Posts Tagged ‘فلسطين’

الكنيست الإسرائيلي كما يُشاهد من غزّة

مارس 14, 2015

محمود عمر
عادت مشاركة العرب الفلسطينيين في إسرائيل في انتخابات الكنيست لتحظى بنصيب الأسد من جدالات المقاهي وشبكات التواصل. الحدّة التي تتسم بها هذه الجدالات النخبويّة بين أطراف يَصعُب رؤية الحدّ الفاصل بين خلافاتها السياسية والشخصيّة، لا تعكس، للأسف، حالة عصف ذهنيّ أو انقسام ملحوظ في الشّارع العربي الفلسطيني في “إسرائيل” الذي يبدو أنّه يجنح، تحت تأثير عوامل تراكميّة متعددة، باتجاه المشاركة الفاعلة في الانتخابات البرلمانيّة الاسرائيليّة.

knesset_logoالأصوات الداعية لمقاطعة انتخابات الكنيست الاسرائيليّ، وهنا نقصد لفيفًا واسعًا غير متجانس من النشطاء الحزبيين وغير الحزبيين، لا يبدو أنّها تخلّصت تمامًا من توتّرها في التعبير عن موقفها الذي يتّسم في الصميم منه، وهنا تكمن المفارقة، بالكثير من البساطة، إذ يعتبر هؤلاء أن مشاركة قسم من الشعب الفلسطينيّ في انتخابات برلمان المشروع الصهيونيّ غير مقبولة ولا مجدية. يتعثّر التعبير عن هذا الموقف الوطنيّ الذي تدعمه جملة من الأسباب الرزينة، فيُستعاض عنه في معظم الحالات بابتزازات ومزايدات حول الخيانة وتقسيم الشعب والتصهين.

يُقابل توتّر خطاب المقاطعة بتوتّر مضاد من مؤيدي المشاركة الفاعلة في الانتخابات الاسرائيليّة، فيتحوّل الجدل النخبويّ، والذي يترجّى مفاهيم متنوّعة عن «الشعب» ولا يعبّر عنه في الحالتين، إلى جدلٍ بيزنطيٍّ بين معسكرين تفصل بينهما حدودٌ مساميّة، ويغيب أيّ بحث معمّق يحاول، على الأقل، تحجيم إدّعاءات الطرفين، وبالأخص، مساءلة العملية التي يجري الاشتغال عليها، بغرض تحويل مشاركة عرب فلسطينيين في الكنيست الصهيونيّ من شذوذ يقع على هامش تاريخ وحاضر القضيّة الفلسطينيّة، إلى ظاهرة وحدويّة و «نضاليّة» تقع في القلب منها.

اكتشاف «كنز» المواطنة

بدأ العرب الفلسطينيّون داخل إسرائيل بإدراك المزايا والمساحات الواسعة التي تمنحها لهم المواطنة الإسرائيليّة في نفس الفترة التي بدأ فيها الفلسطينيّون عديمو المواطنة بتطوير مفهوم ووعي حديث، ما بعد استعماريّ، بهويّتهم الوطنيّة. والواقع أنّ عقد السبعينيات، وهو عقدّ “المدّ الثوريّ” الفلسطينيّ، كان أيضًا عقد “اكتشاف المواطنة” عند العرب الفلسطينيين في إسرائيل، بعد رفع الحكم العسكريّ عنهم عام ٩٦٦١، ليتمايزوا بشكل منهجي ونَسقي عن باقي الفلسطينيين، ولتصير لإسرائيل عندهم صورة مختلفة، أكثر مرونة وأقلّ دموية بكثير من صورتها عند فلسطينيي الضفّة والقطاع والشتات.

كما وسهّل انتهاء حكم الحزب الواحد في إسرائيل في نهاية السبعينيات، بعد فوز حزب الليكود بقيادة مناحيم بيغن بأربعة وثلاثين مقعدًا في الكنيست، الطريق أمام الفلسطينيين في إسرائيل لوضع وعيهم المضطرد بمزايا مواطنتهم المنقوصة موضع التطبيق، بعد أن صارت إسرائيل دولة أكثر ليبراليّة، يتناوب على حكمها حزبان سياسيان رئيسان، وتمتاز بتوفر هامش واسع من حرية التعبير والتنظيم والتجمّع والعمل الإعلاميّ. وفي تطبيق كلاسيكيّ لمقولة هيغل “الحاجة هي وعي النقص”، رافق وعي الفلسطينيين في إسرائيل بـ”مواطنتهم”، وعيًا بالنقص الذي يشوب هذه المواطنة، وبالتالي، حاجة للوصول إلى صيغة تملأ هذا النقص وتنهيه.

ومن هنا جاء المشروع السياسيّ الذي قسّم الاشكالية السياسيّة عند فلسطينيي الداخل إلى مركبتين، الأولى داخلية تتمثل في المطالبة بالمساواة، والثانية خارجية/قوميّة تتمثّل بدعم خيار الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة بإقامة الدولة في الضفّة والقطاع. ولقد تعرّض هذا المشروع الذي أراد العرب في مناطق ٤٨ إسرائيليين داخل حدود “الدولة”، وفلسطينيين في الضفة والقطاع، لضربات موضوعيّة وذاتيّة قاتلة، فجاء مشروع “دولة المواطنين” الذي طرحه عزمي بشارة في منتصف الثمانينيات، ليحلّ محله، ويعكس إتجاه المركبّة القوميّة لتصير موجّهة نحو الداخل من خلال ربط مطلب المساواة الكاملة بالاعتراف بالحقوق القوميّة الجماعية للفلسطينيين في إسرائيل.

بكلمات أخرى، جاء مشروع “دولة المواطنين” ليقول إنّ بإمكان الفلسطيني الحامل للجنسيّة الإسرائيليّة أن يكون مواطنًا إسرائيليًا كامل الأهليّة والحقوق، وفي نفس الوقت، فلسطينيًا تامًا يمتّع بحقوق قوميّة داخل إسرائيل لا خارجها. ولا يمكن، في واقع الأمر، لأيّ من متفّهمي أو داعمي المشاركة في انتخابات الكنيست باعتبارها “نضالاً” أو دفعًا بإسرائيل لـ”ترزح تحت تناقضاتها”، أن يبتعدوا كثيرًا عن الأسس المعرفيّة لمشروع دولة المواطنين، وعن الأثمان الواجب دفعها من أجل جعل هذا المشروع مشروعًا سياسيًا يمكن اختبار قابليّته للحياة بشكل جدّي.

«الاشتباك مع الواقع من أجل تغييره»

يشتمل أيّ موقف داعم للمشاركة العربيّة في انتخابات الكنيست على تأييد لفكرة التسليم بالواقع كخطوة تسبق الاشتباك معه من أجل تغييره. ولا يجب، في واقع الأمر، نفي هذه الفكرة أو إبداء فوقيّة عدميّة تجاهها كما يفعل كثيرٌ من دعاة المقاطعة، حتى يكون فيها ما يمكن معارضته وتبيان تهافته ضمن حدود نموذج “دولة المواطنين”. فالمشكلة، بالنسبة لفلسطيني لا يحمل الجنسية الاسرائيليّة، ليست بالضرورة في «الاشتباك مع الواقع من أجل تغييره»، بل في التشخيص السّائد لهذا الواقع والتحديد المُتّبع لطبيعة «الاشتباك» معه والحدود التي ينتهي عنها هذا الاشتباك. فإذا ما سلّمنا بصوابيّة «الاشتباك مع الواقع من أجل تغييره»، كان لزامًا أن نسأل: من يملك سلطة تشخيص الواقع؟

الواقع في نموذج “دولة المواطنين” هو دولة إسرائيلية ذات فضاء سياسيّ وقانوني محدد، رغم أنّها لم ترسّم حدودها أبدًا، والتغيير المُرتجى هو تحويل هذه الدولة من دولة صهيونيّة يهوديّة عنصريّة، إلى دولة لكافة مواطنيها، وكافّة مواطنيها هنا لا تشمل بعطفها الفلسطينيين في الضفّة الغربيّة أو قطاع غزّة أو مخيمات سوريا ولبنان والأردن، لاستناد نموذج “دولة المواطنين” بشكل شبه كامل على تصوّر أوسلويّ للواقع القائم اليوم في فلسطين ما بين النهر والبحر.

يشتمل النموذج، بكلمات أخرى، على نفس القصور في المخيلة والسياسة الذي أدّى إلى إطفاء شرعيّة فلسطينيّة وطنيّة على تقسيمات جاء بها الاستعمار والمشروع الصهيونيّ. أمّا الثّمن الواجب دفعه من أجل الوصول إلى “دولة المواطنين”، أو أيّ هدف آخر بوسائل “ديمقراطيّة”، فهو ثمن بالغ الوضوح: هذا “نضال” يجري تحت سقف المواطنة الإسرائيليّة، وبلغة ليبراليّة حقوقيّة تفهمها المؤسسة الصهيونيّة، وهو نضال محدود الخطورة وشديد الأنانيّة بالضرورة، لاستناده على تصور قوميّ لهويّة فرعيّة وجزء محدود من الشعب الفلسطينيّ، شاءت المصادفة التاريخيّة أن يجد نفسه في الجهة الأخرى من السلك الشائك.

وهنا، ينتفي عن جزء من أرض فلسطين الفهم الفانوني (من فرانز فانون) للاستعمار باعتباره عنفًا خالصًا لا يمكن أن يخضع إلّا في حالة مواجهته بعنف أقوى، في حين يُعاد تبني هذا الفهم بطريقة وصوليّة ما أن يتعلّق الأمر بجزء آخر من نفس الأرض، الأمر الذي لا يعدو كونه إعادة إنتاج تنكريّة لمشروح حلّ الدولتين الذي مات وتعفّن. وبالتالي، يصبح ممكنًا لإسرائيل، في نموذج “دولة المواطنين”، أن تكون واقعًا ذكيًا ومنطقيًا ومرنًا وخجولاً -في مناطق جغرافيّة معيّنة دون غيرها-، يمكن انتزاع تنازلات منه بل وتغييره جذريًا عبر سُبل ديمقراطيّة وليبراليّة.

يُصدَّر هدف الحصول على المساواة والاعتراف بالحقوق القوميّة، والسعي نحو هذا الهدف، باعتباره نضالاً يجعل “إسرائيل” ترزح تحت وطأة تناقضاتها، في حين يمكن الإدّعاء، في ظلّ محدوديّة هذا النموذج السياسية والجغرافيّة والديموغرافيّة، وتنكّره المضاد لواقع الفلسطينيين خارج فردوس المواطنة، وكونه سيفًا ذو حدّين (جاهل فقط يمكن أن ينكر استفادة إسرائيل من وجود نوّاب عرب “يناضلون” من داخل الكنيست)، أنه لا يجعل إسرائيل “ترزح تحت وطأة تناقضاتها” بقدر ما يحاول، من حيث يدري أو لايدري، حاله حال الليبراليين اليهود في أحياء نيوريورك ولندن، إنقاذ إسرائيل من نفسها.

في ضرورة مساءلة «أوسلو الداخل»

يدّعي مناصرو المشاركة العربيّة في الانتخابات الاسرائيليّة، أو أولئك الذين لا يبدون موقفًا مبدئيًا ضدّها، في معظمهم، أنّ هذه المشاركة تنبع من “خصوصيّة” واقع العرب الفلسطينيين في إسرائيل وتميّز واقعهم. والحال أنّ العرب الفلسطينيين في إسرائيل لهم “خصوصيتهم” بالفعل. ولكن غيرهم من الفلسطينيين لهم “خصوصيتهم” أيضًا، وهذا هو ما يتوجّب على المتحمسين لانتخابات الكنيست فهمه ومحاولة الردّ عليه إن كانوا يصدقون أنفسهم بالفعل عندما يعتبرون أنّ دخول البرلمان الاسرائيليّ لا يتعارض، إن لم يدعم، حقوق وتطلّعات الشعب الفلسطينيّ في كافة أماكن تواجده.

إنّ وضع “خصوصيّة” قطاعات معيّنة من الشعب الفلسطينيّ في مقابلة “خصوصيّة” أجزاء أخرى تكشف البؤس الكامن في هذا المنطق برمّته، رغم أنّه يعكس، على مرآة مهشّمة، أجزاء متفرقة من واقع موضوعيّ لا يمكن إنكاره. فإذا كان العربي الفلسطينيّ في إسرائيل يعتبر مشاركته في الترشّح أو التصويت في الانتخابات “نضالاً” ضدّ العنصريّة والصهيونيّة، فإنّ عليه أن يفهم -منطلقًا من خصوصيّته، أنّ هذا النضال ليس له وجود أو دلالة أو قيمة في قاموس فلسطينيّ من غزّة، جرّاء “خصوصيّة” الوضع الغزّي، هذا إن لم يكن هذا “النضال” صورة طبق الأصل عن نقيضه.

وبذلك، فإنّ ما قد يمنح المشاركة في الانتخابات الحدّ الأدنى من الاتّساق المعرفيّ والعملانيّ ضمن حدودها نموذجها المشغِّل هو تقديمها على ما هيّ عليه بالفعل: أوسلو الدّاخل النابعة من “خصوصيّة” لا يمكن من دونها فهم أو تلمّس أي فحوى نضاليّة، والكفّ عن محاولة تصوير هذه المشاركة على أنّها “حصان طروادة” نخبّئ فيه أعضاء الكنيست العرب ونرسلهم ليتفجّروا في قلب المشروع الصهيونيّ ويجهزوا عليه، ذلك أنّ ملايين الفلسطينيين من القابعين خارج هذه “الخصوصيّة”، لا يمكنهم، نتيجة شرطهم التاريخيّ و “خصوصيتهم”، إلا أن يروا فيها استغلالاً بيّنًا لمزايا منحها المشروع الصهيونيّ لبعض الفلسطينيين دون غيرهم.

ما بعد بعد «الخصوصيّة»

لن يكون من الممكن خلق وضع سياسيّ واجتماعي أفضلّ في البقعة الجغرافيّة الممتدة بين نهر الأردنّ والبحر المتوسّط عبر مشاريع تحاول التعامل مع الأعراض بدلاً من التعامل مع المرض. إنّ منطق “الخصوصيّة”، لو مُدّ على آخره، فهو يضعنا، كشعب، أمام نفس الأسئلة التي يحاول بعضنا، عبر انتخابات الكنيست، أن يضع إسرائيل أمامها: هل ما زلنا شعبًا واحدًا بالفعل؟ هل ما زال من الممكن بالنسبة لنا أن نطوّر مشروع مقاومة جامع ومتعدد الأبعاد يضمن لنا، في آخر الدرب، حقوقنا القوميّة والوطنيّة والفرديّة، سواء كنّا من غزّة أو عين الحلوة أو بئر السبع؟

لا يمكن لنموذج “دولة المواطنين”، أو أيّ نموذج آخر يحصر نفسه ضمن مساحة معرفيّة أو سياسيّة مسيّجة ومسقوفة بشعار دولة إسرائيل، أن يجيب على الأسئلة السابقة بالايجاب لأنّه، لو فعل، فسينفي نفسه. الأمر نفسه ينطبق على نموذج “أوسلو” في كافة تفرّعاته وتجلياته. التحدّي، إذًا، كامنٌ في البحث المستمر عن بدائل متطوّرة، من دون الغرق في الابتزازات العاطفيّة والعزوف عن السياسة أو تخوين قطاعات واسعة من “الشّعب” ومحاولة إخراجهم من معادلة الصّراع، بل من خلال الانخراط في السياسة، ومحاولة العثور فيها على ما هو أبعد من “الخصوصيّة”؛ أي على الشيء الذي قد يربط، من دون أن يساوي أو يدمج، بين الفلسطينيّ الذي وجّه صاروخه من بين الركام باتجاه الكنيست، والفلسطينيّ الذي وجّه آماله تجاهه.

حتّى يزهّر ياسمين

يونيو 3, 2014

لا تتذكر أين ومتى لكنك تعرف أن غسّان كنفاني قال شيئًاعن الفراغ الذي لا يمكن التحايل عليه وعن الحفرة التي لا يمكن ردمها لا بالمدن الأنيقة ولا بأعقاب السجائر . وأنت، من حيث تقف، بالغ الأسى والهشاشة، تؤكّد بعيشك اليوميّ على كلامه. تنام وتصحو مع فكرة الوطن هذه. تقلّبها بين يديك وتضجر منها فترميها في الخزانة قبل أن تعود راكضًا كي تعتذر منها وتشرح لها أنّ الألم يتعدّى أحيانًا حدود قدرتك على التحمّل.

فلسطين فلسطين فلسطين. ألا ملعون أبو فلسطين. ألا كس إم فلسطين. أجمل شيء في الدنيا فلسطين. أزكى شيء في الدنيا فلسطين. حبّة شوكولاتة بالحليب فلسطين، قوّار نعنع على الشرفة، حمّام ساخن بعد الهرولة، “حالة عشق لا تتكرر يا عبد الله فلسطين”، فلسطين فلسطين فلسطين. تتمنّى لو تسمح لك فلسطين أن تضربها كفّين لترى، فقط، ما الذي يمكن أن يحدث.

وفوق هذا كلّه، تغار أنت من كل الذين يحملون البنادق من أجل فلسطين. تقرأ لفلسطين وتكتب لفلسطين وتتمكّن أن تقنع نفسك في أكثر من مناسبة بأنّك وإن لم تكن فدائيًا كما يتوجّب فإنك، على الأقل، لست عقبة في طريق تحرير فلسطين. لكن هذا لا ينفع وولا يبلّ الريق. كلّ الذين لم يحملوا بندقية من أجل فلسطين لم يعرفوا معنى “أن تفعل شيئًا” بحقّ من أجل فلسطين. الشعر مهم طبعًا، والرواية، والمقال، والتحليل والتنظير والمسيرات السلميّة وندوات الجامعات والاضرابات والتسلّح بالمعرفة، هذا كلّه مهم لكنك، في لحظات التأزّم الحادّة كالإبر، تعرف أن بإمكانك أن تضعه كلّه في كيس بلاستيك أسود وتدحشه في مؤخرتك. 

«عبد القادر ناصب شّادر فوق الشّادر رشاشات»

«أوّل واحدة بحيفا، والثانية بعتليت»

«واحرس ضياء الشمس»

«حتّى يزهر ياسمين»

«لشطّ البحر غنّينا»

محمود درويش وريتّا: ورود بلاستيكيّة وديناصورات

مايو 31, 2014

محمود عمر

نُشر مُعنوناً محمود درويش وريتا، «فتحت قلبي وسأغلقه للتو» في جريدة السّفير.

أطلقت المخرجة ابتسام مراعنة (1975) فيلمها الوثائقيّ الجديد «سجّل أنا عربي» (74 دقيقة) في «مهرجان الربيع» الإسرائيليّ للأفلام التسجيليّة. يستحضر الفيلم المموّل إسرائيليًا علاقتين عاطفيتين لمحمود درويش الشّاب ويقدّمهما للجمهور الإسرائيليّ في قالب بالغ الرومانسيّة. جمعت العلاقة الأولى بين محمود درويش وفتاة يهوديّة اسمها تمارى بن عامي. أمّا الثانية فكانت تلك التي جمعت بينه وبين زوجته الأولى رنا قبّاني.

الشريط الدعائيّ للفيلم (دقيقتان و٢٨ ثانية) الذي نشرته المخرجة على صفحتها على اليوتيوب يبدأ بصوت وصورة محمود درويش وهو يقول: «كل شاعر في العالم حالم. يحلم أن يكون صوته صدى صوت الآخرين» وينتهي بدرويش يطلّق «صوت الآخرين» ويناقض نفسه (وهذا حقّه) إذ يقول: «أنا لا أحبّ التمثيل. إنني بالكاد أمثّل نفسي». في الحالتين، يظهر درويش منزوعًا من سياقه ومختلفًا عمّا تعوّد عليه محبُّوه الفلسطينيون والعرب ويكون كلامه بالعبريّة.

محمود درويش وتمار عامي

محمود درويش وتمار عامي

أرادت مراعنة المولودة عند سفح الكرمل أن تعيد درويش إلى «مربَّعه الأوّل» وتنزع عنه كلّ ما يشبه كلام «المخرّبين» وشكلهم ليصير أكثر قابليّة للهضم عند الجمهور الإسرائيليّ الباحث عن أسباب تسهِّل عليه أن يتصالح مع ذاته وينظر في المرأة. ساعدت «عالميّة» درويش ونزعاته الفرديّة وتناقضاته المخرجةَ في ترجمة بعض جوانب الكليشيه الفلسطينيّ الذي يجسّده درويش إلى العبريّة. صفّق الإسرائيليّون لمراعنة على جهدها الخلّاق وحصل فيلمها على جائزة الجمهور في المهرجان.

أمّا عربيًا فكان تعامل كثيرين مع ما رشح من الفيلم مختلفًا عن التعامل الإسرائيليّ في الشكل لكنّه لم يختلف، للأسف، في المضمون. لم تتجهّز العين العربيّة لتشتبك مع العمل باعتباره دفقة ابتذال أخرى مموّلة إسرائيليًا تمهيدًا لتفكيكه والدفع به إلى الهامش، بل فضّلت وضع العمل على الرّف وركّزت تمامًا مثلما فعلت العين الإسرائيليّة – على صور فتاة يهوديّة في العقد الثاني من عمرها تقف على يسار الشّاعر. إنّها تمارى بن عامي التي عرفها محمود درويش في حفلة لشبيبة الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ، وعرفناها نحن في شعره باسم ريتّا.

أدّت هذه الفتاة اليهوديّة المولودة لأمّ بولنديّة وأب روسيّ وظيفة عُصابيّة ذات طابع مزدوج: أعطت الإسرائيليين دليلاً على أنّ ضحيّتهم المذبوحة يمكن لها أن تحبّهم وتصلّي، وهي تموت، لإله «في العيون العسليّة». كما وأعطت الفلسطينيين، أوّ ديناصورات المرحلة منهم، دليل إدانة إضافيّا يخدم محاكمتهم الطويلة لمحمود درويش بتّهمة أنّه كان، والعياذ بالله، إنساًنًا.

غطّت هذه الوظيفة المفروضة فرضًا على فتاة في مقتبل عمرها، على ما هو أهمّ وأجدى: نقد العمل الذي دافعت مخرجته عن اللجوء للتمويل الاسرائيليّ وبررته بأنها فعلت مثل هاني أبو أسعد في فيلم «الجنة الآن»، ومثل عماد برناط في «خمس كاميرات مكسورة».

إنّ وضع قصّة درويش مع ريتّا في سياقها الزمنيّ (كان هو في الثانية والعشرين من عمره، وكانت هي في السابعة عشرة) واستقراء ما آلت إليه العلاقة التي جمعت بينهما لا يساعدنا في تأكيد التناقض مع العدو الإسرائيليّ فحسب، بل وينسف كلّ ما قدّمه لنا سلفيُّو العمل الوطني من صراخ ونميمة، وكلّ ما قدمّه حرّاس الكليشيه الفلسطينيّ من ورود بلاستيكيّة.

تركت الفتاة اليهودية محمود درويش لتلتحق بالجيش الإسرائيلي. لم يمنعها حبُّها من أن تغنّي «هاتيكفاه». كما وأقدمت بعد ذلك على قطع علاقتها بدرويش نهائيًا كي تبقى «داخل الدائرة الإسرائيلية». بادلها درويش الجفاء وخرج من حيفا إلى موسكو ثمّ بيروت وعبّر لريتّا في إحدى رسائله عن أولويّة الصراع قائلاً لها: «فتحت قلبي وللتو سأغلقه. إلى اللقاء».

أين هو «النوم مع الأعداء» إذًا؟ لماذا يُتوقّع منا أن نطلق النار على درويش لأنّه «أحبّ يهوديّة» – والخوض في هذا يطول – ونُمنع من رؤية الصورة الأكبر التي ترك فيها تمارى ومحمود بعضهما ليتفرّغا كلٌ على جانبه من المعركة؟ ألا تعطينا هذه القصّة نهاية مُعاكسة لتلك النهايات السعيدة التي يقع فيها الفلسطيني في حبّ الجنديّة على الحاجز، أو يهرب فيها المثليّ من رام الله إلى جنّة تل أبيب؟ لماذا نقرأ «ريتّا» و«عيوني» ونغمض أعيننا عن «بندقيّة»؟

كان محمود درويش يكتب ويعيش في الزقاق الفاصل بين الشخصيّ والعام. لقد استفاد من كونه فلسطينيًا لكنّه، أيضًا، شئنا أم أبينا، خدم الفكرة الفلسطينيّة في أكثر من مفصل. لم يكن الرجل خجولاً بأفكاره ولا بما قرر تركه وراءه. لقد أشار بنفسه في أكثر من موضع، قبل خروج وثائقي «سجّل أنا عربي» إلى العلن، بأنّ ريتا فتاة يهوديّة. وليس المرء إن قرر نقد محمود درويش في عازة إلى أن «يتّهمه» بريتّا، أو أن يأخذ عليه، في إشارة ذكوريّة بالغة البؤس، بأن اليهوديّة التي أحبّها، بالإضافة إلى كونها يهوديّة، «لم تكن جميلة».

تماهى صاحب «مديح الظلّ العالي» مع مشروع الحكم الذاتي الفلسطينيّ وأشار علينا بأفعاله وقصائده في أكثر من مناسبة بضرورة أن نقلب الصفحة بعد «سجّل أنا عربي». إذا كنّا سنتمنّع، تحت وطأة منطق الفضيحة الشخصيّة وحساب النقاط، عن الاعتراف له ولمن نختلف معهم بما أنجزوه وما مثّلوه، فلنحرق إذاً كلّ قصائد درويش. ولنحرق، أيضًا، كتب وروايات غسّان كنفاني الذي خان زوجته. فلنحرق كلّ شيء.

ورقة من غزّة – 2054

مارس 26, 2014

محمود عمر

تُنشر هذه التدوينة المتواضعة جدًا، والمتفائلة جدًا، بالتزامن مع ملحق “السفير العربي” في عدده الخاص بمناسبة الذكرى الأربعين لتأسيس جريدة السّفير اللبنانيّة. عنوان التدوينة، كما سيتبدّى لكثيرين، مقتبسٌ من مجموعة قصص غسّان كنفاني القصيرة التي نشرت عام 1962 بعنوان: أرض البرتقال الحزين.

أتعرف؟ تغيّر كل شيء، حتى نحن تغيّرنا ولم تعد مشاكلنا على صلة وثيقة بحسابات القوة وسياسات الاخضاع. صارت مشاكلنا من النوع الذي يتطلّب إضاءة خافتة وطبيباً نفسياً وأريكة مريحة.

c12e3d7b-f57f-44a7-bd1b-c86a0b48b0a0هل لأننا بلغنا الثالثة والستين؟ ألم يكن هذا عمر الرسول محمّد حين مات؟ هل تتذكر كيف شرحوا لنا في دروس الدين كيف كان الصحابة في آخر أيّامه يصبّون على جبهته الماء البارد فيتبخر؟ يا لهول الصّورة. أليست شوارع مدينتنا، تاريخياً (لا أحد يستعمل كلمة «تاريخياً» هذه الأيّام) أليست امتداداً لجبهة النبيّ المحموم؟ كم صبوا عليها صواريخ وتبخّرت؟ أتتذكَر؟

قبل أيّام، كان صديقنا المشترك حسن (حسن الذي كان يحبّ ممارسة العادة السريّة على صورة تسيبي ليفني، هل تتذكره؟) يقود بي السيارة على طريق العريش حيث ذهبنا لتناول السمك. سألني «أتحنُّ إلى صوت القصف؟» فأجبته «للأسف». عزائي، ربّما، أن الأولاد ليسوا مثلي. هم مشغولون بأشياء عاديّة: إقرار قانون زواج المثليين، حفلة موسيقيّة لفرقة لا أستطيع لفظ اسمها، مهرجانات ومعارض وأشياء أخرى من هذا القبيل. ماذا بوسعي أن أقول؟ أراقبهم حين يأتون مع أصدقائهم إلى البار وأستمع إلى صخب نقاشاتهم وأدرك الفارق النوعيّ. في إحدى المرّات كادوا يكسرون الطاولة عندما اختلفوا حول تقييم أداء وزيرة الداخلية الجديدة. مجانين!

تغيّر كل شيء يا صديقي لكنّ صوت البحر لم يتغيّر. أكتب لك وصوته يأتي من نافذة البار حنوناً ومغزولاً كالسجّاد. أكتب لك سطراً وألقي على البحر نظرة. أسرح وأمسك بذاكرتي وأعصرها كما كانت تفعل جدّتي بممسحة البلاط محاولاً أن أعيد بناء المشاهد التي ولّت. أشرع مثلاً في استحضار ذلك الصباح الذي جئت فيه مع أولاد عمّي قبل خمسة عقود لنسبح في الخامسة فجراً. امتدّ البحر أمامنا كالمرآة. كان الماء صافياً وكذلك كنَّا. كان ثمّة آخرون على الشاطئ. مجموعة من كوادر حماس. هل تتذكر حماس؟

assafir2054

اسمع، أنا لا أريد أن أبدو درامياً، لكن المرء لا يعرف متى ينطفئ في داخله الضّوء ويقرر جسده أن الوقت قد حان كي يخلد إلى الرّاحة. كما أنني لن أعطيك وعوداً فارغة. نعم، تغيّر كل شيء وصرنا، أنا وأنت وكل من في عمرنا، أشبه بالنصب التذكاريّة المتنقلة في بلاد عادت لتمشي على خطِّ العيش العادي، وصارت تأخذ وقتها في تسريح شعرها وتذهب في نهاية الأسبوع إلى السّينما. لكنني أحلف لك بحبِّنا المشترك للكنافة النابلسيّة وصواريخ الأرض – جو أنّ البحر لم يتغيّر.

لا يزال هذا الأزرق الكبير كما كان. يتذكر الشهداء بالاسم والصّورة. يعرف كم بكينا، كم اغتربنا، وكم غنَّينا، وكم ضقنا بعلاقات حبِّ قضت عليها حسابات الإقليم والمرحلة. على ذكر الحب، كيف وضْع الحب معك يا نصّاب؟ تعال وحدّثني عن آخر مغامراتك. تعال نجلس على شاطئ بحرنا الذي لم يتغيّر.احجز أقرب طائرة وتعال. عازمك على أحلى بيرة!

في يوم النكبة: الخيال مسؤوليّة.

مايو 15, 2013

محمود عمر

نُشر هذا المقال في جريدة “المدن” اللبنانيّة.

النكبة حدثت ولا مبالغة في القول بأنّها رسمت عالمنا العربيّ كما نعرفه اليوم، من العلاقات الانسانيّة الحميمة إلى سقوط العروش والتوقيعات على صفقات السلاح. الانقلابات العسكريّة وتصنيفات القنوات الاعلاميّة والحروب الأهليّة العربيّة، كلّها تأثرت بالنكبة وجاءت إمّا كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة لما حدث في ربوع فلسطين عام 1948.

من صفحة وكالة الفضاء الفلسطينية على فيس بوك.

النكبة اليوم عمرها 65 عاماً، ولا يبدو أنّها تختبر علامات شيخوخة. في الإعلام، النكبة إمّا حجر الزاوية المقدّس الذي لا يتزحزح (إلا حينما نضرب به من ينادي بالحريّة!)، أو ذكرى سحيقة لا خير في نبش تفاصيلها. إمّا مدعاة للوقوف على الأطلال، أو للوقوف فوق جثت الضحايا الذين لا بدّ من موتهم حتى نعلو فوقهم ونقطف ثمرة التحرير. وفي الحالتين، المُشاهد، فلسطينياً كان أم عربيًا، هو المتلقي الذي لا حول له ولا قوّة.

لكنّ هذا ليس حتميًا. فنحن في زمن الانترنت والإعلام البديل، ولا يلزم الكثير حتّى يُدلي ذو الشأن بدلوه مباشرة. وهذا ما حدث بفضل الوسم (هاشتاغ) “#لو_لم_تحدث_النكبة”، الذي أطلق في “تويتر” أمس، وما زال نشطًا على الصفحات. الوسم جاء ليضرب عصفورين بحجر: ينقل المتلقي إلى حيّز الفعل من ناحية، ويطرح من ناحية ثانية تساؤلاً جديًا: هل يمكن لخيالنا أن يقارب النكبة من خلال غيابها؟ هل يستطيع الواحد فينا أن يتجرّأ على استدعاء حياة الفلسطيني من دون هجرة وشتات وبطاقات تموين وحروب أهليّة وهزائم؟

كثيرون شاركوا في التغريد على الوسم. قلّة قليلة حافظت على طابعه الساخر، فأعادت تقديم شخصيّات فلسطينيّة وعربيّة بارزة، في السياسة والثقافة والأكاديميا، من خلال مهنٍ من نوع معلّم شاورما، وصاحب مطعم على شاطئ غزّة، وباحث في تاريخ حضارة المايا. آخرون أخذوا الوسم إلى حيّز أكثر وطنيّة، وهذا متوقع. تحدثوا عن القرى المهجرة والفردوس المفقود وإمكان التنقل على ساحل المتوسط بلا صعوبات تذكر. البعض ربط الموضوع بالرّاهن العربي، فتحدث عن جيش فلسطيني كان ليحمي دمشق (ممن يفترض أنّه جيشها الوطني)، وأنّ السوريين ما كانوا ليُقتلوا بحجّة الممانعة، في حين ارتضى البعض الآخر تعبيرات شخصيّة بحتة تتعلق باختلاف الاسم واللهجة.

في رواية هاروكي موراكامي العبقريّة “كافكا على الشاطئ”، تقتبس إحدى الشخصيّات من الروائي الأميركي ريتشارد ياتس، فتقول: “في الأحلام تبدأ المسؤولية. لا تنشأ المسؤولية بلا قدرة على التخيل”. في شهر أيار من كلّ عام، ينخفض منسوب الخيال في الاعلام العربيّ، ويسلّط الضوء بميكانيكيّة بحتة على التطهير العرقي الذي حدث في فلسطين العام 1948. من الملحّ، إذًا، في الفضاء الإعلاميّ وغيره من المساحات، أن نشرع في التخيُّل. الذاكرة مهمّة، هذا أكيد، لكنّ الخيال لا يقلّ عنها أهميّة.

يمكن، إذًا، إعادة صياغة الفكرة التي تحدث عنها ياتس لتكون: من مسؤوليّتنا أن نتخيّل تاريخًا بديلاً، غير منكوب، أن نحسن صناعته، ونتمسّك به، باعتبارنا مسؤولين عنه وهو مسؤول عنّا. لن يكون ذلك سهلاً، لكنّه ضروري. إّما أن نتجاهل حماة الفضيلة الوطنيّة ونقدم على تأمّل الشعلة التي تلاطم الريح ونقدح شرر الخيال، أو أن يظلّ احتمال الوقوع في حبّ المأساة، وفي غرام الصاروخ، احتمالاً واردًا على الدوام.

التفاعل الكبير الذي لاقاه الوسم أثبت أنّ الخيال صعب، لكنّه ممكن. بمعرفتنا أنّ الانسان الفلسطيني مكوّن في غالبيته من الماء، فإنّ النكبة يمكن تشبيهها بأنّها المِلح المذوّب فيه. فصل الملح عن الماء ليس سهلاً، لكنّه ليس مستحيلاً. يحتاج الأمر تسخينًا وتكثيفًا وصبرًا جميلاً. بعد جمع الملح في كومة صغيرة ضمن كلّ منا، وجمع المِلح كله في كومة واحدة كبيرة، يكون لزامًا علينا، وعلى كلّ من أثّرت النكبة على مجرى حيواتهم، أن نقرر كيف وماذا نفعل به، وذلك شأنٌ آخر.


%d مدونون معجبون بهذه: