Posts Tagged ‘خضر عدنان’

إلى «أسرانا البواسل» المضربين عن الطعام: طيّب وبعدين معكم؟!

December 26, 2012

محمود عمر

في تتابع يذكّر بالطقس الأوليمبي، تنتقل شعلة «أطول إضراب عن الطعام في التاريخ» من أسير فلسطينيّ إلى آخر، فبعد أن حملها خضر عدنان الذي دشّن مرحلة «الإضرابات الفرديّة»، انتقلت الشعلة إلى ثائر حلاحلة فبلال ذياب فمحمود السرسك قبل أن يستقرّ بها المقام – مؤقتًا – عند الأسير الفلسطيني أيمن الشراونة المضرب عن الطعام منذ أكثر من 170 يومًا. يمكن لهذا المقال أن يكون نقلة أخرى في التتابع الذي يوازي تتابع الشعلة إذا ما شرع كاتبه في تمجيد بطولات أولئك الأسرى، والشدّ على أياديهم، ودعوة «أحرار العالم» للتحرّك الفوريّ والسريع، ومطالبة «السلطة الوطنيّة» على طريقة حلمي الأعرج -مدير إحدى المؤسسات الحقوقيّة في رام الله- بأن تدعو لاجتماع عاجل للجامعة العربيّة كي يتم، على الأغلب، إعلان حالة «البيانات شديدة اللهجة» على إسرائيل، في حين يمكن للمقال أن يحاول مقاربة المسألة من ناحية مختلفة، وأن يسلّط الضوء على مناطق معتمة في هذا الفضاء الموسوم بالبطولة البائسة حدّ الملل.

Fifteen Days of Hunger Strikeمنذ نكسة العرب عام 1967 وحتى اليوم، خاضت الحركة الأسيرة الفلسطينيّة أكثر من عشرين إضرابًا مفتوحًا عن الطعام. أوّل تلك الإضرابات كان سنة 1969 بسجن الرملة، وآخرها كان في مايو من العام الحالي واستمرّ لمدة 28 يومًا. أنهت تلك الاضرابات الجماعيّة بما سبقها من تخطيط مشترك وجاهزيّة نفسيّة، وما زامنها من ثبات وواقعيّة، العديدَ من مظاهر القهر والذل داخل معتقلات إسرائيل. لم يعد الأسرى مجبرين على العمل في الخياطة وما شاكلها، سُمح لهم بتبادل الكلام في الساحات ومشاهدة التلفاز واستخدام الملاعق والصحون، وانتهى إلى غير رجعة زمن مناداة السجّان بـ«أمرك سيدي». تلك المنجزات لم تكن بالمجّان. استشهد العديد من الأسرى في تلك الاضرابات، كان أوّلهم عبد القادر أبو الفحم عام 1970 في سجن عسقلان، ومن بينهم راسم حلاوة وعلي الجعفري وإسحاق مراغة في إضراب سجن نفحة عام 1980 الذي استمر لمدّة 32 يومًا وحاولت إدارة السجون إنهاءه باتبّاع أسلوب «الإطعام القسري»، قبل أن تلتحق بقيّة السجون بالإضراب فترضخ مصلحة السجون الاسرائيلية لمطالب الأسرى وتوصي بإدخال الأسرّة وتوسيع مساحات الغرف والساحات والسماح بألبومات الصور ومواد القرطاسيّة. التحرّك الشعبي الفلسطينيّ في الضفة الغربيّة وقطاع غزّة والداخل كان دومًا عاملاً مساندًا لإضرابات الأسرى الجماعيّة، بل وحاسمًا بعض الأحيان كما هو الحال في إضراب سبتمبر 1992 الذي تابع خلاله الأسرى الفعاليّات الفلسطينيّة المقاومة الموازية (يشاع الآن استخدام كلمة تضامن، حفنة من الفلسطينيين «تتضامن» مع حفنة أخرى) قبل أن ينتهي الاضراب بالسماح بالزيارات الخاصة وإدخال بلاطات الطبخ إلى غرف المعتقلات وإضافة المعلّبات والمشروبات الغازيّة على قوائم «الكانتينة».

يظهر جليًا أثناء معاينة الإضراب عن الطعام باعتباره السلاح الأكثر فعاليّة، وفحص توقيتات وآليّات استخدام ذلك السلاح من قبل الحركة الأسيرة الفلسطينيّة، أنّ العمل الجماعي، والتصعيد المتسلسل، وعموميّة المطالب التي سيستفيد من تحققها كلّ الأسرى، كلّها عوامل تدفع لا في سبيل إنجاز الهدف المحدد وتحسيت الظروف المعيشيّة داخل المعتقلات وإجبار إسرائيل على الرضوخ فحسب، بل وفي سبيل إجبار «الفلسطينيين خارج السجون» على أن يتركوا ما في أيديهم، ويلتفتوا مجبرين لما يحدث داخل السجون، لا أن يكون ذلك حسن أخلاق منهم، وتمتعًا بوطنيّة ذات منسوب مرتفع. يكفي أن نقول أنّ إضراب سجن نفحة عام 1980 الذي كان نقطة تحوّل تامّة حظي بإسناد شعبي عارم، وأنّ إضراب سجن جنيد عام 1987 كان رافدًا أساسيًا من روافد الإنتفاضة الفلسطينيّة الأولى، وعاملاً أساسيًا من عوامل إندلاعها، في حين تتلخص مظاهر الدعم (التضامن؟) مع الإضرابات الفرديّة الراهنة عن الطعام، لأسرى فلسطينيين يغلب عليهم لون حزبيّ واحد، في إقامة “خيام” أمام مراكز الصليب الأحمر (خيام تضامن؟) ومسيرات تتحرّك من نقطة محددة وتنتهي عند نقطة محددة، والعديد من «ستيتوس» الفيس بوك، والتدوينات الانجليزيّة التي يجود بها علينا كثيرون. 

بالمنطق، والأرقام، نجد أنّ أطول إضراب جماعي عن الطعام كان في عام 1976، وانطلق من سجن عسقلان. المدّة: 45 يومًا. النتائج: إدخال القرطاسيّة، السماح بمراسلة الأهل، تحسين نوعية وكمية الطعام، واستبدال فرشات الأسرِّة. الاضراب الثاني في استمراريّته كان اضراب سجن نفحة عام 1980. المدّة: 32 يومًا. المدد الزمنيّة للاضرابات الجماعيّة الأخرى تتراوح بين ثمانية أيام (اضراب معتقل كفار يونا)، وتسعة أيام (إضراب سجن نفي ترستا)، و13 يومًا في إضرابات أخرى، و23 يومًا كانت هي مدة الاضراب الجماعيّ الأخير والذي تمّ إنهاؤه بتوقيع القيادة الموحدة للاضراب اتفاقًا مع مصلحة السجون الاسرائيليّة يقضي بالغاء  «قانون شاليط » وسحب تدريجي لمحدثاته في السجون الاسرائيليّة. اذا ما تناولنا الاضرابات الفرديّة، يكاد المنطق يختفي، وتصير الأرقام فلكيّة: هناء شلبي – 42 يومًا. خضر عدنان – 66 يومًا. ثائر حلاحلة وبلال الذيب – 76 يومًا. محمود السرسك – 96 يومًا. سامر العيساوي 145 يومًا. أيمن الشروانة – 171 يومًا. (مين يزيد؟). النتيجة: إفراج عن الأسير، إما فورًا أو في موعد محدد، وإما إلى محل إقامته الأصلي أو «منفيًا» إلى غزّة.

بعد كل ما سبق، وبعد التأكيد على إحترام نضالات أولئك الأسرى الذين قرروا خوض إضرابات فرديّة عن الطعام إحترامًا لا يعطيهم حصانة من أي نوع، ولا يجعلهم فوق النقد، وبعد التطرّق لحقيقة أنّ لا مجال لإنسان أن يصمد في إضراب “حقيقيّ” عن الطعام لأيام يصل عددها لتلك الأرقام الخياليّة دون إسناد طبّي خارجي تقدّمه إسرائيل دون عناء (بوبي ساندز مات بعد 66 يومًا فقط)، وبعد حصر ردود الفعل الفلسطينيّة في خيام التضامن والمسيرات وبيانات الشجب ووسوم تويتر، وبعد التخمة التي سببّتها كلّ مقولات التمجيد والإقحام في الأسطورة، ألا يجدر بنا أن نتأنّى قليلاً، ونطرح بعض الأسئلة؟. هل يجب إعتماد هذا النسق من المقاومة؟ ما رأي الأسرى بقرار أحدهم الفردي بخوض إضراب عن الطعام؟ ما هي خطواتهم هم لدعمه ولماذا لم نسمع عنها؟ ألا نملّ من البطولة وكسر أرقام قياسيّة تكسرنا؟ هل كُتِب علينا هذا المجد المرهق؟ أليس ثمّة ما هو أسهل، وأنجع؟ هذه أسئلة وغيرها مطروحة برسم الجميع.

يا خضر عدنان .. ارحمنا قليلاً!

February 16, 2012

محمود عمر – غزّة

الأسير المعتقل إداريًا الحُر فعليًا خضر عدنان المضرب عن الطعام منذ أكثر من 60 يومًا، السلام عليكَ وبعد: 

مكتوب في نشرة الأخبار أنّك تواجه خطر الموت. أنا أكتب لك هذه الكلمات لأنني، عدا عن كوني غاضب منك ومستاء من أخبارك، أواجه خطر الحياة. الحياة اليوميّة بتفاصيلها الكئيبة يا خضر. أكتب لأنّ الجَمع من حولي مشغول فيما أنا مشغول فيه، والكل ينظر في عين من يجاوره كتفًا إلى كتف – لا فسحة للشيطان بيننا كما تعلم، ما عاد الشيطان ضروريا – نظرة استحقار من عين تكاد تشرع بالبكاء. بكاء كالذي اعترى جنود بني أمية وهم يسرقون حليّ نساء بيت النبي. نبكي ونسرق يا خضر، نبكي ونسرق.

أكتب إليك لأسأل: من تحسب نفسك؟ ها؟ من أين جئت بهذه القدرة الموجعة على اللامبالاة؟ كيف تسرّب هذا الكمُّ الهائل من الجَلد إلى جلدك؟ ماذا خطر في بال الله وهو يقلّبك طينًا بين يديه؟ أبشرٌ أنتَ مثلنا أم لك كفّ مضاءة وأفعى تسعى؟ هل تتبرّز وتبصق على الأرض ويطول شعرك وتختبر شكوكًا عميقة في كلّ شيء من حين إلى آخر؟ وكيف نجوت، أعني: لو كنت بطلاً وراجل قد كلمته، كيف في زماننا هذا نجوت؟ أجب!، قل أيّ شيء، دعني أسمع صوتك تتلقفه جبال فلسطين، والويل الويل لك لو ذكّرتني بسيناء القريبة وانهار على إثر صوتك أحدها! 

قاسٍ أنت يا خضر.

العشرات، وربّما المئات، غيروا صورة الفيس بوك إلى صورتك. العشرات، وربّما المئات، خرجوا في مسيرات تضامنيّة وأشعلوا الشموع، العشرات، وربّما المئات بل وربما الآلاف من عاهرات وعاهري وداعرات وداعري هذا الوطن السعيد أتوا من كل حدب وصوب يلهثون وراء فلاش الكاميرات وأسلاك الميكروفونات ليجدوا أنفسهم، دون تخطيط مسبق، في حضرتك أنت، تسلّم عليهم وتطلب منهم الجلوس والهدوء قبل أن تبدأ في إلقاء درسك اليوميّ عن الأخلاق والأمراض المنقولة جنسيًا. أيُّ عذاب هذا يا خضر؟ أيُّ عذاب سببت لنا، ولي أنا، على وجه الخصوص؟

هل تصلك في أرض الأبطال التي أنت فيها أخبار أسعار المحروقات؟ هل تعلم أن لتر البنزين في غزّة شارف سعره على الأربع شواكل؟ هل جاءك حديث الراتب؟ وشتم شرطة المرور؟ وتوقيع المصالحة للمرّة المليون؟ وأسماء قرىً يسرقها الحاجز ليتسمّى بها فتضيع القرية ويظلُّ الحاجز؟ هل عندكم مواتير وسهرات شواء وحفلات زفاف في فنادق خمس نجوم؟، هل تشعرون، أنت وصحبك، ولو بقليل من العجز الذي ينخر عظم السواد الأعظم؟

اسمع يا خضر، خارج سجنك، خارج وجهك، خارج عينيك .. “الحياة” باتت جداول يا عزيزي، جدول رواتب، جدول انقطاع كهرباء، جدول حواجز، وأنت تتجاهل ذلك وتتناساه وتحدثنا بكل برود عن الشّعر الحر ورفض الواقع. نحاول ارتجال شيء للحفاظ على ماء الوجه فنشيّد لك خيمة اعتصام أمام الصليب الأحمر ويقترح أحدهم (قصة حقيقية) أن نقيم من أجلك أمسية شعرية ولا نقعدها! سنقصفهم بالكلمات وندكّ أسوار السجن بالمجازات ونشبعكَ مديحًا يا أيُّها المضرب عن الطعام. الحياة جداول يا عزيزي، وما دمت حيًا تصارع، ستظلُّ تؤلمني وتنغص عليّ حياتي (كم هي مؤلمة هذه المفردة)، تقع مني في هذا الزحام فأنكسر. أمّا حين تموت .. فسنأتي من كبار السنّ والمجانين والصناديق العتيقة بالجدول الأوّل – جدول الشهداء – ونكتب اسمك ونمضي .. ويُقال أننى نكاد ننسى .. حتى يجيئنا نبيُّ آخر غيرك.


%d bloggers like this: