Posts Tagged ‘فيروز’

عندي ثقة فيك!

September 21, 2009

coffee

..

في ذهني تدور أشياء كثيرة، وأسماء كثيرة، مدنٌ تشيّد، وأخرى يأكلها النسيان، عشرات اللحظات التافهة، وبضع خلواتٍ مع الفرح الطريد. أصدقاء ما عادوا يشكلوا ذاك الفارق، ونومٌ يشكل مهربًا خسيسًا إلى العدم. لكنني أستيقظ دائمًا، أستيقظ على فلسطين، على شهداء أوّل أيام العيد، على صوت الرصاص، على هواءٍ جلُّه كبرياء، المستشفى، الدوّار، شريط الأخبار، وائل الدحدوح، وأشياء أخرى كثيرة، تنطوي تحت مظلّة هذا الكيان، هذا الذي لا يعترف بالعالم، يقف مخاطبًا المنطق في قعر داره، ويصرخ أمام الدنيا .. ” Talk to the hand “، ويمدُّني، ولا يزال، بإبر الغد، يغريني بفتح روما، وشرب زمزم، وقراءة الكتب في كامبريدج، وإنجاب أول طفل لا سلكيّا .

النهايات السعيدة لا توجد إلا في الأفلام، أمّا النهايات التي لا تنتهي، فهي هنا، في عيون ” فاطمة ” الصغيرة التي ارتدت فستانًا أتحدى مصمي باريس به، وفي وقع خطى جدتي ” فاطمة ” الكبيرة بثوبها المطرز ورائحتها المعتقة، في التفكير بفلسطين، هذا التفكير الذي يسقف مخدعي، ويقدّس محرابي، ويعطيني قبسًا من عنفوان، لأطلق العنان في داخلي، وأبحث عن الجميل في كل شيء، بلا آلة حاسبة ولا جغرافيا، بتبريرٍ يبدو لي مثاليا، بأني إني لم أصبح ما أريد، إن فاز العالم عليّ، إن فشلت وسقطت وتكسّرت كل أضلاعي، فلقد كنت ما أرادني الله وقلبي، فلسطينيًا وكفى .

لا، ليس ذنبك يا وطني أن العالم بات يؤمن بالنفط والكهرباء، ليس ذنبك أنهم كفروا بي وبك، لم تعطني كالنوم أحلامًا هلاميّة، لم تجاملني، جبلتني على الأحلام الحمراء، أقنعتني أن حلمي الفردي، هو حجر الزاوية في فسيفساء الشهداء، شرحت لي كيف لأكتافي العارية أن تحمل الصخرة، جعلتني سيزيف العصر يا وطنًا بلا أجنحة، يا أعلى القمم. لن أكون تقليديًا وأطلب منك جواز سفر، لن أحبك لشيءٍ تعفن في جوفك قبل آلاف السنين فصار نفطًا، لن أسبّك لمعبر يغلق في وجهي، كيف أفعل وأنت منحتي حق التصريح بأني عاريًا أهدد أمن إسرائيل وفرعون وجنودهما! ، سأحلم كما علمتني ورفضوا، حلمًا أحمرًا لا أمل في تحقيقه إلا لأنّي أحلمه، كي يصبح الحلم ثورةً، وبعدًا رابعا، يشاركني ظلي على الرصيف، وحجر قلبي الأربعة .

سأحبُّ فتاةً تختصر النساء، سأحضن ضريح جدّي، سأقبل يد أمّي، سأجوب الكون، سأصبح طبيبًا، وأهدم الوطن العربي وأبنيه، وأؤلف ديوان شعرٍ يعلق على ستار الخلود، وأكتشف عيون التي أحبُّها في نواة الذرة، وسأفرح لأنهم أرادونا قاتمين، وأشعل سيجارةً كل صباح، وأطير مع فيروز، وأشعر بمساحات شاسعة حولي في أكثر بقع الأرض اكتظاظا، ولن أعير اهتمامًا لهم، لا لذاك الذي وعدني بالقبول، ولا لنفسي التي تهاب الرتابة، وتخشى طريقًا قد حفظته بصمًا، قبل حتّى أن تسير فيه . لن أذوب عندهم، سأذوبُّهم فيّ وفيك يا وطن.


%d bloggers like this: