Posts Tagged ‘حماس’

هذا المقال، هو أيضًا، حادث فردي.

April 9, 2013

محمود عمر

أولاد الوسخة يموتون، ونحن الذين نمنح أنفسنا عادةً حقّ تحديد من أهم “أولاد الوسخة”، نحن أيضًا نموت. ما يضمن للسؤال، سؤال لماذا لا يموت أولاد الوسخة، استمراريته هو أننا وهم نسلّم الراية إلى من بعدنا، فتستمرّ المعركة، ويستمر الاشتباك. مارغريت تاتشر ماتت بالأمس عن عمر يناهز 87 عامًا. فرح الكثيرون بموتها. الدوافع وراء فرحهم مُستوعبة، وما أكثرها. المرأة كانت مصيبة على بريطانيا والعالم. أنا، من ناحيتي، لم أبالي بموتها، هي أصلاً ماتت منذ زمن بعد أن خرجت من دائرة الضوء. ما يعيش هو المنهج الذي انتهجته، والسياسات التي أرستها.

379246_397617986988302_1884518610_nعلى عكسنا، يتمتّع من هم على الطرف الآخر، بميزة هامّة، ميزة الحادث الفردي. في مصر ثمّة حادث طائفي كلّ عام تقريبًا، لكنها طبعًا وفق ما تقوله الحكومات حوادث فرديّة، لا دليلاً على وجود مشكلة طائفيّة في الجمهورية. القمع ليس منهجيًا في وزارة الداخليّة، إنه حادث فردي. الفساد في الجزائر والعنصريّة في لبنان، إنها ليست ظواهر بل حوادث فردية. حكومة حماس في غزّة في رصيدها عشرات “الحوادث الفرديّة” التي قُمع فيها أفراد وفضّت فيها اعتصامات وقطعت الكهرباء عن فعاليّات. الحوادث الفرديّة في كلّ مكان وهي لا تعيب المؤسسة، لا تعيب النظام، لا تعيب السلطة فهي، في نهاية المطاف، مجرّد حوادث فرديّة.

عندما تعرّت علياء المهدي (تعرّى معها صديقها بالمناسبة) قامت الدنيا ولم تقعد. الحراك الشبابي في الضفّة يُواجه مرّات عديدة بتهمة أن غالبيته منحلّة وتشرب الخمور. كان نشطاء في غزّة قد تعرضوا لمحاولة تشويه بادّعاء تواصلهم المباشر مع قوات الاحتلال او وصفهم بالساقطين أخلاقيًا، وكذا كان الحال في مصر. حتى اسرائيل، الدولة التي نشأت على الدم وبه تتغذى تستخدم حجة الحادث الفردي إن شعرت أنها مضطرة. الأمر نفسه ينسحب على أكثر أنظمة العرب وحشيّة، نظام الأسد الذي أكد على لسان رئيسه المجرم أنّ التجاوزات (تهشيم رؤوس الناس بالحجارة مثلاً؟) هي حوادث فردية سيجري العمل على معالجتها.

في هذا الفضاء العربيّ المرتبك، والمُربك، تكون الكتابة فعلاً خطيرًا. إنّ سهوًا صغيرًا أو سوء تعبير، إن هو حصل، قد يجلب على المرء الكثير من المتاعب. ناهيك عن الاستقبال العدائيّ لكل ما هو ليس متسقًا، على الأقل، مع نبرة الصوت الوسط. تخيلوا أن يكتب أحدهم عن تنظيم فعالية تثقيفيّة متعلقة بمسائل الجندر والمثلية في غزّة، بل وتخيّلوا (ولماذا التخيل؟ تذكروا) وصمة العار التي تشمل عائلة برمتها لمجرد أن فردًا فيها تعاون مع الاحتلال. الخارج، بكلّ ما فيه، ليس سهلاً وليس رحيمًا والاشتباك معه يجب أن يتم بحرفيّة.

لكن المرء يخطئ طبعًا، بل لابدّ له أن يفعل. كيف والشك، في حالتي على الأقل، هو نقطة الارتكاز شبه الوحيدة. كيف واليقين فكرة منفرة، والاعتناق مشهد مرعب. كيف لا يخاف المرء؟. صحيح أنّ الخوف لن يمنع من فعل ما عُقد العزم على فعله، لكنه سيعكر الأجواء. الأجواء التي لا تتحدث عنها النشرة. يبدو وقع هذه المفردة “مزبوطًا” تمامًا، خائف، لست متأكدًا ولا مبشّرًا ولا منظرًا، أنا خائف. كثيرون تحدثوا عن الحالة النفسية لكتّاب مشاهير، وكان ثمّة ما يشبه الاجماع على أنهم كانوا، بطريقة أو بأخرى، حزانى. يتراءى لي أن قسمًا كبيرًا منهم كان أيضًا خائفًا على اختلاف الدوافع.

إن كان لابد من السير في حقل الألغام، فليكن السير رقصًا زوربويًا. إن كان لابدّ من المقاومة، فلتكن مقاومة لا تقع في غرام الصاروخ. إن كان لابد من الحديث عن البديهيات، كالحقّ في تسريح الشعر، فليكن الحديث ساخرًا وطاعنًا في مصداقية السلطة الأخلاقيّة وصميمها المعنوي. إن كان لابدّ من الكتابة فلتكن، في حدّ ذاتها، حادثًا فرديًا.

الصورة من صفحة Contemporary Art

عن السيادة المصريّة وأنفاق رفح، حبيبة قلبي.

March 14, 2013

محمود عمر

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

تغيّرت معاملة الفلسطينيين في مصر ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتغيّرت معها أساليب طرحهم وقضاياهم في الإعلام المصري. لقد إزداد الأمر سوءًا. الفلسطينيّون، حسب الإعلام المصري ولفيف من الرسميين المصريين، في كلّ مكان. إنّهم يقتحمون السجون، يسرقون البضائع والسيّارات والمحروقات والكهرباء ويحتلّون، في أوقات فراغهم، شبه جزيرة سيناء. عندما يشتدّ الضغط، ويتأزم المشهد، يرسل الفلسطينيون نخبة مختارة من المقاتلين المقنّعين لحماية قصر الرئاسة المصري. الأنفاق على الشريط الحدود بين رفح المصريّة ورفح الفلسطينيّة، وفق نفس المنطق، هي ما مكّنتهم من فعل ذلك كله، إنّها إكسيرهم السرّي، وخنجرهم المسموم.

العقليّة البائسة التي أنتجت كل ما سبق وأكثر من الخزعبلات هي نفس العقليّة التي حكمت، تحت عناوين مختلفة، هذا البلد الممتد صحراءً وحزنًا، على مدار عقود طوال. الثورة التي أطلقها شباب ملّوا الغبار والمصاعد المعطلة لم تتمكن بعد من حسم الأمور تمامًا؛ لم تتمكن -بعد- من إدارة الدفّة، وتصويب البوصلة. العَجزة لا زالوا في الحكم، ملتحين وغير ملتحين، ولا زال الإسقاط الفوقي للمعلومات، منذ أرساه عبد الناصر، وعمّده السادات، يعمل بسلاسة غير معهودة في بلد الانسداد المروري والسيستيم الواقع.

آخر ما جادت به القريحة: اتّهام عناصر من حماس بالتخطيط لقتل الجنود المصريين في منطقة الماسورة في رفح، انتقامًا من الجيش المصري لهدمه الأنفاق. لا أدلّة، لا تحقيق جدّي، دولة برمّتها لا تبالي بمواطنيها وترمي بالتهمة والمسؤولية على المُشيطنين ذوي اللهجة الرثّة. رخيص هو المصريّ عند دولته وولاة أمره، أرخص من أن يبحث في أمر موته، سواء مات على الحدود، أو في قطار محترق، أو برصاص الداخليّة.

ليست الأنفاق “شريان حياة”  وممرًا لمستلزمات الحياة اليوميّة فحسب.  إنّها نوعٌ من القفز فوق الحاجز، استعمال أمثل للعقل البشري، نموذج تجب دراسته في ميكانيزم الاختراق. الأنفاق، في حسابات المناكفة، بصقة في وجه من ظنّوا أنهم حبكوها جيّدًا، إسرائيليين وعربًا وأمريكان، وفي حسابات الجغرافيا، كسبٌ للناس على طرفي الحدود، وإسألوا بدو سيناء وأهلها اللذين لا قيمة ولا معنى لهم في حسابات القاهرة ونخبتها التي تنظّر عن سيناء وما زارتها يومًا.

عندما حفر الفلسطينيّون في غزّة الأنفاق بعدما أغلق العالم أبوابه في وجههم، لم يبالوا لا بسيادة مصريّة ولا قوانين دوليّة. وكيف لهم أن يبالوا؟ هذا الكلام الكبير يصغُر أمام رغبة إنسان فرد واحد في أن يرتاح. يشبه الأمر أنّ تفك حزامك، والزرّ الأول من البنطال، بعد وجبة غداء دسمة. هذه الرّاحة بعد ضيق، هذا الانشكاح الانسانيّ بامتياز، لا مردّ له ولا هويّة. لو كان الأمر متعلقًا بغير الفلسطينيين لفعلوها، لو كانت الجغرافيا مغايرة لتمّت. إنّها ألف باء بشريّة. من لم يفهم الأنفاق ويستشعر حلاوتها وهي التي مكّنت عشّاقًا من اللقاء وعائلات أن يلتم شملها، فلا خيار أمامه إلا أن يراجع إنسانيّته.

حاول كثيرون إنهاء الأنفاق باعتبارها ظاهرة يتفوّق فيها من هم تحت على من هم فوق. أجهزة السلطة الأمنيّة كانت قد أعدّت قبل سنوات خطة تفصيلية يتم تنفيذها بالتعاون بين السلطة، إسرائيل والجيش المصري. ذهبت الخطة ومن وضعها أدراج الرياح. قصفت إسرائيل الأنفاق غير مرّة، قصفوها بصواريخ ارتجاجيّة، بأعقد وأحدث ما جادت به القريحة العسكريّة الأمريكيّة، ولكن عَبس. حاول المصريّون، ضخّوا فيها الغاز، كهربوها، ملأوها بمياه المجاري، ولكن عَبس.

حفرها الفلسطينيّون مجددًا، وأعادوا تنظيم اللوجيستيك بحيث تكون الأنفاق شبكة متداخلة، وللنفق الواحد عدّة أعين. المعركة الذهنيّة بين من يدهن السور، ومن يكتب له عليه “مبروك الدهان الجديد” في القاهرة كانت هي نفس المعركة بين من يهدم الأنفاق ومن يحفرها في رفح، وفي الحالتين الغلبة كانت للمبدع. للرّاقص فوق الأرض، وتحت الأرض ويوم العرض على التاريخ. 

لن تنتهي الأنفاق إلا بانتهاء الوضع المشوّه الذي استدعى حفرها، وفتح المعبر للبضائع. لا يشمل ذلك المعطى أنفاق تهريب السلاح التي إن أرادها البعض مغلقة، كان لزماً عليه توفير السلاح شرعيًا. شيطنة الفلسطينيين في مصر هي نصيبنا من بؤس الدولة المصريّة المتفاقم، وسياسات المؤامرة والعدو المترصّد التي تجري فيها مجرى النَفس. لا يعني ذلك أن نصمت على ما يكال من اتهامات بلا أدلّة ولا شواهد. مهمٌ أن نتحدث، أن نشرح، أن ننفي، وأن نحاجج من أمنوا جانب اسرائيل واستعدوا حفنة من الفلسطينيين بمنطق الحقّ والحقيقة. الأهم، أن لا نكره، رغم كل ما نرى ونسمع، جوار مصر وقربها، وأن لا نكرهها جوارنا وقربنا، وأن ندفع جميعًا في الإتجاه الذي سيحسم كلّ شيء، ويزيل كل لغط ويشفي كل سقم، إتّجاه الثورة، مصريّة كانت أم فلسطينيّة. 

نزع القداسة عن المقاوم الفلسطيني: عبدالله البرغوثي نموذجًا.

January 6, 2013

محمود عمر

علينا كفلسطينيين أن ندرك أن محاولاتنا لتغيير واقعنا، عبر المقاومة، لا أفق حقيقي لها ما لم تترافق مع تبدّلات نقديّة فينا نحن، في وعينا، وفي السياق الذي نقرر أن نضع فيه مسألتنا الوطنيّة. لا يمكن لفلسطيني سلفي (بالمعنى الوطني للسلفيّة) أن ينجح فعلاً في تقصير عمر احتلال ذكي ومتمرّس كالاحتلال الاسرائيلي. إنّ حلبة المواجهة الأولى بين الفلسطيني ومحتلّه هي حلبة الفكر، ولهذا فإنّ العقل الفلسطيني مطالبٌ باعتناق مذهب يمكنه من التفوّق، بالدرجة الأولى، على المنظومة الفكريّة التي تحكم سير العمليّات في الدولة القائمة على ساحل فلسطين المحتل. ستّة عقود من عمر القضية كانت كفيلة بأن يتراكم الكثير من الغبار على العقليّة الفلسطينيّة التي وقعت ولا تزال في براثن الطوبى، ويسير بسبب منتجاتها كثيرٌ منّا إلى جهنم سالكًا الطريق المحفوف بالنوايا الحسنة.


عبد الله البرغوثيتعمل تلك العقليّة، الواجب تشريحها تمهيدًا لتغييرها، وفق آليّات من أهمها الإقحام في الأسطورة، وإطفاء طابع القداسة. بسبب تلك العقليّة، يعتبر كثير منّا أن «الثورة الفلسطينيّة» انتصرت في حصار بيروت 1982، وأنّ «المقاومة الفلسطينيّة» انتصرت في عدوان الرصاص المصبوب على قطاع غزّة عام 2009. يقدّم المدافعون عن ذلك المنهاج قصصًا تكاد تكون خياليّة عن البطولة، والفداء، لتقوّي موقفهم، وتقنع المزيد من الفلسطينيين، لاسيّما من الأجيال الجديدة، بأننا نسير من نصر إلى نصر، وأننا شعب جبّارين يمارس «حياته الطبيعيّة» رغم القصف. المقاوم الفلسطيني، باعتباره حجر الزاوية، يخضع في إطار هذه المنظومة الفكريّة/المجتمعيّة لعمليّات تشذيب على كافة الأصعدة، كي يتم تقديمه لاحقًا على أنّه بلا أخطاء، خارق للعادة، وأنّ نضاله كفل له هالة من القداسة لا يجب أن يفكر أحدٌ في الاقتراب منها.

عبد الله البرغوثي، الأسير الفلسطيني المحكوم 67 مؤبدًا و5200 عامًا وصاحب أكبر ملف أمني لدى إسرائيل، هو واحد من أولئك المقاومين الذي جرى ويجري إدخالهم في الأسطورة، وإطفاء طابع القداسة عليهم، دون سابق إذن أو إنذار. ولد البرغوثي في الكويت قبل أن ينتقل وأسرته إلى عمّان. سافر من عمّان إلى كوريا الجنوبيّة بحثًا عن وظيفة، فعمل في مصنع للميكانيك ودرس في إحدى المعاهد الهندسيّة هناك. خلال إقامته في كوريا تمكن من دخول عالم الانترنت الذي أتاح له فرصة التعرّف على آليات صنع المتفجرات والأحزمة الناسفة، وخبايا العالم الرقمي وطرق اختراق شبكات الاتصالات والهواتف النقالة. تزوّج فتاة كوريّة تدعى «مي سن» قبل أن يطلقها لأنّها لا تنجب إبّان عودته إلى عمّان. بعد سنين قليلة، كان عبد الله البرغوثي من أهم المطلوبين لإسرائيل في الضفة الغربية لتخطيطه وإشرافه المباشر على عدّة عمليات قام فيها شبان فلسطينيّون بتفجير أنفسهم في داخل الأراضي المحتلة عام 1948، كان من بينها عمليّة مطعم سبارو في القدس، ومقهى مومنت في تل أبيب.

يملك عبدالله البرغوثي كلّ ما يمكنه من أن يكون، في نظر البعض الفلسطيني، خطًا أحمرًا، ورجلاً من غير هذا الزمان. تمكّن من إدارة عمليّات كتائب القسام في الضفة الغربيّة بحنكة وعبقريّة، ونجح غير مرّة في إختراق المنظومة الأمنيّة الاسرائيليّة ورديفتها لدى أجهزة عرفات/عبّاس الأمنيّة. لكنّ البرغوثي أيضًا، ولسوء حظ مدمني الأفيون الوطني، قام مؤخرًا بإنهاء مذكراته داخل عزله في سجن ريمون، قبل أن يتم نشرها خارج السجن. المذكرات التي تحمل اسم «أمير الظل .. مهندس على الطريق» تقدّم الأدوات، والمشاهدات، التي تمكّن مَن يرغب في إعادة النظر في طريقة التعامل مع الفعل المقاوم، والفلسطيني المقاوم، من أن يفعل ذلك مطمنًا إلى سدادة رأيه، وصلابة حجّته.

تقدم تلك المذكرات، رديئة الأسلوب، فرصة ذهبيّة للاطلاع على خبايا العمل المقاوم في الضفة الغربية ما بين الأعوام 2000 إلى 2003. من خلال قصة عبدالله البرغوثي التي يرويها في حديث موجّه بالأساس إلى ابنته تالا، يدرك القارئ أن الأشياء ليست كما تبدو، حتى وإن كانت تلك الأشياء ذات طابع يشتبك مع الاحتلال الصهيوني. يرتسم أمام أعيننا مع كل صفحة عبدالله البرغوثي مغاير لعبدالله البرغوثي الذي تكتب عنه الأخبار، وتروى عنه القصص. يرتسم أمام أعيننا عبدالله البرغوثي الذي اشترط على أمّه، بعد تطليقه زوجته الكورية، بأن تكون الزوجة الجديدة فلسطينية، برغوثيّة، متعلمة، ولا ترغب في العمل؛ كي تربّي الأطفال، وأن يكون والدها هو رجل المنزل لا أمها، فهو لا يريد «زوجة قويّة تحول حياته إلى جحيم». إذًا، نحن أمام رجل عربي تقليدي، بعقليّة ذكوريّة.

العشاء الأخير لمقاتلي مخيم جنين.

العشاء الأخير لمقاتلي مخيم جنين.

ليس هذا وحسب، إذ يزيّن البرغوثي مذكراته بإيراد مقتطفات يسمّيها هو «شعريّة» ليصف بها مشاهداته في الضفة، وما يختلج صدره من غضب تجاه الاحتلال، وحبّ لفلسطين. يصف القدس بعد زيارته الأولى لها، في أبيات شعريّة حامت حوله «كأنها سرب من الصقور»: في القدس ما عاد للانتظار مكان / في القدس ما عاد بالامكان انسان / في القدس غرست أنياب الطغيان / في القدس غرس الصهاينة والاستيطان / في القدس ما عاد للحجارة ثمن / في القدس ما عاد يسمع صوت الأذان» .. إلى آخر «القصيدة». ويقول في موضع آخر واصفًا رام الله: «رام الله قومي استيقظي أرجوكِ / وأيقظي كلّ من أحبوكِ / أحزينة أنتِ فأبكوكِ؟ / على الشهداء الذين ودعوكِ؟ / وتحالفوا مع المحتل فبالظهر طعنوكِ؟ / رام الله قومي استيقظي أرجوكِ!». من نافل القول، طبعًا، أنّ الجمل السابقة، والتي تتلبّس تجنيًا لبوس الشعر، ليست من الشعر في شيء، بل هي رديئة بمقاييس النثر العادي. إذًا، عبد الله البرغوثي ليس رجلاً عربيًا ذكوريًا فحسب، بل و يكتب خواطرًا تشبه خواطر فتاة في الثانية عشرة من عمرها كذلك.

يورد عبدالله البرغوثي نفسه، عن غير قصد على الأغلب، مزيدًا من تجاربه التي تؤكّد أن الطوبى لا مكان لها في الأرض المحتلّة، وأن ما حدث ليس فعلاً كما تابعنا على الأخبار. يروي في مذكراته عن شاب فلسطيني قدم إليه طلبًا للشهادة، فقام عبدالله البرغوثي بتجهيزه بالحزام الناسف، قبل أن يغيّر رأيه ويمنعه من التوجه إلى داخل الخط الأخضر، بعد أن صمت الشاب ولم يجب على سؤال «لماذا تريد أن تستشهد؟». يشرح البرغوثي أنّ الشاب، والذي خضع للتحقيق عند «الأمن القسّامي»، كان انما يريد أن يستشهد حتى يمحي جرم والده، الذي كان عميلاً، فلا يقال عنه وعن أهله أنهم «أبناء العميل»، بل «أهل الشهيد». لم يفجّر ذلك الشاب نفسه بعد أن منع البرغوثي تجهيزه وطلب منه العودة، لكنّه قتل لاحقًا بعد أن قام بشراء مسدس وتوجه إلى أقرب نقطة اشتباك مع الجنود الاسرائيليين. قصّة أخرى كانت عن إمرأة أردت هي الأخرى أن تستشهد، وما ذلك إلا لأنها لا تنجب أطفالاً. صفعها عبدالله البرغوثي وأعادها، ومن ثمّ طلب من استشهادي آخر، أن يدعو الله لها، حين يصعد إلى الجنة، بأن تنجب أطفالاً. يذكر البرغوثي أنّها أنجبت لاحقًا ثلاثة أطفال سمّت ثالثهم عبدالله!

قد يعتقد البعض أنّ هذه المقاربة لشخص المقاوم الفلسطيني (عبدالله البرغوثي نموذجًا)، أو لفكرة الفعل المقاوم في حدّ ذاته، انما هي مقاربة وقحة تتجرأ على نضالات الكثيرين. لا يبخّس كاتب هذه الأسطر من قدر المقاومين والمقاومات، يدرك جيدًا أنّهم ضحّوا كثيرًا، وأنهم أفضل منه بكثير على المقياس الوطني، وأنّ الوضع الفلسطيني كان ليكون أسوأ بمراحل لولا وقفتهم في وجه المشروع الصهيوني، لكنّه يحاول القول، بكل هدوء، أنّهم بشر عاديّون، وأنّ فلسطين الحرّة هي فلسطين العاديّة، والتي سينجز تحرريها العاديّون، وأن لا شيء فوق النقد، لا الأفكار، ولا الأشخاص. فليبحث من يريد «شعبًا جبّارًا» عن شعب آخر، وليشتري من يصوّر لنا المقاومين الفلسطينيين على أنّهم أساطير و super men كتبًا عن الميثولوجيا الإغريقية ويتركنا نقارب اضطرارنا إلى المقاومة، ونبحث في طرق إشباع نهمنا إلى أفق بلا أسلاك شائكة.

تنتهي المذكرات أن يبدي عبدالله البرغوثي خيبته من استمرار سجنه بعد صفقة التبادل التي أبرمتها حماس مع السلطات الاسرائيليّة. جديرٌ بالذكر أن عبدالله البرغوثي خرج من العزل الانفرادي بعد اضراب الأسرى الجماعي الأخير عن الطعام، وفق الاتفاق الذي وقّعته قيادة الاضراب الموحدة مع مصلحة السجون. إنّه فلسطيني آخر عادي، قاوم إسرائيل على طريقته، وأبدع في ذلك، لا أكثر ولا أقل.

قصّة قصيرة على معبر طويل.

January 10, 2012

هذه القصّة مُتخيّلة وأي تشابه بينها وبين أيّة أحداث واقعيّة لا يعدو كونه مجرّد صدفة أخت شلن.


في تمام السّاعة الواحدة وخمس عشرة دقيقة، وبينما كانت شمس غزّة قد وجدت لنفسها بقعة خالية من الغيم الأبيض الذي ملأ السماء على عجل، وصل صخر ومحمّد واسماعيل وروحي إلى البوابة الفلسطينيّة بعد أن اجتازوا، على مراحل، المئة كيلومتر المحرّمة بين “شقّي الوطن”. أشار روحي بسبّابته من نافذة السيّارة إلى صندوق حديدي ضخم، لونه يميل إلى الحمرة، وقال: إنّهم هناك، سيأتي أحد صبيتهم بعد قليل ويطرح أسئلة روتينيّة قبل أن ندخل، هات سيجارة يا حاج اسماعيل. يعطي الحاج اسماعيل سيجارة مالبورو أحمر لروحي ويشعل أخرى لنفسه قبل أن يتمطى على المقعد الجلديِّ ويداعب خصيتيه بضجر طاعن في السّن.

صورة توضيحية.

صورة توضيحية.

دخان السجائر الذي انتشر في السيارة أعاد رسم مشهد الضّابط الاسرائيلي في مخيلة صخر. نظر بتمعّن إلى هذا الخيط الأبيض الصاعد متلاحمًا إلى الأعلى قبل أن ينقسم إلى أفرع صغيرة سرعان ما تتسرب من نافذة العربة المفتوحة كيفما اتفق. حدّق في الممر الترابي قبالته وعاد بمخيّلته إلى المكتب الأبيض:

– أهلين خبايبي، تفضلوا تفضلوا.

قال لهم الضابط الاسرائيلي وقد دخلوا عليه بعد انتظار دام أكثر من ساعتين قضوها صامتين كالأموات، جالسين كتلاميذ الابتدائيّة في انتظار أن يعرضوا على مدير المدرسة. عندما فُتح الباب ودخلوا، كانت الابتسامة على وجوه الأربعة هي نفسها التي شغلت محيّاهم طوال عقود مضت. ابتسامة صار زيفها، مع الأيام، حقيقيًا ولا مجال للتحكّم فيه. جلسوا على الكراسي المحيطة بمكتب الضّابط، وردّوا معًا كجوقة كَنسيّة: أهلاً بك.

– كيف كانت غحلتكم من قلنديا؟ آه خبايبي؟ انتوا تصريخكم طلع يوم الجمعة، لو ما طلع كنتوا رح تستنوا للأخد لانه السبت اجازة خبيبي 

(more…)

15 آذار، مرَّة أخرى.

March 14, 2011

قبل ثلاثة عقود من الآن، وفي مثل هذه الساعات من صباح الخامس عشر من آذار، كان وفدٌ من منظمة التحرير الفلسطينيّة يدق باب بيت سعيد المغربي في حيّ الطريق الجديدة في بيروت، حاملاً معه وصيَّة مكتوبةً باللون الأحمر، ووعودًا لا تُنكث، إن أخلف بها البعض، تلقفها البعض الآخر عازمًا على تحقيقها كاملةً كاستدارة بدر في منتصف سماء العاشقين. فُتح الباب وفُتح القلب، وقرأ سعيد المغربي وصيّة ابنته الشهيدة دلال، مسح ما تستطيع كفّه الوصول إليه من دموع، وترك الباقي منها يسقط بصمت في عيونٍ داخليّة. “لا تذرف دمعًا كثيرًا؛ فلقد صرت بنتًا للبلاد” بهذا ختمت دلال وصيّتها لأبيها، وكتبت في الباقي من الرسالة، بعبقرية فتاة من يافا، مولودة في صبرا، ما لا يمكن لنا أن نخونه، أو نلتفّ حوله؛ ذلك أنّ وصيّة الشهيد هي طلقته الأخيرة التي يسحبها من مخزن بندقيته، ليتركها لمن بعده، ومن يخون رصاصةً، ويطلقها في غير وجهتها، إنما يقتل نفسه، ويمثّل بجثث تدفن بدمها نقيّة .. لا تُغسّل.

أمّا الخامس عشر من يناير، والخامس والعشرون من نفس الشّهر، والسابع عشر من فبراير، فكلُّها تواريخ حديثة على الذاكرة الفلسطينيّة. لم يحدث أن جلسنا، نحن الفلسطينيّون، بجسدنا الثقيل المليء بالرضوض و الرصاص المستورد من أمريكا، على إختلاف مستورديه، بأحلامنا وقضيّتنا المليئة بالورد والأشواك، من يعيش منّا وراء الخطّ الأخضر، ومن يعيش أمامه، ومن يعيش في الشتات، وفي المنفى، وفي السجون، لم يحدث أن جلسنا جميعًا واتحدنا في شيء آخر غير الموت جماعاتٍ أمام الصّاروخ، اتحدنا أمام التلفاز!. نعم .. هذا على الشّاشة خطٌ أحمرُ عريض، وهذي مسيرة، لكنّ الذي يموت ليولد بشكل آخر، وعلى غير العادة، لا يتحدث لهجتنا، إنّه يتحدث نفس اللغة، لكنّ اللهجة مختلفة، هذا تونسي! هذا مصري! هذا ليبي!، أين الفلسطيني؟، إنّه يجلس على أريكته، محاطًا بزجاجات تقتبس الثمالة والأوجاعَ والنسيان والذاكرة، محاطًا بالسجائر المطفأة وأهازيج ظريف الطول، في غرفة علّق طمعًا في حبّ الله على جدرانها آياتٍ من القرآن وترتيلةً للقدّيس شربل وصورةً لأمّ المخلّص؛ جلس الفلسطينيّ ليتابع للمرّة الأولى قصفًا بالطائرات لا يعقبه قصيدة تقول جرّبناك، ولا إتصال من مراسل أو فتحٌ لمعبر رفح ولا – ويا أسف الآسفين في أقاويلٍ أخيرة – إشعالاً للشّموع في مكان ما مدوّر !

(more…)


%d bloggers like this: