Posts Tagged ‘رام الله’

مبتذلاً كفيلم زياد دويري، كقبر عرفات، كزيارة فنّانة

ديسمبر 30, 2013

محمود عمر

لطالما اختبرت صعوبة في “بلع” الأفلام المعمولة لفلسطين أو عنها. سواء كان الغرض تمجيد الفلسطينيين أو تحقيرهم أو ببساطة عرضهم، ثمّة مسحة من الركاكة تسم كلّ شيء؛ التصوير، الحبكة، المَشاهد، الممثلين، وبالأخص: السيناريو. ما هذا الهراء؟ ما هذا الترديد الأبله لجمل محسوبة ومفضوحة الرمزيّة؟ نحن لا نتحدث هكذا! نحن لسنا مبتذلين وبدائيين إلى هذه الدرجة وكلامنا ليس مباراة تنس أرضي نتبادل فيها الضربات بمنطقيّة محسوبة، بل ثلاجة مليئة بالأصناف أو صوت مسافرين في محطة قطار مزدحمة. نحن نتكلّم، بكلّ معنى الكلمة، في حين يجري تقديمنا في الأفلام على أننا نؤدّي؛ نعلك الهواء ونقول أشياءً مهما بدت بليغة إلا أنّها، بكلّ أمانة، غارقة في السخافة.

MV5BMTYxODIyMTQzMF5BMl5BanBnXkFtZTcwNTk4OTU0OQ@@._V1__SX640_SY720_أعمال قليلة تفلت من هذا السياق وتقول شيئًا ما. فيلم ايليا ابي سليمان “الزمن الباقي” مثلاً. هناك “حقيقة” ما فيه. ملمس خشن للأشياء وكثافة محترمة لكلّ اشتغال بصري. أمّا الغالبية العظمى فهي نفس التكرار البائس: مشهد في قمة الاعتباطيّة لفلسطيني يفترض أنّه على وشك القيام بعملية استشهاديّة. استعراض يتراوح بين الهمجيّة والتحضر لدولة اسرائيل. تصاميم قميئة لبوسترات شهداء ماتوا وعلّقناهم على الحائط. قصص حب عبيطة وهبلة يُحاول مخرج ما أن يجعلها تبدو “فلسطينيّة” بامتياز.

هل هكذا يكون الحبُّ فلسطينيًا بامتياز؟ أن يكون مبتذلاً كقطّ مبلول؟ لماذا لا يريحوا أنفسهم، ويريحونا معهم، ويعلنوا أنّ كل الأفلام السابقة، واللاحقة، عن فلسطين،  تقع في خانة الكوميديا؟ نعم، الكوميديا. كوميديا الزيت والزعتر والكوفيّة والزيتون والحاجز والجندي والجدار والرجعيّة والتنوير والواقعيّة والصاروخ. كوميديا القضيّة المركزيّة.

فيلم زياد دويري الأخير، الهجمة 2012، وبعيدًا عن كلّ الجدل السياسي الذي صاحبه ولحقه، هو تكثيف نموذجيّ لكلّ ما هو بغيض في الأعمال السينمائيّة المقتربة من فلسطين: السيناريو المفضوح بالغ الركاكة، التكرار العدمي لنفس المتاهات الفلسفيّة المرتبطة بالصراع، ومحاولة خلق التراجيديا عبر الاستعانة بقائمة لا نهائيّة من الكليشيهات التي تكاد تبتلع كلّ شيء. الفيلم حالة ابتذال سينمائيّة تجعل من الأرض بين البحر المتوسط ونهر الأردن “لوكيشن تصوير”، وتجعل من القاطنين في تلك الأرض، أيًا تكن هوياتهم والمهام المفروضة على عاتقهم بناءً على تلك الهويات، دمى بالغة البلاهة لا تحركها إذ تحركها إلا رغبة في إنجاز إشتغالة سينمائيّة لطيفة يتمايل على إثرها المجوّفون طربًا وسعادة.

ولكن، هل يقتصر ذلك على الفنّ السابع، على الكذب الموضوع في كادر والمسبوق بكلمة “أكشن”؟. أليس قبر عرفات القائم في رام الله، والزيارات الموسميّة له مع إكليل الورد الذي لا يتغير ولا يتبدل، أليس ذلك في حدّ ذاته ابتذالاً لا يملك حتى في معرض الدفاع عن نفسه أن يقول إنّه تمثيل؟. وبماذا، إن وضع المرء كلّ وسائله الدفاعيّة ولاءاته البنيويّة جانبًا، بماذا يمكنه مقاربة ما هو ليس فيلمًا مبتذلاً، لكنّه يبدو كذلك؟ على أيّ صفحة سنجد هذا الفيلم، الذي هو ليس فيلمًا، لنقيّمه أردئ تقييم؟

الفنانات الواقفات بخشوع عقيم وحزن مغشوش أمام قبر الرئيس، والرئيس الجاثم على الكرسيّ من بعد الرئيس، ورام الله المُضحكة التي تقف على البار محاولةً، دون يأس، أن تمنع لحمها المهترئ من التسرّب من فتحات قميصها الضيّق، ممسكة بيد شاب ظنّ كثيرون في غير موضع أنّه ابنها لا عشيقها المراهق. المسيرات التي يقودها المصورون الصحفيون، ويشاركهم فيها أحيانًا بعض المتظاهرين، وأورجازم لفيف الراديكاليين في رام الله مع كلّ عرض عسكريّ في غزّة. هذا كله، من وماذا يبرره؟ أيّ مخرج وأي طاقم؟ مع من يجب أن نتحدث حتى نوقف هذه المهزلة؟

أتكون حياتنا، حقًا، مجرّد فيلم طويل يشبه أفلام “زيتون” و”خمس كاميرات مكسورة” والصدمة”؟ أتكون حياتنا الفعليّة والمأمولة تفاعلاً لا نهائيًا وعرضًا متقنًا لنفس المواد والافكار المنتجة لتلك الأفلام؟. أيعقل هذا؟ لكن لا! مستحيل! لماذا؟ لأنّ هذا هراء. نحن لا نتحدث هكذا، نحن لسنا مبتذلين وبدائيين ومغرقين في هذه الركاكة إلى هذه الدرجة. يستحيل، لأسباب موجودة وأخرى لا مشكلة في إختلاقها، أن نكون كذلك. 

قصّة قصيرة على معبر طويل.

يناير 10, 2012

هذه القصّة مُتخيّلة وأي تشابه بينها وبين أيّة أحداث واقعيّة لا يعدو كونه مجرّد صدفة أخت شلن.


في تمام السّاعة الواحدة وخمس عشرة دقيقة، وبينما كانت شمس غزّة قد وجدت لنفسها بقعة خالية من الغيم الأبيض الذي ملأ السماء على عجل، وصل صخر ومحمّد واسماعيل وروحي إلى البوابة الفلسطينيّة بعد أن اجتازوا، على مراحل، المئة كيلومتر المحرّمة بين “شقّي الوطن”. أشار روحي بسبّابته من نافذة السيّارة إلى صندوق حديدي ضخم، لونه يميل إلى الحمرة، وقال: إنّهم هناك، سيأتي أحد صبيتهم بعد قليل ويطرح أسئلة روتينيّة قبل أن ندخل، هات سيجارة يا حاج اسماعيل. يعطي الحاج اسماعيل سيجارة مالبورو أحمر لروحي ويشعل أخرى لنفسه قبل أن يتمطى على المقعد الجلديِّ ويداعب خصيتيه بضجر طاعن في السّن.

صورة توضيحية.

صورة توضيحية.

دخان السجائر الذي انتشر في السيارة أعاد رسم مشهد الضّابط الاسرائيلي في مخيلة صخر. نظر بتمعّن إلى هذا الخيط الأبيض الصاعد متلاحمًا إلى الأعلى قبل أن ينقسم إلى أفرع صغيرة سرعان ما تتسرب من نافذة العربة المفتوحة كيفما اتفق. حدّق في الممر الترابي قبالته وعاد بمخيّلته إلى المكتب الأبيض:

– أهلين خبايبي، تفضلوا تفضلوا.

قال لهم الضابط الاسرائيلي وقد دخلوا عليه بعد انتظار دام أكثر من ساعتين قضوها صامتين كالأموات، جالسين كتلاميذ الابتدائيّة في انتظار أن يعرضوا على مدير المدرسة. عندما فُتح الباب ودخلوا، كانت الابتسامة على وجوه الأربعة هي نفسها التي شغلت محيّاهم طوال عقود مضت. ابتسامة صار زيفها، مع الأيام، حقيقيًا ولا مجال للتحكّم فيه. جلسوا على الكراسي المحيطة بمكتب الضّابط، وردّوا معًا كجوقة كَنسيّة: أهلاً بك.

– كيف كانت غحلتكم من قلنديا؟ آه خبايبي؟ انتوا تصريخكم طلع يوم الجمعة، لو ما طلع كنتوا رح تستنوا للأخد لانه السبت اجازة خبيبي 

(more…)

من لا يشكر التحرير لا يشكر الله.

نوفمبر 23, 2011

شكرًا لأنّك تحبّ لهجتي. الفلسطينيّون نادرًا ما يغيّرون لهجتهم،  ربّما كان ذلك لصعوبة تغييرها، وربما لأنهم  ببساطة لا يريدون ذلك، المؤكّد أنّ التحرير يتقبّل لهجتي القرويّة الفلسطينيّة ويسمعها كما يسمع أحمد رامي أمّ كلثوم.

شكرًا لأنّك تفتّشني. شكرًا لمن يبحث في جيوبي، يفتح  حقيبتي ويستغرب من رواية لميلان كونديرا أحملها معي. في فلسطين التفتيش يعني أمرين: الاحتلال ( وهو سيء ) والسلطة الوطنية ( وهي أسوأ ). في فلسطين التفتيش يعني الإهانة، يعني فرد الرّوح على الطاولة، وتشريحها على عجل. التفتيش يعني الحاجز، يعني الانتظار، يعني الفصل العنصري؛ أمّا في التحرير فالتفتيش يعني الأمان، ويعني الطمأنينة.

شكرًا لأنك تدعني أدخل؛ هكذا، ببساطة، دون توصيات، دون موافقات أمنيّة، دون تأشيرة، ودون شتيمة تمارس عزفًا بذيئًا على طبلة أذني. شكرًا لأنك بلا ختم إسرائيلي، وبلا شبّاكين: واحد لغزّة، والآخر للضفّة. بلا سفارة، وبلا استعجال خشية الاغلاق، وبلا حديث إسلامي مؤقّت ينتعله اللسان بغية الحصول على “تزكية” من حكومة تحبّ الله كثيرًا.

حالة نبوّة.

حالة نبوّة.

(more…)

رسالة صادقة إلى الوطن البذيء.

سبتمبر 22, 2011

كان متعبًا من الدّاخل، رأيت فيه، في صدره الهائج، كلّ الأحياء الذين قتلهم مواطنو هذا الوطن الجميل.

كنا قد عدنا من جلسة مطوّلة في أحد مقاهي القاهرة، شربت أنا فيها باسراف في حين لم يطلب هو إلا القهوة. وحده الشيطان يعلم ما هي الأفكار التي كانت تموج في عقله. بدت عيناه لي أكثر اتّساعًا، ربما استرجع كلّ ما قلناه عن الوطن واحتاج أن يرى كلّ هذا القبح، أن يحلّق عاليًا، ويتبرّز من “فوق” على من هم “تحت”. هل كان يرجف؟ لا أعلم. هل ذرف دمعةً أو دمعتين؟ لم أركّز، طلب مني ورقةً وقلم بصوت هادئ، تمدد على السرير وكتب: (more…)

احنا هيك بنعيِّد

سبتمبر 10, 2010

.

أو على الأقل، أنا هيك بعيِّد، فينعاد عليّ، وعليكم.

.


%d مدونون معجبون بهذه: