Posts Tagged ‘جاك دريدا’

نهاية السيّد واي: هل شاهدت أوليمبياد الصّين؟

يونيو 21, 2014

محمود عمر

إذا كان ناكاتا في “كافكا على الشّاطئ” يستطيع التحدث مع القطط تحت سماء تمطر سمكًا فإنّ آرييل مانتو، شخصيّة نهاية السيّد واي الرئيسة، تشرب القهوة مع إله فأر اسمه أبولّو سمينثوس وتسافر، بمعنى ما، عبر الزّمن. هذه البطلة التي تقدّمها لنا سكارليت توماس مدججة بالتناقضات لا تتحرّك عندما تسمع جرس الإنذار، تدخّن بشراهة، تنفق معظم ما لديها من مال قليل على الكتب، وتمارس الجنس مع الأشخاص الذين لا يجب أن تمارس الجنس معهم. إنّها طالبة دكتوارة عند دكتور الدراسات الإنجليزيّة سول بيرلوم الذي يعدّ بحثًا عن اللعنة التي تحوم حول كاتب انجليزي من القرن التّاسع عشر اسمه ثوماس لوماس قبل أن تتلقف منه طالبته آرييل هذا الاهتمام بلوماس ولعنته وكتابه الضائع: نهايّة السيد واي.

الرواية بنسختها الانجليزيّة

الرواية بنسختها الانجليزيّة

تعثر آرييل على “نهاية السيّد واي” بالصدفة في واحدة من مكتبات لندن الصغيرة. تقرر أنّ تستجمع قواها وتقرأ الكتاب الذي طلب منها دكتورها بيرلوم أن تغضّ البصر عنه. المخاطرة بالغة البساطة: من يقرأ كتاب “نهاية السيّد واي” سوف يموت. لهذه الجمل المحدودة في مبناها، الخطرة في معناها، أثر شبه عكسيّ في معظم الحالات. إنّ التحذير من الموت عند قراءة كتاب لفتاة مستعدّة أن تعيش على النودلز طوال الشهر من أجل أن تبتاع الكتب يعني، بطريقة ما، تشجيعًا لها على قراءته. هذا الطابع الفدائيّ-المسيحيّ لآرييل سيظر لاحقًا في ثنايا النص وسيعطيها، ولا غرابة، راية كسر العود الأبديّ لفضاء الأذهان (التروبوسفير) الذي تكمن خطورة “نهاية السيّد واي” في إحتوائه لمكوّنات الخلطة التي تمكّن من الدخول إليه.

فكرة التروبوسفير ليست جديدة ولا رياديّة. إنّ “الماتريكس” تشبه التروبوسفير كثيرًا في المنطلق الابستمولوجي النابع من صميم الفلسفة التفكيكيّة: الأشياء ليست كما تبدو. الاختلاف يكمن في الحيثيّات. التروبوسفير ليس عالمًا حقيقيًا ولا زائفًا، إنّه فضاء الأذهان الذي يحضر فيه اللاوعي الفردي والجمعي لكل الموجودات العضويّة على الكوكب، على امتداد خط الزمن على طرفي نقطة الأصل في المستوى الديكارتي. أيّ أن التروبوسفير، والذي يمكن الولوج إليه من خلال خلطة بمكوّنات بسيطة من ضمنها الماء المقدسّ، يسمح للمتجولّ فيه أن يدخل رأس أحدهم ويتمشّى فيه. لاحقًا، تكتشف آرييل  أنّ التروبوسفير ليس مفرّغا من القدرة تمامًا. يمكن بالإضافة إلى الدخول إلى رأس أحدهم العبث في هذا الرأس. شطب الأفكار والإغراء بفعل شيء أو التمنّع عنه. ستكون هذه الميّزة ذات الطابع الربوبيّ  سببًا في نهاية التروبوسفير-أو إدّعاء نهايته.

ليست الفكرة الأمّ في رواية سكارليت توماس جديدة بالمعنى الواسع للكلمة، فما الجديد؟

الجديد في “نهاية السيّد واي” (وهو جديد في فضائنا المعرفيّ العربي أكثر بكثير مما هو الحال في الغرب) يتمثّل في إعادة توظيف المزيج التالي: الأدب + النظريّة + الخيال. يحترف هذه الثلاثيّة قلّة من الكتاب والمثقفين الأفقيين. الإيطالي أمبرتو إيكّو واحد من أهمهم وهو، لطبيعة مجال خبرته الأكاديميّة، يركّز في أدبه على القرون الوسطى، وفي نظريّته على الفلسفة الكلاسيكيّة واللسانيّات، وفي خياله على خدعة واحدة مألوفة. أمّا سكارليت توماس التي أبدعت عملاً أدبيًا “به مسحة من السرور، وله رائحة قويّة من الكبريت” فاختارت لنفسها، في تطبيق أمثل لما قاله فيرغاس يوسّا عن أكل المؤلِّف لنفسه، تفضيلات مغايرة وأكثر حدّة وشبابًا.

الأدب عند سكارليت توماس أدب يركض، لا يتمشّى. يشتم، ولا يعتذر. أدبٌ سريع لكنه لا يمكن أن يمرّ من دون أن تلحظه. أمّا النظريّة فهي تتراوح بين هايدغر الذي تغوص الرواية في بحور أفكاره عن الزمن والوجود، وبين دريدا الذي يبدو أبًا روحيًا لآرييل الفخورة بأنها استطاعت أن تفهمه نظريّته حول الاختلاف. أمّا الخيال، وهنا تتقاطع سكارليت توماس مع مؤلَّفين آخرين كُثر من المابعد حداثيين والتفكيكيين، فهو خيال علميّ-أرضيّ لا يملّ من التفصيل والشرح والتفكيك بغية إثبات نفسه. وهنا تتجلّى قدرة ورغبة سكارليت توماس على الاستعراض: فيزياء الكم، النظريّة النسبيّة، كتلة الرّوح البشريّة (ادّعى د.دونكان ماكدوجال أنّها تبلغ 21 غرامًا)، نظريّة الخلق، نظريّة التطوّر، نظرية الوعي، نظرية الإنفجار العظيم .. وتطول القائمة.

وفي “تطول القائمة” هذه تكمن واحدة من ميّزات “نهاية السيّد واي” الأدبيّة التي تقرّبه من عناوين كبيرة في تاريخ الرواية الأوروبيّة مثل رواية إيطالو كالفينو “الفارس الذي لا وجود له”، وعمل جويس الأشهر “عوليس”. إيراد القوائم، واللوائح، والتكرار، ونسج الروابط، والتعداد الشاق لعدد يكاد يكون لا نهائيًا من الأشياء ميّزة عموديّة في فنّ الروايّة الغربيّة. وإن كان هذه الاشتغال جليًا أكثر في الأعمال الكلاسيكيّة، لاسيّما أعمال القرون الوسطى، إلا أنّه ما يزال يطلّ برأسه في العناوين الجديدة و”نهاية السيّد واي” ليست استثناءً.

تورد آرييل لنا قوائم في أكثر من موضع. منها، مثلاً: “أحسّ الآن بعواء يذكر بشيء ما: “طبقات من مخاوف آخرين. خوف من دمى تقول لك “أغرب عن وجهي”، خوف من حرب نوويّة، من طفل يغرق، من الاختناق بشوكة سمكة، من سرطان الرئة، من أورام المخ، من الزحام، من طبيب الأسنان، من بلع لسانك، من قدمك، من الأحلام، من الكبار، من الأسنان الصناعيّة، من الانتحار، من الدم، من العناكب، من فتق الرحم، من انقطاع النفس، من الأكل، من الصراصير، من الأكياس البلاستيكيّة، من المرتفعات، من مثلثت برمودا، من الأشباح، من مكعبات الثلج، من الشيخوخة .. إلخ إلخ”

جديد الرواية، إذًا، هو إعادة توليف الجديد -والذي هو بدوره إعادة توليف لجديد سابق- مع إجترار لبعض الثوابت الهولوديّة: يبحث عميلان سابقان من وكالة المخابرات الأمريكيّة التي أنهت مشروعًا يتعلّق بالسيطرة على أذهان الناس من خلال التروبوسفير، يبحثان عن كتاب “نهاية السيد واي” من أجل الحصول على الخلطة و احتكارها أو بيعها في السواق السّوداء – لروسيا ربّما؟ للصين؟ للإرهابيين في أفغانستان؟ يذكّر هذا الاستسهال بما فعله ألفونسو كوارن في فيلمه الأخير “جاذبيّة” عندما حمّل “الروس” مسؤولية الكارثة التي حدثت لساندرا بولوك وجورج كلوني.

في صفحاتها التي تزيد على الأربعمائة، تتبدّى “نهاية السيّد واي” ضخمة ورحبة ومتنوّعة مثل حفل افتتاح أوليمبياد الصّين عام 2008. الكثير من الألوان، من الأضواء، من اللوحات، من المشاهد، من ردود الفعل ومن الربح الرّاهن والخسارة المخبأة. لم تقل سكارليت توماس، وهي أستاذة أدب إنجليزي في جامعة كنت، ما يمكن له أن يوقف سيولة الوقت أو يغيّر حقيقة أنّ “كل الأشياء تحت المجهر الالكترونيّ ستبدو متشابهة”، لكنّها قدّمت عملاً أدبيًا شهيًا مفرودًا على طاولة يتوزّع حولها أكثر من 150 ألف قارئ اشتروا الرواية بنسختها الإنجليزيّة.


%d مدونون معجبون بهذه: