Posts Tagged ‘فلسطين’

حتّى يزهّر ياسمين

يونيو 3, 2014

لا تتذكر أين ومتى لكنك تعرف أن غسّان كنفاني قال شيئًاعن الفراغ الذي لا يمكن التحايل عليه وعن الحفرة التي لا يمكن ردمها لا بالمدن الأنيقة ولا بأعقاب السجائر . وأنت، من حيث تقف، بالغ الأسى والهشاشة، تؤكّد بعيشك اليوميّ على كلامه. تنام وتصحو مع فكرة الوطن هذه. تقلّبها بين يديك وتضجر منها فترميها في الخزانة قبل أن تعود راكضًا كي تعتذر منها وتشرح لها أنّ الألم يتعدّى أحيانًا حدود قدرتك على التحمّل.

فلسطين فلسطين فلسطين. ألا ملعون أبو فلسطين. ألا كس إم فلسطين. أجمل شيء في الدنيا فلسطين. أزكى شيء في الدنيا فلسطين. حبّة شوكولاتة بالحليب فلسطين، قوّار نعنع على الشرفة، حمّام ساخن بعد الهرولة، “حالة عشق لا تتكرر يا عبد الله فلسطين”، فلسطين فلسطين فلسطين. تتمنّى لو تسمح لك فلسطين أن تضربها كفّين لترى، فقط، ما الذي يمكن أن يحدث.

وفوق هذا كلّه، تغار أنت من كل الذين يحملون البنادق من أجل فلسطين. تقرأ لفلسطين وتكتب لفلسطين وتتمكّن أن تقنع نفسك في أكثر من مناسبة بأنّك وإن لم تكن فدائيًا كما يتوجّب فإنك، على الأقل، لست عقبة في طريق تحرير فلسطين. لكن هذا لا ينفع وولا يبلّ الريق. كلّ الذين لم يحملوا بندقية من أجل فلسطين لم يعرفوا معنى “أن تفعل شيئًا” بحقّ من أجل فلسطين. الشعر مهم طبعًا، والرواية، والمقال، والتحليل والتنظير والمسيرات السلميّة وندوات الجامعات والاضرابات والتسلّح بالمعرفة، هذا كلّه مهم لكنك، في لحظات التأزّم الحادّة كالإبر، تعرف أن بإمكانك أن تضعه كلّه في كيس بلاستيك أسود وتدحشه في مؤخرتك. 

«عبد القادر ناصب شّادر فوق الشّادر رشاشات»

«أوّل واحدة بحيفا، والثانية بعتليت»

«واحرس ضياء الشمس»

«حتّى يزهر ياسمين»

«لشطّ البحر غنّينا»

محمود درويش وريتّا: ورود بلاستيكيّة وديناصورات

مايو 31, 2014

محمود عمر

نُشر مُعنوناً محمود درويش وريتا، «فتحت قلبي وسأغلقه للتو» في جريدة السّفير.

أطلقت المخرجة ابتسام مراعنة (1975) فيلمها الوثائقيّ الجديد «سجّل أنا عربي» (74 دقيقة) في «مهرجان الربيع» الإسرائيليّ للأفلام التسجيليّة. يستحضر الفيلم المموّل إسرائيليًا علاقتين عاطفيتين لمحمود درويش الشّاب ويقدّمهما للجمهور الإسرائيليّ في قالب بالغ الرومانسيّة. جمعت العلاقة الأولى بين محمود درويش وفتاة يهوديّة اسمها تمارى بن عامي. أمّا الثانية فكانت تلك التي جمعت بينه وبين زوجته الأولى رنا قبّاني.

الشريط الدعائيّ للفيلم (دقيقتان و٢٨ ثانية) الذي نشرته المخرجة على صفحتها على اليوتيوب يبدأ بصوت وصورة محمود درويش وهو يقول: «كل شاعر في العالم حالم. يحلم أن يكون صوته صدى صوت الآخرين» وينتهي بدرويش يطلّق «صوت الآخرين» ويناقض نفسه (وهذا حقّه) إذ يقول: «أنا لا أحبّ التمثيل. إنني بالكاد أمثّل نفسي». في الحالتين، يظهر درويش منزوعًا من سياقه ومختلفًا عمّا تعوّد عليه محبُّوه الفلسطينيون والعرب ويكون كلامه بالعبريّة.

محمود درويش وتمار عامي

محمود درويش وتمار عامي

أرادت مراعنة المولودة عند سفح الكرمل أن تعيد درويش إلى «مربَّعه الأوّل» وتنزع عنه كلّ ما يشبه كلام «المخرّبين» وشكلهم ليصير أكثر قابليّة للهضم عند الجمهور الإسرائيليّ الباحث عن أسباب تسهِّل عليه أن يتصالح مع ذاته وينظر في المرأة. ساعدت «عالميّة» درويش ونزعاته الفرديّة وتناقضاته المخرجةَ في ترجمة بعض جوانب الكليشيه الفلسطينيّ الذي يجسّده درويش إلى العبريّة. صفّق الإسرائيليّون لمراعنة على جهدها الخلّاق وحصل فيلمها على جائزة الجمهور في المهرجان.

أمّا عربيًا فكان تعامل كثيرين مع ما رشح من الفيلم مختلفًا عن التعامل الإسرائيليّ في الشكل لكنّه لم يختلف، للأسف، في المضمون. لم تتجهّز العين العربيّة لتشتبك مع العمل باعتباره دفقة ابتذال أخرى مموّلة إسرائيليًا تمهيدًا لتفكيكه والدفع به إلى الهامش، بل فضّلت وضع العمل على الرّف وركّزت تمامًا مثلما فعلت العين الإسرائيليّة – على صور فتاة يهوديّة في العقد الثاني من عمرها تقف على يسار الشّاعر. إنّها تمارى بن عامي التي عرفها محمود درويش في حفلة لشبيبة الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ، وعرفناها نحن في شعره باسم ريتّا.

أدّت هذه الفتاة اليهوديّة المولودة لأمّ بولنديّة وأب روسيّ وظيفة عُصابيّة ذات طابع مزدوج: أعطت الإسرائيليين دليلاً على أنّ ضحيّتهم المذبوحة يمكن لها أن تحبّهم وتصلّي، وهي تموت، لإله «في العيون العسليّة». كما وأعطت الفلسطينيين، أوّ ديناصورات المرحلة منهم، دليل إدانة إضافيّا يخدم محاكمتهم الطويلة لمحمود درويش بتّهمة أنّه كان، والعياذ بالله، إنساًنًا.

غطّت هذه الوظيفة المفروضة فرضًا على فتاة في مقتبل عمرها، على ما هو أهمّ وأجدى: نقد العمل الذي دافعت مخرجته عن اللجوء للتمويل الاسرائيليّ وبررته بأنها فعلت مثل هاني أبو أسعد في فيلم «الجنة الآن»، ومثل عماد برناط في «خمس كاميرات مكسورة».

إنّ وضع قصّة درويش مع ريتّا في سياقها الزمنيّ (كان هو في الثانية والعشرين من عمره، وكانت هي في السابعة عشرة) واستقراء ما آلت إليه العلاقة التي جمعت بينهما لا يساعدنا في تأكيد التناقض مع العدو الإسرائيليّ فحسب، بل وينسف كلّ ما قدّمه لنا سلفيُّو العمل الوطني من صراخ ونميمة، وكلّ ما قدمّه حرّاس الكليشيه الفلسطينيّ من ورود بلاستيكيّة.

تركت الفتاة اليهودية محمود درويش لتلتحق بالجيش الإسرائيلي. لم يمنعها حبُّها من أن تغنّي «هاتيكفاه». كما وأقدمت بعد ذلك على قطع علاقتها بدرويش نهائيًا كي تبقى «داخل الدائرة الإسرائيلية». بادلها درويش الجفاء وخرج من حيفا إلى موسكو ثمّ بيروت وعبّر لريتّا في إحدى رسائله عن أولويّة الصراع قائلاً لها: «فتحت قلبي وللتو سأغلقه. إلى اللقاء».

أين هو «النوم مع الأعداء» إذًا؟ لماذا يُتوقّع منا أن نطلق النار على درويش لأنّه «أحبّ يهوديّة» – والخوض في هذا يطول – ونُمنع من رؤية الصورة الأكبر التي ترك فيها تمارى ومحمود بعضهما ليتفرّغا كلٌ على جانبه من المعركة؟ ألا تعطينا هذه القصّة نهاية مُعاكسة لتلك النهايات السعيدة التي يقع فيها الفلسطيني في حبّ الجنديّة على الحاجز، أو يهرب فيها المثليّ من رام الله إلى جنّة تل أبيب؟ لماذا نقرأ «ريتّا» و«عيوني» ونغمض أعيننا عن «بندقيّة»؟

كان محمود درويش يكتب ويعيش في الزقاق الفاصل بين الشخصيّ والعام. لقد استفاد من كونه فلسطينيًا لكنّه، أيضًا، شئنا أم أبينا، خدم الفكرة الفلسطينيّة في أكثر من مفصل. لم يكن الرجل خجولاً بأفكاره ولا بما قرر تركه وراءه. لقد أشار بنفسه في أكثر من موضع، قبل خروج وثائقي «سجّل أنا عربي» إلى العلن، بأنّ ريتا فتاة يهوديّة. وليس المرء إن قرر نقد محمود درويش في عازة إلى أن «يتّهمه» بريتّا، أو أن يأخذ عليه، في إشارة ذكوريّة بالغة البؤس، بأن اليهوديّة التي أحبّها، بالإضافة إلى كونها يهوديّة، «لم تكن جميلة».

تماهى صاحب «مديح الظلّ العالي» مع مشروع الحكم الذاتي الفلسطينيّ وأشار علينا بأفعاله وقصائده في أكثر من مناسبة بضرورة أن نقلب الصفحة بعد «سجّل أنا عربي». إذا كنّا سنتمنّع، تحت وطأة منطق الفضيحة الشخصيّة وحساب النقاط، عن الاعتراف له ولمن نختلف معهم بما أنجزوه وما مثّلوه، فلنحرق إذاً كلّ قصائد درويش. ولنحرق، أيضًا، كتب وروايات غسّان كنفاني الذي خان زوجته. فلنحرق كلّ شيء.

هذا المقال، هو أيضًا، حادث فردي.

أبريل 9, 2013

محمود عمر

أولاد الوسخة يموتون، ونحن الذين نمنح أنفسنا عادةً حقّ تحديد من أهم “أولاد الوسخة”، نحن أيضًا نموت. ما يضمن للسؤال، سؤال لماذا لا يموت أولاد الوسخة، استمراريته هو أننا وهم نسلّم الراية إلى من بعدنا، فتستمرّ المعركة، ويستمر الاشتباك. مارغريت تاتشر ماتت بالأمس عن عمر يناهز 87 عامًا. فرح الكثيرون بموتها. الدوافع وراء فرحهم مُستوعبة، وما أكثرها. المرأة كانت مصيبة على بريطانيا والعالم. أنا، من ناحيتي، لم أبالي بموتها، هي أصلاً ماتت منذ زمن بعد أن خرجت من دائرة الضوء. ما يعيش هو المنهج الذي انتهجته، والسياسات التي أرستها.

379246_397617986988302_1884518610_nعلى عكسنا، يتمتّع من هم على الطرف الآخر، بميزة هامّة، ميزة الحادث الفردي. في مصر ثمّة حادث طائفي كلّ عام تقريبًا، لكنها طبعًا وفق ما تقوله الحكومات حوادث فرديّة، لا دليلاً على وجود مشكلة طائفيّة في الجمهورية. القمع ليس منهجيًا في وزارة الداخليّة، إنه حادث فردي. الفساد في الجزائر والعنصريّة في لبنان، إنها ليست ظواهر بل حوادث فردية. حكومة حماس في غزّة في رصيدها عشرات “الحوادث الفرديّة” التي قُمع فيها أفراد وفضّت فيها اعتصامات وقطعت الكهرباء عن فعاليّات. الحوادث الفرديّة في كلّ مكان وهي لا تعيب المؤسسة، لا تعيب النظام، لا تعيب السلطة فهي، في نهاية المطاف، مجرّد حوادث فرديّة.

عندما تعرّت علياء المهدي (تعرّى معها صديقها بالمناسبة) قامت الدنيا ولم تقعد. الحراك الشبابي في الضفّة يُواجه مرّات عديدة بتهمة أن غالبيته منحلّة وتشرب الخمور. كان نشطاء في غزّة قد تعرضوا لمحاولة تشويه بادّعاء تواصلهم المباشر مع قوات الاحتلال او وصفهم بالساقطين أخلاقيًا، وكذا كان الحال في مصر. حتى اسرائيل، الدولة التي نشأت على الدم وبه تتغذى تستخدم حجة الحادث الفردي إن شعرت أنها مضطرة. الأمر نفسه ينسحب على أكثر أنظمة العرب وحشيّة، نظام الأسد الذي أكد على لسان رئيسه المجرم أنّ التجاوزات (تهشيم رؤوس الناس بالحجارة مثلاً؟) هي حوادث فردية سيجري العمل على معالجتها.

في هذا الفضاء العربيّ المرتبك، والمُربك، تكون الكتابة فعلاً خطيرًا. إنّ سهوًا صغيرًا أو سوء تعبير، إن هو حصل، قد يجلب على المرء الكثير من المتاعب. ناهيك عن الاستقبال العدائيّ لكل ما هو ليس متسقًا، على الأقل، مع نبرة الصوت الوسط. تخيلوا أن يكتب أحدهم عن تنظيم فعالية تثقيفيّة متعلقة بمسائل الجندر والمثلية في غزّة، بل وتخيّلوا (ولماذا التخيل؟ تذكروا) وصمة العار التي تشمل عائلة برمتها لمجرد أن فردًا فيها تعاون مع الاحتلال. الخارج، بكلّ ما فيه، ليس سهلاً وليس رحيمًا والاشتباك معه يجب أن يتم بحرفيّة.

لكن المرء يخطئ طبعًا، بل لابدّ له أن يفعل. كيف والشك، في حالتي على الأقل، هو نقطة الارتكاز شبه الوحيدة. كيف واليقين فكرة منفرة، والاعتناق مشهد مرعب. كيف لا يخاف المرء؟. صحيح أنّ الخوف لن يمنع من فعل ما عُقد العزم على فعله، لكنه سيعكر الأجواء. الأجواء التي لا تتحدث عنها النشرة. يبدو وقع هذه المفردة “مزبوطًا” تمامًا، خائف، لست متأكدًا ولا مبشّرًا ولا منظرًا، أنا خائف. كثيرون تحدثوا عن الحالة النفسية لكتّاب مشاهير، وكان ثمّة ما يشبه الاجماع على أنهم كانوا، بطريقة أو بأخرى، حزانى. يتراءى لي أن قسمًا كبيرًا منهم كان أيضًا خائفًا على اختلاف الدوافع.

إن كان لابد من السير في حقل الألغام، فليكن السير رقصًا زوربويًا. إن كان لابدّ من المقاومة، فلتكن مقاومة لا تقع في غرام الصاروخ. إن كان لابد من الحديث عن البديهيات، كالحقّ في تسريح الشعر، فليكن الحديث ساخرًا وطاعنًا في مصداقية السلطة الأخلاقيّة وصميمها المعنوي. إن كان لابدّ من الكتابة فلتكن، في حدّ ذاتها، حادثًا فرديًا.

الصورة من صفحة Contemporary Art

عن السيادة المصريّة وأنفاق رفح، حبيبة قلبي.

مارس 14, 2013

محمود عمر

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

تغيّرت معاملة الفلسطينيين في مصر ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتغيّرت معها أساليب طرحهم وقضاياهم في الإعلام المصري. لقد إزداد الأمر سوءًا. الفلسطينيّون، حسب الإعلام المصري ولفيف من الرسميين المصريين، في كلّ مكان. إنّهم يقتحمون السجون، يسرقون البضائع والسيّارات والمحروقات والكهرباء ويحتلّون، في أوقات فراغهم، شبه جزيرة سيناء. عندما يشتدّ الضغط، ويتأزم المشهد، يرسل الفلسطينيون نخبة مختارة من المقاتلين المقنّعين لحماية قصر الرئاسة المصري. الأنفاق على الشريط الحدود بين رفح المصريّة ورفح الفلسطينيّة، وفق نفس المنطق، هي ما مكّنتهم من فعل ذلك كله، إنّها إكسيرهم السرّي، وخنجرهم المسموم.

العقليّة البائسة التي أنتجت كل ما سبق وأكثر من الخزعبلات هي نفس العقليّة التي حكمت، تحت عناوين مختلفة، هذا البلد الممتد صحراءً وحزنًا، على مدار عقود طوال. الثورة التي أطلقها شباب ملّوا الغبار والمصاعد المعطلة لم تتمكن بعد من حسم الأمور تمامًا؛ لم تتمكن -بعد- من إدارة الدفّة، وتصويب البوصلة. العَجزة لا زالوا في الحكم، ملتحين وغير ملتحين، ولا زال الإسقاط الفوقي للمعلومات، منذ أرساه عبد الناصر، وعمّده السادات، يعمل بسلاسة غير معهودة في بلد الانسداد المروري والسيستيم الواقع.

آخر ما جادت به القريحة: اتّهام عناصر من حماس بالتخطيط لقتل الجنود المصريين في منطقة الماسورة في رفح، انتقامًا من الجيش المصري لهدمه الأنفاق. لا أدلّة، لا تحقيق جدّي، دولة برمّتها لا تبالي بمواطنيها وترمي بالتهمة والمسؤولية على المُشيطنين ذوي اللهجة الرثّة. رخيص هو المصريّ عند دولته وولاة أمره، أرخص من أن يبحث في أمر موته، سواء مات على الحدود، أو في قطار محترق، أو برصاص الداخليّة.

ليست الأنفاق “شريان حياة”  وممرًا لمستلزمات الحياة اليوميّة فحسب.  إنّها نوعٌ من القفز فوق الحاجز، استعمال أمثل للعقل البشري، نموذج تجب دراسته في ميكانيزم الاختراق. الأنفاق، في حسابات المناكفة، بصقة في وجه من ظنّوا أنهم حبكوها جيّدًا، إسرائيليين وعربًا وأمريكان، وفي حسابات الجغرافيا، كسبٌ للناس على طرفي الحدود، وإسألوا بدو سيناء وأهلها اللذين لا قيمة ولا معنى لهم في حسابات القاهرة ونخبتها التي تنظّر عن سيناء وما زارتها يومًا.

عندما حفر الفلسطينيّون في غزّة الأنفاق بعدما أغلق العالم أبوابه في وجههم، لم يبالوا لا بسيادة مصريّة ولا قوانين دوليّة. وكيف لهم أن يبالوا؟ هذا الكلام الكبير يصغُر أمام رغبة إنسان فرد واحد في أن يرتاح. يشبه الأمر أنّ تفك حزامك، والزرّ الأول من البنطال، بعد وجبة غداء دسمة. هذه الرّاحة بعد ضيق، هذا الانشكاح الانسانيّ بامتياز، لا مردّ له ولا هويّة. لو كان الأمر متعلقًا بغير الفلسطينيين لفعلوها، لو كانت الجغرافيا مغايرة لتمّت. إنّها ألف باء بشريّة. من لم يفهم الأنفاق ويستشعر حلاوتها وهي التي مكّنت عشّاقًا من اللقاء وعائلات أن يلتم شملها، فلا خيار أمامه إلا أن يراجع إنسانيّته.

حاول كثيرون إنهاء الأنفاق باعتبارها ظاهرة يتفوّق فيها من هم تحت على من هم فوق. أجهزة السلطة الأمنيّة كانت قد أعدّت قبل سنوات خطة تفصيلية يتم تنفيذها بالتعاون بين السلطة، إسرائيل والجيش المصري. ذهبت الخطة ومن وضعها أدراج الرياح. قصفت إسرائيل الأنفاق غير مرّة، قصفوها بصواريخ ارتجاجيّة، بأعقد وأحدث ما جادت به القريحة العسكريّة الأمريكيّة، ولكن عَبس. حاول المصريّون، ضخّوا فيها الغاز، كهربوها، ملأوها بمياه المجاري، ولكن عَبس.

حفرها الفلسطينيّون مجددًا، وأعادوا تنظيم اللوجيستيك بحيث تكون الأنفاق شبكة متداخلة، وللنفق الواحد عدّة أعين. المعركة الذهنيّة بين من يدهن السور، ومن يكتب له عليه “مبروك الدهان الجديد” في القاهرة كانت هي نفس المعركة بين من يهدم الأنفاق ومن يحفرها في رفح، وفي الحالتين الغلبة كانت للمبدع. للرّاقص فوق الأرض، وتحت الأرض ويوم العرض على التاريخ. 

لن تنتهي الأنفاق إلا بانتهاء الوضع المشوّه الذي استدعى حفرها، وفتح المعبر للبضائع. لا يشمل ذلك المعطى أنفاق تهريب السلاح التي إن أرادها البعض مغلقة، كان لزماً عليه توفير السلاح شرعيًا. شيطنة الفلسطينيين في مصر هي نصيبنا من بؤس الدولة المصريّة المتفاقم، وسياسات المؤامرة والعدو المترصّد التي تجري فيها مجرى النَفس. لا يعني ذلك أن نصمت على ما يكال من اتهامات بلا أدلّة ولا شواهد. مهمٌ أن نتحدث، أن نشرح، أن ننفي، وأن نحاجج من أمنوا جانب اسرائيل واستعدوا حفنة من الفلسطينيين بمنطق الحقّ والحقيقة. الأهم، أن لا نكره، رغم كل ما نرى ونسمع، جوار مصر وقربها، وأن لا نكرهها جوارنا وقربنا، وأن ندفع جميعًا في الإتجاه الذي سيحسم كلّ شيء، ويزيل كل لغط ويشفي كل سقم، إتّجاه الثورة، مصريّة كانت أم فلسطينيّة. 

إلى «أسرانا البواسل» المضربين عن الطعام: طيّب وبعدين معكم؟!

ديسمبر 26, 2012

محمود عمر

في تتابع يذكّر بالطقس الأوليمبي، تنتقل شعلة «أطول إضراب عن الطعام في التاريخ» من أسير فلسطينيّ إلى آخر، فبعد أن حملها خضر عدنان الذي دشّن مرحلة «الإضرابات الفرديّة»، انتقلت الشعلة إلى ثائر حلاحلة فبلال ذياب فمحمود السرسك قبل أن يستقرّ بها المقام – مؤقتًا – عند الأسير الفلسطيني أيمن الشراونة المضرب عن الطعام منذ أكثر من 170 يومًا. يمكن لهذا المقال أن يكون نقلة أخرى في التتابع الذي يوازي تتابع الشعلة إذا ما شرع كاتبه في تمجيد بطولات أولئك الأسرى، والشدّ على أياديهم، ودعوة «أحرار العالم» للتحرّك الفوريّ والسريع، ومطالبة «السلطة الوطنيّة» على طريقة حلمي الأعرج -مدير إحدى المؤسسات الحقوقيّة في رام الله- بأن تدعو لاجتماع عاجل للجامعة العربيّة كي يتم، على الأغلب، إعلان حالة «البيانات شديدة اللهجة» على إسرائيل، في حين يمكن للمقال أن يحاول مقاربة المسألة من ناحية مختلفة، وأن يسلّط الضوء على مناطق معتمة في هذا الفضاء الموسوم بالبطولة البائسة حدّ الملل.

Fifteen Days of Hunger Strikeمنذ نكسة العرب عام 1967 وحتى اليوم، خاضت الحركة الأسيرة الفلسطينيّة أكثر من عشرين إضرابًا مفتوحًا عن الطعام. أوّل تلك الإضرابات كان سنة 1969 بسجن الرملة، وآخرها كان في مايو من العام الحالي واستمرّ لمدة 28 يومًا. أنهت تلك الاضرابات الجماعيّة بما سبقها من تخطيط مشترك وجاهزيّة نفسيّة، وما زامنها من ثبات وواقعيّة، العديدَ من مظاهر القهر والذل داخل معتقلات إسرائيل. لم يعد الأسرى مجبرين على العمل في الخياطة وما شاكلها، سُمح لهم بتبادل الكلام في الساحات ومشاهدة التلفاز واستخدام الملاعق والصحون، وانتهى إلى غير رجعة زمن مناداة السجّان بـ«أمرك سيدي». تلك المنجزات لم تكن بالمجّان. استشهد العديد من الأسرى في تلك الاضرابات، كان أوّلهم عبد القادر أبو الفحم عام 1970 في سجن عسقلان، ومن بينهم راسم حلاوة وعلي الجعفري وإسحاق مراغة في إضراب سجن نفحة عام 1980 الذي استمر لمدّة 32 يومًا وحاولت إدارة السجون إنهاءه باتبّاع أسلوب «الإطعام القسري»، قبل أن تلتحق بقيّة السجون بالإضراب فترضخ مصلحة السجون الاسرائيلية لمطالب الأسرى وتوصي بإدخال الأسرّة وتوسيع مساحات الغرف والساحات والسماح بألبومات الصور ومواد القرطاسيّة. التحرّك الشعبي الفلسطينيّ في الضفة الغربيّة وقطاع غزّة والداخل كان دومًا عاملاً مساندًا لإضرابات الأسرى الجماعيّة، بل وحاسمًا بعض الأحيان كما هو الحال في إضراب سبتمبر 1992 الذي تابع خلاله الأسرى الفعاليّات الفلسطينيّة المقاومة الموازية (يشاع الآن استخدام كلمة تضامن، حفنة من الفلسطينيين «تتضامن» مع حفنة أخرى) قبل أن ينتهي الاضراب بالسماح بالزيارات الخاصة وإدخال بلاطات الطبخ إلى غرف المعتقلات وإضافة المعلّبات والمشروبات الغازيّة على قوائم «الكانتينة».

يظهر جليًا أثناء معاينة الإضراب عن الطعام باعتباره السلاح الأكثر فعاليّة، وفحص توقيتات وآليّات استخدام ذلك السلاح من قبل الحركة الأسيرة الفلسطينيّة، أنّ العمل الجماعي، والتصعيد المتسلسل، وعموميّة المطالب التي سيستفيد من تحققها كلّ الأسرى، كلّها عوامل تدفع لا في سبيل إنجاز الهدف المحدد وتحسيت الظروف المعيشيّة داخل المعتقلات وإجبار إسرائيل على الرضوخ فحسب، بل وفي سبيل إجبار «الفلسطينيين خارج السجون» على أن يتركوا ما في أيديهم، ويلتفتوا مجبرين لما يحدث داخل السجون، لا أن يكون ذلك حسن أخلاق منهم، وتمتعًا بوطنيّة ذات منسوب مرتفع. يكفي أن نقول أنّ إضراب سجن نفحة عام 1980 الذي كان نقطة تحوّل تامّة حظي بإسناد شعبي عارم، وأنّ إضراب سجن جنيد عام 1987 كان رافدًا أساسيًا من روافد الإنتفاضة الفلسطينيّة الأولى، وعاملاً أساسيًا من عوامل إندلاعها، في حين تتلخص مظاهر الدعم (التضامن؟) مع الإضرابات الفرديّة الراهنة عن الطعام، لأسرى فلسطينيين يغلب عليهم لون حزبيّ واحد، في إقامة “خيام” أمام مراكز الصليب الأحمر (خيام تضامن؟) ومسيرات تتحرّك من نقطة محددة وتنتهي عند نقطة محددة، والعديد من «ستيتوس» الفيس بوك، والتدوينات الانجليزيّة التي يجود بها علينا كثيرون. 

بالمنطق، والأرقام، نجد أنّ أطول إضراب جماعي عن الطعام كان في عام 1976، وانطلق من سجن عسقلان. المدّة: 45 يومًا. النتائج: إدخال القرطاسيّة، السماح بمراسلة الأهل، تحسين نوعية وكمية الطعام، واستبدال فرشات الأسرِّة. الاضراب الثاني في استمراريّته كان اضراب سجن نفحة عام 1980. المدّة: 32 يومًا. المدد الزمنيّة للاضرابات الجماعيّة الأخرى تتراوح بين ثمانية أيام (اضراب معتقل كفار يونا)، وتسعة أيام (إضراب سجن نفي ترستا)، و13 يومًا في إضرابات أخرى، و23 يومًا كانت هي مدة الاضراب الجماعيّ الأخير والذي تمّ إنهاؤه بتوقيع القيادة الموحدة للاضراب اتفاقًا مع مصلحة السجون الاسرائيليّة يقضي بالغاء  «قانون شاليط » وسحب تدريجي لمحدثاته في السجون الاسرائيليّة. اذا ما تناولنا الاضرابات الفرديّة، يكاد المنطق يختفي، وتصير الأرقام فلكيّة: هناء شلبي – 42 يومًا. خضر عدنان – 66 يومًا. ثائر حلاحلة وبلال الذيب – 76 يومًا. محمود السرسك – 96 يومًا. سامر العيساوي 145 يومًا. أيمن الشروانة – 171 يومًا. (مين يزيد؟). النتيجة: إفراج عن الأسير، إما فورًا أو في موعد محدد، وإما إلى محل إقامته الأصلي أو «منفيًا» إلى غزّة.

بعد كل ما سبق، وبعد التأكيد على إحترام نضالات أولئك الأسرى الذين قرروا خوض إضرابات فرديّة عن الطعام إحترامًا لا يعطيهم حصانة من أي نوع، ولا يجعلهم فوق النقد، وبعد التطرّق لحقيقة أنّ لا مجال لإنسان أن يصمد في إضراب “حقيقيّ” عن الطعام لأيام يصل عددها لتلك الأرقام الخياليّة دون إسناد طبّي خارجي تقدّمه إسرائيل دون عناء (بوبي ساندز مات بعد 66 يومًا فقط)، وبعد حصر ردود الفعل الفلسطينيّة في خيام التضامن والمسيرات وبيانات الشجب ووسوم تويتر، وبعد التخمة التي سببّتها كلّ مقولات التمجيد والإقحام في الأسطورة، ألا يجدر بنا أن نتأنّى قليلاً، ونطرح بعض الأسئلة؟. هل يجب إعتماد هذا النسق من المقاومة؟ ما رأي الأسرى بقرار أحدهم الفردي بخوض إضراب عن الطعام؟ ما هي خطواتهم هم لدعمه ولماذا لم نسمع عنها؟ ألا نملّ من البطولة وكسر أرقام قياسيّة تكسرنا؟ هل كُتِب علينا هذا المجد المرهق؟ أليس ثمّة ما هو أسهل، وأنجع؟ هذه أسئلة وغيرها مطروحة برسم الجميع.


%d مدونون معجبون بهذه: