Posts Tagged ‘اليمن’

دراما كوينز، أحرار، هنكمّل المشوار!

May 16, 2014

محمود عمر

على سيرة النكبة؛ تنتمي عائلتي التي هاجرت من قرية «بيت طيما» بعد النكبة إلى عشيرة «السماعنة» التي تتوزّع اليوم على فلسطين وسوريا والأردن ومصر التي تضم قرية باسم العشيرة في محافظة الشرقيّة. وعشيرة «السماعنة» هذه بطنٌ من بني مهدي، وهم قبيلة من بني عذرة التي سكنت المدينة المنورة ونُسب إليها الحبُّ العذري الذي ساد بين شبابها وانتشر.

وقد حكم أجدادي بنو مهدي إمارةً لهم في بلقاء الأردن مدة تفوق الخمسة قرون قبل أن يأخذوا ملوخيّاتهم بدري بدري ويتوجّهوا غربًا. كانت إمارتهم أيّام عزّها تمتدّ لتشمل مما نراه اليوم محافظات عمّان وإربد والزرقاء، وكانوا أيّام الدولة العثمانية مسؤولين عن حماية طريق الحجّ قبل أن يدخلوا في العصيان في أوائل ستينيّات القرن السّابع عشر (بنحب نجر شكل من يومنا) ويمتنعوا عن دفع الرسوم للدولة. وبعد تسلِّم الأمير جودة المهداوي زمام الأمور في إمارة البلقاء، بدأت الدولة العثمانيّة تعدّ العدّة للإطاحة به مستعينة بقبائل أخرى في البلقاء وما جاورها، وقد انتهت الحرب التي دامت خمسة وعشرين عامًا بين بني مهدي والدولة العثمانية إلى هزيمة المهداويين وشتاتهم.

keep-calm-and-be-a-dramaqueen-2انتقلت عشيرة السماعنة جرَّاء الحرب وما صاحبها من فتن إلى فلسطين، ونزلوا أوَّل ما نزلوا في الخليل. وذكرهم الزبيدي المتوفّى عام 1791م في تاج العروس قائلاً: السماعنة بطنٌ من العرب في بلد الخليل عليه السلام. وبعد فترة، اقتتل السماعنة مع أهل المناطق الأصليين في معارك كان من أشهرها معركة خربة عيد الميّة، ونزحوا على الأثر إلى شمال سيناء ومحافظة الشرقيّة بمصر، وقرى بيت نتيف وصميل وترقوميا قضاء الخليل، وإلى السّوافير ودير سنيد وبيت طيما التي هاجر منها جدّي عام 1948 إلى مخيّم جباليا في قطاع غزّة.

من اليمن إلى الحجاز إلى الأردنّ إلى الخليل إلى غزّة؛ أنا لاجئ من ظهر لاجئ من ظهر لاجئين. هكذا إلى أن يصل بنا النسب إلى قبيلة قضاعة التي قال البعض بعدنانيّتها، نسبة إلى عدنان وهو الجدّ العشرين للنبي محمّد، في حين قال البعض الآخر بقحطانيِّتها، نسبة إلى قحطان جدّ العرب العاربة الذي يرجع نسبه إلى سام بن نوح – وأنا، في الحقيقة، أفضِّل هذا الاحتمال لما في حكاية نوح من هجرة ولجوء؛ ذلك أنني غاوي نكد بطبعي.

يعني هذا العرض السريع أشياء كثيرة منها، ولعلّه أهمها، أنني وجميل بن عبد الله بن معمر العذري القضاعي، الشهير بجميل بثينة، أقارب. بالأحضان يا ابن عمّي بالأحضان!

ليس جميلة بثينة على نفس مستوى الشهرة مع قيس بن الملوّح؛ لكن ابن عمّي جميل لايزال مشهورًا إلى حدّ ما، وما يزال اسمه–كما أراد هو، ذلك العكروت– يرتبط باسم المرأة التي أحبّها دون أن يحصل عليها أبدًا: إنّه جميلُ بثينة.

هكذا تعرفه النّاس وتفهمه على الرَّغم من أنّ غالبيتهم لا تدري كيف بدأت حكايته مع بثينة. لا يعرفون أنّه التقاها في وادي بغيض، وأنّ قصة حبهما بدأت بتبادل الشتائم.. هو قال ذلك بنفسه:

وأوّل ما قاد المودَّة بيننا .. بوادي بغيضٍ يا بثينُ سِبابُ

كان لكتاب صادق جلال العظم «في الحبّ والحبّ العذريّ» المنشور قبل عقود إسهام في تثبيت وجود جميل في الذاكرة. أراد المفكِّر السوري تحطيم أسطورة الحبّ العذريّ الذي عادة ما نُسب إلى جميل وإلى قبيلته، وحسنًا فعل. أنا على قناعة، لمعرفتي بجميل وللشبه بيني وبينه، أنَّه كان ليسعد لو قرأ الكتاب، لكنك بلا شكّ كان سيترك بعض الملاحظات.

نظريّة العظم في غاية البساطة: كان بإمكان جميل أن يكتم حبّه لبثينة لتتجنب الاشتباك مع قانون القبائل، لكنّه صرّح به مدركًا العواقب. كما كان بمقدرة جميل -وهو الفارس الجميل- أن يطلِّق بثينة من زوجها ويظفر بها، لكنّه لم يفعل ذلك أبدًا. ومن هنا، يحاجج العظم بأنّ جميل ليس العاشق المخلص، المحكوم بالعفاف والهائم على وجهه لاستحالة وصوله إلى محبوبه، كما صوَّرته لنا عديد من المؤلّفات ذات العلاقة.

يقول العظم، واتفق معه فيما يقول، بأنّ جميل كان يريد العذاب، وأنّ علاقته بالمحبوبة (والتي يصفها العظم بالزنا في القلب – وهنا أختلف معه) استمرّت بعد زواجها من غيره؛ ما يعني أنّ جميل كان يريد المزيد من المشاكل، ضاربًا بعرض الحائط كلّ التقاليد والعادات، وباصقًا في وجه مؤسسة الزواج. بل ويتعدّى الأمر ذلك ليصل إلى حدود أنّه، مستغلاً وضعه وقوّة قبيلته، كان يتردد على بيت بثينة فيعجز زوجها وأهلها عن ردعه. هو نفسه تحدث عن ذلك:

إذا ما رأَوني طالعًا من بثينةٍ .. يقولون مَن هذا وقد عرفوني
يقولون لي أهلاً وسهلاً ومرحبًا .. ولو ظفروا بي خاليًا قتلوني

يستنتج العظم ما يلي: لقد كان ابن عمي جميل دونجوانًا. لكنّه، على عكس الدونجوان الذي يتنقَّل من امرأة إلى أخرى، فضَّل أن يكون دونجوان إمرأة واحدة فقط، وأن تكون بثينة دونجوانته وحده. بلغة اليوم الدراجة: لقد كانا، هو وبثينة، «دراما كوينز» بامتياز.

قرأت الكتاب أوّل مرة قبل سنوات، وحين أعدت قراته مؤخرًا، لم أستطع إلا أن أشعر بشبه كبير بيني وبين جميل. نحن، في نهاية المطاف، أقارب وأولاد عمومة. أنا أيضًا على علاقة غير وطيدة مع مؤسسة الزواج ومع كلّ مظاهر الاستقلال والالتزام. أنا أيضًا لا أملك إلّا أن أشعر بأن موسيقى ستصدح عندما أقرأ : «متى ظفر العاشق بالمعشوق مرّة واحدة، نقص تسعة أعشار عشقه».

يقسو جلال العظم علينا قليلاً، ولا يفهم تمامًا أنّ «الإنسّان علّته الإنسان». يعيب على جميل، وعليَّ بالتسامي، أن نكون «دراما كوينز». لكن، أتعرف ماذا؟ فليذهب العالم إلى الجحيم. نحن لا نملك إلا أن نكسر القواعد، أن نسكت عندما يتوجّب أن نتكلّم، وأن نتكلّم حين يُطلب منّا السكوت. ما لا يفهمه العظم بالحدّ الكافي هو أننا، وإن كنَّا، أنا وجميل، ننتمي لسلالة عشَّاق مهزومين كما تقدّم؛ فإنّ هذا لا ينفي أننا ثوّار لا يُعاد انتاج هزيمتنا إلا عبر إعادة إنتاج ثوراتنا وهجراتنا. أن سعادتنا المَرضيّة بالألم وسعينا وراءه لا يعني انتفاء ما له من آثار مدمّرة.

كم نحن غلابة!

نحن تمامًا كما قدّم لنا ووصفنا الجاحظ في واحدة من رسائله: المستمتعين بالنعمة، المؤثرين للذّة، المعدّين لوظائف الأطعمة وصنوف الأشربة، والراغبين بأنفسهم عن قبول شيء من الناس، أصحاب الستر والستارات، والسرور والمرواءات.

كان جميل يدرك أنّ انتصار الثوّار سيعني أنهم لم يعودوا ثوارًا، بل صاروا شيئًا آخر. كان هذا ما يرعبه، تمامًا مثلما يرعبني. أن تتزوّج بثينة، وبثينة هنا مجاز مطبق. أن تستسلم وتمشي جنب الحيط، أو أن تصل بالصخرة إلى قمّة الجبل، تضعها من بين يديك، تنظر من حولك ولا تجد ما تفعله. والألعن: لا تجد ما تحكي عنه. 

الشّعب يريد: الانتفاضة العربيّة مستمرّة!

August 12, 2013

محمود عمر

في كتابه “الشعب يريد؛ بحث جذري في الإنتفاضة العربيّة” يقدّم جلبير الأشقر؛ الباحث اللبناني وأستاذ دراسات التنمية والعلاقات الدوليّة في معهد الدراسات الشرقيّة والأفريقيّة في جامعة لندن (SOAS)، خلاصة ما كان ألقاه من محاضرات حول مشاكل التنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الأعوام القليلة التي سبقت إندلاع موجة الانتفاضات العربيّة التي واكبها الأشقر، وانكبّ على مجرياتها تحليلاً ودراسة فضمّن الكتاب كشف حساب “مؤقّت” لتجلياتها في البلدن العربيّة الأكثر تأثرًا بها: تونس، مصر، اليمن، ليبيا، البحرين وسوريّا. 

يرقى الكتاب الذي صدر بالفرنسيّة ونقله عمر الشّافعي إلى العربيّة، إلى مستوى عنوانه؛ إنّه بحث جذريّ بكل معنى الكلمة في الأسباب والدوافع والمحرّكات الاجتماعيّة التي دفعت في اتجاه خروج ملايين العرب هاتفين بإسقاط أنظمة وطغاة تبدو وكأنها متباينة، إلّا أنّها في حقيقتها متماثلة إلى حدّ بعيد، مجبولة على الفساد والقمع والنهب وتضييق الخناق على الفرد العربيّ و تنغيص عيشه. كما ويقدّم الكتاب-الدراسة في فصوله المتأخرة مقطعًا عرضيًا للانتفاضة العربيّة وأهمّ الفاعلين فيها ومحاولات احتوائها المستمرّة. 

في الفصل الأوّل، ونظرًا لما تتيحه الامكانات الاكاديميّة والأرشيفيّة لجامعة لندن، يتمكن جلبير الأشقر من رسم صورة عامّة للتنمية المعاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA) مستندًا إلى توليفة واسعة من الدراسات والأبحاث وتقارير المؤسسات الماليّة العالميّة والإقليميّة التي يقارنها بمعطيات مناطق جغرافية أخرى، مثل جنوب أفريقيا وشرق آسيا، ليثبت فشلاً بنيويًا في عمليات التنميّة في منطقة MENA تصحّ معه القاعدة الماركسيّة التي وردت في مقدمة نقد الاقتصاد السياسي، والتي تمثّل حجز الزاوية الفكريّ لهذا الكتاب برمّته:

“عند مرحلة معيّنة من تطورها، تتدخل قوى المجتمع الانتاجيّ الماديّة في تناقض مع علاقات الانتاج القائمة، وتتحول تلك العلاقات من أشكال تتطور القوى المنتجة من خلالها إلى قيود تعيق تطوّر هذه القوى. وعندئذ، تبدأ حقبة من الثورة الاجتماعيّة”. 

أمّا في الفصل الثاني، فيشمّر الأشقر عن ساعديه ليحوض، متسلحًا بأدواته الماركسيّة، في عمق النمطيات الخاصّة للرأسماليّة في المنطقة العربيّة التي تعجّ بدول ميراثيّة ونيوميراثيّة تبدو ريعيّة في مجملها؛ غير مستندة على الضرائب، وغير آبهة لذلك بما لدى مواطنيها ليقولوه أو يعبّروا عنه، وتطبّق بجهد حثيث وصفات نيوليبراليّة جاهزة للتنمية والحداثة تقلّص دور الدولة المباشر في استغلال الموارد وقيادة عملية التنميّة والتشغيل. النيبوليبراليّة التي بلغت الصفاقة بأحدّ منظّريها، الاقتصادي البيروفي هرناندو دي سوتو، حدّ الإدعاء بأن ما ضحى البوعزيزي بنفسه من أجله هو مبدأ “السوق الحرّة” النيوليبرالي. سوتو قال: جاءت قوى السوق إلى العالم العربي، حتى ولو يكن بدعوة من الحكومات. ويجب على القادة السياسيين أن يدركوا أنّ العرب الفقراء، منذ أن أضرم البوعزيزي النار في نفسه وثار أقرانه مجتجّين، لم يعودوا خارج السوق بل داخله، على مقربة من هؤلاء الحكّام.

وإذ يَخلُص الأشقر في فصل الكتاب الثاني إلى أنّ ما لدينا، في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من الرأسماليّة هو أسوأ ما في الرأسماليّة، ينتقل في الفصل اللاحق لمقاربة العوامل السياسيّة الإقليميّة ذات الصلة بالانتفاضة العربيّة. النفط، بطبيعة الحال، هو أوّل تلك العوامل وأهمّها، وإن كان مسمّى الفقرة الخاصة به “لعنة النفط” فإنّ الأشقر يشرح أنّ المصائب التي يختبرها الفضاء الناطق بالعربيّة ليست جرّاء وجود النفط (يفترض بهذا أن يكون أمرًا جيدًا) بل نتيجة لطريقة إدارة هذا الكنز الاستراتيجيّ واستخدامه في المحافظة على دول ريعيّة، ومبادلته بالرضا والدعم الأمريكي (والأسلحة الأمريكيّة والبريطانيّة والفرنسيّة) وحرمان الفضاء الناطق بالعربيّة من أي مردود حقيقي، ناهيك عن عدم استخدامه في أيّ صناعة تحويليّة معدّة للتصدير. 

وفقًا لتقديرات معهد التمويل الدولي، ومقره واشنطن، بلغت تدفقات الرسمايل الخارجة من دول مجلس التعاون الخليجي 530 مليار دولار خلال السنوات الخمس 2002-2006 ومن بين هذا الاجماليّ، ذهب مبلغ 300 مليار دولار إلى الولايات المتحدة، و100 مليار إلى أوروبا. 

ينحى الكتاب، بعد ذلك، منحى أكثر انشغالاً بالسياسة منه في الاقتصاد، إذ يقارب مسألة “الاستثناء الاستبدادي العربي” الذي تجمع عليه الولايات المتحدة وأوروبا من حيث مطالبتهما دولاً حول العالم بمزيد من الديمقراطيّة، وصمتهما المطبق حول عقوبة الجلد ومنع النساء من القيادة في البلد-المصيبة السعوديّة بحجّة “إحترام ثقافة أهل ذلك البلد”. أمّا الإخوان المسلمون وعلاقتهم براعيتهم الأولى، السعوديّة، ومن تحولهم إلى قطر وأميرها المهووس بالسياسة الخارجيّة، فلهم نصيب لا بأس به من الاشارة والتحليل، لاسيّما وأنّ الأشقر يقتبس “اليبان الشيوعيّ” ليوصّف الإخوان المسلمين توصيفًا ماركسيًا دقيقًا: 

الطبقات الوسطى (ليست الطبقة الوسطى=البرجوازيّة) كلها تحارب البرجوازيّة للحفاظ على وجودها كطبقات وسطى من التلاشي. فهي إذًا ليست ثوريّة ولكن مُحافظة بل وأكثر من ذلك، إنها رجعيّة تسعى إلى جعل عجلة التاريخ ترجع القهقرى. 

هؤلاء الذين يسعون إلى “جعل عجلة التاريخ ترجع القهقرى” هم الإخوان المسلمون الذين وعدوا النّاس بفردوس إسلاميّ مفقود، واتخذوا شعارًا أجوفًا هو “الإسلام هو الحل”، وهم -حسب ما يقدّمه الأشقر من إشارات لدراسات وأداء الإسلاميين في الحكم- نيوليبراليين يسعون إلى التخلصّ من “برجوازيّة الدولة” والدخول في برجوازيّة السّوق (زيارة مرسي إلى الصين مثالاً). وإذ يتنبأ لهم الأشقر (مثلما فعل السابقون) بنهايات تعيسة بعد خروجهم من قمقم المظلوميّة إلى نور السلطة السّاطع، فهو يفرق تمام التفريق بينهم وبين “حزب العدالة والتنمية” التركي، بل حتّى بينهم وبين الخميني. أمّا القوى الفاعلة في الثورة، والذين يتطرق لهم الأشقر ويعوّل عليهم فهم: الحركات العماليّة، حركات النضال الاجتماعيّ، والفاعلون الجديد: شباب الإنترنت. 

هل قلت مؤامرة؟

يطرق الأشقر في هذا الكتاب أبواب مفارقات سياسيّة، ونقاط تحوّل ضجّ بها “الربيع العربيّ” وانقسم عليها المنقسمون؛ تدخّل الناتو في ليبيا، تسلّح الثورة في سوريّا، وذلك في معرض تقديم “كشف حساب” لانتفاضتي البلدين. مفردة “المؤامرة” التي طفت إلى السطح (كانت قريبة منه على الدوام) بعيد الحظر الجوّي فوق ليبيا ودخول الانتفاضة السوريّة معترك التسليح هي مفردة يشيع استخدامها، حسب الأشقر، عند فئتين من الناس: مناهضو الإمبرياليّة وأهل الشرق الأوسط. وإن كان الأشقر لا ينفي (ومن يستطيع أن ينفي؟) وجود مؤامرات دائمة في هذا الجزء من العالم، إلا أنّه لا يتحرّج من التنظير داعمًا للانتفاضة الليبيّة، شارحًا أسباب ودوافع الناتو للتدخل فيها ومخرجات ذلك على الصعيد الاجتماعيّ الليبي، ومؤيدًا للثورة السوريّة التي يؤكّد أنّ تسلّحها أمر لم يكن بديهيًا فحسب، بل ومطلوبًا؛ نظرًا لطبيعة الجيش السوريّ واستناده على شريحة شعبيّة من طائفة واحدة. يقول الأشقر: 

التحليل الصحيح لطبيعة النظام السوري، ولاسيّما طبيعة قواته المسلحة، كان من شأنه أن يفضي بالضرورة إلى استنتاج مفاده أنّ النظام السوري يستحيل إسقاطه بغير حرب أهليّة. 

ولمناهضي الإمبرياليّة الذين تحرّجوا من الاصطفاف بجانب الانتفاضة السوريّة (فنّد الأشقر في موضع آخر في الكتاب هذه الحجّة المتعلقة بالامبرياليّة) لم يستخدم الأشقر مبررات ومعطيات جيوسياسيّة واقتصاديّة فحسب، بل وأخلاقيّة أيضًا إذ أورد ما قاله الثوري الفرنسي غراكوس بابوف في 1795:

تصرخون قائلين إنّه يجب تجنب الحرب الأهليّة؟ وأيّ حرب أهليّة أكثر إثارة للاشمئزاز من تلك التي يكون القتلة فيها في كلّ جانب، والضحايا العزّل في جانب آخر؟ هل بوسعكم تجريد من يريد تسليح الضحايا من القتلة؟ أوليس من الأفضل أن تقع حرب أهليّة يكون بوسع كلا الطرفين فيها الدفاع عن النفس؟

في خاتمة الكتاب، يوصل الكاتب أفكاره النهائيّة بإيضاح سابق حول أنّ الإشكاليّة بين الإسلام والديمقراطيّة إشكاليّة وهميّة، ويؤكّد أن السلطة اليوم “في الشّارع” في الفضاء الناطق بالعربيّة. الصّراع ضد النيبوليبراليّة، ورأسماليّة المحاسيب، والفساد الإدراري، وقمع الحريّات، صراع طويل والحقبة الثوريّة العربيّة لا تزال في بدايتها. يختم الأشقر بحثه الجذريّ عن الانتفاضة العربيّة المستمرّة بالقول: المستقبل يدوم طويلاً، كتب الجنرال ديغول في مذكراته خلال الحرب. إنّه لتعبير جميل عن الأمل!

من لا يشكر التحرير لا يشكر الله.

November 23, 2011

شكرًا لأنّك تحبّ لهجتي. الفلسطينيّون نادرًا ما يغيّرون لهجتهم،  ربّما كان ذلك لصعوبة تغييرها، وربما لأنهم  ببساطة لا يريدون ذلك، المؤكّد أنّ التحرير يتقبّل لهجتي القرويّة الفلسطينيّة ويسمعها كما يسمع أحمد رامي أمّ كلثوم.

شكرًا لأنّك تفتّشني. شكرًا لمن يبحث في جيوبي، يفتح  حقيبتي ويستغرب من رواية لميلان كونديرا أحملها معي. في فلسطين التفتيش يعني أمرين: الاحتلال ( وهو سيء ) والسلطة الوطنية ( وهي أسوأ ). في فلسطين التفتيش يعني الإهانة، يعني فرد الرّوح على الطاولة، وتشريحها على عجل. التفتيش يعني الحاجز، يعني الانتظار، يعني الفصل العنصري؛ أمّا في التحرير فالتفتيش يعني الأمان، ويعني الطمأنينة.

شكرًا لأنك تدعني أدخل؛ هكذا، ببساطة، دون توصيات، دون موافقات أمنيّة، دون تأشيرة، ودون شتيمة تمارس عزفًا بذيئًا على طبلة أذني. شكرًا لأنك بلا ختم إسرائيلي، وبلا شبّاكين: واحد لغزّة، والآخر للضفّة. بلا سفارة، وبلا استعجال خشية الاغلاق، وبلا حديث إسلامي مؤقّت ينتعله اللسان بغية الحصول على “تزكية” من حكومة تحبّ الله كثيرًا.

حالة نبوّة.

حالة نبوّة.

(more…)

غزّة للربيع العربي: شكرًا.

August 9, 2011

دعوني أقولها لكم بصراحة، لا أحد فينا، نحن الفلسطينيون البسطاء الذين لا نجيد التبرّج الثقافي ولا نبيع كلامًا ولا نحجز تذاكرًا لحضور فيلم “ليلة القبض على القصيدة” في غزّة، لا أحد فينا كان يصدّق فعليًّا، وبكل وجدانه، عبارةَ “شعبنا العربي الأبي” التي كانت تصدح بها شاحنات volkswagen  وهي تجوب شوارع القطاع تدعو لمسيرة أو تذيع بيانًا أو تهنّئ الغزّيين و”عموم الشعب العربي البطل”، عن طريق سمّاعات ضخمة محملة على متنها، بشهر رمضان أو أحد العيدين اللذين يعقبانه.

“شعبنا العربي” .. الكوبليه الموجود في كلّ الأغاني، لا أحد فينا يفكر فيه، لا أحد يتمعن في مضامينه الموسيقيّة، لكنه دائمًا هناك، ورقة تحت الطاولة تساعدها على الاتزان، صندوق مغلق نتوارثه ولا نعرف ما الذي في داخله، وإلى فترة قريبة، لم نكن نرغب في أن نعرف، فالبعض مشغول – في سرّه – بشتم حكومة غزة، والبعض بشتم حكومة رام الله، والكل يجتمع على شتم شركة الكهرباء، والبحث عن لقمة العيش، أمّا العرب، في الوعي الرّاهن المشترك لسكّان القطاع، وخصوصًا للشريحة الشابة التي ولدت قبيل اوسلو وترعرعت أثناء انتفاضة الأقصى، فهم رقم يضاف ويطرح ولا أثر له في معادلة الحياة اليوميّة. حتّى أثناء العدوان على غزّة، لم يتطوّر المرجوّ من الجماهير العربيّة إلا إلى مستوى الإسراف العاطفي متمثلاً في مسيرات التضامن وقوافل فكّ الحصار، لا الخطوات الملموسة على أرض الواقع والتي تقود إلى حراك سياسي رسمي على مستوى أنظمة تخضع لصوت مواطنيها، أو تنهار وتستبدل تحت ضغطهم الثوري، فمثلاً .. لو قال غزّي بسيط لغزيٍّ بسيط آخر  أن المصريين سيثورون على مبارك لسبّ له الدين ورد عليه بنبرة واثقة: ابقى قابلني.

ملك الغابة راكب دبابة - في غزة

ملك الغابة راكب دبابة - في غزة

ملك الغابة راكب دبابة، والمرسومة مؤخرًا في غزة على يد شباب فلسطيني من الشريحة آنفة الذكر، تُلخّص “التحوّل الثاني” الذي تعرض له الوعي الجمعي لدى الفلسطينيين بعد الربيع العربي. التحوّل الأول كان مرتبطًا بصدمة رؤية شباب آخر، غير فلسطيني، يحمل الحجارة ويهتف للشهداء، فبعد أن تعوّد الفلسطيني على المسرح مطوّبًا باسم أقدامه، ومطليًا بفصائل دمه الضيّقة، لم يجد غير الكرسيّ قبالة التلفاز مكانًا له، كغيره من متابعي الربيع العربي. حاول كهنة النضال تقزيم ذلك التحوّل الأول والتقليل من أثره بالقول بأن الجماهير العربية تقلد الفلسطينيين وأننا أصحاب الحق الحصري بتأليف الشعارات وحرق الاطارات، لكنّ الصدمة مرّت وآتت أُكُلها، وتمّ التحول تمامًا كاملاً؛ إذ بات من البديهي اليوم أن نقول بأننا، كفلسطينيين، عاديّون، و” أَننا لسنا ملائكةً، و أَنَّ الشرَّ ليس من اختصاص الآخرين*”.

(more…)


%d bloggers like this: