Posts Tagged ‘سيرة لاجئ’

حتى تتخلّى إيمان مرسال عن فكرة البيوت.

أبريل 17, 2013

محمود عمر

ترى إيمان مرسال (1966) ما نعجز نحن، لفرط انشغالنا، عن رؤيته. تمسك بلحظات إنسانيّة تكاد تبدو عاديّة قبل أن نكتشف حين تصيّر تلك اللحظة شعرًا كم كنّا نحن مخطئين وعاديين. الشاعرة المصريّة المقيمة في كندا تكتب قصيدة سرديّة حديثة تطول حينًا وتقصر أحيانًا، لكنها تظلّ، في كلّ الأحوال، محتفظة بنصيب وافر من الذكاء والخفّة وربما قلنا: من الفلسفة.

eman_mersal-2في ديوانها الأخير «حتى أتخلى عن فكرة البيوت» الذي صدر عن داري «شرقيات» و «التنوير» تهجس إيمان مرسال بالحب، بالمنفى والمسافات الطويلة. الديوان الذي يقع في 92 صفحة ويضم 37 قصيدة مكتوبة بين 2007 و 2010 مقسّم إلى ثلاثة أجزاء هي: «وفاتتني أشياء». «ونصنع وهمًا ونتقنه». «الحياة في شوارعها الجانبيّة». صدرت لمرسال من قبل أربعة دواوين هي: «اتصافات» (1990)، «ممر معتم يصلح لتعلم الرقص» (1995)، «المشي أطول وقت ممكن» (1997)، و «جغرافيا بديلة» (2006). ويبدو أنّ الشاعرة التي طلّقت الشعارات الكبيرة لا يزال في جعبتها المزيد.

في حديثها لإذاعة مونت كارلو الدوليّة، قالت إيمان مرسال عن الديوان: «طبيعة اللحظات والتجارب التي عشتها ساعدتني كثيرًا في الكتابة». اللحظات تلك، حين نقرأ الديوان، نكتشف كم هي لحظات هشّة وعابرة لولا نقاط تفتيش إيمان مرسال التي تستوقفها وتفتّش فيها عمّا هو أبديّ. في قصيدتها «مقبرةٌ سأحفرها» ترسم مرسال مشهدًا لها وهي في طريقها إلى المقبرة التي ستحفرها للعصفور الميّت بين يديها. الجنازة المكونة من شخص واحد كان يجب أن تكون مهيبة، تقول القصيدة، «لولا هذا الحذاء الرياضيّ» تقول القصيدة والقواعد التي لم يكتبها أحد، واتّفق عليها الجميع.

التخلّي كلمة مركزيّة في حياة الشاعرة الأربعينيّة، وفي اشتغالاتها الفكريّة. سواء كان ذاك التخلّي كبيرًا وقديمًا حين يتعلق الأمر بشعارات القوميّة والقضايا الكبرى (في الديوان قصيدة عنوانها «كأس مع أحد القوميين العرب»)، أو كان تخليًا متأخرًا وفرديًا. عن الأخير قالت إيمان مرسال: «هذا هو النضج بالنسبة لي، أن تتخلى عن مقولات حول الكتابة والغرض منها. مقولاتٌ كنت أنت نفسك قد وقفت وراءها ودافعت عنها».

«الربيع العربيّ» ليس ربيعًا حقًا بالنسبة لإيمان مرسال. في لحظة الاندلاع، لحظة القمّة، كانت تشعر، وكثيرون معها، أنّ ما يحصل «أكبر منّا كأفراد». ربما سمعت هي أيضًا «أجنحة التاريخ ترفرف فوق ميدان التحرير»، لكن المستقبل القريب كشف عن بؤس الخطاب الثوري، إذ قدّمت الانتفاضات جديدًا في الغرافيتي والموسيقى لكن «أبدًا ليس في اللغة»، حسب رأي الشاعرة البعيدة.

في قصائد الديوان الأخير، ليس هنالك مستوى واحد للواقع، بل عدّة مستويات. في قصيدة قصيرة نسبيًا، يمكن لإيمان مرسال أن تنتقل، وتنقل معها القارئ، من قارة إلى قارة، من توقيت إلى توقيت. إقامتها في بلد بعيد عن «هنا» جعلها تورده في القصائد على أنّه «هناك» وتتساءل بسخرية بيضاء: «ماذا يفعل شخصٌ جاء إلى «هنا» ليقرأ قصائده عن «هناك» / لأناسٍ ليسوا من «هناك» حين يأكله الذنب / سوى أن يقف مثلي الآن في شرفة فندق خمس نجوم ويشعل سيجارة / ثم يلعن العالم بالصراخ والهمهمة».

عن اليوميّ والمعاصر، عن السير الذاتيّة وتلك «الحياة التي حَشرَ فيها أكثر من أب طموحه، أكثر من أمّ مقصاتها / أكثر من طبيب مهدئاته، أكثر من مناضل سيفه، أكثر من مؤسسة غباوتها، أكثر من مدرسة شعرية تصوّرها عن الشعر». عن العالم الذي ينقصه شبّاك أزرق، عن الحبّ الذي قد يكون نسيان رجل لساعته بجوار السرير، وعن فكرة البيوت تكتب إيمان مرسال. تكتب حتى تتخلّى وتقول: «ليكن البيت هو المكان الذي لا تلاحظ البتة إضاءته / السيئة، جدار تتسع شروخه حتى تظنها يومًا بديلاً / للأبواب».

نُشر هذا المقال في الصفحة الثقافية لمجتمع شبكة القدس الاخباري.

عن السيادة المصريّة وأنفاق رفح، حبيبة قلبي.

مارس 14, 2013

محمود عمر

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

تغيّرت معاملة الفلسطينيين في مصر ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتغيّرت معها أساليب طرحهم وقضاياهم في الإعلام المصري. لقد إزداد الأمر سوءًا. الفلسطينيّون، حسب الإعلام المصري ولفيف من الرسميين المصريين، في كلّ مكان. إنّهم يقتحمون السجون، يسرقون البضائع والسيّارات والمحروقات والكهرباء ويحتلّون، في أوقات فراغهم، شبه جزيرة سيناء. عندما يشتدّ الضغط، ويتأزم المشهد، يرسل الفلسطينيون نخبة مختارة من المقاتلين المقنّعين لحماية قصر الرئاسة المصري. الأنفاق على الشريط الحدود بين رفح المصريّة ورفح الفلسطينيّة، وفق نفس المنطق، هي ما مكّنتهم من فعل ذلك كله، إنّها إكسيرهم السرّي، وخنجرهم المسموم.

العقليّة البائسة التي أنتجت كل ما سبق وأكثر من الخزعبلات هي نفس العقليّة التي حكمت، تحت عناوين مختلفة، هذا البلد الممتد صحراءً وحزنًا، على مدار عقود طوال. الثورة التي أطلقها شباب ملّوا الغبار والمصاعد المعطلة لم تتمكن بعد من حسم الأمور تمامًا؛ لم تتمكن -بعد- من إدارة الدفّة، وتصويب البوصلة. العَجزة لا زالوا في الحكم، ملتحين وغير ملتحين، ولا زال الإسقاط الفوقي للمعلومات، منذ أرساه عبد الناصر، وعمّده السادات، يعمل بسلاسة غير معهودة في بلد الانسداد المروري والسيستيم الواقع.

آخر ما جادت به القريحة: اتّهام عناصر من حماس بالتخطيط لقتل الجنود المصريين في منطقة الماسورة في رفح، انتقامًا من الجيش المصري لهدمه الأنفاق. لا أدلّة، لا تحقيق جدّي، دولة برمّتها لا تبالي بمواطنيها وترمي بالتهمة والمسؤولية على المُشيطنين ذوي اللهجة الرثّة. رخيص هو المصريّ عند دولته وولاة أمره، أرخص من أن يبحث في أمر موته، سواء مات على الحدود، أو في قطار محترق، أو برصاص الداخليّة.

ليست الأنفاق “شريان حياة”  وممرًا لمستلزمات الحياة اليوميّة فحسب.  إنّها نوعٌ من القفز فوق الحاجز، استعمال أمثل للعقل البشري، نموذج تجب دراسته في ميكانيزم الاختراق. الأنفاق، في حسابات المناكفة، بصقة في وجه من ظنّوا أنهم حبكوها جيّدًا، إسرائيليين وعربًا وأمريكان، وفي حسابات الجغرافيا، كسبٌ للناس على طرفي الحدود، وإسألوا بدو سيناء وأهلها اللذين لا قيمة ولا معنى لهم في حسابات القاهرة ونخبتها التي تنظّر عن سيناء وما زارتها يومًا.

عندما حفر الفلسطينيّون في غزّة الأنفاق بعدما أغلق العالم أبوابه في وجههم، لم يبالوا لا بسيادة مصريّة ولا قوانين دوليّة. وكيف لهم أن يبالوا؟ هذا الكلام الكبير يصغُر أمام رغبة إنسان فرد واحد في أن يرتاح. يشبه الأمر أنّ تفك حزامك، والزرّ الأول من البنطال، بعد وجبة غداء دسمة. هذه الرّاحة بعد ضيق، هذا الانشكاح الانسانيّ بامتياز، لا مردّ له ولا هويّة. لو كان الأمر متعلقًا بغير الفلسطينيين لفعلوها، لو كانت الجغرافيا مغايرة لتمّت. إنّها ألف باء بشريّة. من لم يفهم الأنفاق ويستشعر حلاوتها وهي التي مكّنت عشّاقًا من اللقاء وعائلات أن يلتم شملها، فلا خيار أمامه إلا أن يراجع إنسانيّته.

حاول كثيرون إنهاء الأنفاق باعتبارها ظاهرة يتفوّق فيها من هم تحت على من هم فوق. أجهزة السلطة الأمنيّة كانت قد أعدّت قبل سنوات خطة تفصيلية يتم تنفيذها بالتعاون بين السلطة، إسرائيل والجيش المصري. ذهبت الخطة ومن وضعها أدراج الرياح. قصفت إسرائيل الأنفاق غير مرّة، قصفوها بصواريخ ارتجاجيّة، بأعقد وأحدث ما جادت به القريحة العسكريّة الأمريكيّة، ولكن عَبس. حاول المصريّون، ضخّوا فيها الغاز، كهربوها، ملأوها بمياه المجاري، ولكن عَبس.

حفرها الفلسطينيّون مجددًا، وأعادوا تنظيم اللوجيستيك بحيث تكون الأنفاق شبكة متداخلة، وللنفق الواحد عدّة أعين. المعركة الذهنيّة بين من يدهن السور، ومن يكتب له عليه “مبروك الدهان الجديد” في القاهرة كانت هي نفس المعركة بين من يهدم الأنفاق ومن يحفرها في رفح، وفي الحالتين الغلبة كانت للمبدع. للرّاقص فوق الأرض، وتحت الأرض ويوم العرض على التاريخ. 

لن تنتهي الأنفاق إلا بانتهاء الوضع المشوّه الذي استدعى حفرها، وفتح المعبر للبضائع. لا يشمل ذلك المعطى أنفاق تهريب السلاح التي إن أرادها البعض مغلقة، كان لزماً عليه توفير السلاح شرعيًا. شيطنة الفلسطينيين في مصر هي نصيبنا من بؤس الدولة المصريّة المتفاقم، وسياسات المؤامرة والعدو المترصّد التي تجري فيها مجرى النَفس. لا يعني ذلك أن نصمت على ما يكال من اتهامات بلا أدلّة ولا شواهد. مهمٌ أن نتحدث، أن نشرح، أن ننفي، وأن نحاجج من أمنوا جانب اسرائيل واستعدوا حفنة من الفلسطينيين بمنطق الحقّ والحقيقة. الأهم، أن لا نكره، رغم كل ما نرى ونسمع، جوار مصر وقربها، وأن لا نكرهها جوارنا وقربنا، وأن ندفع جميعًا في الإتجاه الذي سيحسم كلّ شيء، ويزيل كل لغط ويشفي كل سقم، إتّجاه الثورة، مصريّة كانت أم فلسطينيّة. 

هاروكي موراكامي – اكتب كأنّك تعزف.

مارس 9, 2013

محمود عمر

في عام 1964 كان عازف الطبل الأميركي آرت بلاكي يحيي حفلة موسيقية مع فرقته “رُسل الجاز” في مدينة كوبه عاصمة محافظة هيوغو في اليابان. فتى في الخامسة عشرة من عمره كان يجلس بين الحضور مأخوذا بموسيقى الجاز التي يسمعها للمرّة الأولى في حياته، ذلك الفتى يدعي هاروكي موراكامي. الفتى الياباني الذي كبر ليصبح واحدا من ألمع الروائيين في العالم كان قد تلقى تذكرة الحفلة كهدية في عيد ميلاده, لم يدرك موراكامي في حينها أن تلك التذكرة ستغير حياته وحياة الكثيرين من قرائه إلى الأبد.

HMكانت الموسيقى صاحبة البطولة الأولى في حياة موراكامي، فرغم اعجابه بكافكا وديستوفيسكي وبلزاك وقراءاته المتنوعة في سنين شبابه المبكرة، لم يشعر بأنه يملك الموهبة اللازمة للكتابة الروائية؛ سيما وأن لوثة المقارنة مع الكبار كانت لا تزال تسيطر عليه. تخرج من الجامعة وبحث عن الاحتراف في مجال آخر فافتتح بعد جهد مضن في جمع المال، حانةً صغيرة للجاز في طوكيو. كانت الحانة مسرحًا لعازفين هواة وإذاعة صغيرة لبثّ تسجيلات الجاز التي لم ينقطع صداها طوال سبع سنين هي عمر المكان الذي عشقه موراكامي لأنّه مكنه من سماع الموسيقى طوال الوقت.

ليس ممكنًا إذًا في معرض الحديث عن موركامي الفصل بينه وبين الموسيقى، والكتابة. كوّن الثلاثة معًا ثلاثيّة واحدة، تمامًا كثلاثيّة هيغل الفلسفيّة، وثلاثيّة الأرشيدوق الموسيقيّة، والثلاثيّة الأوديبيّة – ثلاثيّات نجدها في رائعته “كافكا على الشاطئ”. لم يدخر موراكامي جهدًا في التأكيد على ذلك, يقول في محاضرة ألقاها عام 2005: “الموسيقى! إنّها تعني لي الكثير, لقد تعلمت كل الأشياء عن الكتابة من خلالها”. لم يكن ذلك غزلاً مجوّفًا بل توصيفًا دقيقًا لما حدث، فعندما قرر موركامي كتابة روايته الأولى لم يكن يعرف شيئًا عن تقنيات السرد الروائي. الحل الذي توصّل إليه كان موسيقيًا صرفًا: اكتب كأنّك تعزف.

توالى بعد ذلك نتاجه الأدبي، وكانت الموسيقى حاضرةً لا في تفاصيل الأعمال الروائيّة فحسب، بل حتّى وفي العناوين. “كافكا على الشاطئ” هو عنوان لأغنية تؤلفها وتلحنها على البيانو الآنسة ساييكي لحبيبها البعيد. “غرب الحدود شرق الشمس” مقتبسة في جزء منها من عنوان اغنية لنات كينج كول. “الغابة النرويجيّة” عنوان أغنية للبيتلز، “أرقص أرقص أرقص” عنوان أغنية للبيتش بويز.

داخل العوالم التي يخلقها موركامي في أعماله يمكن للقارئ أن يحظى بحصّة تعليميّة قيّمة عن الموسيقى، ولكن بعيدًا عن الخشبيّة. يمارس موراكامي نزعته التعليمية تلك عبر جعل شخصيّات رواياته، الرئيسي منها والهامشي، شغوفة بالموسيقى. “هاجيمي” الشخصيّة الرئيسيّة في “جنوب الحدود غرب الشمس” يترك عمله كمحرر في دار نشر ليفتتح -على طريقة موراكامي نفسه- حانة صغيرة لموسيقى الجاز في أوياما. في الحوار الذي يدور بين هوشينو، الشاب الياباني المتأثر بالثقافة الأمريكيّة والذي يربط شعره على هيئة ذيل الحصان ولا يولي الموسيقى -بكل أنواعها- أيّ اهتمام جدّي، وبين صاحب مقهى في رواية “كافكا على الشاطئ”, يسأل صاحب المقهى هوشينو “ألا تزعجك الموسيقى؟” فيرد هوشينو “لا، إنها رائعة. من الذي يعزف؟”. يجيب صاحب المقهى: “ثلاثي روبينشتاين وهيفيتز وفيورمان، ثلاثي المليون دولار، عرفوا بهذا الاسم. الفنانون الكاملون، هذا تسجيل لهم من عام 1941.”

ينقطع الحوار ثم يعود ليتصل:

– ذكرني ما اسم هذه الموسيقى؟
– ثلاثية الأرشيدوق لبيتهوفن.
-مارشي دوق؟
– أرشي. أرشيدوق. أهداها بيتهوفن للأرشيدوق رودولف النمساوي. هذا ليس اسمها الرسمي، إنه بالأحرى الاسم الشائع. كان رودولف ابن الامبراطور ليوبولد الثاني. وكان موسيقيًا ماهرًا جدًا، درس البيانو ونظرية الموسيقى على يد بيتهوفن وبدأ عندما كان في السادسة عشرة. واتخذ بيتهوفن مثالاً أعلى. ولم يكوّن شهرة لنفسه سواء كعازف بيانو أم كمؤلف موسيقي، لكنه كان يقف في الكواليس يمد يد المساعدة لبيتهوفن الذي لم يعرف كثيرًا كيف يشق طريقه في العالم.

في حوار آخر بين أوشيما، وكافكا, يسأل كافكا: لماذا تستهويك سوناتات شوبرت؟

-سوناتات شوبرت، وخصوصا هذه، اذا عزفها العازف بطريقة حرفية، فهذا ليس فنًا. وذلك لانها طويلة جدًا ورعوية جدًا، ومن الناحية التقنية بسيطة جدًا، فاذا سمعتها كما هي خلال القيادة، ستشعر أن الطريق سطحيّة وبلا طعم، كقطعة أثرية بالية، ولهذا فكلما حاول أحدهم عزفها أضاف لها شيئًا من ذاته، مثل هذا العازف- اسمع كيف يعزفها مضيفًا “الروباتو” ومعدلاً الايقاع متنقلاً بين درجاتها وما إلى ذلك. وإلا لما خرجت المقطوعة بصورة متماسكة. يضيف: ولهذا أحب سماع شوبرت خلال القيادة، كما قلت لك، لأن كل أداء لها قاصر، نقيصة فنية قاتمة تستفز وعيد، وتبقيك متنبهًا.

في نفس السياق, يقول فرانك جالاتي، محرر الطبعة الانجليزيّة من مجموعة قصص موراكامي القصيرة “ما بعد الزلزال” في إحدى مقابلاته: عدد كبير من شخصيّات موراكامي تجيد العزف على البيانو، أو شغوفة بالموسيقى, أو ملمّة جيدًا بتاريخها. يمكن اعتبار الشخصيات مراجعًا في الموسيقية الكلاسيكيّة, أو حتى في موسيقى البوب والجاز والبلوز.

موراكامي الذي كتب روايته الأولى في عامه التاسع والعشرين لم يتأثر بالموسيقى فحسب، بل وأثّر فيها. أحد أهم الامثلة على الأعمال الموسيقيّة التي انبثقت من عالم الروائي عاشق القطط والـ “ووكمان” ألبوم “The Wind-up Bird Chronicle” (عنوان كتاب لموراكامي) الذي أصدره الموسيقي الإيطالي ماسيمو فيورينتينو صاحب مشروع Aeroplain. أُرفق الألبوم في كتاب عن الروائي تحت عنوان “A Wild Haruki Chase.”

يقول موراكامي: سواء كان الأمر في الموسيقى، أم في الأدب، أهم شيء هو الايقاع. إنّ الأسلوب يجب أن يحظى دومًا بإيقاع ثابت وطبيعي، وإلا فلن يقرأك النّاس. هكذا علّمتني الموسيقى.

بالخلاص يا شباب، بالخلاص يا سوريا!

نوفمبر 11, 2012

محمود عمر.

إذا كان عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر قد تحدث، في معرض التناول التشريحي للعلمنة، باعتبارها نشاطًا اجتماعيًا معرفيًا، عن “نزع السّحر عن العالم”، فإنّ ياسين الحاج صالح، الكاتب والناشط السّوري، يتحدث في كتابه “بالخلاص يا شباب!” بالدرجة الأولى عن “نزع السّحر عن السجن” وما يتصل به من أساطير وخيالات تحيل على مفاهيم كالبطولة والثبات حيث “لا مجال للتراجع والاستسلام”، و “ليس بعد الليل الا فجر مجد يتسامى” وبدأ تناول السّجن باعتباره موضوع ثقافي، أي “أنسنته” وفق التعبير المحبب لقلب نصر حامد أبو زيد. على الصّعيد الشخصي، لا يخفي الحاج صالح رغبته في تقيؤ التجربة (والوصف لألبير كامو) عبر “التخلّص” من هذا الكتاب بنشره بعد تجميع مواده منذ العام 2003 وصولاً إلى عام 2011، العام الذي يمكن استعاره عنوان كتاب سلافوي جيجيك الجديد لوصفه بـ”عام الأحلام الخطرة”.

يسرد الحاج صالح في مستهلّ الكتاب حقائقًا تشكّل مقياس الرسم الذي يرشد القارئ عبر تلك الدفقات الضوئيّة التي تنير جنبات السجون السوريّة، والمسجون السوري. اعتقل فجر 7/12/1980، كان في العشرين من عمره، طالبًا في السنة الثالثة في جامعة حلب، وعضوًا في الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي، عذّب ليوم واحد في “الفرع” على “الدولاب” و “بساط الريح”، وهي أسماء متداولة لتقنيّات تعذيب بعثيّة، وأحيل إلى سجن المسلمية في حلب قبل أن يتنقّل بين سجن عدرا والسّجن المطلق؛ سجن تدمر. أفرج عنه يوم السّبت 19/121996. بالمحصّلة: 16 عامًا و14 يومًا انتزعت منه، بُترت ولا مجال لاستردادها، وما ذلك إلا عيّنة ضاربة في الدقّة من مجمل ما سُرق من السوريين، بأيادٍ سوريّة.

يلتبس السجن، وتموّه الحريّة، في سوريّا التي يخنقها البعث. لا يتاح للسجين السياسي، بعد الإفراج عنه، فسحة تمكّنه من هضم التجربة، والتصالح مع الذّات. يخرج إلى مجتمع الخطاب الرسمي السّائد فيه يتحدث عن الرغبة في التقدّم، والاستمرار، والتجاوز، حيث لا وقت للتوقّف عند إشكالات صغيرة، كآلاف السجناء السياسيين، والبلد بنظامها وشعبها “مستهدفة”. يشعر “المفرج عنه” بأنّه ممنوع من التذكّر، لكنه أيضًا -في حبكة فاشيّة- ممنوع من النّسيان. عليك أن تظل تتذكّر أنك تحت المراقبة، في دائرة الضّوء، لكن عليك أن تنسى عذاباتك، وتفقد القدرة على طلب المساءلة التي إن حدث وطلبتها فأنت تعبث بنسيج المجتمع، ويفيض من قفصك الصدري حقدٌ لن يفيد الوطن، ولا المواطنين، مع أنّ السجن، بما يفرضه من قرب إجباري، وإستثارة لحساسيّات مجهريّة في الكائن البشري نتيجة وجوده الدّائم في مرمى عين “الآخر”، كان قد أصبح نمط حياة لكثيرين في سوريا.

يناقش الحاج صالح الجدليّات التي تربط السّجن، والضّيق، بالذاكرة، الوقت، الخصوصيّة، المرأة (التي عرّف مصطفى خليفة السّجن بأسره على أنّه غيابها)، الحنين والتّسمية. تنتهي ردّة الفعل الأوليّة بالصّمود المجوّف، ويصير لزامًا على السّجين أن يعترفه بنفسه سجينًا، أن يفتح صفحاته و”يسمح للسّجن بتأليفه”. عقارب السّاعة هي الأخرى تحتاج توليفة من نوع ما كي تصير مأمونة الجانب.  يقتل البعض الوقت، ويكسبه الوقت الآخر، ويكون للكتب، التي سيسمح بإدخالها بعد فترة، أثر ضخم في تدعيم الوجود الانساني للسجناء عمومًا، اليساريين منهم خصوصًا. قرأ ياسين الحاج صالح أثناء وجوده في السّجن كتاب محمد عبد الجابري عن فلسفة العلوم، والاستشراق لادوارد سعيد، النزعات الماديّة في الفلسفة العربيّة الاسلاميّة لحسين مروة، ومجموعة من كتب هيغل وبعض كتب عبدالله العروي. الكتب، مضافة إلى التمطّي الفكري الذي يفرضه “نمط الحياة/السّجن”، دفع بياسين الحاج صالح، كما سبق ودفع بغيره كثيرين، إلى “التحرر” من كثير من القناعات التي دخلوا بها العنابر والزنازين.

قراءة الكتاب، بعيدًا عن ربطه بالبلد، وبالكاتب، وبحقيقة نشره بعيد إندلاع الثورة السورية، والنظر إليه من زاوية أوسع، يفتح الباب لعدّة استنتاجات وتأملات، وخصوصًا في عمليتي البناء والهدم اللتان تلخصان مسيرة الانسان الفكريّة. ربما يجوز القول بأن السجن يكثّف عمليات الأيض الفكريّة -إن جاز التعبير- ويضمن، إلا في حالات نادرة، أن من يدخل إلى السجن، لن يخرج منه بنفس العقليّة. إنّه -أي السجن- حالة “نقد ذاتي” إجباريّة، وطويلة، وجذريّة، وهو ليس موئلاً للمثقفين، بقدر ما هو صانع قاسٍ لهم. يقول ياسين الحاج صالح في معرض حديثه عن هذه النقطة تحديدًا: إنّ التحرر الحقيقي من السجن هو أن يتسنّى لنا أن تجعل منه مجالاً للتحرر من سجون أخرى أشدّ فتكًا، من عبوديّات وقيود ومطلقات أسوأ من السّجن ألف مرة. ويضيف في موضع آخر من الكتاب: صرت على نفور عميق من كلّ مذهبيّة مغلقة ومن كل منزع يقينيّ ودوغمائي، ومن انتهازيّة أصحاب العقائد ولا أخلاقيتهم العميقة. الحديث السّابق يبدو اليوم، وكلّ اليوم، ملحًّا لنا كعرب ننتمي إلى “شرق المتوسّط”، أحد أكثر المناطق إبداعًا في قتل الإبداع، واحتراف الإقصاء، والمساومة بين التفاصيل الصغيرة، وبين الشّعار.

آن أوان الخوض في اللايقيني، كما يقول كارل بوبر. آن لمجتمعاتنا العربيّة أن تُفتح، وأن تبحث في أمر مآسيها، وضحاياها. أن تغفر، وتحاسب. أن نجلس جميعًا على طاولة مستديرة لنصل إلى ما يجب فعله إزاء ما سبق، وإزاء القادم. سوريّا اليوم، بشعبها الثّائر، أقرب إلى ذلك التحدّي من أي شعب عربيّ آخر. إذا كانت الحريّة تعني لياسين الحاج صالح المرأة والحب، فمعناها بالنسبة لسوريّا-المجتمع، سوريّا الأفراد، هو ما تتم الاجابة عنه اليوم. ينقل السّجين القابع في سجن تدمر، السجن المطلق، إلى سجن عدرا، أو صيدنايا، أو المسلميّة، حيث يختبر مجددًا التخالط مع أقرانه استعدادًا للخروج إلى المجال العام. سوريّا البلد، سوريّا الشّعب، خرجت بلاشكّ من تدمرها، أمّا وجهتها القادمة فتحدٍّ قائم، وجرح رطب، وثورة مستمرّة.

غزّة باعتبارها مدينة بائسة، والغزّيون باعتبارهم أصحابي.

أكتوبر 13, 2012

في موسوعته «معجم البلدان»، يقول ياقوت الحموي عن معنى الاسم: «غزّ فلان بفن واغتزّ به إذا اختصّه من بين أصحابه.» ورجّح آخرون منهم مصطفى الدبّاغ أنها بمعنى: قوى ومخازن وكنوز و«ما يُدّخر». المدينة التي سمّاها المصريّون «غازاتو» وشعر الآشوريون بشيء ما حميمي تجاها فنادوها «عزاتي» مدينة شرسة منذ القدم. في العام 332 قبل الميلاد هاجمها الاسكندر المقدوني فاستعصت عليه، وآثر قائدها “باش” القتال على تسليم المدينة. اشتدّ الحصار وقاوم الغزيّون ببسالة حتى وصل بهم الأمر أن جرحوا الاسكندر المقدونيّ باحدى حرباتهم فجنّ جنونه وانسحب مضمرًا عزمه على اقتحام المدينة في جولة ثانية راح يستعدّ وجيشه لها أيّما استعداد. بعد عودته هاجمها أربع مرّات حتى دخل، وأعمل فيها السيف وذبح فيها خلقًا كثيرًا، لكنّه أمر باعادة اعمارها وجعل بعض اليونانيين يقيمون فيها، هكذا إلى أن مات واقتتل عليها الورثة من بعده، وكانت الغلبة للجانب المصريّ الذي يقوده “بطليموس” حتى اذا ما كبر “انتيغونوس” واشتدّ عوده حتى عاد فأخرج بطليموس منها وآلت سيادتها وكل مدن الساحل له ولمن معه. هذه اللمحة من تاريخ المدينة تتكرر بايقاع ثابت، فقبل اليونانيين كانت سيوف الفراعنة والهيكسوس والآشوريين والبابليين والفرس، وبعدهم الرومان والعرب المسلمون والصليبيون والمماليك والعثمانيون والانجليز الذين رحلوا وما رحلوا. يمكن أن نقول، بكلمات مختصرة ومعبّرة : تاريخ غزّة معركة دائمة يتخللها بعض الهدوء.

اليوم، في عصر السوق التجاري والفيزون والآيفون وعشرات آلاف القتلى الذين يتكدّسون في شريط أخبار لا يزيد عرضه عن بضعة سنتميترات مضيئة في أسفل الشاشة، في العصر الذي قال هنري ميللر عن وسائل الترفيه فيه أنها «ليست سوى عكازات أصابتنا بالشلل»، ماذا يمكن للمرء أن يقول عن تلك “اللطخة” الجغرافيّة الجالسة بحشمة على شاطئ المتوسّط؟ هل أفتح صفحة جديدة في نفس الكتاب القديم الجديد، أم أمزّق كل شيء وأقول ما أريد أن أقوله، انطلاقًا من هذه اللحظة؟. الأكيد أن غزّة كقطعة علكة مضغتها إمرأة في منتصف الثلاثينات حتى العصر قبل أن تبصقها في شارع مزدحم فداستها باصات النقل العام غير مرّة قبل أن يأتي عامل نظافة بزيّ كئيب في آخر الليل ويكنس الأرض من حولها، وتظلّ هي ملتصقة بمصيرها البائس. الأكيد أنّ غزة، كموضوع للحديث، صارت شيئًا مبتذلاً. هذا بند إضافيّ من القائمة الطويلة التي عنوانها: أشياء لابدّ من الاعتراف بها.

أتذكر مرّة أن وسمًا انتشر على موقع “تويتر”. كان موضوعه متعلّقًا بالذكريات. راح شباب غزّة يسردون، في 140 حرف أو أقل، مشاهد انطبعت في ذاكرتهم عن الحياة في المدينة التي أحبّها الشافعي. كنت أقرأ ما يكتبون وأرتعب. لم يكن ثمّة تغريدة واحدة تبعث على المفاجأة، كلّ شيء مشترك. أصناف الطعام، البرامج التلفزيونيّة، صوت المطر على سقف الاسبست، حفلات فنانيين عرب وإعلاناتها في ميدان السّاحة، كر وفر الأمن الوقائي وشباب حماس، شجرة عيد الميلاد في متنزّه الجندي المجهول، كلّ تفصيل دقيق يشاركك فيه عدد ضخم من النّاس. نحن عائلة واحدة، لا بالمعنى الوطني ولا الجغرافي، بل بالمعنى المباشر للكلمة: نحن عائلة واحدة توزّعت على بيوت كثيرة، سواء أعجبنا ذلك أم أصابنا برغبة في الهرب.

في الأشهر القليلة الفائتة، غادر كثيرون غزّة. ربما تكون صدفة أنني أعرف الكثير منهم، أنّهم من نفس فئتي العمريّة وأن وجهتهم في الأغلب بلد لا يتحدث العربيّة، بعضهم خرج للتعليم، بعضهم تزوّج وسيستقر في الخارج، بعضهم خرج للعمل، والبعض خرج من أجل الخروج. في كتابه “التطهير العرقي في فلسطين”، يقول ايلان بابه أن عدد المُهجّرين من فلسطين يربو على 700 ألف فلسطيني. السّوريون أيضًا صاروا لاجئين، غادر الآلاف منهم وتوزّعوا بين الأردن وتركيا ولبنان ومصر وبلدان مختلفة، العراقيّون نالوا نصيبهم أيضًا. المثير للسخرية أنّ أخبار الانتقال الجماعي ما عادت تحرّك شيئًا بعينه في داخلي. ربّما أتجرّأ وأقول أنّ رحيل فرد بعينه، بكلّ خصوصيّته، بكل غبائه وجماله، تدقّ أجراسًا في قصبتي الهوائيّة أكثر ما تفعل أخبار انتقال الآلاف قسرًا من أماكن تواجدهم. في زمن النزوج الجماعيّ والنكبات، لم نتعود على الرّاحلين طوعًا وفرادى. لم نتعوّد على دقّة الوجع المصاحب لذلك الرحيل، حزنٌ يمكن لي أن أشبهه بالألياف الضوئيّة، خفّة في الوزن وامتياز في الأداء.

لا أحكام عندي. لا قواطع ولا تأكيدات. لا ألوم من يقرر الرحيل إلى الأبد. لا ألوم من يقرر الغياب إلى أمد. لا ألوم من يشتم المدينة ويلعن دينها عشرات المرّات. لا ألوم من يعتبر أنّ عجزه عن احتضان حبيبته في الشّارع العام أكثر مركزيّة من الحديث عن الاحتلال . لا ألوم الباحثين عن الفرح، عن الدهشة، عن فسحة حريّة يمكن للفساتين فيها أن تتجلّى، وللآراء أن تُطرح، وللكتب أن تُشترى، وللأنخاب أن تعلو، وللذّات أن تتمدد تحت وقع المشاوير الطويلة. لا ألوم المسافرين أصحابي من غزّة، لا لأني أنا الآخر سافرت، بل لأنّي لا ألومهم. لست مستعدًا لاجتراع صراع وهميّ بينهم وبين الوطن، أو بينهم وبين الصمود والثبات والتحدّي. لست مستعدًا لاعطاء محاضرات ولا للتشكيك في الغاية والمراد. أنا فقط أشعر بالحزن حين يرحل أحدهم ويصير ثمّة مدة تقاس بالسنوات، لا بالأيام، يجب أن تمضي قبل لقائنا المقبل، وحديثنا المقبل عن الوطن، عن السياسة، عن غزّة وعن ما قصده أهل التاريخ واللغة حين قالوا أنّ معنى اسمها: «ما يُدّخر».


%d مدونون معجبون بهذه: