Posts Tagged ‘قطاع غزة’

عندما سألني الشرطيّ: مين البنت الي معك؟

يونيو 11, 2013

محمود عمر

على كثرة التعدّيات على الحريّات الشخصيّة التي يقدم عليها أفراد من أجهزة أمنيّة تابعة لحكومة حماس التي تحكم قطاع غزّة (هذه تدوينة كتبتها علا عنان عن مجمل التعديات في العامين الفائتين)، وعلى القرب النسبيّ الذي أحاول الحفاظ عليه -رغم وجودي شبه الدائم بالقاهرة- مع تلك التصرّفات ودراسة انتشارها ومفاعيلها الاجتماعيّة لأغراض توثيقيّة ومعرفيّة، إلا أنّ التعرّض لواحد من تلك الأفعال والانتقال من حيّز «السماع عنها» إلى حيّز اختبارها اختبارًا ذاتيًا يفتح الباب أمام مقاربة سياسيّة مختلفة وشعور أعمق بالنقمة والغضب المغلّف بالازدراء. 

arton9179-9e284 (1)في رحلة غريبة ومكثّفة، قصيرة في زمنها، طويلة في آثارها، دخلت غزّة التي يبدو للوهلة الأولى أنّها ثابتة غير أنّها لا تزال تتغيّر (أو يجري تغييرها) ببطء وانتقائيّة. التغيّرات عديدة والمشاهدات يمكن الاسهاب فيها إلى ما لا نهاية. لكن، ما سيجري سرده في هذا المقال ما هو إلا توثيق وشهادة منّي أنا، الفلسطيني المولود في غزّة والمرتبط بها ارتباطًا لا فكاك منه، لما حدث معي عصر يوم  السّبت، الثامن من حزيران على كورنيش البحر. 

كنت متواجدًا في مطعم الديرة مع صديقة مقرّبة من غزّة وتمّ الاتفاق على أن نتحرك، معًا، إلى مطعم آخر يبعد عن الديرة مسافة لا تزيد عن 150م للاجتماع مع أصدقاء آخرين كانوا في انتظارنا. بعد دفع الحساب خرجت أنا وصديقتي إلى الشّارع العام (ركّز على كلمة «عام») ومشينا نحو المطعم الذي ينتظرنا فيه أصدقاؤنا. في العادة ولأسباب أمنيّة مفهومة تتواجد دوريّة مكونة من 5-6 أفراد بشكل شبه دائم في نقطة كاشفة في تلك المنطقة. بعد مروري وصديقتي أمام أفراد الشرطة الرابضين على الكراسي أشار لي أحدهم بالتوقف، قام من كرسيّه واقترب منّي وبدأ يتحدث إليّ. 

سؤاله الأوّل كان: «مين البنت الي معك؟». جوابي كان: صديقتي. الكلمة أثارت غضبه. ربّما لا يفهم هذا الموكل إليه مهمة «حفظ الأمن» أنّ الصداقة حالة انسانيّة يمكن لها أن تنشأ بين شاب وصبيّة. وجّه كلامه لصديقتي وسألها، بنبرة بطريركيّة مقيتة، إن كان والدها يعلم أنّها خرجت معي. طبيعة الأسئلة وطريقته في طرحها كانت كلها تدفع في اتجاه الاعتقاد بأننا، أنا والصبيّة، قد اقترفنا جريمة أخلاقيّة من الطراز الأوّل، في حين أننا كنا نمشي في الشارع العام! 

بعد أخذ ورد، وارتفاع صوتي وصوت الشرطي، ورفض صديقتي إعطاءه رقم والدها وشرحي له بأنني مقيم في مصر، بدأ  الشرطيّ يتحدث عن اصطحابي إلى مركز شرطة العبّاس القريب للتحقيق معي وعمل اللازم. عندما سألته: هل لأنني كسرت قانونًا أم أنّ هذا «فعل فردي» آخر؟ أجابني، وبكلّ برود: نعم، هذا فعل فردي و«هو هيك». الحادثة التي استمرّت قرابة 20 دقيقة دفعت كثيرين من المارين للتجمع حولنا. بعد قدوم بعض الأصدقاء من داخل المطعم الذي كانوا ينتظرونني وصديقتي فيه، وتدخّل بعض أبناء المنطقة، قرر الشرطيّ بأنه سيتركني في حال سبيلي هذه المرّة بعد أن حذرني قائلاً: ما تمشي في الشارع مع «بناتنا».  

من المنصف والموضوعيّ القول بأن ما حدث معي في ذلك اليوم من تعدّ صارخ على الحريّة الشخصيّة واساءة استخدام للزيّ الرسميّ والسلطة الممنوحة لصاحبه يمكن أن يحدث مع أيّ شحص آخر في غزّة، في أيّ وقت وأيّ مكان. في حالتي، ولأسباب متعددة، انتهى الأمر (بشقّه المباشر) في نفس اللحظة. في حالات أخرى سابقة، وربّما لاحقة، يجري اصطحاب الشاب فعلاً إلى مركز العبّاس الذي غالبًا ما يتعرّض فيه للضرب قبل إجباره على إحضار ولي أمره في حين تتعرّض الفتاة لتعنيف من نوع آخر عبر الاتصال بأهلها وإعطاءهم محاضرات حول سلوك ابنتهم المشين. 

في صباح اليوم التالي، توجهت إلى مكتب مركز الميزان لحقوق الانسان في حيّ الرمال الغربي بغزّة وسردت على مسامع محامي المركز ما حدث معي وقدّمت شكوى وكّلته لمتابعة تطوراتها. الشكوى، بطبيعة الحال، سيجري العمل على رفعها إلى مكتب وزير الداخليّة. المحامي أكّد أن حالات مشابهة عديدة تقع في أنحاء القطاع وأنّ القلة القليلة التي تقرر اللجوء إلى مؤسسات حقوقيّة وطنيّة وتقدم شكوى سرعان ما تسحبها إما لعدم اقتناعها بجدواها أو خوفًا من أي اشتباك مطوّل مع السلطات في غزّة.

في معرض التحليل يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أنّ هذه التصرفات التي يقدم عليها المنتسبون لأجهزة الحكومة الأمنية ما هي الا مخرجات متوقّعة لتصريحات وزير الداخليّة فتحي حمّاد التي أكد فيها أنّ غزة مدينة محافظة ولا مساومات في «منسوب الرجولة» فيها. هذه الأوامر غير المكتوبة وغير الرسمية يتلقفها أفراد الشرطة باعتبارها غطاءً سياسيًا يؤهلهم للتدخل في اللحظات التي يقررون هم فيها أنّ تدخلهم مطلوب سواء كان الأمر يتعلّق بشاب وفتاة يمشون في الشارع، أو تسريحة شعر، أو بنطال ضيّق. بديهيًا، ليس ثمّة أي غطاء قانوني لكلّ هذه التعديات (ولو كان فيجب إلغاؤه فورًا) والحالة القَبليّة التي تعيشها وزارة الداخلية في غزّة تضمن للشرطيّ مقترف الفعل النجاة دون أية محاسبة حقيقيّة. 

أمّا إدانة تلك التصرفات، واعتبارها فعلاً قمعيًا رجعيًا بامتياز، فيتفق على ذلك كثيرون، وإن بنسب مختلفة. من ضمن رافضي تلك التصرفات أبناء مخلصون لحركة المقاومة الاسلاميّة. إبّان حملة البناطيل الضيّقة وتسريحات الشعر كتب براء نزار ريّان على صفحته على الفيس بوك ما أيّدته الكاتبة المقربة من حماس لمى خاطر بأنّ الحملة غير المستندة على أي سند تشريعي ما هي إلا «جريمة يعاقب عليها القانون». واعتبر الغطاء القانوني، إن هو تواجد، «هبلاً وفضاوة». الرجل تحدّث بلغة متّزنة وكان لما كتبه أثر طيّب على نفوس كثيرين وأنا منهم. 

ما يجب أن تفهمه حماس، والحكومة التي تديرها حماس، هو أنّ أهل غزّة ليسوا رهائن ولا نسخ مكررة من قالب واحد. هذا المجموع الانسانيّ البديع الذي حوصر عامًا بعد الآخر كي يثور على حماس ويطلّق البندقية صبر وتحمّل وأبدع في محاربة الحصار، وانتصر على العالم بأسره، ومن انتصاره -انتصار الشعب- جاء انتصار حماس، لا العكس. لو كنت أنا قياديًا حمساويًا عاملاً في الحكومة لكان شاغلي اليوميّ هو كيف أدلّع هذا المجموع الانسانيّ وأردّ له الجميل. هذه التوليفة البشريّة الممتدة من رفح حتى بيت حانون، محزبين وغير محزبين، متدينين وغير متدينين، هذه التوليفة هي الانتصار الحقيقي والضمانة بأن تظلّ غزة شوكة في حلق كلّ من يخطط للاساءة لها أو لمن فيها. 

كتبت سابقًا، وأكتب اليوم، أنّ غزة التي وقفت في وجه العدوان الاسرائيليّ لا يمكنها أن تسقط في معركة الحريّات الشخصيّة، أقلّه دون قتال. الدعوة واجبة للجميع، لكلّ من يتعرض لفعل قعمي حكومي، أن يتوجه لأقرب مؤسسة حقوقيّة ويوثّق ما حدث معه ويبعث بشكوى. إن كان ذلك غير كافٍ (وهو بالفعل كذلك) فواجب علينا، جميعًا، التفكير في آلية أكثر نجاعة للتعامل مع هذه السلطويّة. لابدّ من معاقبة أفراد الشرطة الذين يتعدون على المساحة العامّة وعلى حق الفرد في الاختلاف.

ختامًا، سأقتبس ما كتبه بلال نزار ريّان وأضعه برسم كلّ أعضاء حماس، كل أعضاء حكومتها، وعلى رأسهم وزير الداخليّة الذي يبدو أنّه لا يقدّر قيمة الناس ولا يحترم اختلافهم. كتب بلال: لا أحب أن أعيش منفصمًا، أحبّ أن أعبر عن أفكاري بهدوء و أحترم كل مخالف؛ هذا خير لي من العيش مع النفاق و الانهزام الداخلي. الحريّة للأفكار. الحريّة للانسان.

Advertisements

عن السيادة المصريّة وأنفاق رفح، حبيبة قلبي.

مارس 14, 2013

محمود عمر

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

تغيّرت معاملة الفلسطينيين في مصر ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتغيّرت معها أساليب طرحهم وقضاياهم في الإعلام المصري. لقد إزداد الأمر سوءًا. الفلسطينيّون، حسب الإعلام المصري ولفيف من الرسميين المصريين، في كلّ مكان. إنّهم يقتحمون السجون، يسرقون البضائع والسيّارات والمحروقات والكهرباء ويحتلّون، في أوقات فراغهم، شبه جزيرة سيناء. عندما يشتدّ الضغط، ويتأزم المشهد، يرسل الفلسطينيون نخبة مختارة من المقاتلين المقنّعين لحماية قصر الرئاسة المصري. الأنفاق على الشريط الحدود بين رفح المصريّة ورفح الفلسطينيّة، وفق نفس المنطق، هي ما مكّنتهم من فعل ذلك كله، إنّها إكسيرهم السرّي، وخنجرهم المسموم.

العقليّة البائسة التي أنتجت كل ما سبق وأكثر من الخزعبلات هي نفس العقليّة التي حكمت، تحت عناوين مختلفة، هذا البلد الممتد صحراءً وحزنًا، على مدار عقود طوال. الثورة التي أطلقها شباب ملّوا الغبار والمصاعد المعطلة لم تتمكن بعد من حسم الأمور تمامًا؛ لم تتمكن -بعد- من إدارة الدفّة، وتصويب البوصلة. العَجزة لا زالوا في الحكم، ملتحين وغير ملتحين، ولا زال الإسقاط الفوقي للمعلومات، منذ أرساه عبد الناصر، وعمّده السادات، يعمل بسلاسة غير معهودة في بلد الانسداد المروري والسيستيم الواقع.

آخر ما جادت به القريحة: اتّهام عناصر من حماس بالتخطيط لقتل الجنود المصريين في منطقة الماسورة في رفح، انتقامًا من الجيش المصري لهدمه الأنفاق. لا أدلّة، لا تحقيق جدّي، دولة برمّتها لا تبالي بمواطنيها وترمي بالتهمة والمسؤولية على المُشيطنين ذوي اللهجة الرثّة. رخيص هو المصريّ عند دولته وولاة أمره، أرخص من أن يبحث في أمر موته، سواء مات على الحدود، أو في قطار محترق، أو برصاص الداخليّة.

ليست الأنفاق “شريان حياة”  وممرًا لمستلزمات الحياة اليوميّة فحسب.  إنّها نوعٌ من القفز فوق الحاجز، استعمال أمثل للعقل البشري، نموذج تجب دراسته في ميكانيزم الاختراق. الأنفاق، في حسابات المناكفة، بصقة في وجه من ظنّوا أنهم حبكوها جيّدًا، إسرائيليين وعربًا وأمريكان، وفي حسابات الجغرافيا، كسبٌ للناس على طرفي الحدود، وإسألوا بدو سيناء وأهلها اللذين لا قيمة ولا معنى لهم في حسابات القاهرة ونخبتها التي تنظّر عن سيناء وما زارتها يومًا.

عندما حفر الفلسطينيّون في غزّة الأنفاق بعدما أغلق العالم أبوابه في وجههم، لم يبالوا لا بسيادة مصريّة ولا قوانين دوليّة. وكيف لهم أن يبالوا؟ هذا الكلام الكبير يصغُر أمام رغبة إنسان فرد واحد في أن يرتاح. يشبه الأمر أنّ تفك حزامك، والزرّ الأول من البنطال، بعد وجبة غداء دسمة. هذه الرّاحة بعد ضيق، هذا الانشكاح الانسانيّ بامتياز، لا مردّ له ولا هويّة. لو كان الأمر متعلقًا بغير الفلسطينيين لفعلوها، لو كانت الجغرافيا مغايرة لتمّت. إنّها ألف باء بشريّة. من لم يفهم الأنفاق ويستشعر حلاوتها وهي التي مكّنت عشّاقًا من اللقاء وعائلات أن يلتم شملها، فلا خيار أمامه إلا أن يراجع إنسانيّته.

حاول كثيرون إنهاء الأنفاق باعتبارها ظاهرة يتفوّق فيها من هم تحت على من هم فوق. أجهزة السلطة الأمنيّة كانت قد أعدّت قبل سنوات خطة تفصيلية يتم تنفيذها بالتعاون بين السلطة، إسرائيل والجيش المصري. ذهبت الخطة ومن وضعها أدراج الرياح. قصفت إسرائيل الأنفاق غير مرّة، قصفوها بصواريخ ارتجاجيّة، بأعقد وأحدث ما جادت به القريحة العسكريّة الأمريكيّة، ولكن عَبس. حاول المصريّون، ضخّوا فيها الغاز، كهربوها، ملأوها بمياه المجاري، ولكن عَبس.

حفرها الفلسطينيّون مجددًا، وأعادوا تنظيم اللوجيستيك بحيث تكون الأنفاق شبكة متداخلة، وللنفق الواحد عدّة أعين. المعركة الذهنيّة بين من يدهن السور، ومن يكتب له عليه “مبروك الدهان الجديد” في القاهرة كانت هي نفس المعركة بين من يهدم الأنفاق ومن يحفرها في رفح، وفي الحالتين الغلبة كانت للمبدع. للرّاقص فوق الأرض، وتحت الأرض ويوم العرض على التاريخ. 

لن تنتهي الأنفاق إلا بانتهاء الوضع المشوّه الذي استدعى حفرها، وفتح المعبر للبضائع. لا يشمل ذلك المعطى أنفاق تهريب السلاح التي إن أرادها البعض مغلقة، كان لزماً عليه توفير السلاح شرعيًا. شيطنة الفلسطينيين في مصر هي نصيبنا من بؤس الدولة المصريّة المتفاقم، وسياسات المؤامرة والعدو المترصّد التي تجري فيها مجرى النَفس. لا يعني ذلك أن نصمت على ما يكال من اتهامات بلا أدلّة ولا شواهد. مهمٌ أن نتحدث، أن نشرح، أن ننفي، وأن نحاجج من أمنوا جانب اسرائيل واستعدوا حفنة من الفلسطينيين بمنطق الحقّ والحقيقة. الأهم، أن لا نكره، رغم كل ما نرى ونسمع، جوار مصر وقربها، وأن لا نكرهها جوارنا وقربنا، وأن ندفع جميعًا في الإتجاه الذي سيحسم كلّ شيء، ويزيل كل لغط ويشفي كل سقم، إتّجاه الثورة، مصريّة كانت أم فلسطينيّة. 

في مديح الحريّة والانبساط.

يوليو 19, 2012

أنا أكره المتأكّدين، لا أستطيع احتمالهم، نبرة صوتهم ترعبني. ما أن أجلس معهم على طاولة حتّى أرغب، بكل لباقة، أن أمسك رأس أحدهم وأحفر ثقبًا فيها، أو أن أعتذر للذهاب إلى الحمام. في الحقيقة سأذهب لأضرب رأسي أنا بحائط الحمّام. الشخص المتأكّد، الواثق، لا يسيء لنفسه ويجنح للتخفيف من ثقل الواقع عبر شعوذات حديثة فحسب، بل ويستخف بالخازوق. الخازوق الذي هو الحياة. هذا الاشكال المتحرّك. أحد الفلاسفة قال: تكمن مأسآة الانسان في أنه يكون طفلاً ثمّ يكبر بعد ذلك، حركة الخازوق إذًا، أو بالأحرى: حركة الوعي بهذا الخازوق، إنما تتجه نحو الاتّساع. يقول المعلّم الأرجنتيني بورخيس: أكتب لنفسي ولأصدقائي، ولتهدئة جريان الزمن. بمعنى آخر: بورخيس يدفع بالخازوق بعيدًا، يبحث عن الانبساط، ولهذا كان يكتب، أو لهذا تورّط بالكتابة.

شروق أمين - فنانة كويتية/سوريّة.

شروق أمين – فنانة كويتية/سوريّة.

التفاؤل جرعة مخففة من الإيمان. يمكنك القول: المتفائل يحاول البحث عن صيغة “تسوية” بين الصورة القاتمة والمصباح. يضع المرايا في المسافة الفاصلة، لعلّها تعكس بعض الأشعة. أنا لست متفائلاً، ولست مؤمنًا، ولا أحبّ المرايا. أعيش على كوكب مريض، معتوه، ضارب في القماءة، وأنتمي لإقليم هو في حدّ ذاته التجسيد الجغرافي الأمثل لغياب العدالة والمنطق. هل تعرف كميّة الطعام التي سترمى في النفاية في دول الخليج العربي في شهر رمضان الذي غايته الاحساس بالفقراء؟، هل تعرف كم خادمة أجنبيّة قتلت ورميت في الشارع في لبنان؟، كم فتاة أُجبرت على تزوّج مغتصبها في الأردن؟، هل سمعت بالحكم بالسجن 7سنوات على شباب تونسي لأنّه عبر عن رأيه؟ هل سمعت خالد مشعل وهو يعزّي بواحد من أشهر مهندسي التعذيب والفاشيّة في الوطن العربي؟ ماذا عن حسن نصرالله الذي اختصر سوريا بكل سنين حضارتها في شخص قائد جهاز قمعي؟، هل تستطيع أن تتخيّل مليون وسبمعائة ألف إنسان في 360 كيلو متر مربّع بساعات قطع للتيار الكهربائي تصل إلى 12 ساعة يوميًا في هذا الصيف الحارق، وأثناء شهر صيام؟هل قرأت كتاب “اللاطمأنينة” لفرناندو بيسوا؟ إذا كانت الاجابة بالنفي، فافعل في أقرب فرصة. 

أنا لست متفائلاً لكنني مقتنع بمقولة منصف المرزوقي: “من السذاجة محاولة تغيير العالم، ومن الاجرام عدم المحاولة”. يبقى السؤال عن ماهيّة هذه المحاولة، والغرض منها، وآليتها. يمكن إجمال تاريخ الحركات السياسيّة على اختلاف مشاربها في أنّها أجابت على السؤال السابق بقولها: عبر خلق عالم أفضل. ويمكن إجمال الغرض من كل مقالي هذا باجابة نفس السؤال: بالتخفيف من خراء هذا العالم قدر الامكان. 

يقول أمين معلوف، الكاتب اللبناني-الفرنسي الذي دخل مؤخرًا الأكاديميّة الفرنسيّة برداءٍ أخضر وسيف مزخرف، في كتابه “الهويّات القاتلة” ما نصّه: “لقد علّمنا القرن العشرون أنّ ليس هنالك بالضرورة عقيدة تحريريّة بذاتها، فجميع العقائد قد تنحرف عن أهدافها ويشوبها الفساد، وتقوم بسفك الدماء، من الشيوعيّة والليبراليّة والقوميّة وكل ديانة من الديانات الكبرى، وحتى العلمانيّة. فلا أحد يحتكر التطرّف، وبالعكس، لا أحد يحتكر النزعة الانسانيّة.” كلام جميل, أليس كذلك؟. ستجيب: نعم إن كنت صايعًا مثلي، وستتردد إن كنت شيوعيًا أو ليبراليًا أو قوميًا أو منتميًا بحق إلى واحدة من الديانات الكبرى. ستبدأ في الحديث إيّاه عن الفارق بين النظرية والتطبيق وأنّ الخلل في التطبيق لا يعيب النظريّة وما إلى هنالك من ذلك الهراء الذي يمكن به تبرير دفن الملايين في سيبيريا أو البحث عن ديكتاتوريّة لطبقة بعينها أو حبس الآلاف في السجون المصريّة أو منع إرتداء الحجاب أو تجريم المثليّة أو الفرحة باعتناق ملكة جمال جنوب افريقيا السّابقة الديانة الاسلامية في غزّة، والمطالبة بإقامة الحد على أيّ مسلم يحاول أن “يرتد”. يبدو لي الخيار واضحًا إذًا: إمّا أن تكون صايعًا، أو مبعبصًا.

كتاب “المجتمع المفتوح وأعداؤه – أحاجي أفلاطون” الذي ألّفه كارل بوبر وترجمه السيّد نفادي يمثّل فيما يمثله دفعة صميميّة نحو الصياعة. يبدأ الكاتب في أوّل سطر بالتشديد على التخلّص من كل شحوم السكون والتلقين والتعليم النظامي. تكاد تسمع صدى يشبه صوت مظفر النواب وهو يقول: ستقولون بذيئًا. لكن كارل بوبر لا يطلب أن نريه واقعًا أكثر بذاءةً مما نحن فيه في معرض تبرير تلك الهجوميّة، يمسك بأيدينا لنحتسي معه بعض البيرة ونبدأ النقاش حول الطريقة الأمثل للاصلاح، وللاقتناع بأنّ “المستقبل يعتمد علينا، ولسنا معتمدين على أيّة ضرورة تاريخيّة”. ألا تُشعرنا هكذا جملة بالخفّة؟ ألا تبدأ أطراف الاصابع بالتلوّي في أورجازم فكري فشيخ؟. إنّه إله آخر يتصدّع، إله التّاريخ. ومن بين الثقوب في صرحه النحاسي يبدأ الهواء النقيّ بمداعبة الرئة.

“أنا فهمتكم”، يقول كارل بوبر لأفلاطون وجماعته، وهيغل وجماعته، وماركس وجماعته. أنتم أيضًا أدركتم خراء العالم ورغبتم بشيء أفضل، لكنكم فشختونا في الطريق. الحضارة مؤلمة، هذا النمط السّريع الذي ينقده كونديرا في “البطء” أفقد الأشياء نكتهما. الاستهلاك جعلنا نضيّع روحنا كما نضيع قلادة المفاتيح. “التاريخانيّة” إذاً، كما يعرّفها بوبر، هي ذلك المنهج الذي يعتقد بأن الميل العلمي والفلسفي الحقّ تجاه علم السياسة، والفهم الأعمق للحياة الاجتماعيّة بصفة عامة، ينبغي أن يعتمدا على تأمّل وتفسير التاريخ الانساني. يقسّمها بوبر إلى يمينيّة ويساريّة تشترك كلاهما في كونها تملك شيئًا مخلّصًا ومطلقًا. العرق في الأولى، والطبقة في الثانية. يفسّر نشأتها عبر “أبوها” أفلاطون بعدما اكتشف هيراقليطس فكرة اللاثبات وقال أن “كل شيء في تغيّر متواصل ولا شيء ثابت”. جاءت التاريخانيّة لحل إشكال ذلك التغيّر، والبحث عن النموذج الأوّل بالعودة للمجتمع القبلي، وما قبل القبلي، مجتمع السكون. مجتمع لو وضعت فيه بوكسرك على المكتب، فستعود بعد 100 عام لتجده لا زال مكانه على المكتب.

ومن أجل تمرير تلك التاريخانيّة، الدم الذي يسري في عروق المجتمع المغلق، يبتدع أفلاطون نظريّة الصور والمُثل، ويؤسس لعلم الاجتماع الوصفي. كل تغير اجتماعي تفسّخ، الفرديّة شر كبير والدولة هي كل شيء. عليك أن تكون تعيسًا حتى تسعد الكل، ضحّي من أجل الشيء الأكبر، انغمس حتى تصرّح بمل الفم أنك، أنت أيضًا، “تحب الأخ الأكبر”. ألا يذكّر ذلك بشعارات “مصر أولاً، الأردن أولاً، بطيخ أولاً؟” التي لا يجرؤ أحد على انتقادها في الحيّز العام؟، ألا يشبه ذلك الدعوات إلى تحمّل تعدي حكومة حماس على الحريّات الشخصيّة في غزة بحجة أنها حركة مقاومة وأننا نملك قضيّة كبرى؟ أليس ذلك مشابهًا لمقولة لينين “من أجل صنع العجّة، عليك أن تفقش بعض البيض”؟ الاجابة: بلي. إنّه تناسخ متشابه حد القماءة. أفواه كبيرة وكلام حنيّن، وصوت فرم أجساد بشريّة وفقش بيض يطغى في الخلفيّة.

: (

: (

يستلم كارل بوبر أفلاطون، الفيلسوف المقدّس، كما يستلم زوج عربيّ زوجته التي عادت إلى البيت متأخرًا. يفنّد أفكار الصدق، والحكمة، والجمال، والخير، والعدالة عند أفلاطون بإسهاب وموضوعيّة. عدالة أفلاطون هي أن يظل كلٌ في مكانه، وأن تستمرّ الدولة. الجمال عند أفلاطون هو ناتج “أكيد” لدولة يذوب فيها الكل، ويحكمها الملك-الفيلسوف. وفي حين حلّ ماركس مشكلة الصراع الطبقي بدعوته لإقامة مجتمع لا طبقي، كان أفلاطون أكثر براجماتيّة فأكّد أن الحل، كما العادة، في الثبات: أن نفصل بمسافات شاسعة بين الطبقات، وأن نمدّ كل أفراد هذه الطبقات بالوعي اللازم كي تظلّ في مكانها، كي تدرك أنها يد لا يمكن أبدًا ان تتحوّل إلى رجل، أو قضيب لا يمكنه إدّعاء مرتبة الأمعاء. أفلاطون، وماركس، وحتى آدم سميث، وورثتهم، لم يطبّقوا مقولة كانط “تحقق دائمًا من أفراد الانسان هم غايات، ولا تستخدمهم كمجرّد وسائل لغاياتك”. دفاعهم جاهز بالطبع، كلهم أرادوا سعادة الانسان، أرادوا مجتمعًا أفضل، وانتهى بهم الأمر لخلق، أو إعادة خلق المجتمع المغلق.

في الكتاب، يتطرق بوبر إلى مسائل راهنة في واقعنا العربي اليوم، سيّما بعد انتفاضات تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن وسوريا (ولسا)، رغم أن الكتاب نشر قبل عقود طويلة. من يجب أن يحكم، ما طبيعة هذا الحكم، السياسة الاجتماعيّة للدولة، ومسألة الحريّات: هل هي مطلقة؟ محددة؟, وإن كانت محددة، فما هي الكميّة الدقيقة من الرقابة التي إن زادت تحوّلت إلى فاشيّة؟. يبذل بوبر جهدًا لمّاعًا في الحفر بحثًا عن مقاربة منطقيّة لتلك الاشكالات، وأظنّه في غير مرّة ينجح.  يقول مثلاً في صفحة 114، عن إشكاليّة الحريّة ومحدداتها: قيل إنّه بمجرد الاعتراف بضرورة تحديد الحريّة، فإنّ مبدأ الحرية بالكامل ينهار، والسؤال عن ماهيّة التحديدات الضروريّة وماهية الأشياء المطلقة لا يمكن أن يقرر بطريقة عقلانيّة، وإنما فقط من خلال السلطة. ولكن هذا الاعتراض به بعض التشويش، فهو يختلط بين المسألة الأساسيّة لما نريده من الدولة وبين صعوبات فنيّة هامة معينة في وسيلة تحقيق أهدافنا، فمن الصعب بالتأكيد أن نحدد بالضبط درجةالحريّة التي يمكن أن تُترك للمواطنين دون تعريض تلك الحريّة – التي تعد حمايتها من مهمات الدولة – للخطر. ولكن التجربة تدل على أنّ شيئًا ما مثل هذا التحقيق التقريبي لهذه الدرجة ممكن. وذلك من خلال وجود دول ديمقراطيّة. يمكن الرد على الاعتراض الكلّي بأنه من الصعب معرفة أين تنتهي الحريّة وتبدأ الجريمة بالقصة الشهيرة للفتوّة  الذي كان يحتجّ أنه، لكونه مواطن حر، فيمكنه أن يسدد قبضته في أيّ اتجاه يشاء. وكان الرد الحكيم للقاضي: إن حريّة تسديد قبضتك محددة بموضع أنف جارك.

الحل؟. لن يكون هذا الطرح مختلفًا لو أنّه وفّر حلاً سحريًا، أو مقولات يكتبها الشباب المتحمّس على صفحات الفيس بوك. الحل في أنّ ليس ثمة حل أكيد. الحل هو التجربة والخطأ. هو البدء في طرح أسئلة حول المطلوب من الدولة، لا حول شكلها، هو اعتبار كل فرد في هذه الدولة فردًا خاصًا وسعادته أهمّ من ميزانية القوات المسلّحة و السياسة الخارجيّة. الحل هو البحث عن الحل، كما شرح عبد الرحمن منيف في كتابه “الديمقراطية أولاً، الديمقراطيّة دائمًا”، وكما بيّن نصر حامد ابو زيد في مجمل فكره، وكما قال بوبر في آخر الكتاب:

إذا رغبنا في أن نظلّ بشرًا، فليس أمامنا إلا طريقًا واحدًا، ألا وهو الطريق إلى المجتمع المفتوح. وتيعيّن علينا أن نثابر في المجهول، واللايقيني وغير الآمن مستعينين بما قد يخططه لنا العقل بقدر إمكاننا من أجل الأمان والحريّة معًا.

يمكن تحميل نسخة الكترونيّة من كتاب المجتمع المفتوح وأعداؤه هنا.

“اعتنوا بأنفسكم”، كما قال سقراط : )

راية وموقف

أكتوبر 11, 2010
  • عندما كان يقف صلاح خلف في وجه ملك الأردن ويهدده، وعندما كان محاصرو شاتيلا يمازحون الموت، وعندما قالت النسخة المحسّنة من العرب لاءاتها الأربعة في الخرطوم، وعندما صمدت حاميات الجليل حتى الطلقة الأخيرة، وعندما قال جيفارا “انت تقتل انسانًا”، وعندما تحدث ابو ذر عن الناس والجوع، وعندما أفتى المفتيون بحرمة زيارة الأقصى تحت الاحتلال، وعندما ولدت قصص حب في تل الزعتر، وعندما صمدت غزة تحت الرصاص المسكوب، ما الذي حصل ؟، الذي حصل أن موقفًا قد اتخذ، هذا الموقف الذي هو تركة الحق، الحرير الذي يخرج -ويا للعجب- من مؤخرة دودة واقعنا المرير.

الموقف الذي اتخذه غسان كنفاني، ناجي العلي، دلال المغربي الفتاة الخجولة في دكان الخياطة في شاتيلا، والفدائية التي لا تقهر في شوارع فلسطين المحتلة، جورج عبد الله، وغيرهم من أصحاب المواقف، من رافضي أنصاف الحلول، وانصاف القضايا، وأنصاف المواقف. هذا الموقف الذي ما أن تتخذه حتى يُحظر على أيّ كائن بشري أو حيواني أن يتساءل عن “خلفيتك” ومأربك وما ترمي إليه، الموقف يعرّيك من أي تصنيف سياسيٍّ أو ديني، يجعلك صاحبَ موقف، وب”صاحب موقف ” فقط تكون معرّفًا، بين ملايين النكرات.

إذًا، أهلاً بزيارة نجاد إلى لبنان، وأهلاً بموقف رئيس الوزراء التركي، ومن خلفه سياسات حزب العدالة والتنمية وألفُ أهلاً بتسلّح حماس تحت الأرض، وطقم كامل من الزغاريد أرسلها مع الطير الطاير إلى تشافيز لفوزه في الانتخابات النيابية، ومثلها لمهندسي التصنيع في الحرس الثوري الايراني. ذلك أني حين أنحاز، حين أبصق على التلفاز فور رؤيتي السيد محمود عباس، أو سلام فياض، أو سمير جعجع، أو صقر صقر، أو بن لادن، أنا لا أقترف فعلاً قذرًا، لا أتشيّع، لا أتحدث التركية، لا أحدث شرخًا في جدار القومية العربية العتيد، لا انتمي والعياذ بالله الى الاخوان المسلمين، أنا ببساطة شديدة أتخذ موقفًا، الموقف الذي بقياساته الدقيقة وحده يستطيع استيعاب طولي الفارع وقامتي الرفيعة، موقفٌ لا يلزمني لكي أتخذه أن أفنّد انتمائي، أو ايماني الذي هو في حقيقته خليط من الماركسية والعلمانية والاسلام.

  • يقيم الاتحاد الاوروبي مسابقة يريد فيها من الشباب الفلسطيني أن يعبّر بست كلمات كحدِّ أقصى عن أثر الدعم الاوروبي على حياة الفلسطينيين، ويرصد لذلك جائزةً هي لابتوب أو هاتف خليوي. ليس خفيًا أن الغاية من تحديد التعبير في ست كلمات غرضه البحث عن الرمزيّة، وسهولة كتابة الشعار على ملصقات ونشرات الاتحاد الاوروبي وما على شاكلتها من المجلات المدعومة باليورو، ومن ذلك المنطق، منطلق الرمزيّة، قررت التعبير عن أثر الدعم المبارك على حياة الفلسطينين بدون كلام، بـ 0 كلمة، وصورة واحدة، وليجتهد في مسابقتي شعراء الأرض وكُتّابها من الشباب المدعوم أوروبيًا :

يرجى ارسال اللابتوب، أو الهاتف الخليوي، أو كليهما، إلى فلسطين، قطاع غزة، مدينة غزة، موقف السّاحة الدولي، وتسليمها إلى أي عابر طريق/صاحب موقف.


%d مدونون معجبون بهذه: