Posts Tagged ‘سينما’

محمود درويش وريتّا: ورود بلاستيكيّة وديناصورات

May 31, 2014

محمود عمر

نُشر مُعنوناً محمود درويش وريتا، «فتحت قلبي وسأغلقه للتو» في جريدة السّفير.

أطلقت المخرجة ابتسام مراعنة (1975) فيلمها الوثائقيّ الجديد «سجّل أنا عربي» (74 دقيقة) في «مهرجان الربيع» الإسرائيليّ للأفلام التسجيليّة. يستحضر الفيلم المموّل إسرائيليًا علاقتين عاطفيتين لمحمود درويش الشّاب ويقدّمهما للجمهور الإسرائيليّ في قالب بالغ الرومانسيّة. جمعت العلاقة الأولى بين محمود درويش وفتاة يهوديّة اسمها تمارى بن عامي. أمّا الثانية فكانت تلك التي جمعت بينه وبين زوجته الأولى رنا قبّاني.

الشريط الدعائيّ للفيلم (دقيقتان و٢٨ ثانية) الذي نشرته المخرجة على صفحتها على اليوتيوب يبدأ بصوت وصورة محمود درويش وهو يقول: «كل شاعر في العالم حالم. يحلم أن يكون صوته صدى صوت الآخرين» وينتهي بدرويش يطلّق «صوت الآخرين» ويناقض نفسه (وهذا حقّه) إذ يقول: «أنا لا أحبّ التمثيل. إنني بالكاد أمثّل نفسي». في الحالتين، يظهر درويش منزوعًا من سياقه ومختلفًا عمّا تعوّد عليه محبُّوه الفلسطينيون والعرب ويكون كلامه بالعبريّة.

محمود درويش وتمار عامي

محمود درويش وتمار عامي

أرادت مراعنة المولودة عند سفح الكرمل أن تعيد درويش إلى «مربَّعه الأوّل» وتنزع عنه كلّ ما يشبه كلام «المخرّبين» وشكلهم ليصير أكثر قابليّة للهضم عند الجمهور الإسرائيليّ الباحث عن أسباب تسهِّل عليه أن يتصالح مع ذاته وينظر في المرأة. ساعدت «عالميّة» درويش ونزعاته الفرديّة وتناقضاته المخرجةَ في ترجمة بعض جوانب الكليشيه الفلسطينيّ الذي يجسّده درويش إلى العبريّة. صفّق الإسرائيليّون لمراعنة على جهدها الخلّاق وحصل فيلمها على جائزة الجمهور في المهرجان.

أمّا عربيًا فكان تعامل كثيرين مع ما رشح من الفيلم مختلفًا عن التعامل الإسرائيليّ في الشكل لكنّه لم يختلف، للأسف، في المضمون. لم تتجهّز العين العربيّة لتشتبك مع العمل باعتباره دفقة ابتذال أخرى مموّلة إسرائيليًا تمهيدًا لتفكيكه والدفع به إلى الهامش، بل فضّلت وضع العمل على الرّف وركّزت تمامًا مثلما فعلت العين الإسرائيليّة – على صور فتاة يهوديّة في العقد الثاني من عمرها تقف على يسار الشّاعر. إنّها تمارى بن عامي التي عرفها محمود درويش في حفلة لشبيبة الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ، وعرفناها نحن في شعره باسم ريتّا.

أدّت هذه الفتاة اليهوديّة المولودة لأمّ بولنديّة وأب روسيّ وظيفة عُصابيّة ذات طابع مزدوج: أعطت الإسرائيليين دليلاً على أنّ ضحيّتهم المذبوحة يمكن لها أن تحبّهم وتصلّي، وهي تموت، لإله «في العيون العسليّة». كما وأعطت الفلسطينيين، أوّ ديناصورات المرحلة منهم، دليل إدانة إضافيّا يخدم محاكمتهم الطويلة لمحمود درويش بتّهمة أنّه كان، والعياذ بالله، إنساًنًا.

غطّت هذه الوظيفة المفروضة فرضًا على فتاة في مقتبل عمرها، على ما هو أهمّ وأجدى: نقد العمل الذي دافعت مخرجته عن اللجوء للتمويل الاسرائيليّ وبررته بأنها فعلت مثل هاني أبو أسعد في فيلم «الجنة الآن»، ومثل عماد برناط في «خمس كاميرات مكسورة».

إنّ وضع قصّة درويش مع ريتّا في سياقها الزمنيّ (كان هو في الثانية والعشرين من عمره، وكانت هي في السابعة عشرة) واستقراء ما آلت إليه العلاقة التي جمعت بينهما لا يساعدنا في تأكيد التناقض مع العدو الإسرائيليّ فحسب، بل وينسف كلّ ما قدّمه لنا سلفيُّو العمل الوطني من صراخ ونميمة، وكلّ ما قدمّه حرّاس الكليشيه الفلسطينيّ من ورود بلاستيكيّة.

تركت الفتاة اليهودية محمود درويش لتلتحق بالجيش الإسرائيلي. لم يمنعها حبُّها من أن تغنّي «هاتيكفاه». كما وأقدمت بعد ذلك على قطع علاقتها بدرويش نهائيًا كي تبقى «داخل الدائرة الإسرائيلية». بادلها درويش الجفاء وخرج من حيفا إلى موسكو ثمّ بيروت وعبّر لريتّا في إحدى رسائله عن أولويّة الصراع قائلاً لها: «فتحت قلبي وللتو سأغلقه. إلى اللقاء».

أين هو «النوم مع الأعداء» إذًا؟ لماذا يُتوقّع منا أن نطلق النار على درويش لأنّه «أحبّ يهوديّة» – والخوض في هذا يطول – ونُمنع من رؤية الصورة الأكبر التي ترك فيها تمارى ومحمود بعضهما ليتفرّغا كلٌ على جانبه من المعركة؟ ألا تعطينا هذه القصّة نهاية مُعاكسة لتلك النهايات السعيدة التي يقع فيها الفلسطيني في حبّ الجنديّة على الحاجز، أو يهرب فيها المثليّ من رام الله إلى جنّة تل أبيب؟ لماذا نقرأ «ريتّا» و«عيوني» ونغمض أعيننا عن «بندقيّة»؟

كان محمود درويش يكتب ويعيش في الزقاق الفاصل بين الشخصيّ والعام. لقد استفاد من كونه فلسطينيًا لكنّه، أيضًا، شئنا أم أبينا، خدم الفكرة الفلسطينيّة في أكثر من مفصل. لم يكن الرجل خجولاً بأفكاره ولا بما قرر تركه وراءه. لقد أشار بنفسه في أكثر من موضع، قبل خروج وثائقي «سجّل أنا عربي» إلى العلن، بأنّ ريتا فتاة يهوديّة. وليس المرء إن قرر نقد محمود درويش في عازة إلى أن «يتّهمه» بريتّا، أو أن يأخذ عليه، في إشارة ذكوريّة بالغة البؤس، بأن اليهوديّة التي أحبّها، بالإضافة إلى كونها يهوديّة، «لم تكن جميلة».

تماهى صاحب «مديح الظلّ العالي» مع مشروع الحكم الذاتي الفلسطينيّ وأشار علينا بأفعاله وقصائده في أكثر من مناسبة بضرورة أن نقلب الصفحة بعد «سجّل أنا عربي». إذا كنّا سنتمنّع، تحت وطأة منطق الفضيحة الشخصيّة وحساب النقاط، عن الاعتراف له ولمن نختلف معهم بما أنجزوه وما مثّلوه، فلنحرق إذاً كلّ قصائد درويش. ولنحرق، أيضًا، كتب وروايات غسّان كنفاني الذي خان زوجته. فلنحرق كلّ شيء.

مبتذلاً كفيلم زياد دويري، كقبر عرفات، كزيارة فنّانة

December 30, 2013

محمود عمر

لطالما اختبرت صعوبة في “بلع” الأفلام المعمولة لفلسطين أو عنها. سواء كان الغرض تمجيد الفلسطينيين أو تحقيرهم أو ببساطة عرضهم، ثمّة مسحة من الركاكة تسم كلّ شيء؛ التصوير، الحبكة، المَشاهد، الممثلين، وبالأخص: السيناريو. ما هذا الهراء؟ ما هذا الترديد الأبله لجمل محسوبة ومفضوحة الرمزيّة؟ نحن لا نتحدث هكذا! نحن لسنا مبتذلين وبدائيين إلى هذه الدرجة وكلامنا ليس مباراة تنس أرضي نتبادل فيها الضربات بمنطقيّة محسوبة، بل ثلاجة مليئة بالأصناف أو صوت مسافرين في محطة قطار مزدحمة. نحن نتكلّم، بكلّ معنى الكلمة، في حين يجري تقديمنا في الأفلام على أننا نؤدّي؛ نعلك الهواء ونقول أشياءً مهما بدت بليغة إلا أنّها، بكلّ أمانة، غارقة في السخافة.

MV5BMTYxODIyMTQzMF5BMl5BanBnXkFtZTcwNTk4OTU0OQ@@._V1__SX640_SY720_أعمال قليلة تفلت من هذا السياق وتقول شيئًا ما. فيلم ايليا ابي سليمان “الزمن الباقي” مثلاً. هناك “حقيقة” ما فيه. ملمس خشن للأشياء وكثافة محترمة لكلّ اشتغال بصري. أمّا الغالبية العظمى فهي نفس التكرار البائس: مشهد في قمة الاعتباطيّة لفلسطيني يفترض أنّه على وشك القيام بعملية استشهاديّة. استعراض يتراوح بين الهمجيّة والتحضر لدولة اسرائيل. تصاميم قميئة لبوسترات شهداء ماتوا وعلّقناهم على الحائط. قصص حب عبيطة وهبلة يُحاول مخرج ما أن يجعلها تبدو “فلسطينيّة” بامتياز.

هل هكذا يكون الحبُّ فلسطينيًا بامتياز؟ أن يكون مبتذلاً كقطّ مبلول؟ لماذا لا يريحوا أنفسهم، ويريحونا معهم، ويعلنوا أنّ كل الأفلام السابقة، واللاحقة، عن فلسطين،  تقع في خانة الكوميديا؟ نعم، الكوميديا. كوميديا الزيت والزعتر والكوفيّة والزيتون والحاجز والجندي والجدار والرجعيّة والتنوير والواقعيّة والصاروخ. كوميديا القضيّة المركزيّة.

فيلم زياد دويري الأخير، الهجمة 2012، وبعيدًا عن كلّ الجدل السياسي الذي صاحبه ولحقه، هو تكثيف نموذجيّ لكلّ ما هو بغيض في الأعمال السينمائيّة المقتربة من فلسطين: السيناريو المفضوح بالغ الركاكة، التكرار العدمي لنفس المتاهات الفلسفيّة المرتبطة بالصراع، ومحاولة خلق التراجيديا عبر الاستعانة بقائمة لا نهائيّة من الكليشيهات التي تكاد تبتلع كلّ شيء. الفيلم حالة ابتذال سينمائيّة تجعل من الأرض بين البحر المتوسط ونهر الأردن “لوكيشن تصوير”، وتجعل من القاطنين في تلك الأرض، أيًا تكن هوياتهم والمهام المفروضة على عاتقهم بناءً على تلك الهويات، دمى بالغة البلاهة لا تحركها إذ تحركها إلا رغبة في إنجاز إشتغالة سينمائيّة لطيفة يتمايل على إثرها المجوّفون طربًا وسعادة.

ولكن، هل يقتصر ذلك على الفنّ السابع، على الكذب الموضوع في كادر والمسبوق بكلمة “أكشن”؟. أليس قبر عرفات القائم في رام الله، والزيارات الموسميّة له مع إكليل الورد الذي لا يتغير ولا يتبدل، أليس ذلك في حدّ ذاته ابتذالاً لا يملك حتى في معرض الدفاع عن نفسه أن يقول إنّه تمثيل؟. وبماذا، إن وضع المرء كلّ وسائله الدفاعيّة ولاءاته البنيويّة جانبًا، بماذا يمكنه مقاربة ما هو ليس فيلمًا مبتذلاً، لكنّه يبدو كذلك؟ على أيّ صفحة سنجد هذا الفيلم، الذي هو ليس فيلمًا، لنقيّمه أردئ تقييم؟

الفنانات الواقفات بخشوع عقيم وحزن مغشوش أمام قبر الرئيس، والرئيس الجاثم على الكرسيّ من بعد الرئيس، ورام الله المُضحكة التي تقف على البار محاولةً، دون يأس، أن تمنع لحمها المهترئ من التسرّب من فتحات قميصها الضيّق، ممسكة بيد شاب ظنّ كثيرون في غير موضع أنّه ابنها لا عشيقها المراهق. المسيرات التي يقودها المصورون الصحفيون، ويشاركهم فيها أحيانًا بعض المتظاهرين، وأورجازم لفيف الراديكاليين في رام الله مع كلّ عرض عسكريّ في غزّة. هذا كله، من وماذا يبرره؟ أيّ مخرج وأي طاقم؟ مع من يجب أن نتحدث حتى نوقف هذه المهزلة؟

أتكون حياتنا، حقًا، مجرّد فيلم طويل يشبه أفلام “زيتون” و”خمس كاميرات مكسورة” والصدمة”؟ أتكون حياتنا الفعليّة والمأمولة تفاعلاً لا نهائيًا وعرضًا متقنًا لنفس المواد والافكار المنتجة لتلك الأفلام؟. أيعقل هذا؟ لكن لا! مستحيل! لماذا؟ لأنّ هذا هراء. نحن لا نتحدث هكذا، نحن لسنا مبتذلين وبدائيين ومغرقين في هذه الركاكة إلى هذه الدرجة. يستحيل، لأسباب موجودة وأخرى لا مشكلة في إختلاقها، أن نكون كذلك. 


%d bloggers like this: