Posts Tagged ‘الوطن’

رسالة صادقة إلى الوطن البذيء.

September 22, 2011

كان متعبًا من الدّاخل، رأيت فيه، في صدره الهائج، كلّ الأحياء الذين قتلهم مواطنو هذا الوطن الجميل.

كنا قد عدنا من جلسة مطوّلة في أحد مقاهي القاهرة، شربت أنا فيها باسراف في حين لم يطلب هو إلا القهوة. وحده الشيطان يعلم ما هي الأفكار التي كانت تموج في عقله. بدت عيناه لي أكثر اتّساعًا، ربما استرجع كلّ ما قلناه عن الوطن واحتاج أن يرى كلّ هذا القبح، أن يحلّق عاليًا، ويتبرّز من “فوق” على من هم “تحت”. هل كان يرجف؟ لا أعلم. هل ذرف دمعةً أو دمعتين؟ لم أركّز، طلب مني ورقةً وقلم بصوت هادئ، تمدد على السرير وكتب: (more…)

عن أيلول ابن الوسخة!

September 12, 2011
هذه التدوينة مكتوبة بحروف غاضبة، وقلم مقهور، ولسان بذيء، ولذا ..
وجب التنبيه، والتشهير.

صبرا .. صبرًا. - 17 أيلول.

«ذقنا من أيلول، ورأينا منه، ما يكفينا لنُدفع بقهرنا ورفضنا إلى كتب الميثولوجيا لنجد أنّ “أيلول” كلمة بابليّة، يقابلها في العربيّة “ول” – أيّ الصراخ والعويل- حيث يقام فيه، في أيلول، النواحُ على فجيعة الإله تمّوز، مخزن التراجيديا والاضطهاد في الحضارة البابليّة. الإله الذي عذبته شياطين الجلا، ونزلت به إلى جحيم الموت، فراح يستجدي كلّ من هبّ ودبّ من الإلهة، بحثًا عن النجاة. ولكن، لا رحمةَ في أيلول، لا فائض من الهواء الرطب، ولا مساحة إلّا لاستدعاء التاريخ شاهدًا ومبررًا كلّ هذي الرداءة .»

الجزء المقتبس في الأعلى يمثّل مستهل مقال كتبته سابقًا عن “استحقاق أيلول”. مقال استعنت فيه بالتاريخ والجغرافيا والقانون والعقل؛ لأقول رأيي بهدوء، وأحاول صدّ هجمات خراء أيلول الآتية من كل حدب وصوب. ولكن المقال لم يقل كلّ شيء، ليس بالطريقة التي يموج فيها كلّ شيء في صدري. ولذا فما أكتبه الآن ليس مقالاً، إنّه هلوسة، صراخ، استفراغ، تبوّل على طاولة المثقفين والمتناقشين والعقلانيين والمؤدبين والجبناء.

فليذهب الى الجحيم كل الحديث، والحديث المتبادل، عن أيلول. فليذهب أيلول شخصيًا الى الجحيم، هو و كل مناقشاته ومناظراته وفتاويه. لا أحاول أن أقنع احدًا ولا أريد أن يقنعني أحد، جلُّ ما أريده أن أترك وحيدًا، وبسلام، في صومعتي، مؤمنًا بكل قناعاتي اللاواقعيّة، ورجعيًّا متخلّفًا يحلم بالمتاريس، ولا يحلم بفلسطين كاملةً، لأنه يراها ماثلةً أمامه في كلّ مكان، في لهجة صديقة من باقة، في قصيدة صديق من غزّة، في رائحة زعتر القدس، وفي ناجية من صبرا وشاتيلا، صبرا التي تدقّ أبوابنا وتأتينا اليوم ونحن يراد لنا لا أن ننساها فحسب، بل أن نعتذر لإسرائيل عنها إن أمكن!

لا أحلم بفلسطين كاملةً .. لا، بل ألهو معها يوميًا ونتخاصم وأتودد إليها مرّة تلو مرّة لتعيد ضمّي، بمدنها جميعًا، وقراها جميعًا، وخربها جميعًا، إلى صدرها. اتركوني وشاني يا أخي! اتركوا موروثي، تبادلوا قصف النظريات والتوجهات والتبريرات والتمجيدات، ولكن لا تبنشوا قبورًا ملعون أبو أبو الي خلّفكم! لا تسرقوا شقائق النعمان من مقابر الشهداء لتزيّنوا مكاتبكم، ولا تفقعوا عيني يا عديمي الاحساس!

ولكن كيف؟ كيف يتركني المتسلّطون في السلطة وفي غيرها وهم قد أسروا مصير شعب بأكمله؟ كيف يُترك الزّاهدُ في ما جدّ من قوانين التحوّل والتلوّن والانبطاح ووضعيّات المضاجعة الدبلوماسيّة ليبقى هادئًا مع وطنه الجميل، وطنٌ لا طَعنة خنجر في ظهره، ولا يجلس على كرسيّ متحرك، ولا ينسى أسماء شهدائه ووصاياهم، كما هو الوطن عندهم. لا لن يتركوني، سيهجم نملهم الأبيض على كوخي النائي، وتنتشر نفاياتهم في كل متنزّه، وستصدر “فرقة العاشقين” التي بكيت ما بكيت وأنا أستمع لأغانيها، واتحسّر انني لم أكن في زمنها، ستصدر – كس أم أمها- أغنية “إعلنها يا شعبي إعلنها” في دعاية رخيصة لدولة أيلول ( التي نعلم مسبقًا أن هناك فيتو أميركي ضدّها ) لتجعلني أندم، لتحاول أن تجعلني أندم على كل لحظة خلوّ وصفاء قضيتها وأنا أستمع إليهم حين كانوا عاشقين!

بعد ترديد “أحا” مليون مرة، بعد قرفي المتعاظم، وبعد نجاة بكارة روحي -مجددًا- من ألف قضيب مسيّس يحاول فضّها، بعد ذلك كلّه، ماذا أفعل أنا؟. بسيطة، أرفع “وصيّة أم” لنفس الفرقة على يوتيوب، الأغنية التي تبدأ بتأكيد حق العودة إلى حيفا قبل ذكر الضفّة، وكيف أنه “رح ينعدل حجر الرحا المقلوب” وإنه “إيّاك يا ابني والنسيان بالنّار نرجع حقنا المسلب”.وأسأل حسين منذر، وفرقة العاشقين، وأسأل كل شخص لا يرى مثلي أن الوطن – لا الدولة – هو المكان الذي يرسمه ويبنيه الأحياء بناءً على وصف الشهداء له، أسألهم جميعًا، على كراسيهم وفي الكافتيريات والفضائيّات، أسأل أولئك “الآخرين”: كيف فعلتموها؟

يا ملعون كس أمكم على أم أيلول، كيف فعلتموها؟ كيف بلعتم هذه اللقمة النجسة بلا خمر وماء ؟ كيف تمكّنتم أن تستمنوا على مشهد إمرأة قصفتها إسرائيل وهي ترضع طفلها؟، قد أفهم – إذا ما أن توقف عن استخدام عقلي لبضع دقائق – كيف تقزّمت ثوابتكم عامًا بعد عام، وقد أفهم واقعيتكم السياسة، ولهاثكم، يا كلاب، وراء الدولة والمنصب والرّاحة، وقد افهم حتى قبولكم استحقاق أيلول، وقد أستوعب أنكم فهتم “حق اسرائيل في الحياة ” وكل نظريات “اللاعنف” فهمًا مغلوطًا وبذيئًا، وقد أتتبع عبر التّاريخ “وقع خطاكم” من ساحات الصّراع على الوجود بيننا وبين الصهيونيّة، إلى أزقّة التنسيق الأمني، لكن أن تشوّهوا الماضي أيضًا؟ تنبشوا القبور؟ تدخلوا على الناس في بيوتها مثلما دخلتم عليّ ؟ هل ستصدرون قريبًا روايةً لغسّان كنفاني يمدح فيها استحقاق أيلول وتقولون أنّه لم ينشرها لظروف إدراية، لكنها ظلّت على فلاشة صائب عريقات؟

كس أمكم، كيف؟ كيف تُبتم؟ مش إنتَ يا حسين يا منذر نفسك الي بتغنّي في وصيّة أم: ما نتوب عن تحرير هالأوطان .. أكبر ذنوب المرء إنه يتوب!

تبوُّل لا إرادي

April 27, 2011

أكتب ومثانتي مليئة عن آخرها، أحسُّ بها وأتوجّع، ومما يزيد بولها بلّة وجود هذا الجهاز المستطيل الذي يربض فوقها كالأسد، هذا الجهاز الذي حلّ محل ورق البردى والمحابر والكراريس المسوّرة بأسلاك شائكة. لا أرفع الجهاز، ولا أسير بضع خطوات إلى الحمام؛ إفراغ مثانة العقل أهم، إخراج هذه السموم، فضحها والتحذير منها وشتمها أهم، ونعم يا عزيزي العزيز، ثمّة في العقل مثانة، لا أجيد التحكم بها، وثمّة في العقل قلب، لا أجيد التحكم به هو الآخر. إن كائنًا كاملاً يتواجد في العقل، تسمع صوته في ذهنك لكنك تفترض – لأنانيتك – أنّه صوتك لا صوت العقل، السيّد عقل. ومثانة السيّد عقل مليئة، ولهذي الكتابة صوت الشّاي ينهمر من علٍ في كأس من زجاج، فأنصت جيّدًا :

لا أنكر أنني كغيري – كم تبدو هذه الجملة مفجعة – يهمني إلى حدٍّ ما إرضاء النّاس، ولكنني لا أنكر كذلك اقتناعي بأن ارضاءهم ليس مستحيلاً فحسب، وانّما عبثيًا ولا طائل منه. عمومًا، من أهمّ مظاهر اهتمامي آنف الذكر، أنني أخفض صوت الشتيمة عن آذان العاديين؛ أجعلها تُبثّ بتردد لا يسمعه إلّاي والخفافيش ولاجئو هذا العالم وعشّاق “اللاشيء” فيه. نعم، الوطن لا يعني شيئًا بالفعل، لكنني من أجل هذا اللاشيء سأذهب طواعيةً لأموت*، بل أنني، من أجل اللاشيء نفسه، سأبثّ شتيمتي التالية على النطاق الواسع، شتيمة FM، وليذهب النّاس ورضاهم إلى الجحيم.

السيّد الرئيس محمود عبّاس، أنتَ يا سيدي عاهر سياسيًا، جبان، عنصري، حقير، متنكّر، وخائن لدم الشهداء وأثواب الأرامل المشرّعة لمشاريع الفدائيين. لا أقول ذلك محاولاً اثارة عصبيتك، ولا حتّى الظهور بمظهر الثائر، لالا، أنا أقول ذلك؛ لأنّك كذلك، بكلّ بساطة. ألا تعتقد أنّ تعامل أمريكا مع مبارك كان “غير مؤدب” ؟ وألا تقول أنّ نظام مبارك أفضل من الفوضى والاخوان ؟، ألم يهددك أوباما في مكالمة لا أخلاقية دامت 55 دقيقة ؟ أنا بدوري أعتقد، وأقول، أنّك عاهر سياسيًا، جبان، عنصري، حقير، متنكر، وخائن، يا سيادة الرئيس. يا صاحب حلّ الدولتين الذي ما حلّ إلا وسط القضية فصارت رقّاصة هرمة، يا من هندست أوسلو على مقاس الخازوق تمامًا، يا كاره الحشود، يا مهديّ دولة أيلول المنتظرة، يا صاحب نظرية ” لست مهزومًا ما دمت تفاوض”، والله إني لأتمناك ملكًا، ولأتمنى لك دولةً وجيشًا جرارًا وشعبًا وأجهزة أمنيةً واقتصادًا حرًا، لا لشيء، بل ليكون طعم الثورة عليك وعلى ما تمثله أشهى وألذ، يا داعرنا الأنيق.

(more…)

عندي ثقة فيك!

September 21, 2009

coffee

..

في ذهني تدور أشياء كثيرة، وأسماء كثيرة، مدنٌ تشيّد، وأخرى يأكلها النسيان، عشرات اللحظات التافهة، وبضع خلواتٍ مع الفرح الطريد. أصدقاء ما عادوا يشكلوا ذاك الفارق، ونومٌ يشكل مهربًا خسيسًا إلى العدم. لكنني أستيقظ دائمًا، أستيقظ على فلسطين، على شهداء أوّل أيام العيد، على صوت الرصاص، على هواءٍ جلُّه كبرياء، المستشفى، الدوّار، شريط الأخبار، وائل الدحدوح، وأشياء أخرى كثيرة، تنطوي تحت مظلّة هذا الكيان، هذا الذي لا يعترف بالعالم، يقف مخاطبًا المنطق في قعر داره، ويصرخ أمام الدنيا .. ” Talk to the hand “، ويمدُّني، ولا يزال، بإبر الغد، يغريني بفتح روما، وشرب زمزم، وقراءة الكتب في كامبريدج، وإنجاب أول طفل لا سلكيّا .

النهايات السعيدة لا توجد إلا في الأفلام، أمّا النهايات التي لا تنتهي، فهي هنا، في عيون ” فاطمة ” الصغيرة التي ارتدت فستانًا أتحدى مصمي باريس به، وفي وقع خطى جدتي ” فاطمة ” الكبيرة بثوبها المطرز ورائحتها المعتقة، في التفكير بفلسطين، هذا التفكير الذي يسقف مخدعي، ويقدّس محرابي، ويعطيني قبسًا من عنفوان، لأطلق العنان في داخلي، وأبحث عن الجميل في كل شيء، بلا آلة حاسبة ولا جغرافيا، بتبريرٍ يبدو لي مثاليا، بأني إني لم أصبح ما أريد، إن فاز العالم عليّ، إن فشلت وسقطت وتكسّرت كل أضلاعي، فلقد كنت ما أرادني الله وقلبي، فلسطينيًا وكفى .

لا، ليس ذنبك يا وطني أن العالم بات يؤمن بالنفط والكهرباء، ليس ذنبك أنهم كفروا بي وبك، لم تعطني كالنوم أحلامًا هلاميّة، لم تجاملني، جبلتني على الأحلام الحمراء، أقنعتني أن حلمي الفردي، هو حجر الزاوية في فسيفساء الشهداء، شرحت لي كيف لأكتافي العارية أن تحمل الصخرة، جعلتني سيزيف العصر يا وطنًا بلا أجنحة، يا أعلى القمم. لن أكون تقليديًا وأطلب منك جواز سفر، لن أحبك لشيءٍ تعفن في جوفك قبل آلاف السنين فصار نفطًا، لن أسبّك لمعبر يغلق في وجهي، كيف أفعل وأنت منحتي حق التصريح بأني عاريًا أهدد أمن إسرائيل وفرعون وجنودهما! ، سأحلم كما علمتني ورفضوا، حلمًا أحمرًا لا أمل في تحقيقه إلا لأنّي أحلمه، كي يصبح الحلم ثورةً، وبعدًا رابعا، يشاركني ظلي على الرصيف، وحجر قلبي الأربعة .

سأحبُّ فتاةً تختصر النساء، سأحضن ضريح جدّي، سأقبل يد أمّي، سأجوب الكون، سأصبح طبيبًا، وأهدم الوطن العربي وأبنيه، وأؤلف ديوان شعرٍ يعلق على ستار الخلود، وأكتشف عيون التي أحبُّها في نواة الذرة، وسأفرح لأنهم أرادونا قاتمين، وأشعل سيجارةً كل صباح، وأطير مع فيروز، وأشعر بمساحات شاسعة حولي في أكثر بقع الأرض اكتظاظا، ولن أعير اهتمامًا لهم، لا لذاك الذي وعدني بالقبول، ولا لنفسي التي تهاب الرتابة، وتخشى طريقًا قد حفظته بصمًا، قبل حتّى أن تسير فيه . لن أذوب عندهم، سأذوبُّهم فيّ وفيك يا وطن.


%d bloggers like this: