واحدًا من تلك المشروبات التي يضعونها في جوز الهند. أتمدد على الشاطئ وعلى وجهي ابتسامة لها أول وما لها آخر وأدندن “كانوا ثلاثة حكاية يحكيها الوطن .. تيرارارا”.

لا أعرف اللحظة المحددة التي توقّف فيها الناس عن أن يقولوا لي “أنت تبدو أصغر بكثير من عمرك”، وصاروا يقولون عوضًا عن ذلك “22 سنة؟ شكلك كتير أكبر”. كما أنني لا أعرف اللحظة المحددة التي توقفت فيها عن أن أشعر أن مدوّنتي لي وصرت أشعر أنّها للآخرين. لماذا الكذب؟ أنا أشعر أن حياتي في كثير من جوانبها صارت للآخرين. أشعر أنّها صارت ميدانًا عامًا مزدحمًا، لكنّ زحام العابرين فيها عربًا وعجمًا “لا أحد”. 

لكنّ مدونتي، وإن كانت مكشوفة للآخرين، فهي لي. أفكّر في ذلك والكلمات تكاد تخرج من فمي “كالعاهرات يخرجن من مبغى يحترق”. الصخرة فوق صدري لي. قصتي غير المرويّة التي تنهشني من الداخل لي.  ماذا سأفعل بهذا كلّه الذي لي، لا أعرف. لكنني، بلا شك، سأجلس قدر استطاعتي في أكثر الاماكن أمنًا بالنسبة لي هذه اللحظة، سأجلس في “زقاق الموت” حيث الحياة الحقّة التي لا يملكها فينا أحد، سأشعل سيجارة وسأفكر مليًا في الموضوع.

لا تزد الطين بلّة. لا تشتر الوردة.

مايو 26, 2014

محمود عمر

بالإضافة إلى عربات الكستناء المشويّة والكعك المرشوش بالسمسم وأفوّاج السيّاح الهدّارة بمن فيها من عجائز يبحثن عن فرص ملائمة للموت، وشباب أقسم أن يعبر إلى تركيّا ويكيّف، وبائعات هوى، وجنود سابقين في جيش إسرائيل، ورجال أعمال صينيين، وتجار أقمشة سوريين، يمكنك أن تجد في شارع الاستقلال في قلب اسطنبول الكثير من بائعي الورد. يقف هؤلاء على مسافات من بعضهم البعض ويحملون في أيديهم بضاعتهم التي يلفُّونها بأشرطة من القماش الأبيض وترتسم على وجوههم ابتسامة في غاية البلاهة.

ومثلما تحتدّ عينا صّقر في رحلة صيد، تحتدّ أعين بائعي الورد بحثًا عن الطريدة. وطريدة هؤلاء ذات طابع مزدوج: شاب وفتاة يتأبطان بعضهما البعض، أو رجل وزوجته يتمشيان في دعة في هذا الشّارع التجاريّ العريق. بعد تحديده الهدف؛ يقترب بائع الورد وقد دفع بالابتسامة على وجهه إلى حدّها الأقصى، ويمدّ على زبونيه المُحتملين وردة حمراء يريد لها أن تُمثِّل أكثر مما هي عليه حقًا. أن تكون تتويجًا لشيء ما.

tumblr_n580gbLMwb1rouua1o10_1280أمّا على كوبري أكتوبر أو قصر النيل في القاهرة فجرت العادة أن يُستعاض عن وردة اسطنبول الحمراء بعقد صغير من الفلّ الأبيض. عالمنا هذا، في نهاية المطاف، مليء بالفروقات الثقافيّة التي تفرض نفسها حتّى على نوع النبات الملائم لعلاقة حب مُفترضة. في بعض المدن، لا يخضع النبات المعروض للبيع على حساب الحبّ للتغيير، بل للإلغاء التّام. في متنزّه الجنديّ المجهول في غزّة (وهذه نعتبرها مدينة على سبيل التقريب لا أكثر) يمكنك أن تجد الكثير من بائعي الشاي والقهوة، لكنك ستكون بلا شك في موقف نادر إذا ما اقترب منك أحدهم وأنت تسير إلى جوار صبيّة ما وعرض عليك –بدلاً من فنجان الشّاي أو القهوة- أن تشتري وردة!

في لحظة اتخاذه قرار البدء في معاملاته التجاريّة، يمزج بائع الورد في عقله بين أمرين. الأمر الاوّل ذو طابع ذاتي يتعلّق بشخصه وقدراته العقليّة. يفترض بائع الورد بأنّه قادر على كشف الحبّ والتعرّف عليه ويقرر بناءً على ذلك الشروع في مسيرة مهنية يرتبط الربح فيها ارتباطًا عضويًا باللعب على وتر خجل العاشق أمام معشوقه، أو خجل الزوج أمام زوجته. أمّا الاعتبار الثاني فهو متعلّقٌ بطبيعة الحبّ وتجلياته التي تكرر نفسها بإيقاع رتيب في الفضاء العام. في لندن مثلاً، وهنا يسمح الفضاء العام بما لا يسمح به في مدن كإسطنبول والقاهرة، فإنّ رؤية شاب وفتاة يتمددان على العشب وقد انكبّا على تقبيل ومداعبة تصبح بعد فترة معيّنة من الوقت جزءًا لا يتجزّأ من الحديقة العامّة تمامًا مثل المقاعد ونقاط المعلومات. 

يعني هذا أنّ بائع الورد، بعد افتراضه المبدئيّ بأنه يملك ما يؤهله كي يكون “كاسحة مشاعر بشريّة” فإنّه يسخّر كلّ إمكانات ذاكرته وحصيلة مشاهدته وما قرأ وسمع كي يستحضر ويكثّف الـ”داتا” التي ستساعده على إثبات فرضيّته ووضعها موضع التشغيل: إمساك الأيدي أثناء المشي؛ وضع اليد على الكتف أو حول الخصر، التشارك في كيس كستناء واحد، التقبيل بسبب وبدون سبب، النظرات الشبقة أو أن يقوم الرجل بإطعام المرأة بيديه؛ أو العكس.

ما لا يدركه بائع الورد –وهنا تبدأ مرحلة خلافنا الجذريّ معه– هو أنّ طبيعة المنتج الذي اختار تسويقه والفرضيّة التي اعتنقها (وهي، كما تقدّم الذكر، فرضيّة أنّه “كاسحة مشاعر بشريّة”) تدفع به لأن يكون مثل الغريب الذي دخل –بنيّة حسنة– مسجد القرية الوادع دون أن ينزع من رجليه حذاءه المتّسخ بالطين.

يمكن لنا أن نتفهم الفقر والعازة وضيق الحال، بل إنّ من واجنا الإنسانيّ أن نتفهم ذلك وأن نتمنّى التوفيق لكلّ صغار الكسبة الذين يركضون وراء لقمة العيش في شارع الاستقلال مثلما نتمنّى الدمار والخراب للماركات العالميّة الموجودة في نفس الشارع، لكن هذا لا يعني أن نتسامح، ولو كنّا نرزح تحت ضغط المظلوميّة الاجتماعيّة، مع فعل على درجة عالية من قلّة الذوق مثل دخول المسجد بالحذاء!

إذ أنّ بائع الورد، على عكس بائع الكستناء والكعك والشّاي والقهوة والمكسّرات، ما أن يطلّ برأسه حتى يهمّ بكسر ما لا يجب أن يُكسر أو أن يمسّ بسوء في زمن الاستهلاك والتكرار المقيت الذي نعيش فيه. والمقصود هنا هو الطابع الثنائيّ بالغ الخصوصيّة للعلاقة العاطفيّة، والذي يساعدنا –نحن المنخرطين فيها– على أن نقنع أنفسنا، زورًا وبهتانًا، بأن ما نعيشه من معترك عاطفيّ مليء بالقلق والعرق والتقلّبات ليس أمرًا قابلاً للكشف، هكذا، بسهولة، وبحدّ أدني من الجهد. نحن نعرف أنّ علاقتنا العاطفيّة موّال غناه قبلنا الملايين، وسيغنيه من بعدنا الملايين، لكننا لا نريد أن يخبرنا أحدٌ بذلك. 

أمّا بائع الورد فإنّه ما أن يمدّ يده كي يعرض على زبونيه البضاعة حتى ينتفي عنها غلاف الخصوصيّة الهش وتصير مكوّنة من ثلاث أفراد: الشّاب، الصبيّة، وبائع الورد. تحدث عملية الاختراق فجأة وبدون مقدمات ويصير بائع الورد، لدقيقة أو دقيقتين، جزءً من المشهد. ينام بين الحبيب والحبيبة في منتصف السرير ويتابع معهما فيلم السهرة ويبدي رأيه في العلاقة برمّتها. كأنّ به يقول “انا أعتقد أن علاقتنا (علاقتنا!) بحاجة لأن يشتري أحدكما للآخر وردة. هاك وردة”.

إنّ هذا الاقتحام في غاية الخطورة؛ لاسيّما أنّ أحد المحبوبين عادة ما يخضع –إمّا تحت تأثير الخجل من نظرات محبوبه، أو تحت وطأة إغراء اقتراف الابتذال– إلى شراء الوردة بالفعل، وبذلك تكون أركان المصيبة قد اكتملت. لا يساهم الحبيب إن هو اشتري الوردة في جعل ما يربط بينه وبين حبيبته يرتد ليحيل على ملايين قصص الحب المجترّة فحسب، بل إنّه يرد أيضًا على بائع الورد قائلاً: “نعم، أعتقد أنّك محق. هذه العلاقة بحاجة إلى وردة. هاك ثمنها”.

إنّ النصيحة الواجبة لكلّ بائعي الوردّ حول العالم هو أن يغيّروا مجال عملهم إلى منتجات أقلّ إثارة للاشمئزاز والمشاكل. الفستق المملّح مثلاً. أمّا النصيحة الواجبة لكلّ عشاق العالم فهي أن لا يزيدوا الطين بلّة. بكلمات أخرى، أن لا يشتروا الوردة.

ماذا عن ربيع فلسطين؟

أبريل 6, 2013

محمود عمر

*نُشر هذا المقال على جدليّة.

لو ألقينا نظرة فاحصة على كل موجات الاحتجاج الشعبي التي نشبت في فلسطين بعد الربيع العربي، فسنجد أنّ كلمة السر التي تصلح لها جميعًا هي الاحتواء. سواء كانت موجهة ضد إسرائيل والمفاوضات، أو سياسيات سلام فيّاض الاقتصاديّة، أو واقع الانقسام الذي يقترب من التجذّر، كلّ المحاولات لإلقاء حجر في الماء الراكد انتهى بها المطاف إلى أن ضمرت وتجوّفت وذهبت أدراج الرياح. أثبتت المعادلات الأمنيّة التي أرستها اسرائيل سواء بطريقة مباشرة (الضفّة) أم غير مباشرة (غزّة) فعاليّتها وقدرتها على كبح جماح الشارع وقت الضرورة.

20مدفوعة بغريزة البقاء، ورافضة ترك المساحة للشارع ومن فيه، قامت كلّ من الحكومة في غزّة والضفة بسد الطريق أمام المحاولات الباكرة للالتحاق بركب الانتفاضات العربيّة. لم يسمح للوقفات الداعمة لانتفاضة تونس ومصر في غزّة، على بساطتها وقلّة عدد المشاركين فيها، لم يسمح لها بأن تمر مرور الكرام رغم أنّ الحكومة سارعت، بعد سقوط مبارك، إلى إخراج المناصرين إلى الشوارع للاحتفال بسقوط الطاغية. وحدها الحكومة تقرر كيف ومتى يجب أن نتضامن، وكيف ومتى يجب أن نثور.

كان الحراك الشبابي الذي انطلق في الخامس عشر من آذار 2011 علامة بارزة. التخطيط المشترك بين الشباب الناشط في الضفّة وغزة، وتوحيد الشعار أمام الاعلام، ومحاولة استنساخ تجربة ميدان التحرير كلّها عوامل دفعت في اتجاه الاعتقاد بأنّ ما يجري سيحقق اختراقة نوعيّة. رفع الشباب شعار “إنهاء الانقسام” وطالبوا حماس وفتح بتغليب المصلحة الوطنيّة العليا على كل الخلافات الحزبيّة.

اشتغل الحراك، في حينه، على المزاج الشعبي، ووجه رسائل للعائلة الفلسطينيّة مطالبًا إياها بأنّ تخرج إلى الشارع. لاقت تلك الرسائل استقبالاً حَسنًا لكنّ أثره سرعان ما تلاشى بعد دخول التجربة حيّز التنفيذ، وانتهاء تأثير الدفقة العاطفيّة التي صاحبت شعارات الوحدة الوطنيّة وضرورة الوقوف صفًا واحدًا في مواجهة الاحتلال، تلك الشعارات التي طالما ابتذلها القياديّون الفلسطينيون على اختلاف مواقعهم ومسمياتهم.

في يوم التنفيذ، واجهت الحكومتان، في الضفة وغزة، الحراك الشبابي بقمع انتقائي وهدوء أعصاب شديد. أزيلت مظاهر الاعتصام في غزّة وجرى تفتيت الكتلة العاملة الشبابيّة في نفس الوقت الذي تمّ فيه الإيعاز للمناصرين الحزبيين بالنزول إلى الشوارع. هتف الفتحاويون في الضفّة والحمساويون في غزّة لإنهاء الانقسام، وقال رئيس وزراء الحكومة المقالة اسماعيل هنيّة “فهمتكم” على طريقته، داعيًا عبّاس لزيارة غزّة في أقرب فرصة ممكنة. في حين كانت وجبات الطعام التي تُرسل للمعتصمين على دوّار المنارة تأتي من مكتب الرئيس. موّهت التصريحات الايجابيّة المتبادلة المشهد، واختلط على إثرها الغثّ بالسمين.

محمود يحيى (23 عامًا) الذي شارك في حراك 15 آذار الشبابي من غزّة يقول إنّه ليس نادمًا على المشاركة، وإن كان يعتب على نفسه التي غيّبت الرومانسية عنها كثيرًا من قهر السياسة. “كنّا نريد توحيد وحشين”، يقول بعد عامين على نزوله ورفاقه إلى شوارع غزّة مطالبين بإنهاء الانقسام. يعتقد محمود اليوم أنّ ما يلزم لتحرّك الفلسطينيين ضد القهر الواقع عليهم، بكلّ مستوياته، ليس بعد متوفرًا لا في النظريّة ولا في التطبيق. يشاركه الرأي بشّار لبد الذي كان له اسهامه في حراك 15 آذار إبان وجوده في غزّة، ويؤكّد أن انتماءه للفكرة يمنعه من الندم، حتى مع النهاية التي انتهت اليها المطالب والطموحات.

لينا السعافين، وهي كاتبة وناشطة فلسطينيّة مقيمة في رام الله، تعتبر أن ما حدث في 15 آذار لا يرقى لمستوى الحراك الشعبي، وتراه أقرب إلى مجرّد فقّاعة نفختها رغبات نشطاء مؤسسات المجتمع المدني والراديكاليّون اليساريّون الذين اجتمعوا، في نادرة من النوادر، على فعل شيء ما. غياب القيادة وترك الدفّة للعواطف، وعدم الاتفاق على ماهيّة المطالب وسقفها، كلها عوامل دفعت في اتجاه انقسام من خرجوا للمطالبة بإنهاء الانقسام. مراد جادالله، وهو من “الحراك الشبابي المستقل” اعتبر شعار “الشعب يريد انهاء الانقسام” سطحيًا، وبرر استخدامه بمحاولات كسر النخبويّة التي تتميّز بها كل الفعاليّات في الفضاء العام.

صورة الاعتداءفي معرض الحديث عن نقاط ضعف الحراكات الشبابية الفلسطينية، تشير السعافين إلى أنّ كل محاولات التحريض الثوري ما زالت محصورة في خانة رد الفعل. ما يقوم به النشطاء ليس حركة تشتغل على الوعي وتقديم بدائل اجتماعيّة واقتصاديّة، بل فعل فَوقي مركزي يشعر عموم الناس تجاهه بالاغتراب. “تحدثنا كثيرًا عن توسيع رقعة نشاطاتنا إلى أماكن كنابلس وجنين، ولكن ذلك ظلّ كلامًا نظريًا”، تقول السعافين التي تعتبر اليوم أنّ الاحباط، بطريقة أو بأخرى، هو سيّد الموقف. أمّا أحمد البيقاوي، وهو ناشط فلسطيني مقيم في القاهرة فيعتبر أنّ عدم توجيه الفعل الاحتجاجي بشكل مباشر ضدّ السلطة، أو الاحتلال الاسرائيلي، كان خطأ قاتلاً. “الرومانسيّات حجّمت الحراك ومنعته من أن يؤدّي إلى ما هو أعظم” يقول البيقاوي الذي يعتبر أنّ تغييرًا حقيقيًا لن يحصل ما لم يتم الانعتاق من الاطار الذي تنشط فيه الحراكات مستغلّة الحالة الثوريّة التي لطالما كانت جزءًا من فضاء الفلسطينيين الاجتماعي.

عن قرب، يبدو الحراك الشبابي الفلسطيني اليوم، لاسيّما في رام الله، منقسمًا إلى معسكرات تتصادم حينًا، وتتفق أحيانًا. بين لفيف من النشطاء “التكنوقراط” الذين يعتبرون أيّ طرح جذري كالدعوة إلى الانتفاضة أو إسقاط السلطة بؤسًا سياسيًا سيقود فلسطين وقضيتها إلى مزيد من التعثّر، والذين “اعتنقوا” تقديم النضال الفلسطيني على أنّه مناهضة لدولة أبارتهايد على الطريقة الجنوب إفريقيّة ولا مشكلة حقيقيّة لديهم في العمل تحت سقف “الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة” التي يقودها، بالضرورة، الرئيس عبّاس ومن خلفه سلام فيّاض، وبين لفيف آخر ممن يمكن اعتبارهم ورثة اليسار الفلسطيني الذين لا زالت شعارات “الاسقاط” تداعب حسّهم الثوري.

أما غزّة فيصغُر فيها كلّ ما ليس متسقًا مع الحكومة والحزب الحاكم، حتى يكاد يكون مجهريًا. المساحة الجغرافيّة الضيقة، وتبعات الحصار الفكريّة، والتضحية باليومي من أجل الاستراتيجيّ والاشتباك الفجّ، من حين إلى آخر، مع إسرائيل، دفع بكثيرين إلى اعتزال العمل العام، وفقدان الأمل أو ووضعه على الرّف إلى إشعار آخر.

يُجمع أغلب المنشغلون بالفضاء العام الفلسطيني أنّ المستقبل القريب لن يحمل جديدًا على الصعيد النوعي. تمكّنت السلطة في الضفة وغزّة من بسط السيطرة على الجغرافيا والاقتصاد، ووجدت معادلة تمكنها من التعامل مع ما يبزغ من أفعال رفض واستنكار. هل ستظلّ رام الله والقدس وغزّة هادئة في حين تموج القاهرة ودمشق وتونس بالتغيّرات؟ لا أحد يحمل اجابة قطعية على هذا السؤال. الأكيد أنّ الحراك لا يكون ثوريًا إلا حين يفاجئ الجميع.

أبو رمزي: أسطورة الحب والحرب .. والمتعة!

يوليو 14, 2012

قصّة قصيرة مهداة إلى صديق عزيز، وبعيد.

أبو رمزي رجل في الأربعينيات من عمره، يجيد التحدث منذ ولادته بسبع لغات، يكره الناس ويمقت الوحدة، وسيحتفل خلال فترة قصيرة بعيد ميلاه. جاء أبو رمزي إلى الحارة منذ زمن يقدّره المتعلمون بعشرات السنين، في حين يصرّ الطاعنون في السنّ أنّ أبا رمزي أقدم من الحارة، وأنّ الحارة انما نبتت حوله كما ينبث العشب حول نهر جارٍ. رمزي، ابنه البكر، قتلته اسرائيل وهو يلعب كرة القدم في زقاق ضيّق. لم يستطع أبو رمزي تجاوز ذلك، شعر بالحقد تجاه جيش الدفاع وتجاه الله، لماذا تمنحني إيّاه ما دمت ستأخذه أمام عينيّ؟ لماذا تصرّ على إظهار جبروتك عليّ أنا الكائن-النملة بهذه الطريقة الوحشيّة؟ كان دومًا يتمتم بتلك الأسئلة وهو يتنقّل في شوارع الحارة نصف سكران ونصف فيلسوف. كان عزاء أبو رمزي أنّ كل أطفال الحارة يعتبرونه في منزلة أبيهم، ولربما كان فعلاً أبًا لكثير منهم، وحدها الشياطين تعلم من ضاجع أبو رمزي من نساء الحارة ومن لم يضاجع.

على دربك أبو رمزي.

على دربك أبو رمزي.

عمل أبو رمزي في كل شيء. كان حدادًا، ونجارًا، وسبّاكًا، وطبّاخًا، ومختصًا في إقناع أي عائلة بتزويج ابنتها لأي شاب يرى فيه الجدعنة والعزم، ولكنه قبل كل شيء كان فدائيًا. لم ينتم إلى حزبٍ أو حركة سياسيّة ولم يكن يومًا جزءً من تيار فكري معيّن. الدرب الواصل من قعر المخيّم إلى قمّة العملية المقاوِمة كان دربًا يرسمه أبو رمزي لنفسه بيديه العاريتين، يحفره بأظافره، ويمشيه بقدميه الثابتين ومن ثمّ يتركه مفتوحًا واضحًا لمن أراد السير على خطاه. لم يجهد عقله في البحث عن نظريّات كبيرة معقدة للتأكيد على وجوب القتال، كان الأمر واضحًا في رأسه المغطّى بالشعر الأسود الممزوج بالأبيض: إسرائيل قتلت ابني ونكّدت عليّ عيشتي. الله لا يريحني إن بريّحها!

أثناء عمله الفدائي، لم يكن أبا رمزي ليدّخر أي جهد في البحث عن المتعة. كان يقاوم مبتسمًا، ويعود ليقصّ على أهل الحارة المجتمعين حوله عند ترنس الكهرباء ما يبهجهم ويشرح أساريرهم. حكى بصوته الرخيم الواثق كيف كان يسطو على شحنات البيرة التي ترسل للكتائب الصهيونيّة المرابطة على الحدود. وكيف كان يسير مرّةً قرب بيت العرابيد في المخيّم عندما وجد جيبًا عسكريًا إسرائيليًا يحوم حوله. إتّخذ أبو رمزي وضعيّة دفاعيّة وامتشق “الكارلو” وبدأ يطلق النار على الجيب. في أقلّ من ثلاث دقائق كان الجنود الأربعة بين قتيل وجريح. فتح أبو رمزي باب الجيب العسكري فتدحرجت الجثة من مقعد السائق إلى الأرض. نظر الجندي الجريح بعينيه الزرقاوين إلى سواد مقلتي أبا رمزي وقال: بتقتلني يبو رمزي؟. فردّ عليه: آه بقتلك!، فمات الجنديّ من هول الصّدمة. لقد قتلته بإصراري قبل بندقيّتي، ذلك العرص المسلّح. قال أبو رمزي وهو يضحك والجمع يضحك معه.

لا تستغرب إن أخبرتك أنّ هذا الرجل الذي كان يمكنه رفع عربة رينو 504 بيد واحدة، كان يتكوّر على نفسه باكيًا إذ رأى قرنفلة أو زهرة حنّون وقد نمت على القارعة. الطبيعة والمرأة كانتا التوليفة التي تحوّل أبا رمزي من فدائيّ عنيد إلى طفل في الخامسة من عمره. أخبرني أحدهم مرّة أنّ أبا رمزي كان معجبًا بفتاة في الحارة المجاورة، وقد علم من مصادره (وما أكثرها) أنّ تلك الفتاة تعشق الفراولة؛ فذهب بنفسه إلى بيت لاهيا وقطف لها سلّتين كبيرتين (لك أن تتخيّل المخاطرة-أولئك الفلاحون في بيت لاهيا مستعدون لقتلك إن سرقت منهم حبة فراولة واحدة). عاد أبو رمزي بالسلّتين ووضعهما ليلاً على شرفتها بعد أن وصل إليها بقفزة واحدة. في صباح اليوم التالي، استيقظت الفتاة وخرجت لتحظى بقسط معقول من ضوء الشمس وهواء الوطن فوجدت السلّتين وعليهما ورقة مأخوذة من كرتونة سجائر مالبورو أحمر مكتوب عليها: “مع الحب .. أبو رمزي” فلم تستطع تمالك نفسها من الفرحة. انهارت ومال جسدها على السور الحديديّ فانتهى بها الأمر ملقاةً على الأرض تنزف من كل ثقب في جسدها.  , وصل الخبر إلى أبي رمزي فجاء راكضًا وأمسك بها، واضعًا رأسها على صدره. نظرت إليه وقالت: بتحبني يبو رمزي؟ فأجاب وهو يغرس يديه في شعرها: آه بحبك! .. فماتت من الصدمة.

ما بين العمل الفدائيّ، وأسر قلوب العذارى (والمتزوجات)، واللعب مع الأطفال، وقراءة الكتب، ورسم السكيتشات، والعزف على النّاي، كان يقضي أبو رمزي أوقاته في المخيّم وما حوله، هكذا إلى أن وقّعوا أوسلو. لم يذكر في التاريخ الفلسطيني المعاصر أن أحدًا سبّ الدين والرب بالطريقة والكميّة التي سبّ بها أبو رمزي دين ورب القيادة. كاد قلبه يتشظى إلى ألف قطعة، لكنّ شيئًا ما أنقذه، لعلّه الأمل؟. قضى أبو رمزي أعوامًا طويلة يحاول إقناع الجميع بأنّ هذا خراء، مهما أعطتنا فرنسا من عطور، ومهما أمّدتنا أمريكا بالمال والكنتاكي، فسيظل هذا خراءً، ولكن أحدًا لم يقتنع. هكذا حتّى جاء فصيل آخر فانقلب على القيادة التي كانت قد اعتقلت أبا رمزي مرّات عديدة بعد أن فقدت الأمل في إمكانية رشوته بمنصب أو بزّة عسكريّة. استبشر أبو رمزي خيرًا لكنّ المودّة لم تستمر. تبيّن أن العهر عهر حتى وإن نمت له لحية. عاد أبو رمزي إلى السجن الذي غيّروا اسمه وما غيّروا غايته. دُقّ مسمار آخر في نعش مُتخيّل، وسُكب الملح على الجرح في قلب عاشق.

تغيّر أبو رمزي. أصبح يمشي ببطء ويعاني حين يبتسم. لن أتجرّأ على القول بأن شعلة الحياة في داخله قد انطفأت، لكنها خفتت، خفتت إلى حدٍّ بعيد. قال لي في مقهى رديء يقدّم قهوة مكذوبة: ما عدت أحتمل، حتى الكارلو عثروا عليه وصادروه. سأسافر، سأبتعد حتى أقترب، لا تناقشني، أخبر أهل المخيّم. ومن ثمّ رمى السيجارة في المنفضة وقام و قبلني بشفتين كان ملسهما على خدّي أشبه بقشر البرتقال. رحل أبو رمزي، لم يخبرني شيئًا عن وجهته ولا عن موعد العودة، لكنّ أحدًا جاء من بلد بعيد عبرها أبو رمزي وقصّ علي، وعلى الجمع حول ترنس الكهرباء، أنّ أبا رمزي قضى هناك عدة أيّام بين المقاهي والعمارات الطويلة على النهر العظيم، وتوجّه في آخر يوم إلى الميدان الأعظم، اشترى قطعة قماش رسم عليها مثلّت وثلاث مستطيلات، ثمّ اختفى!


%d مدونون معجبون بهذه: