Posts Tagged ‘فلسطين’

محمود درويش وريتّا: ورود بلاستيكيّة وديناصورات

مايو 31, 2014

محمود عمر

نُشر مُعنوناً محمود درويش وريتا، «فتحت قلبي وسأغلقه للتو» في جريدة السّفير.

أطلقت المخرجة ابتسام مراعنة (1975) فيلمها الوثائقيّ الجديد «سجّل أنا عربي» (74 دقيقة) في «مهرجان الربيع» الإسرائيليّ للأفلام التسجيليّة. يستحضر الفيلم المموّل إسرائيليًا علاقتين عاطفيتين لمحمود درويش الشّاب ويقدّمهما للجمهور الإسرائيليّ في قالب بالغ الرومانسيّة. جمعت العلاقة الأولى بين محمود درويش وفتاة يهوديّة اسمها تمارى بن عامي. أمّا الثانية فكانت تلك التي جمعت بينه وبين زوجته الأولى رنا قبّاني.

الشريط الدعائيّ للفيلم (دقيقتان و٢٨ ثانية) الذي نشرته المخرجة على صفحتها على اليوتيوب يبدأ بصوت وصورة محمود درويش وهو يقول: «كل شاعر في العالم حالم. يحلم أن يكون صوته صدى صوت الآخرين» وينتهي بدرويش يطلّق «صوت الآخرين» ويناقض نفسه (وهذا حقّه) إذ يقول: «أنا لا أحبّ التمثيل. إنني بالكاد أمثّل نفسي». في الحالتين، يظهر درويش منزوعًا من سياقه ومختلفًا عمّا تعوّد عليه محبُّوه الفلسطينيون والعرب ويكون كلامه بالعبريّة.

محمود درويش وتمار عامي

محمود درويش وتمار عامي

أرادت مراعنة المولودة عند سفح الكرمل أن تعيد درويش إلى «مربَّعه الأوّل» وتنزع عنه كلّ ما يشبه كلام «المخرّبين» وشكلهم ليصير أكثر قابليّة للهضم عند الجمهور الإسرائيليّ الباحث عن أسباب تسهِّل عليه أن يتصالح مع ذاته وينظر في المرأة. ساعدت «عالميّة» درويش ونزعاته الفرديّة وتناقضاته المخرجةَ في ترجمة بعض جوانب الكليشيه الفلسطينيّ الذي يجسّده درويش إلى العبريّة. صفّق الإسرائيليّون لمراعنة على جهدها الخلّاق وحصل فيلمها على جائزة الجمهور في المهرجان.

أمّا عربيًا فكان تعامل كثيرين مع ما رشح من الفيلم مختلفًا عن التعامل الإسرائيليّ في الشكل لكنّه لم يختلف، للأسف، في المضمون. لم تتجهّز العين العربيّة لتشتبك مع العمل باعتباره دفقة ابتذال أخرى مموّلة إسرائيليًا تمهيدًا لتفكيكه والدفع به إلى الهامش، بل فضّلت وضع العمل على الرّف وركّزت تمامًا مثلما فعلت العين الإسرائيليّة – على صور فتاة يهوديّة في العقد الثاني من عمرها تقف على يسار الشّاعر. إنّها تمارى بن عامي التي عرفها محمود درويش في حفلة لشبيبة الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ، وعرفناها نحن في شعره باسم ريتّا.

أدّت هذه الفتاة اليهوديّة المولودة لأمّ بولنديّة وأب روسيّ وظيفة عُصابيّة ذات طابع مزدوج: أعطت الإسرائيليين دليلاً على أنّ ضحيّتهم المذبوحة يمكن لها أن تحبّهم وتصلّي، وهي تموت، لإله «في العيون العسليّة». كما وأعطت الفلسطينيين، أوّ ديناصورات المرحلة منهم، دليل إدانة إضافيّا يخدم محاكمتهم الطويلة لمحمود درويش بتّهمة أنّه كان، والعياذ بالله، إنساًنًا.

غطّت هذه الوظيفة المفروضة فرضًا على فتاة في مقتبل عمرها، على ما هو أهمّ وأجدى: نقد العمل الذي دافعت مخرجته عن اللجوء للتمويل الاسرائيليّ وبررته بأنها فعلت مثل هاني أبو أسعد في فيلم «الجنة الآن»، ومثل عماد برناط في «خمس كاميرات مكسورة».

إنّ وضع قصّة درويش مع ريتّا في سياقها الزمنيّ (كان هو في الثانية والعشرين من عمره، وكانت هي في السابعة عشرة) واستقراء ما آلت إليه العلاقة التي جمعت بينهما لا يساعدنا في تأكيد التناقض مع العدو الإسرائيليّ فحسب، بل وينسف كلّ ما قدّمه لنا سلفيُّو العمل الوطني من صراخ ونميمة، وكلّ ما قدمّه حرّاس الكليشيه الفلسطينيّ من ورود بلاستيكيّة.

تركت الفتاة اليهودية محمود درويش لتلتحق بالجيش الإسرائيلي. لم يمنعها حبُّها من أن تغنّي «هاتيكفاه». كما وأقدمت بعد ذلك على قطع علاقتها بدرويش نهائيًا كي تبقى «داخل الدائرة الإسرائيلية». بادلها درويش الجفاء وخرج من حيفا إلى موسكو ثمّ بيروت وعبّر لريتّا في إحدى رسائله عن أولويّة الصراع قائلاً لها: «فتحت قلبي وللتو سأغلقه. إلى اللقاء».

أين هو «النوم مع الأعداء» إذًا؟ لماذا يُتوقّع منا أن نطلق النار على درويش لأنّه «أحبّ يهوديّة» – والخوض في هذا يطول – ونُمنع من رؤية الصورة الأكبر التي ترك فيها تمارى ومحمود بعضهما ليتفرّغا كلٌ على جانبه من المعركة؟ ألا تعطينا هذه القصّة نهاية مُعاكسة لتلك النهايات السعيدة التي يقع فيها الفلسطيني في حبّ الجنديّة على الحاجز، أو يهرب فيها المثليّ من رام الله إلى جنّة تل أبيب؟ لماذا نقرأ «ريتّا» و«عيوني» ونغمض أعيننا عن «بندقيّة»؟

كان محمود درويش يكتب ويعيش في الزقاق الفاصل بين الشخصيّ والعام. لقد استفاد من كونه فلسطينيًا لكنّه، أيضًا، شئنا أم أبينا، خدم الفكرة الفلسطينيّة في أكثر من مفصل. لم يكن الرجل خجولاً بأفكاره ولا بما قرر تركه وراءه. لقد أشار بنفسه في أكثر من موضع، قبل خروج وثائقي «سجّل أنا عربي» إلى العلن، بأنّ ريتا فتاة يهوديّة. وليس المرء إن قرر نقد محمود درويش في عازة إلى أن «يتّهمه» بريتّا، أو أن يأخذ عليه، في إشارة ذكوريّة بالغة البؤس، بأن اليهوديّة التي أحبّها، بالإضافة إلى كونها يهوديّة، «لم تكن جميلة».

تماهى صاحب «مديح الظلّ العالي» مع مشروع الحكم الذاتي الفلسطينيّ وأشار علينا بأفعاله وقصائده في أكثر من مناسبة بضرورة أن نقلب الصفحة بعد «سجّل أنا عربي». إذا كنّا سنتمنّع، تحت وطأة منطق الفضيحة الشخصيّة وحساب النقاط، عن الاعتراف له ولمن نختلف معهم بما أنجزوه وما مثّلوه، فلنحرق إذاً كلّ قصائد درويش. ولنحرق، أيضًا، كتب وروايات غسّان كنفاني الذي خان زوجته. فلنحرق كلّ شيء.

عن السيادة المصريّة وأنفاق رفح، حبيبة قلبي.

مارس 14, 2013

محمود عمر

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

تغيّرت معاملة الفلسطينيين في مصر ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتغيّرت معها أساليب طرحهم وقضاياهم في الإعلام المصري. لقد إزداد الأمر سوءًا. الفلسطينيّون، حسب الإعلام المصري ولفيف من الرسميين المصريين، في كلّ مكان. إنّهم يقتحمون السجون، يسرقون البضائع والسيّارات والمحروقات والكهرباء ويحتلّون، في أوقات فراغهم، شبه جزيرة سيناء. عندما يشتدّ الضغط، ويتأزم المشهد، يرسل الفلسطينيون نخبة مختارة من المقاتلين المقنّعين لحماية قصر الرئاسة المصري. الأنفاق على الشريط الحدود بين رفح المصريّة ورفح الفلسطينيّة، وفق نفس المنطق، هي ما مكّنتهم من فعل ذلك كله، إنّها إكسيرهم السرّي، وخنجرهم المسموم.

العقليّة البائسة التي أنتجت كل ما سبق وأكثر من الخزعبلات هي نفس العقليّة التي حكمت، تحت عناوين مختلفة، هذا البلد الممتد صحراءً وحزنًا، على مدار عقود طوال. الثورة التي أطلقها شباب ملّوا الغبار والمصاعد المعطلة لم تتمكن بعد من حسم الأمور تمامًا؛ لم تتمكن -بعد- من إدارة الدفّة، وتصويب البوصلة. العَجزة لا زالوا في الحكم، ملتحين وغير ملتحين، ولا زال الإسقاط الفوقي للمعلومات، منذ أرساه عبد الناصر، وعمّده السادات، يعمل بسلاسة غير معهودة في بلد الانسداد المروري والسيستيم الواقع.

آخر ما جادت به القريحة: اتّهام عناصر من حماس بالتخطيط لقتل الجنود المصريين في منطقة الماسورة في رفح، انتقامًا من الجيش المصري لهدمه الأنفاق. لا أدلّة، لا تحقيق جدّي، دولة برمّتها لا تبالي بمواطنيها وترمي بالتهمة والمسؤولية على المُشيطنين ذوي اللهجة الرثّة. رخيص هو المصريّ عند دولته وولاة أمره، أرخص من أن يبحث في أمر موته، سواء مات على الحدود، أو في قطار محترق، أو برصاص الداخليّة.

ليست الأنفاق “شريان حياة”  وممرًا لمستلزمات الحياة اليوميّة فحسب.  إنّها نوعٌ من القفز فوق الحاجز، استعمال أمثل للعقل البشري، نموذج تجب دراسته في ميكانيزم الاختراق. الأنفاق، في حسابات المناكفة، بصقة في وجه من ظنّوا أنهم حبكوها جيّدًا، إسرائيليين وعربًا وأمريكان، وفي حسابات الجغرافيا، كسبٌ للناس على طرفي الحدود، وإسألوا بدو سيناء وأهلها اللذين لا قيمة ولا معنى لهم في حسابات القاهرة ونخبتها التي تنظّر عن سيناء وما زارتها يومًا.

عندما حفر الفلسطينيّون في غزّة الأنفاق بعدما أغلق العالم أبوابه في وجههم، لم يبالوا لا بسيادة مصريّة ولا قوانين دوليّة. وكيف لهم أن يبالوا؟ هذا الكلام الكبير يصغُر أمام رغبة إنسان فرد واحد في أن يرتاح. يشبه الأمر أنّ تفك حزامك، والزرّ الأول من البنطال، بعد وجبة غداء دسمة. هذه الرّاحة بعد ضيق، هذا الانشكاح الانسانيّ بامتياز، لا مردّ له ولا هويّة. لو كان الأمر متعلقًا بغير الفلسطينيين لفعلوها، لو كانت الجغرافيا مغايرة لتمّت. إنّها ألف باء بشريّة. من لم يفهم الأنفاق ويستشعر حلاوتها وهي التي مكّنت عشّاقًا من اللقاء وعائلات أن يلتم شملها، فلا خيار أمامه إلا أن يراجع إنسانيّته.

حاول كثيرون إنهاء الأنفاق باعتبارها ظاهرة يتفوّق فيها من هم تحت على من هم فوق. أجهزة السلطة الأمنيّة كانت قد أعدّت قبل سنوات خطة تفصيلية يتم تنفيذها بالتعاون بين السلطة، إسرائيل والجيش المصري. ذهبت الخطة ومن وضعها أدراج الرياح. قصفت إسرائيل الأنفاق غير مرّة، قصفوها بصواريخ ارتجاجيّة، بأعقد وأحدث ما جادت به القريحة العسكريّة الأمريكيّة، ولكن عَبس. حاول المصريّون، ضخّوا فيها الغاز، كهربوها، ملأوها بمياه المجاري، ولكن عَبس.

حفرها الفلسطينيّون مجددًا، وأعادوا تنظيم اللوجيستيك بحيث تكون الأنفاق شبكة متداخلة، وللنفق الواحد عدّة أعين. المعركة الذهنيّة بين من يدهن السور، ومن يكتب له عليه “مبروك الدهان الجديد” في القاهرة كانت هي نفس المعركة بين من يهدم الأنفاق ومن يحفرها في رفح، وفي الحالتين الغلبة كانت للمبدع. للرّاقص فوق الأرض، وتحت الأرض ويوم العرض على التاريخ. 

لن تنتهي الأنفاق إلا بانتهاء الوضع المشوّه الذي استدعى حفرها، وفتح المعبر للبضائع. لا يشمل ذلك المعطى أنفاق تهريب السلاح التي إن أرادها البعض مغلقة، كان لزماً عليه توفير السلاح شرعيًا. شيطنة الفلسطينيين في مصر هي نصيبنا من بؤس الدولة المصريّة المتفاقم، وسياسات المؤامرة والعدو المترصّد التي تجري فيها مجرى النَفس. لا يعني ذلك أن نصمت على ما يكال من اتهامات بلا أدلّة ولا شواهد. مهمٌ أن نتحدث، أن نشرح، أن ننفي، وأن نحاجج من أمنوا جانب اسرائيل واستعدوا حفنة من الفلسطينيين بمنطق الحقّ والحقيقة. الأهم، أن لا نكره، رغم كل ما نرى ونسمع، جوار مصر وقربها، وأن لا نكرهها جوارنا وقربنا، وأن ندفع جميعًا في الإتجاه الذي سيحسم كلّ شيء، ويزيل كل لغط ويشفي كل سقم، إتّجاه الثورة، مصريّة كانت أم فلسطينيّة. 

إلى «أسرانا البواسل» المضربين عن الطعام: طيّب وبعدين معكم؟!

ديسمبر 26, 2012

محمود عمر

في تتابع يذكّر بالطقس الأوليمبي، تنتقل شعلة «أطول إضراب عن الطعام في التاريخ» من أسير فلسطينيّ إلى آخر، فبعد أن حملها خضر عدنان الذي دشّن مرحلة «الإضرابات الفرديّة»، انتقلت الشعلة إلى ثائر حلاحلة فبلال ذياب فمحمود السرسك قبل أن يستقرّ بها المقام – مؤقتًا – عند الأسير الفلسطيني أيمن الشراونة المضرب عن الطعام منذ أكثر من 170 يومًا. يمكن لهذا المقال أن يكون نقلة أخرى في التتابع الذي يوازي تتابع الشعلة إذا ما شرع كاتبه في تمجيد بطولات أولئك الأسرى، والشدّ على أياديهم، ودعوة «أحرار العالم» للتحرّك الفوريّ والسريع، ومطالبة «السلطة الوطنيّة» على طريقة حلمي الأعرج -مدير إحدى المؤسسات الحقوقيّة في رام الله- بأن تدعو لاجتماع عاجل للجامعة العربيّة كي يتم، على الأغلب، إعلان حالة «البيانات شديدة اللهجة» على إسرائيل، في حين يمكن للمقال أن يحاول مقاربة المسألة من ناحية مختلفة، وأن يسلّط الضوء على مناطق معتمة في هذا الفضاء الموسوم بالبطولة البائسة حدّ الملل.

Fifteen Days of Hunger Strikeمنذ نكسة العرب عام 1967 وحتى اليوم، خاضت الحركة الأسيرة الفلسطينيّة أكثر من عشرين إضرابًا مفتوحًا عن الطعام. أوّل تلك الإضرابات كان سنة 1969 بسجن الرملة، وآخرها كان في مايو من العام الحالي واستمرّ لمدة 28 يومًا. أنهت تلك الاضرابات الجماعيّة بما سبقها من تخطيط مشترك وجاهزيّة نفسيّة، وما زامنها من ثبات وواقعيّة، العديدَ من مظاهر القهر والذل داخل معتقلات إسرائيل. لم يعد الأسرى مجبرين على العمل في الخياطة وما شاكلها، سُمح لهم بتبادل الكلام في الساحات ومشاهدة التلفاز واستخدام الملاعق والصحون، وانتهى إلى غير رجعة زمن مناداة السجّان بـ«أمرك سيدي». تلك المنجزات لم تكن بالمجّان. استشهد العديد من الأسرى في تلك الاضرابات، كان أوّلهم عبد القادر أبو الفحم عام 1970 في سجن عسقلان، ومن بينهم راسم حلاوة وعلي الجعفري وإسحاق مراغة في إضراب سجن نفحة عام 1980 الذي استمر لمدّة 32 يومًا وحاولت إدارة السجون إنهاءه باتبّاع أسلوب «الإطعام القسري»، قبل أن تلتحق بقيّة السجون بالإضراب فترضخ مصلحة السجون الاسرائيلية لمطالب الأسرى وتوصي بإدخال الأسرّة وتوسيع مساحات الغرف والساحات والسماح بألبومات الصور ومواد القرطاسيّة. التحرّك الشعبي الفلسطينيّ في الضفة الغربيّة وقطاع غزّة والداخل كان دومًا عاملاً مساندًا لإضرابات الأسرى الجماعيّة، بل وحاسمًا بعض الأحيان كما هو الحال في إضراب سبتمبر 1992 الذي تابع خلاله الأسرى الفعاليّات الفلسطينيّة المقاومة الموازية (يشاع الآن استخدام كلمة تضامن، حفنة من الفلسطينيين «تتضامن» مع حفنة أخرى) قبل أن ينتهي الاضراب بالسماح بالزيارات الخاصة وإدخال بلاطات الطبخ إلى غرف المعتقلات وإضافة المعلّبات والمشروبات الغازيّة على قوائم «الكانتينة».

يظهر جليًا أثناء معاينة الإضراب عن الطعام باعتباره السلاح الأكثر فعاليّة، وفحص توقيتات وآليّات استخدام ذلك السلاح من قبل الحركة الأسيرة الفلسطينيّة، أنّ العمل الجماعي، والتصعيد المتسلسل، وعموميّة المطالب التي سيستفيد من تحققها كلّ الأسرى، كلّها عوامل تدفع لا في سبيل إنجاز الهدف المحدد وتحسيت الظروف المعيشيّة داخل المعتقلات وإجبار إسرائيل على الرضوخ فحسب، بل وفي سبيل إجبار «الفلسطينيين خارج السجون» على أن يتركوا ما في أيديهم، ويلتفتوا مجبرين لما يحدث داخل السجون، لا أن يكون ذلك حسن أخلاق منهم، وتمتعًا بوطنيّة ذات منسوب مرتفع. يكفي أن نقول أنّ إضراب سجن نفحة عام 1980 الذي كان نقطة تحوّل تامّة حظي بإسناد شعبي عارم، وأنّ إضراب سجن جنيد عام 1987 كان رافدًا أساسيًا من روافد الإنتفاضة الفلسطينيّة الأولى، وعاملاً أساسيًا من عوامل إندلاعها، في حين تتلخص مظاهر الدعم (التضامن؟) مع الإضرابات الفرديّة الراهنة عن الطعام، لأسرى فلسطينيين يغلب عليهم لون حزبيّ واحد، في إقامة “خيام” أمام مراكز الصليب الأحمر (خيام تضامن؟) ومسيرات تتحرّك من نقطة محددة وتنتهي عند نقطة محددة، والعديد من «ستيتوس» الفيس بوك، والتدوينات الانجليزيّة التي يجود بها علينا كثيرون. 

بالمنطق، والأرقام، نجد أنّ أطول إضراب جماعي عن الطعام كان في عام 1976، وانطلق من سجن عسقلان. المدّة: 45 يومًا. النتائج: إدخال القرطاسيّة، السماح بمراسلة الأهل، تحسين نوعية وكمية الطعام، واستبدال فرشات الأسرِّة. الاضراب الثاني في استمراريّته كان اضراب سجن نفحة عام 1980. المدّة: 32 يومًا. المدد الزمنيّة للاضرابات الجماعيّة الأخرى تتراوح بين ثمانية أيام (اضراب معتقل كفار يونا)، وتسعة أيام (إضراب سجن نفي ترستا)، و13 يومًا في إضرابات أخرى، و23 يومًا كانت هي مدة الاضراب الجماعيّ الأخير والذي تمّ إنهاؤه بتوقيع القيادة الموحدة للاضراب اتفاقًا مع مصلحة السجون الاسرائيليّة يقضي بالغاء  «قانون شاليط » وسحب تدريجي لمحدثاته في السجون الاسرائيليّة. اذا ما تناولنا الاضرابات الفرديّة، يكاد المنطق يختفي، وتصير الأرقام فلكيّة: هناء شلبي – 42 يومًا. خضر عدنان – 66 يومًا. ثائر حلاحلة وبلال الذيب – 76 يومًا. محمود السرسك – 96 يومًا. سامر العيساوي 145 يومًا. أيمن الشروانة – 171 يومًا. (مين يزيد؟). النتيجة: إفراج عن الأسير، إما فورًا أو في موعد محدد، وإما إلى محل إقامته الأصلي أو «منفيًا» إلى غزّة.

بعد كل ما سبق، وبعد التأكيد على إحترام نضالات أولئك الأسرى الذين قرروا خوض إضرابات فرديّة عن الطعام إحترامًا لا يعطيهم حصانة من أي نوع، ولا يجعلهم فوق النقد، وبعد التطرّق لحقيقة أنّ لا مجال لإنسان أن يصمد في إضراب “حقيقيّ” عن الطعام لأيام يصل عددها لتلك الأرقام الخياليّة دون إسناد طبّي خارجي تقدّمه إسرائيل دون عناء (بوبي ساندز مات بعد 66 يومًا فقط)، وبعد حصر ردود الفعل الفلسطينيّة في خيام التضامن والمسيرات وبيانات الشجب ووسوم تويتر، وبعد التخمة التي سببّتها كلّ مقولات التمجيد والإقحام في الأسطورة، ألا يجدر بنا أن نتأنّى قليلاً، ونطرح بعض الأسئلة؟. هل يجب إعتماد هذا النسق من المقاومة؟ ما رأي الأسرى بقرار أحدهم الفردي بخوض إضراب عن الطعام؟ ما هي خطواتهم هم لدعمه ولماذا لم نسمع عنها؟ ألا نملّ من البطولة وكسر أرقام قياسيّة تكسرنا؟ هل كُتِب علينا هذا المجد المرهق؟ أليس ثمّة ما هو أسهل، وأنجع؟ هذه أسئلة وغيرها مطروحة برسم الجميع.

النبي صالح: فيلم مبني على أحداث حقيقيّة؟

أغسطس 25, 2012

لكلّ واحدٍ عدسته الخاصّة. الله له عدسة زرقاء ضخمة اسمها السماء، ووكالات الأنباء والصحفيّون المستقلّون وغالبيّة النشطاء الأجانب لهم عدساتهم السوداء على الأرض. جنود الاحتلال أيضًا لهم نصيب، في بنادقهم الحديثة عدساتٌ صغيرة مثبتة بحرفيّة على ظهر البنادق كي تسهّل وضع الهدف في الـ:”Focus”. أقول الـ”Focus” لأنّ اللغة الانجليزيّة ذات أهميّة بالغة في مجالي التصوير والاحتلال، حتّى أن الفعل المستخدم فيها لوصف التقاط الصور، وإطلاق النار, هو الفعل نفسه: Shoot.

يخبرنا المخرج الايطالي مارتن سكورسيزي أنّ السينما هي عملية انتقاء لما سيكون داخل الإطار، واستبعاد لما سيكون خارجه. ومن نافل القول أنّ الأدوات المستخدمة في إنتاج المادة السينمائيّة من كاميرات ومؤثّرات وتجهيزات إضاءة وميكروفونات، يجب أن تكون لا خارج الإطار السينمائيّ فحسب، بل وخارج إطار خيال المشاهد. بكلمات أخرى: يجب أن يتأثّر المشاهد ويصدّق ما يراه، ويتحوّل على إثر ذلك إلى “شاهد” على الأحداث التي باتت تجري أمام ناظريه، لا أمام عدسات الكاميرا.

قلنديا والأربعين مصوّر

قلنديا والأربعين مصوّر

في الضفّة الغربيّة يختلط الحابل بالنّابل، ولا تنطبق مستلزمات الحقيقة ولا اشتراطات السينما. قرية النبي صالح التي يمكن اعتبارها نظرًا لموقعها الجغرافيّ “بؤرة” فلسطين، تعطي مثالاً واضحًا. تدرك أنت إذ تتابع أنباء وصور مظاهراتها الأسبوعيّة أنّ ما يحدث ليس مشهدًا من فيلم. هذه الدموع المنهمرة على خدّ فتاة صغيرة دموع حقيقيّة وليست مكمّلاً جماليًا للقطة حزينة ترافقها موسيقى تصويريّة ناعمة. هذا الجنديّ الذي يلفّ ذراعه حول عنق صبيّة في ربيع ثورتها مستعمرٌ من ظهر مستعمر، وليس ممثلاً سيدخل بعد قليل غرفته الخاصّة ليمسح المكياج ويخلع عنه البدلة العسكريّة مرتديًا ثيابًا أكثر ملائمة للطقس. كل شيء حقيقي وفاعل: قنابل الغاز، البنادق، الجيبات العسكريّة، الجدار الفاصل، كلّ شيء. ومع ذلك لا يسعك إلا أن تشعر أنّ “الصورة” مرتبكة ومربِكة.

يرى الله كل ذلك (كما يرى كل مظاهر القمع والظلم الأخرى في العالم ) ويصّوره بدقّة HD من خلال عدسته الضخمة، ولكنه يفضّل عدم التدخل مباشرة. يقول لنا المتديّنون في معرض التفسير: تلك هي “الإرادة الإلهيّة” التي قد لا يتجلى مرامها السّامي للانسان البسيط، والتي لا يجب أن يطرح الخوض في أمرها تساؤلات حول الشهامة والمواقف. ولكن، ماذا عن البشر؟، ماذا عن اتخاذ القرار في الدماغ، تمريره عبر اشارات الجهاز العصبيّ الكهربيّة إلى العضلات، ليتحوّل إلى جهد فيزيائيِّ مرئيٍّ قادر على إحداث التغيير؟ كيف والأمر يتعلّق بأشخاص مستعمَرين تتراكم الدهون في عضلاتهم ولا مجال – كما أخبرنا فانون- لتصريفها إلا عبر الفعل المقاوم؟.

عندما يحيط سبعة مصورين أو أكثر بجنديين يضربان أو يسحلان أو يحاولان اعتقال شاب أو فتاة, يتراصّون ببلاهة على مسافة لا تتجاوز الخطوة الواحدة من “مسرح الأحداث”، بعضهم يحني ظهره كي يضبط “الشوت”، والبعض الآخر يحاول تقريب الميكروفون قدر المستطاع، وكلّهم يتصرف وكأن لا وجود لشخص آخر غيره، هل يكون الأمر عاديًا_حقيقيًا؟. لو كان ذلك مشهدًا سينمائيًا لما رأيت كل هذه الكاميرات، ولو كان حقيقة مطلقة (حقيقة بالنسبة لكلّ العناصر الظاهرة في الصورة) لما رأيت كلّ هذه الكاميرات. فما الذي يحدث بالضبط؟، ولماذا يتكرر برتابة فجّة ونسق بغيض؟ هل هذا هو “الحياد الصحفي” يتجلّى على مسافة قصيرة من جلاد وضحيّة؟

لا يحاول كاتب هذا المقال الخوض في النوايا أو التشكيك في الأهداف أو التقليل من أهميّة تلك الفعاليّات المقاوِمة. جلّ ما في الأمر أنني إذ أشاهد الصور ومقاطع الفيديو من مظاهرات قرية النبي صالح، او معتقل عوفر، أو حاجز قلنديا ويظهر لي هذا الكمّ الهائل من العدسات داخل الإطار، في تجمّع أقرب إلى العبثيّة، تصيبني الحيرة. هل انتهى الأمر أم أنني سأسمع عمّا قريب صوتًا خافتًا جدًا يقول .. Cut؟!

النبي صالح - جمعة 24/8

النبي صالح – جمعة 24/8

 

أبو رمزي: أسطورة الحب والحرب .. والمتعة!

يوليو 14, 2012

قصّة قصيرة مهداة إلى صديق عزيز، وبعيد.

أبو رمزي رجل في الأربعينيات من عمره، يجيد التحدث منذ ولادته بسبع لغات، يكره الناس ويمقت الوحدة، وسيحتفل خلال فترة قصيرة بعيد ميلاه. جاء أبو رمزي إلى الحارة منذ زمن يقدّره المتعلمون بعشرات السنين، في حين يصرّ الطاعنون في السنّ أنّ أبا رمزي أقدم من الحارة، وأنّ الحارة انما نبتت حوله كما ينبث العشب حول نهر جارٍ. رمزي، ابنه البكر، قتلته اسرائيل وهو يلعب كرة القدم في زقاق ضيّق. لم يستطع أبو رمزي تجاوز ذلك، شعر بالحقد تجاه جيش الدفاع وتجاه الله، لماذا تمنحني إيّاه ما دمت ستأخذه أمام عينيّ؟ لماذا تصرّ على إظهار جبروتك عليّ أنا الكائن-النملة بهذه الطريقة الوحشيّة؟ كان دومًا يتمتم بتلك الأسئلة وهو يتنقّل في شوارع الحارة نصف سكران ونصف فيلسوف. كان عزاء أبو رمزي أنّ كل أطفال الحارة يعتبرونه في منزلة أبيهم، ولربما كان فعلاً أبًا لكثير منهم، وحدها الشياطين تعلم من ضاجع أبو رمزي من نساء الحارة ومن لم يضاجع.

على دربك أبو رمزي.

على دربك أبو رمزي.

عمل أبو رمزي في كل شيء. كان حدادًا، ونجارًا، وسبّاكًا، وطبّاخًا، ومختصًا في إقناع أي عائلة بتزويج ابنتها لأي شاب يرى فيه الجدعنة والعزم، ولكنه قبل كل شيء كان فدائيًا. لم ينتم إلى حزبٍ أو حركة سياسيّة ولم يكن يومًا جزءً من تيار فكري معيّن. الدرب الواصل من قعر المخيّم إلى قمّة العملية المقاوِمة كان دربًا يرسمه أبو رمزي لنفسه بيديه العاريتين، يحفره بأظافره، ويمشيه بقدميه الثابتين ومن ثمّ يتركه مفتوحًا واضحًا لمن أراد السير على خطاه. لم يجهد عقله في البحث عن نظريّات كبيرة معقدة للتأكيد على وجوب القتال، كان الأمر واضحًا في رأسه المغطّى بالشعر الأسود الممزوج بالأبيض: إسرائيل قتلت ابني ونكّدت عليّ عيشتي. الله لا يريحني إن بريّحها!

أثناء عمله الفدائي، لم يكن أبا رمزي ليدّخر أي جهد في البحث عن المتعة. كان يقاوم مبتسمًا، ويعود ليقصّ على أهل الحارة المجتمعين حوله عند ترنس الكهرباء ما يبهجهم ويشرح أساريرهم. حكى بصوته الرخيم الواثق كيف كان يسطو على شحنات البيرة التي ترسل للكتائب الصهيونيّة المرابطة على الحدود. وكيف كان يسير مرّةً قرب بيت العرابيد في المخيّم عندما وجد جيبًا عسكريًا إسرائيليًا يحوم حوله. إتّخذ أبو رمزي وضعيّة دفاعيّة وامتشق “الكارلو” وبدأ يطلق النار على الجيب. في أقلّ من ثلاث دقائق كان الجنود الأربعة بين قتيل وجريح. فتح أبو رمزي باب الجيب العسكري فتدحرجت الجثة من مقعد السائق إلى الأرض. نظر الجندي الجريح بعينيه الزرقاوين إلى سواد مقلتي أبا رمزي وقال: بتقتلني يبو رمزي؟. فردّ عليه: آه بقتلك!، فمات الجنديّ من هول الصّدمة. لقد قتلته بإصراري قبل بندقيّتي، ذلك العرص المسلّح. قال أبو رمزي وهو يضحك والجمع يضحك معه.

لا تستغرب إن أخبرتك أنّ هذا الرجل الذي كان يمكنه رفع عربة رينو 504 بيد واحدة، كان يتكوّر على نفسه باكيًا إذ رأى قرنفلة أو زهرة حنّون وقد نمت على القارعة. الطبيعة والمرأة كانتا التوليفة التي تحوّل أبا رمزي من فدائيّ عنيد إلى طفل في الخامسة من عمره. أخبرني أحدهم مرّة أنّ أبا رمزي كان معجبًا بفتاة في الحارة المجاورة، وقد علم من مصادره (وما أكثرها) أنّ تلك الفتاة تعشق الفراولة؛ فذهب بنفسه إلى بيت لاهيا وقطف لها سلّتين كبيرتين (لك أن تتخيّل المخاطرة-أولئك الفلاحون في بيت لاهيا مستعدون لقتلك إن سرقت منهم حبة فراولة واحدة). عاد أبو رمزي بالسلّتين ووضعهما ليلاً على شرفتها بعد أن وصل إليها بقفزة واحدة. في صباح اليوم التالي، استيقظت الفتاة وخرجت لتحظى بقسط معقول من ضوء الشمس وهواء الوطن فوجدت السلّتين وعليهما ورقة مأخوذة من كرتونة سجائر مالبورو أحمر مكتوب عليها: “مع الحب .. أبو رمزي” فلم تستطع تمالك نفسها من الفرحة. انهارت ومال جسدها على السور الحديديّ فانتهى بها الأمر ملقاةً على الأرض تنزف من كل ثقب في جسدها.  , وصل الخبر إلى أبي رمزي فجاء راكضًا وأمسك بها، واضعًا رأسها على صدره. نظرت إليه وقالت: بتحبني يبو رمزي؟ فأجاب وهو يغرس يديه في شعرها: آه بحبك! .. فماتت من الصدمة.

ما بين العمل الفدائيّ، وأسر قلوب العذارى (والمتزوجات)، واللعب مع الأطفال، وقراءة الكتب، ورسم السكيتشات، والعزف على النّاي، كان يقضي أبو رمزي أوقاته في المخيّم وما حوله، هكذا إلى أن وقّعوا أوسلو. لم يذكر في التاريخ الفلسطيني المعاصر أن أحدًا سبّ الدين والرب بالطريقة والكميّة التي سبّ بها أبو رمزي دين ورب القيادة. كاد قلبه يتشظى إلى ألف قطعة، لكنّ شيئًا ما أنقذه، لعلّه الأمل؟. قضى أبو رمزي أعوامًا طويلة يحاول إقناع الجميع بأنّ هذا خراء، مهما أعطتنا فرنسا من عطور، ومهما أمّدتنا أمريكا بالمال والكنتاكي، فسيظل هذا خراءً، ولكن أحدًا لم يقتنع. هكذا حتّى جاء فصيل آخر فانقلب على القيادة التي كانت قد اعتقلت أبا رمزي مرّات عديدة بعد أن فقدت الأمل في إمكانية رشوته بمنصب أو بزّة عسكريّة. استبشر أبو رمزي خيرًا لكنّ المودّة لم تستمر. تبيّن أن العهر عهر حتى وإن نمت له لحية. عاد أبو رمزي إلى السجن الذي غيّروا اسمه وما غيّروا غايته. دُقّ مسمار آخر في نعش مُتخيّل، وسُكب الملح على الجرح في قلب عاشق.

تغيّر أبو رمزي. أصبح يمشي ببطء ويعاني حين يبتسم. لن أتجرّأ على القول بأن شعلة الحياة في داخله قد انطفأت، لكنها خفتت، خفتت إلى حدٍّ بعيد. قال لي في مقهى رديء يقدّم قهوة مكذوبة: ما عدت أحتمل، حتى الكارلو عثروا عليه وصادروه. سأسافر، سأبتعد حتى أقترب، لا تناقشني، أخبر أهل المخيّم. ومن ثمّ رمى السيجارة في المنفضة وقام و قبلني بشفتين كان ملسهما على خدّي أشبه بقشر البرتقال. رحل أبو رمزي، لم يخبرني شيئًا عن وجهته ولا عن موعد العودة، لكنّ أحدًا جاء من بلد بعيد عبرها أبو رمزي وقصّ علي، وعلى الجمع حول ترنس الكهرباء، أنّ أبا رمزي قضى هناك عدة أيّام بين المقاهي والعمارات الطويلة على النهر العظيم، وتوجّه في آخر يوم إلى الميدان الأعظم، اشترى قطعة قماش رسم عليها مثلّت وثلاث مستطيلات، ثمّ اختفى!


%d مدونون معجبون بهذه: