Posts Tagged ‘فلسطين’

معذّبو الأرض: أنا وأنت.

أبريل 29, 2012

دعك من حقيقة أنّي طبعت هذا الكتاب الصّادر عام 1961م مرّتين على حساب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (كل لاجئي العالم يتبعون لوكالة اللاجئين إلا الفلسطينيين لهم وكالة مخصوص – ابسط يا عم)، ودعك من المعاتيه ذوي الملابس الأنيقة الذين يقولون بأن هذا العالم لا شرق ولا غرب فيه، وأنّ مفردة كـ”الاستعمار” ماتت وتعفّنت، دعك من كل شيء إلا الصوت داخل رأسك. لن أحاول أن أقدّم لك قراءة للكتاب، ولن أحاول إقناعك بما اقتنع به فرانز فانون، سأقتبس لك مقاطع من الكتاب وأقول لك ماذا شعرت أثناء قراءتي إيّاها؛ لتكتشف أنّك أنت وأنا لا زلنا، رغم الضحكات والرايات والأناشيد الوطنيّة والجيوش والمطارات والميادين والشركات العالميّة وكأس العالم وبرامج المسابقات، من معذّبي هذه الأرض. اكتشاف لا يراد منه أن “نصرخ” ولا أن نندب حظّنا العاثر, ولكن أن نتسلّح بالوعي الذي هو خطوة أولى على طريق فشخ هذا “العالم المضيّق، المزروع بكلّ أنواع المنع”.

يقول فرانز فانون في كتابه «معذبو الأرض»:

F.F

F.F

«إنّ أول شيء يتعلمه السكان الأصليون (أنا وأنت) هو أن يلزموا أماكنهم، ألا يتجاوزوا الحدود. لذلك كانت الأحلام التي يحلمها السكّان الأصليون أحلامًا عضليّة, أحلامَ فعل، أحلام هجوم وعدوان.» في الحقيقة, هذه الجملة استدعت دفقة ذكريات إلى رأسي, بعض تلك الذكريات مشترك وبعضها الآخر خاص. أوّلها، وأهمّها ربما، هو مشهد الفلسطينيين يقتحمون الحدود في أيّار العام الفائت, معظمهم ظلّ في مجدل شمس المحتلة في حين وصل حسن حجازي إلى يافا، إنّ عضلاته المتعطشة للركض بلا نهاية هزمت منظومة إسرائيل الأمنيّة، حسن حجازي، كما أنا وأنت، وكما فرانز فانون يجلم بأن “يركض، يتسلّق، يضحك، يجتاز نهرًا بقفزة”, يسافر إلى أي مكان يريد دون الحاجة لإعطاء مبررات صحيّة أو دبلوماسيّة, يفعل ذلك لأنّه -ببساطة- يريد أن يفعله.

«إنّ الانتصار الكبير الذي حققه الشعب الفيتنامي في ديان بيان فو لم يبق انتصارًا فيتناميًا فحسب، فمنذ شهر تمّوز من 1954 أصبحت المسألة التي تطرحها الشعوب المستعمَرة على نفسها هي المسألة التالية: (ماذا يجب أن نعمل حتى نحقق ديان بيان فو ثانية؟ كيف يجب أن نفعل حتى نحقق ديان بيان فو ثانية؟).» أنا لا أعرف كيف هي الأمور عندك, لكنني أعلم يقينًا أنّي سألت هذا السؤال مليون مرّة, ليس شرطًا أن يكون النموذج ديان بيان فو، في حالتي يغلب أن يكون جنوب لبنان. ماذا يجب أن نعمل حتى نحقق بنت جبيل ثانية؟.

 «إنّ قادة البلاد المتخلفة وطلاب البلاد المتخلفة هم من أحسن زبائن شركات الطيران. ان المسؤولين الافريقيين والآسيويين يستطيعون في شهر واحد أن يحضروا مؤتمرًا عن التخطيط الاشتراكي في موسكو، وعن محاسن الاقتصاد الحر في لندن أو في جامعة كولومبيا.» ذكّرني من فضلك – متى وإلى أين كانت رحلة الرئيس عباس الأخيرة؟ ماذا عن الرئيس اللبناني؟

 «إنّ الأحزاب السياسية الوطنيّة لا تلح أبدًا على ضرورة استعمال القوّة، لان هدفها ليس قلب النظام القائم واستئصاله من جذوره. ان هذه “الأحزاب السياسية” أحزاب مسالمة تنادي بالمشروعيّة وتناصر في حقيقة الأمر النظام .. الجديد، ولا تزيد على أن توجه إلى البرجوازيّة الاستعمارية هذا الطلب: أعطونا مزيدًا من السلطة.» طفل عمره 12 عامًا يقدر أنّ يقول لك بعد فقرة كهذه: آه, زي ما السلطة الفلسطينية بتعمل.

«بأي شيء تريدون أن تحاربوا المستعمرِين؟ بسكاكينكم؟ ببنادق الصيد التي عندكم؟.» كم مرّة سمعنا هذا السؤال من البرجوازية الفلسطينيّة وليبراليي العواطف وأعلى مستويات “القيادة” التي ما وصفت غير مرّة الصواريخ بأنها “عبثيّة” في حين كان “الكوادر” أكثر قربًا الى لغة الشارع فقالوا عنها: مواسير حديد فارغة. حتى أنّ البعض ينظّر اليوم – وهذا حقهم – لمقاومة سلميّة, أولئك لم يجدوا مكانًا للمفردة الأجمل في اللغة العربية “لا” إلا قبيل المفردة الأكثر الحاحًا “عنف”. يرد فرانز فانون على تلك الأسئلة الاستنكاريّة: «نابوليون، في حملة اسبانيا التي كانت حربًا استعماريّة تمامًا، أجبر على التقهقر رغم جيوشه التي بلغت أثناء هجمات الربيع من عام 1810 رقمًا هائلاً عو 400 ألف مقاتل. لقد اكتشف الاسبان الذين كان يحركهم ايمان لا يتزعزع، اكتشفوا تلك الطريقة في حرب العصابات التي كان المقاتلون الأمريكان قد جبروها قبل خمسة وعشرين عامًا في محاربة الجيوش الانجليزيّة.» نستطيع اليوم أن نضيف: في فيتنام، في كوبا، والجزائر وفي جنوب لبنان.

..

فرقة: la rumeur
nature morte – طبيعة ميتة

(الأغنية مستوحاة من الكتاب). 

وكأنّها البارحة

مارس 24, 2012

ربّما لأن الحنجرة أضيق من مقاس كلمة صادقة لم يكن جدّي يتحدث عن مشاعره كثيرًا. أقول هذا الآن فقط. راقبته طوال حياتي, يمشي, يأكل, يدخّن ويجلس طويلاً على أمام البيت في المخيّم على كرسيّه الأصفر مراقبًا الهواء لساعات طويلة. كانت مهنته قريبة جدًا من حقل المشاعر –كان يدفن الموتى- ومع ذلك لم يعبّر عمّا يدور بخاطره أبدًا. كان قليل الكلام بوجه محايد. وددت كثيرًا لو ألقيت نظرة على قلبه لأعرف كيف يعمل, على ماذا يتغذّى. سألت جدّتي عدّة مرات إن كان يصارحها بأشياء في خلوتهما وظلّت تجيبني دائمًا نفس الاجابة: جدّك رجّال، والرجّال لا يعبّر عن مشاعره.

ربما لم تقدر جدتي على اعطائي اجابة غير تلك في حياتها ولكن موتها سيغير المعادلة. لن يقدر جدّي على أن يكون مغلقًا وهو يكفّن شريكة حياته, لابدّ أن وجهها الشّاحب سيسرق ولو دمعة من عينه، هكذا ظننت، لكنّ تغسيلها تم, وبعد ذلك دفنها، وجدّي لا زال كما عرفته دومًا, بوجه لا يوحي بأيّ شيء.

عندما انتهى بيت العزاء, وعاد الصمت يشغل آذاننا في بيتنا الواسع, كنت على وشك أن أفقد الأمل بأي تغيُّر حقيقي. سرت وكأسا الشّاي في يدي إلى الغرفة لأجلس مع جدّي المتمدد، للمرة الأولى، على الأرض دون زوجه. جلست وأعطيته كأسه، ارتشف منه قليلاً, وضعه على الأرض ثمّ انفجر بالبكاء.

(more…)

يا خضر عدنان .. ارحمنا قليلاً!

فبراير 16, 2012

محمود عمر – غزّة

الأسير المعتقل إداريًا الحُر فعليًا خضر عدنان المضرب عن الطعام منذ أكثر من 60 يومًا، السلام عليكَ وبعد: 

مكتوب في نشرة الأخبار أنّك تواجه خطر الموت. أنا أكتب لك هذه الكلمات لأنني، عدا عن كوني غاضب منك ومستاء من أخبارك، أواجه خطر الحياة. الحياة اليوميّة بتفاصيلها الكئيبة يا خضر. أكتب لأنّ الجَمع من حولي مشغول فيما أنا مشغول فيه، والكل ينظر في عين من يجاوره كتفًا إلى كتف – لا فسحة للشيطان بيننا كما تعلم، ما عاد الشيطان ضروريا – نظرة استحقار من عين تكاد تشرع بالبكاء. بكاء كالذي اعترى جنود بني أمية وهم يسرقون حليّ نساء بيت النبي. نبكي ونسرق يا خضر، نبكي ونسرق.

أكتب إليك لأسأل: من تحسب نفسك؟ ها؟ من أين جئت بهذه القدرة الموجعة على اللامبالاة؟ كيف تسرّب هذا الكمُّ الهائل من الجَلد إلى جلدك؟ ماذا خطر في بال الله وهو يقلّبك طينًا بين يديه؟ أبشرٌ أنتَ مثلنا أم لك كفّ مضاءة وأفعى تسعى؟ هل تتبرّز وتبصق على الأرض ويطول شعرك وتختبر شكوكًا عميقة في كلّ شيء من حين إلى آخر؟ وكيف نجوت، أعني: لو كنت بطلاً وراجل قد كلمته، كيف في زماننا هذا نجوت؟ أجب!، قل أيّ شيء، دعني أسمع صوتك تتلقفه جبال فلسطين، والويل الويل لك لو ذكّرتني بسيناء القريبة وانهار على إثر صوتك أحدها! 

قاسٍ أنت يا خضر.

العشرات، وربّما المئات، غيروا صورة الفيس بوك إلى صورتك. العشرات، وربّما المئات، خرجوا في مسيرات تضامنيّة وأشعلوا الشموع، العشرات، وربّما المئات بل وربما الآلاف من عاهرات وعاهري وداعرات وداعري هذا الوطن السعيد أتوا من كل حدب وصوب يلهثون وراء فلاش الكاميرات وأسلاك الميكروفونات ليجدوا أنفسهم، دون تخطيط مسبق، في حضرتك أنت، تسلّم عليهم وتطلب منهم الجلوس والهدوء قبل أن تبدأ في إلقاء درسك اليوميّ عن الأخلاق والأمراض المنقولة جنسيًا. أيُّ عذاب هذا يا خضر؟ أيُّ عذاب سببت لنا، ولي أنا، على وجه الخصوص؟

هل تصلك في أرض الأبطال التي أنت فيها أخبار أسعار المحروقات؟ هل تعلم أن لتر البنزين في غزّة شارف سعره على الأربع شواكل؟ هل جاءك حديث الراتب؟ وشتم شرطة المرور؟ وتوقيع المصالحة للمرّة المليون؟ وأسماء قرىً يسرقها الحاجز ليتسمّى بها فتضيع القرية ويظلُّ الحاجز؟ هل عندكم مواتير وسهرات شواء وحفلات زفاف في فنادق خمس نجوم؟، هل تشعرون، أنت وصحبك، ولو بقليل من العجز الذي ينخر عظم السواد الأعظم؟

اسمع يا خضر، خارج سجنك، خارج وجهك، خارج عينيك .. “الحياة” باتت جداول يا عزيزي، جدول رواتب، جدول انقطاع كهرباء، جدول حواجز، وأنت تتجاهل ذلك وتتناساه وتحدثنا بكل برود عن الشّعر الحر ورفض الواقع. نحاول ارتجال شيء للحفاظ على ماء الوجه فنشيّد لك خيمة اعتصام أمام الصليب الأحمر ويقترح أحدهم (قصة حقيقية) أن نقيم من أجلك أمسية شعرية ولا نقعدها! سنقصفهم بالكلمات وندكّ أسوار السجن بالمجازات ونشبعكَ مديحًا يا أيُّها المضرب عن الطعام. الحياة جداول يا عزيزي، وما دمت حيًا تصارع، ستظلُّ تؤلمني وتنغص عليّ حياتي (كم هي مؤلمة هذه المفردة)، تقع مني في هذا الزحام فأنكسر. أمّا حين تموت .. فسنأتي من كبار السنّ والمجانين والصناديق العتيقة بالجدول الأوّل – جدول الشهداء – ونكتب اسمك ونمضي .. ويُقال أننى نكاد ننسى .. حتى يجيئنا نبيُّ آخر غيرك.

تحية فلسطينية للثورة السورية | Palestinians for Syria

يناير 21, 2012


حريةمنذ عشرة أشهر يسير الشعب السوري نحو الحريّة وثقتنا به لا تشوبها شائبة؛ لذا نرى أن من واجبنا أن نحذره من خطر التدخل الأجنبي وأن نشد على أياديه للحفاظ على سلميّة الثورة التي عودتنا منذ بدايتها على رفض الطائفيّة والفئويّة.

منذ عشرة أشهر يسير الشعب السوري نحو الحريّة بثبات، رغم تعثر خطواته التي يقطعها إجرام نظام بشار الأسد بأسلحة كان أولى بها تحرير أرضه المحتلة، أو يقطعها اختلاف من ائتمنهم الشّعب السوري على تمثيله.

منذ عشرة أشهر يسير الشعب السوري نحو الحريّة دون أن يَحدّ القتل ومحاولة تفريق الصفوف من صموده البطولي.

منذ عشرةأشهر يسير الشعب السوري نحو الحرية والعالم كله يُحلل شعارات مظاهراته، وتحقق الفضائيّات نسب المشاهدة المرتفعة فوق دماء شهدائه، ويبيع الإعلام الكلام والصور عن حرب أهلية أو مؤامرة، أو يتكالب على الثورة السورية من لم يدعموا يومًا الحرية والديمقراطية في شرقنا، معتقدين أن مؤامراتهم ونواياهم تنطلي علينا. ونحن على ثقة أن هذه المؤامرات ستتهاوى عند أقدام الشعب السوري العربي العريق، حالما يستعيد عافيته.

(more…)

الإنتفاضة: الشّعب الفلسطيني ما يموتش.

ديسمبر 9, 2011
في البدء كان الحجر.

في البدء كان الحجر.

أنا واحد من الذين ولدتهم أمّهاتهم أثناء حظر للتجوّل. أنتمي لجيل كان لا يزال يتعلّم كيف تنتصب القامة، ويكون المشي سليمًا لا ترنّح فيه، في الوقت الذي كانت فيه “القيادة” قد أتقنت فنون الزحف. ثلاثون شهرًا كان قد مضى على وجودي في هذا العالم عندما صافح ياسر عرفات إسحاق رابين معلنًا إنهاء الانتفاضة، ثلاثون شهرًا لم أكن أستطع خلالها أن أوزّع منشورًا، أو أن أكتب على حائط، أو أن أقذف جيبًا عسكريًا بالمولوتوف. كنت مشاركًا بصمت، كنت الخطة ب، أحد الذين لم يعايشوا الانتفاضة لكنّهم ما أن بلغوا سنّ الحنين الواعي حتى انكبوا على الكتب والملصقات، أصغوا بأذن شغوفة إلى مقابر الشهداء، سألوا البعيد قبل القريب، ودوّنوا ما حصّلوه من علوم ودموع في أقصى يسار الذاكرة، وهمسوا في أذن طموحهم: كلُّه سيلزم. اليوم، في الذكرى الرابعة والعشرين لانتفاضة الحجر، لا زال ذلك الكلُّ يلزم، ولا زال ذلك الكلُّ عصريًا ومعاصرًا، بل وربّما كان مُلحًا.

كيف لا يكون مُلحًا اليوم، وعشرات المنظمات والهيئات وأشباه المثقفين يزرعون في حقل الوعي الفلسطيني سمومًا على سبيل “بدنا نعيش”، أن نستحضر قول طفل في الخامسة عشرة من عمره، من مخيّم الدهيشة في بيت لحم، حين قال: “ما دام هنالك احتلال فنحن لا نملك حياة خاصّة”. إن هذه الجملة، على بساطتها، لموغلة في فهم الاحتلال ومعناه، ولقادرة لوحدها،بمفرداتها البسيطة، على أن تهدم كلّ ما بنوه من مجمعات تجاريّة تبيع النّاس اغترابًا، وصروح ثقافيّة شعارها الأوحد تشويه الثقافة.

(more…)


%d مدونون معجبون بهذه: