Posts Tagged ‘رام الله’

مبتذلاً كفيلم زياد دويري، كقبر عرفات، كزيارة فنّانة

December 30, 2013

محمود عمر

لطالما اختبرت صعوبة في “بلع” الأفلام المعمولة لفلسطين أو عنها. سواء كان الغرض تمجيد الفلسطينيين أو تحقيرهم أو ببساطة عرضهم، ثمّة مسحة من الركاكة تسم كلّ شيء؛ التصوير، الحبكة، المَشاهد، الممثلين، وبالأخص: السيناريو. ما هذا الهراء؟ ما هذا الترديد الأبله لجمل محسوبة ومفضوحة الرمزيّة؟ نحن لا نتحدث هكذا! نحن لسنا مبتذلين وبدائيين إلى هذه الدرجة وكلامنا ليس مباراة تنس أرضي نتبادل فيها الضربات بمنطقيّة محسوبة، بل ثلاجة مليئة بالأصناف أو صوت مسافرين في محطة قطار مزدحمة. نحن نتكلّم، بكلّ معنى الكلمة، في حين يجري تقديمنا في الأفلام على أننا نؤدّي؛ نعلك الهواء ونقول أشياءً مهما بدت بليغة إلا أنّها، بكلّ أمانة، غارقة في السخافة.

MV5BMTYxODIyMTQzMF5BMl5BanBnXkFtZTcwNTk4OTU0OQ@@._V1__SX640_SY720_أعمال قليلة تفلت من هذا السياق وتقول شيئًا ما. فيلم ايليا ابي سليمان “الزمن الباقي” مثلاً. هناك “حقيقة” ما فيه. ملمس خشن للأشياء وكثافة محترمة لكلّ اشتغال بصري. أمّا الغالبية العظمى فهي نفس التكرار البائس: مشهد في قمة الاعتباطيّة لفلسطيني يفترض أنّه على وشك القيام بعملية استشهاديّة. استعراض يتراوح بين الهمجيّة والتحضر لدولة اسرائيل. تصاميم قميئة لبوسترات شهداء ماتوا وعلّقناهم على الحائط. قصص حب عبيطة وهبلة يُحاول مخرج ما أن يجعلها تبدو “فلسطينيّة” بامتياز.

هل هكذا يكون الحبُّ فلسطينيًا بامتياز؟ أن يكون مبتذلاً كقطّ مبلول؟ لماذا لا يريحوا أنفسهم، ويريحونا معهم، ويعلنوا أنّ كل الأفلام السابقة، واللاحقة، عن فلسطين،  تقع في خانة الكوميديا؟ نعم، الكوميديا. كوميديا الزيت والزعتر والكوفيّة والزيتون والحاجز والجندي والجدار والرجعيّة والتنوير والواقعيّة والصاروخ. كوميديا القضيّة المركزيّة.

فيلم زياد دويري الأخير، الهجمة 2012، وبعيدًا عن كلّ الجدل السياسي الذي صاحبه ولحقه، هو تكثيف نموذجيّ لكلّ ما هو بغيض في الأعمال السينمائيّة المقتربة من فلسطين: السيناريو المفضوح بالغ الركاكة، التكرار العدمي لنفس المتاهات الفلسفيّة المرتبطة بالصراع، ومحاولة خلق التراجيديا عبر الاستعانة بقائمة لا نهائيّة من الكليشيهات التي تكاد تبتلع كلّ شيء. الفيلم حالة ابتذال سينمائيّة تجعل من الأرض بين البحر المتوسط ونهر الأردن “لوكيشن تصوير”، وتجعل من القاطنين في تلك الأرض، أيًا تكن هوياتهم والمهام المفروضة على عاتقهم بناءً على تلك الهويات، دمى بالغة البلاهة لا تحركها إذ تحركها إلا رغبة في إنجاز إشتغالة سينمائيّة لطيفة يتمايل على إثرها المجوّفون طربًا وسعادة.

ولكن، هل يقتصر ذلك على الفنّ السابع، على الكذب الموضوع في كادر والمسبوق بكلمة “أكشن”؟. أليس قبر عرفات القائم في رام الله، والزيارات الموسميّة له مع إكليل الورد الذي لا يتغير ولا يتبدل، أليس ذلك في حدّ ذاته ابتذالاً لا يملك حتى في معرض الدفاع عن نفسه أن يقول إنّه تمثيل؟. وبماذا، إن وضع المرء كلّ وسائله الدفاعيّة ولاءاته البنيويّة جانبًا، بماذا يمكنه مقاربة ما هو ليس فيلمًا مبتذلاً، لكنّه يبدو كذلك؟ على أيّ صفحة سنجد هذا الفيلم، الذي هو ليس فيلمًا، لنقيّمه أردئ تقييم؟

الفنانات الواقفات بخشوع عقيم وحزن مغشوش أمام قبر الرئيس، والرئيس الجاثم على الكرسيّ من بعد الرئيس، ورام الله المُضحكة التي تقف على البار محاولةً، دون يأس، أن تمنع لحمها المهترئ من التسرّب من فتحات قميصها الضيّق، ممسكة بيد شاب ظنّ كثيرون في غير موضع أنّه ابنها لا عشيقها المراهق. المسيرات التي يقودها المصورون الصحفيون، ويشاركهم فيها أحيانًا بعض المتظاهرين، وأورجازم لفيف الراديكاليين في رام الله مع كلّ عرض عسكريّ في غزّة. هذا كله، من وماذا يبرره؟ أيّ مخرج وأي طاقم؟ مع من يجب أن نتحدث حتى نوقف هذه المهزلة؟

أتكون حياتنا، حقًا، مجرّد فيلم طويل يشبه أفلام “زيتون” و”خمس كاميرات مكسورة” والصدمة”؟ أتكون حياتنا الفعليّة والمأمولة تفاعلاً لا نهائيًا وعرضًا متقنًا لنفس المواد والافكار المنتجة لتلك الأفلام؟. أيعقل هذا؟ لكن لا! مستحيل! لماذا؟ لأنّ هذا هراء. نحن لا نتحدث هكذا، نحن لسنا مبتذلين وبدائيين ومغرقين في هذه الركاكة إلى هذه الدرجة. يستحيل، لأسباب موجودة وأخرى لا مشكلة في إختلاقها، أن نكون كذلك. 

نزع القداسة عن المقاوم الفلسطيني: عبدالله البرغوثي نموذجًا.

January 6, 2013

محمود عمر

علينا كفلسطينيين أن ندرك أن محاولاتنا لتغيير واقعنا، عبر المقاومة، لا أفق حقيقي لها ما لم تترافق مع تبدّلات نقديّة فينا نحن، في وعينا، وفي السياق الذي نقرر أن نضع فيه مسألتنا الوطنيّة. لا يمكن لفلسطيني سلفي (بالمعنى الوطني للسلفيّة) أن ينجح فعلاً في تقصير عمر احتلال ذكي ومتمرّس كالاحتلال الاسرائيلي. إنّ حلبة المواجهة الأولى بين الفلسطيني ومحتلّه هي حلبة الفكر، ولهذا فإنّ العقل الفلسطيني مطالبٌ باعتناق مذهب يمكنه من التفوّق، بالدرجة الأولى، على المنظومة الفكريّة التي تحكم سير العمليّات في الدولة القائمة على ساحل فلسطين المحتل. ستّة عقود من عمر القضية كانت كفيلة بأن يتراكم الكثير من الغبار على العقليّة الفلسطينيّة التي وقعت ولا تزال في براثن الطوبى، ويسير بسبب منتجاتها كثيرٌ منّا إلى جهنم سالكًا الطريق المحفوف بالنوايا الحسنة.


عبد الله البرغوثيتعمل تلك العقليّة، الواجب تشريحها تمهيدًا لتغييرها، وفق آليّات من أهمها الإقحام في الأسطورة، وإطفاء طابع القداسة. بسبب تلك العقليّة، يعتبر كثير منّا أن «الثورة الفلسطينيّة» انتصرت في حصار بيروت 1982، وأنّ «المقاومة الفلسطينيّة» انتصرت في عدوان الرصاص المصبوب على قطاع غزّة عام 2009. يقدّم المدافعون عن ذلك المنهاج قصصًا تكاد تكون خياليّة عن البطولة، والفداء، لتقوّي موقفهم، وتقنع المزيد من الفلسطينيين، لاسيّما من الأجيال الجديدة، بأننا نسير من نصر إلى نصر، وأننا شعب جبّارين يمارس «حياته الطبيعيّة» رغم القصف. المقاوم الفلسطيني، باعتباره حجر الزاوية، يخضع في إطار هذه المنظومة الفكريّة/المجتمعيّة لعمليّات تشذيب على كافة الأصعدة، كي يتم تقديمه لاحقًا على أنّه بلا أخطاء، خارق للعادة، وأنّ نضاله كفل له هالة من القداسة لا يجب أن يفكر أحدٌ في الاقتراب منها.

عبد الله البرغوثي، الأسير الفلسطيني المحكوم 67 مؤبدًا و5200 عامًا وصاحب أكبر ملف أمني لدى إسرائيل، هو واحد من أولئك المقاومين الذي جرى ويجري إدخالهم في الأسطورة، وإطفاء طابع القداسة عليهم، دون سابق إذن أو إنذار. ولد البرغوثي في الكويت قبل أن ينتقل وأسرته إلى عمّان. سافر من عمّان إلى كوريا الجنوبيّة بحثًا عن وظيفة، فعمل في مصنع للميكانيك ودرس في إحدى المعاهد الهندسيّة هناك. خلال إقامته في كوريا تمكن من دخول عالم الانترنت الذي أتاح له فرصة التعرّف على آليات صنع المتفجرات والأحزمة الناسفة، وخبايا العالم الرقمي وطرق اختراق شبكات الاتصالات والهواتف النقالة. تزوّج فتاة كوريّة تدعى «مي سن» قبل أن يطلقها لأنّها لا تنجب إبّان عودته إلى عمّان. بعد سنين قليلة، كان عبد الله البرغوثي من أهم المطلوبين لإسرائيل في الضفة الغربية لتخطيطه وإشرافه المباشر على عدّة عمليات قام فيها شبان فلسطينيّون بتفجير أنفسهم في داخل الأراضي المحتلة عام 1948، كان من بينها عمليّة مطعم سبارو في القدس، ومقهى مومنت في تل أبيب.

يملك عبدالله البرغوثي كلّ ما يمكنه من أن يكون، في نظر البعض الفلسطيني، خطًا أحمرًا، ورجلاً من غير هذا الزمان. تمكّن من إدارة عمليّات كتائب القسام في الضفة الغربيّة بحنكة وعبقريّة، ونجح غير مرّة في إختراق المنظومة الأمنيّة الاسرائيليّة ورديفتها لدى أجهزة عرفات/عبّاس الأمنيّة. لكنّ البرغوثي أيضًا، ولسوء حظ مدمني الأفيون الوطني، قام مؤخرًا بإنهاء مذكراته داخل عزله في سجن ريمون، قبل أن يتم نشرها خارج السجن. المذكرات التي تحمل اسم «أمير الظل .. مهندس على الطريق» تقدّم الأدوات، والمشاهدات، التي تمكّن مَن يرغب في إعادة النظر في طريقة التعامل مع الفعل المقاوم، والفلسطيني المقاوم، من أن يفعل ذلك مطمنًا إلى سدادة رأيه، وصلابة حجّته.

تقدم تلك المذكرات، رديئة الأسلوب، فرصة ذهبيّة للاطلاع على خبايا العمل المقاوم في الضفة الغربية ما بين الأعوام 2000 إلى 2003. من خلال قصة عبدالله البرغوثي التي يرويها في حديث موجّه بالأساس إلى ابنته تالا، يدرك القارئ أن الأشياء ليست كما تبدو، حتى وإن كانت تلك الأشياء ذات طابع يشتبك مع الاحتلال الصهيوني. يرتسم أمام أعيننا مع كل صفحة عبدالله البرغوثي مغاير لعبدالله البرغوثي الذي تكتب عنه الأخبار، وتروى عنه القصص. يرتسم أمام أعيننا عبدالله البرغوثي الذي اشترط على أمّه، بعد تطليقه زوجته الكورية، بأن تكون الزوجة الجديدة فلسطينية، برغوثيّة، متعلمة، ولا ترغب في العمل؛ كي تربّي الأطفال، وأن يكون والدها هو رجل المنزل لا أمها، فهو لا يريد «زوجة قويّة تحول حياته إلى جحيم». إذًا، نحن أمام رجل عربي تقليدي، بعقليّة ذكوريّة.

العشاء الأخير لمقاتلي مخيم جنين.

العشاء الأخير لمقاتلي مخيم جنين.

ليس هذا وحسب، إذ يزيّن البرغوثي مذكراته بإيراد مقتطفات يسمّيها هو «شعريّة» ليصف بها مشاهداته في الضفة، وما يختلج صدره من غضب تجاه الاحتلال، وحبّ لفلسطين. يصف القدس بعد زيارته الأولى لها، في أبيات شعريّة حامت حوله «كأنها سرب من الصقور»: في القدس ما عاد للانتظار مكان / في القدس ما عاد بالامكان انسان / في القدس غرست أنياب الطغيان / في القدس غرس الصهاينة والاستيطان / في القدس ما عاد للحجارة ثمن / في القدس ما عاد يسمع صوت الأذان» .. إلى آخر «القصيدة». ويقول في موضع آخر واصفًا رام الله: «رام الله قومي استيقظي أرجوكِ / وأيقظي كلّ من أحبوكِ / أحزينة أنتِ فأبكوكِ؟ / على الشهداء الذين ودعوكِ؟ / وتحالفوا مع المحتل فبالظهر طعنوكِ؟ / رام الله قومي استيقظي أرجوكِ!». من نافل القول، طبعًا، أنّ الجمل السابقة، والتي تتلبّس تجنيًا لبوس الشعر، ليست من الشعر في شيء، بل هي رديئة بمقاييس النثر العادي. إذًا، عبد الله البرغوثي ليس رجلاً عربيًا ذكوريًا فحسب، بل و يكتب خواطرًا تشبه خواطر فتاة في الثانية عشرة من عمرها كذلك.

يورد عبدالله البرغوثي نفسه، عن غير قصد على الأغلب، مزيدًا من تجاربه التي تؤكّد أن الطوبى لا مكان لها في الأرض المحتلّة، وأن ما حدث ليس فعلاً كما تابعنا على الأخبار. يروي في مذكراته عن شاب فلسطيني قدم إليه طلبًا للشهادة، فقام عبدالله البرغوثي بتجهيزه بالحزام الناسف، قبل أن يغيّر رأيه ويمنعه من التوجه إلى داخل الخط الأخضر، بعد أن صمت الشاب ولم يجب على سؤال «لماذا تريد أن تستشهد؟». يشرح البرغوثي أنّ الشاب، والذي خضع للتحقيق عند «الأمن القسّامي»، كان انما يريد أن يستشهد حتى يمحي جرم والده، الذي كان عميلاً، فلا يقال عنه وعن أهله أنهم «أبناء العميل»، بل «أهل الشهيد». لم يفجّر ذلك الشاب نفسه بعد أن منع البرغوثي تجهيزه وطلب منه العودة، لكنّه قتل لاحقًا بعد أن قام بشراء مسدس وتوجه إلى أقرب نقطة اشتباك مع الجنود الاسرائيليين. قصّة أخرى كانت عن إمرأة أردت هي الأخرى أن تستشهد، وما ذلك إلا لأنها لا تنجب أطفالاً. صفعها عبدالله البرغوثي وأعادها، ومن ثمّ طلب من استشهادي آخر، أن يدعو الله لها، حين يصعد إلى الجنة، بأن تنجب أطفالاً. يذكر البرغوثي أنّها أنجبت لاحقًا ثلاثة أطفال سمّت ثالثهم عبدالله!

قد يعتقد البعض أنّ هذه المقاربة لشخص المقاوم الفلسطيني (عبدالله البرغوثي نموذجًا)، أو لفكرة الفعل المقاوم في حدّ ذاته، انما هي مقاربة وقحة تتجرأ على نضالات الكثيرين. لا يبخّس كاتب هذه الأسطر من قدر المقاومين والمقاومات، يدرك جيدًا أنّهم ضحّوا كثيرًا، وأنهم أفضل منه بكثير على المقياس الوطني، وأنّ الوضع الفلسطيني كان ليكون أسوأ بمراحل لولا وقفتهم في وجه المشروع الصهيوني، لكنّه يحاول القول، بكل هدوء، أنّهم بشر عاديّون، وأنّ فلسطين الحرّة هي فلسطين العاديّة، والتي سينجز تحرريها العاديّون، وأن لا شيء فوق النقد، لا الأفكار، ولا الأشخاص. فليبحث من يريد «شعبًا جبّارًا» عن شعب آخر، وليشتري من يصوّر لنا المقاومين الفلسطينيين على أنّهم أساطير و super men كتبًا عن الميثولوجيا الإغريقية ويتركنا نقارب اضطرارنا إلى المقاومة، ونبحث في طرق إشباع نهمنا إلى أفق بلا أسلاك شائكة.

تنتهي المذكرات أن يبدي عبدالله البرغوثي خيبته من استمرار سجنه بعد صفقة التبادل التي أبرمتها حماس مع السلطات الاسرائيليّة. جديرٌ بالذكر أن عبدالله البرغوثي خرج من العزل الانفرادي بعد اضراب الأسرى الجماعي الأخير عن الطعام، وفق الاتفاق الذي وقّعته قيادة الاضراب الموحدة مع مصلحة السجون. إنّه فلسطيني آخر عادي، قاوم إسرائيل على طريقته، وأبدع في ذلك، لا أكثر ولا أقل.

رسالة محمود عبّاس إلى نتنياهو – نسخة مقترحة.

April 6, 2012

عزيزي نتنياهو .. يلعن دينك!

نعم يلعن دينك, هل تظنني سأخاف؟، هل تعدّل نظارتك الفاخرة في هذه اللحظات لتتأكد مما هو مكتوب فعلاً؟، هل ترفع السماعة لتطلب حضور كل مترجمي إسرائيل؟ هه!, أشفق عليك. غسان كنفاني الذي اغتاله موسادك كان قد افتتح بتلك الكلمات رسالة عشقيّة، وها أنا أفتتح بها خطابي إليك. غسّان الذي حاولتُ شطبه وكلَّ ما يمثله من التاريخ والجغرافيا كان غاضبًا من فرط الغيرة, وأنا غاضب من فرط الضجر. عزيزي نتنياهو, لقد اكتشفت أنني لا أملك شيئًا كي أخسره.

اسمعني جيّدًا ففي رسالتي هذه “سأجيب من الآخر” -كما نقول نحن الفلسطينيّون- وسأعكف بعد أن أتاكد من أن الرسالة قد وصلتك على أن أجيب آخرك. عشرون عامًا مرّت منذ وقّعت (أشعر بالعبث حين أتذكر تلك اللحظة) اتفاق اعلان المبادئ في حديقة البيت الأبيض اللعين أنا ورئيسك شيمون بيريز بحضور رابين وعرفات, عشرون عامًا بكل ما فيها من تفاصيل مرّت عليّ وأنا أعاند وأناطح وأنظّر وأصر وتأخذني العزّة بالاثم, عشرون عامًا وأنا أقاوم .. أقاوم فطرة المقاومة. يطلب صحفيُّ مقابلتي فأرتدي وجهي الدبلوماسي وبدلتي الأجنبيّة, أجلس قبالته وأدلق الديباجة إيّاها: المفاوضات هي الحل الوحيد, إسرائيل جارتنا، نريد أن نعيش بسلام. ينتهي اللقاء فأحلّ قليلاً ربطة عنقي لأتنفس يا نتنياهو, كم هو خانق أن تكذب على الهواء!

فعلت كلّ شيء وأنت تعلم ذلك. لم أفوّت مؤتمرًا, لم أتكاسل عن جولة مفاوضات (على اختلاف انواعها) منذ عقود، في 2003 ناطحت حتى شيخ القبيلة واستقلت من منصبي كرئيس للوزراء, طلبت في جلسة سريّة من قيادات عسكريّة أن يطلقوا النار على كل من يرونه يحاول اطلاق الصواريخ عليكم, وفّرت للجنرال دايتون كل الوسائل والدعم والتسهيلات اللازمة لعمله, وقد اعترف الرجل بذلك حين قال: “الذي حققناه وأقول هذا تواضعاً ، هو اننا صنعنا رجالاً جدداً”، التنسيق الأمني بين جماعتي وبينكم أكثر حميمّية من حديث رجل وزوجه آخر الليل، حصار غزّة أجوّده معكم، عشرة مليارات دولار سهّلت سكبها على الفلسطينيين كدعم أجنبي، تركت فياض يرتع في الضفّة الغربية بنظرياته النيوليبرالية حتى بلغ ما اقترضه سكان رام الله من البنوك في عهده فقط ثلاثة مليارات دولار, باختصار يا نتنياهو .. لقد أفنيت حياتي في المفاوضات وفي التنازل علشان خاطركم .. وعلى ماذا حصلت في المقابل؟

لاشيء هو ما حصلت عليه يا نتنياهو الشوم. لاشيء من الوطن, لاشيء من الدولة, لاشيء من السيادة, لاشيء من الكرامة, ولاشيء من الحريّة. أربعون مرّة تضاعف الاستيطان في آخر ثلاث سنوات، الشياطين تعلم كم مرّة تضاعف عدد الأسرى والجرحى والشهداء. أذهب للامم المتحدة ومعي فرقة أكبر من فرقة حسب الله في خطوة غرضها انقاذ بقايا البقايا لأجد مديرك اوباما والفيتو الخاص به في انتظاري، لا بل أن الخراء وصل إلى حد أن تصريح تنقلي نشر على الفيس بوك، وخمّن ماذا؟ لقد ضقت ذرعًا بذلك كله, أنا رجل كبير وقد تعبت، وهذا المشروع كله لا جدوى منه, لقد غزاني الملل, الملل الذي يوصفه كيركجارد بقوله: إنه مرعب إلى حد لا يمكنني عنده أن أصفه إلا بالقول إنه مرعب إلى درجة مملة.

ملاحظة: إيّاك أن تفكر بالرد على هذه الرسالة.

مرفق قرار حل السلطة الوطنية الفلسطينية.

قصّة قصيرة على معبر طويل.

January 10, 2012

هذه القصّة مُتخيّلة وأي تشابه بينها وبين أيّة أحداث واقعيّة لا يعدو كونه مجرّد صدفة أخت شلن.


في تمام السّاعة الواحدة وخمس عشرة دقيقة، وبينما كانت شمس غزّة قد وجدت لنفسها بقعة خالية من الغيم الأبيض الذي ملأ السماء على عجل، وصل صخر ومحمّد واسماعيل وروحي إلى البوابة الفلسطينيّة بعد أن اجتازوا، على مراحل، المئة كيلومتر المحرّمة بين “شقّي الوطن”. أشار روحي بسبّابته من نافذة السيّارة إلى صندوق حديدي ضخم، لونه يميل إلى الحمرة، وقال: إنّهم هناك، سيأتي أحد صبيتهم بعد قليل ويطرح أسئلة روتينيّة قبل أن ندخل، هات سيجارة يا حاج اسماعيل. يعطي الحاج اسماعيل سيجارة مالبورو أحمر لروحي ويشعل أخرى لنفسه قبل أن يتمطى على المقعد الجلديِّ ويداعب خصيتيه بضجر طاعن في السّن.

صورة توضيحية.

صورة توضيحية.

دخان السجائر الذي انتشر في السيارة أعاد رسم مشهد الضّابط الاسرائيلي في مخيلة صخر. نظر بتمعّن إلى هذا الخيط الأبيض الصاعد متلاحمًا إلى الأعلى قبل أن ينقسم إلى أفرع صغيرة سرعان ما تتسرب من نافذة العربة المفتوحة كيفما اتفق. حدّق في الممر الترابي قبالته وعاد بمخيّلته إلى المكتب الأبيض:

– أهلين خبايبي، تفضلوا تفضلوا.

قال لهم الضابط الاسرائيلي وقد دخلوا عليه بعد انتظار دام أكثر من ساعتين قضوها صامتين كالأموات، جالسين كتلاميذ الابتدائيّة في انتظار أن يعرضوا على مدير المدرسة. عندما فُتح الباب ودخلوا، كانت الابتسامة على وجوه الأربعة هي نفسها التي شغلت محيّاهم طوال عقود مضت. ابتسامة صار زيفها، مع الأيام، حقيقيًا ولا مجال للتحكّم فيه. جلسوا على الكراسي المحيطة بمكتب الضّابط، وردّوا معًا كجوقة كَنسيّة: أهلاً بك.

– كيف كانت غحلتكم من قلنديا؟ آه خبايبي؟ انتوا تصريخكم طلع يوم الجمعة، لو ما طلع كنتوا رح تستنوا للأخد لانه السبت اجازة خبيبي 

(more…)

من لا يشكر التحرير لا يشكر الله.

November 23, 2011

شكرًا لأنّك تحبّ لهجتي. الفلسطينيّون نادرًا ما يغيّرون لهجتهم،  ربّما كان ذلك لصعوبة تغييرها، وربما لأنهم  ببساطة لا يريدون ذلك، المؤكّد أنّ التحرير يتقبّل لهجتي القرويّة الفلسطينيّة ويسمعها كما يسمع أحمد رامي أمّ كلثوم.

شكرًا لأنّك تفتّشني. شكرًا لمن يبحث في جيوبي، يفتح  حقيبتي ويستغرب من رواية لميلان كونديرا أحملها معي. في فلسطين التفتيش يعني أمرين: الاحتلال ( وهو سيء ) والسلطة الوطنية ( وهي أسوأ ). في فلسطين التفتيش يعني الإهانة، يعني فرد الرّوح على الطاولة، وتشريحها على عجل. التفتيش يعني الحاجز، يعني الانتظار، يعني الفصل العنصري؛ أمّا في التحرير فالتفتيش يعني الأمان، ويعني الطمأنينة.

شكرًا لأنك تدعني أدخل؛ هكذا، ببساطة، دون توصيات، دون موافقات أمنيّة، دون تأشيرة، ودون شتيمة تمارس عزفًا بذيئًا على طبلة أذني. شكرًا لأنك بلا ختم إسرائيلي، وبلا شبّاكين: واحد لغزّة، والآخر للضفّة. بلا سفارة، وبلا استعجال خشية الاغلاق، وبلا حديث إسلامي مؤقّت ينتعله اللسان بغية الحصول على “تزكية” من حكومة تحبّ الله كثيرًا.

حالة نبوّة.

حالة نبوّة.

(more…)


%d bloggers like this: