Posts Tagged ‘حدود القطاع’

جنوبيّ الجنوب .

أغسطس 10, 2009

2
قرية خزاعة – شرق خانيونس .

في فم التنين، في فمه تمامًا يسكنون، يتناوبون في حمل السيف وإبقائه مصوّبًا إلى حلقه، لا هم رحلوا، ولم يمت بعد التنين، غير أنّه يحيا حياة ميّتة، تنين ذليل، عار على هذه الأسطورة التي اخترعها الصينيون، أمّا هم فيحملون السيف، ويزرعون الورد، ويتزوجون، ويعيشون الحياة رغمًا عن أنف وفم التنين .

هناك .. في جنوبيّ الجنوب، تتسابق البيوت إلى الله، وتتزاحم الأرواح على باب الفردوس، فهذا يبعد بيته مائة متر، وأما ذاك فستون، وصاحب البيت المدمّر الذي يبعد عن الرشّاش الآلي عشرين مترًا، ولا زال يسكن بيته ويتوضّأ للصلاة، يبقى إلى هذه اللحظة، صاحب الرقم القياسي في غينيس الآخرة، والحاجز الوحيد على متن الدرجة الأولى، في خطوط طيران الجنة، ليس مجنونًا، هو أعقل العقلاء، لا باب في بيته ولا شبّاك، لا بيت في البيت أصلاً، كلُّ ما يملكه حجارة هرمة، وصبّارٌ عتيق، ودرّاجة نارية، ومعجزة .

بيني وبين أهلي وناسي رمية حجر ” لطالما أصابتني القشعريرة والحنين حين يصدح سميح بتلك العبارة، تلك الرخاميّة في صوته حين يقولها، يجب عليك فعليّا أن تقف وبينك وبين أهلك وناسك وأرضك ووطنك وحلمك رمية حجر؛ حتّى تعرف مصدرها، وحتّى تصبح المسألة برمّها بعيدة عن فنٍّ ملتزم، أو حناجر حمراء، أو بكاء على الأطلال، إنما هو الواقع، لسنا نكره الدنيا، لسنا ندمن الموت، لسنا نهوى الظلام، لكن بيننا وبين ذلك كلّه، رمية حجر .. وغفوة أمّة.

عندما تصل إلى المفترق الأخير، تتجلى أمامك الصورة، إمّا أن تعود أدراجك فتسلم، أو تمضي يسارًا تسير بمحاذاة الحدود مع احتماليّة الشهادة، أما يمينًا فتستشهد قطعًا، وكذلك تفعل إن أنت تابعت إلى الأمام. الفلسطينيُّ السليم يُعرف من خياراته، كلُّ أربعة شوارع، أو أربعة أحلام أمامه، ثلاثة منها تؤدي إلى الله، وواحد فقط يؤدي إلى الدنيا، وعندما اخترنا أن نحاذي الحدود، لم نكن أبطالاً، لم نكن شجعانًا، لم نكن حمقى، كنّا ببساطة فلسطينيين، نتخذ القرار الذي يعجز معظم العرب الأشاوس على اتخاذه، نطبّق أوّل قاعدة نتعلمها في صغرنا، أن تسير بمحاذاة الموت حينًا، وتمضي إليه أحيانًا، ذاك هو الشيء الوحيد الذي يتكفّل بتطهيرك، حتى تعرف المذاق الحقيقي للحياة، والطريق إلى الله .


%d مدونون معجبون بهذه: