Posts Tagged ‘قطاع غزة’

الكنيست الإسرائيلي كما يُشاهد من غزّة

مارس 14, 2015

محمود عمر
عادت مشاركة العرب الفلسطينيين في إسرائيل في انتخابات الكنيست لتحظى بنصيب الأسد من جدالات المقاهي وشبكات التواصل. الحدّة التي تتسم بها هذه الجدالات النخبويّة بين أطراف يَصعُب رؤية الحدّ الفاصل بين خلافاتها السياسية والشخصيّة، لا تعكس، للأسف، حالة عصف ذهنيّ أو انقسام ملحوظ في الشّارع العربي الفلسطيني في “إسرائيل” الذي يبدو أنّه يجنح، تحت تأثير عوامل تراكميّة متعددة، باتجاه المشاركة الفاعلة في الانتخابات البرلمانيّة الاسرائيليّة.

knesset_logoالأصوات الداعية لمقاطعة انتخابات الكنيست الاسرائيليّ، وهنا نقصد لفيفًا واسعًا غير متجانس من النشطاء الحزبيين وغير الحزبيين، لا يبدو أنّها تخلّصت تمامًا من توتّرها في التعبير عن موقفها الذي يتّسم في الصميم منه، وهنا تكمن المفارقة، بالكثير من البساطة، إذ يعتبر هؤلاء أن مشاركة قسم من الشعب الفلسطينيّ في انتخابات برلمان المشروع الصهيونيّ غير مقبولة ولا مجدية. يتعثّر التعبير عن هذا الموقف الوطنيّ الذي تدعمه جملة من الأسباب الرزينة، فيُستعاض عنه في معظم الحالات بابتزازات ومزايدات حول الخيانة وتقسيم الشعب والتصهين.

يُقابل توتّر خطاب المقاطعة بتوتّر مضاد من مؤيدي المشاركة الفاعلة في الانتخابات الاسرائيليّة، فيتحوّل الجدل النخبويّ، والذي يترجّى مفاهيم متنوّعة عن «الشعب» ولا يعبّر عنه في الحالتين، إلى جدلٍ بيزنطيٍّ بين معسكرين تفصل بينهما حدودٌ مساميّة، ويغيب أيّ بحث معمّق يحاول، على الأقل، تحجيم إدّعاءات الطرفين، وبالأخص، مساءلة العملية التي يجري الاشتغال عليها، بغرض تحويل مشاركة عرب فلسطينيين في الكنيست الصهيونيّ من شذوذ يقع على هامش تاريخ وحاضر القضيّة الفلسطينيّة، إلى ظاهرة وحدويّة و «نضاليّة» تقع في القلب منها.

اكتشاف «كنز» المواطنة

بدأ العرب الفلسطينيّون داخل إسرائيل بإدراك المزايا والمساحات الواسعة التي تمنحها لهم المواطنة الإسرائيليّة في نفس الفترة التي بدأ فيها الفلسطينيّون عديمو المواطنة بتطوير مفهوم ووعي حديث، ما بعد استعماريّ، بهويّتهم الوطنيّة. والواقع أنّ عقد السبعينيات، وهو عقدّ “المدّ الثوريّ” الفلسطينيّ، كان أيضًا عقد “اكتشاف المواطنة” عند العرب الفلسطينيين في إسرائيل، بعد رفع الحكم العسكريّ عنهم عام ٩٦٦١، ليتمايزوا بشكل منهجي ونَسقي عن باقي الفلسطينيين، ولتصير لإسرائيل عندهم صورة مختلفة، أكثر مرونة وأقلّ دموية بكثير من صورتها عند فلسطينيي الضفّة والقطاع والشتات.

كما وسهّل انتهاء حكم الحزب الواحد في إسرائيل في نهاية السبعينيات، بعد فوز حزب الليكود بقيادة مناحيم بيغن بأربعة وثلاثين مقعدًا في الكنيست، الطريق أمام الفلسطينيين في إسرائيل لوضع وعيهم المضطرد بمزايا مواطنتهم المنقوصة موضع التطبيق، بعد أن صارت إسرائيل دولة أكثر ليبراليّة، يتناوب على حكمها حزبان سياسيان رئيسان، وتمتاز بتوفر هامش واسع من حرية التعبير والتنظيم والتجمّع والعمل الإعلاميّ. وفي تطبيق كلاسيكيّ لمقولة هيغل “الحاجة هي وعي النقص”، رافق وعي الفلسطينيين في إسرائيل بـ”مواطنتهم”، وعيًا بالنقص الذي يشوب هذه المواطنة، وبالتالي، حاجة للوصول إلى صيغة تملأ هذا النقص وتنهيه.

ومن هنا جاء المشروع السياسيّ الذي قسّم الاشكالية السياسيّة عند فلسطينيي الداخل إلى مركبتين، الأولى داخلية تتمثل في المطالبة بالمساواة، والثانية خارجية/قوميّة تتمثّل بدعم خيار الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة بإقامة الدولة في الضفّة والقطاع. ولقد تعرّض هذا المشروع الذي أراد العرب في مناطق ٤٨ إسرائيليين داخل حدود “الدولة”، وفلسطينيين في الضفة والقطاع، لضربات موضوعيّة وذاتيّة قاتلة، فجاء مشروع “دولة المواطنين” الذي طرحه عزمي بشارة في منتصف الثمانينيات، ليحلّ محله، ويعكس إتجاه المركبّة القوميّة لتصير موجّهة نحو الداخل من خلال ربط مطلب المساواة الكاملة بالاعتراف بالحقوق القوميّة الجماعية للفلسطينيين في إسرائيل.

بكلمات أخرى، جاء مشروع “دولة المواطنين” ليقول إنّ بإمكان الفلسطيني الحامل للجنسيّة الإسرائيليّة أن يكون مواطنًا إسرائيليًا كامل الأهليّة والحقوق، وفي نفس الوقت، فلسطينيًا تامًا يمتّع بحقوق قوميّة داخل إسرائيل لا خارجها. ولا يمكن، في واقع الأمر، لأيّ من متفّهمي أو داعمي المشاركة في انتخابات الكنيست باعتبارها “نضالاً” أو دفعًا بإسرائيل لـ”ترزح تحت تناقضاتها”، أن يبتعدوا كثيرًا عن الأسس المعرفيّة لمشروع دولة المواطنين، وعن الأثمان الواجب دفعها من أجل جعل هذا المشروع مشروعًا سياسيًا يمكن اختبار قابليّته للحياة بشكل جدّي.

«الاشتباك مع الواقع من أجل تغييره»

يشتمل أيّ موقف داعم للمشاركة العربيّة في انتخابات الكنيست على تأييد لفكرة التسليم بالواقع كخطوة تسبق الاشتباك معه من أجل تغييره. ولا يجب، في واقع الأمر، نفي هذه الفكرة أو إبداء فوقيّة عدميّة تجاهها كما يفعل كثيرٌ من دعاة المقاطعة، حتى يكون فيها ما يمكن معارضته وتبيان تهافته ضمن حدود نموذج “دولة المواطنين”. فالمشكلة، بالنسبة لفلسطيني لا يحمل الجنسية الاسرائيليّة، ليست بالضرورة في «الاشتباك مع الواقع من أجل تغييره»، بل في التشخيص السّائد لهذا الواقع والتحديد المُتّبع لطبيعة «الاشتباك» معه والحدود التي ينتهي عنها هذا الاشتباك. فإذا ما سلّمنا بصوابيّة «الاشتباك مع الواقع من أجل تغييره»، كان لزامًا أن نسأل: من يملك سلطة تشخيص الواقع؟

الواقع في نموذج “دولة المواطنين” هو دولة إسرائيلية ذات فضاء سياسيّ وقانوني محدد، رغم أنّها لم ترسّم حدودها أبدًا، والتغيير المُرتجى هو تحويل هذه الدولة من دولة صهيونيّة يهوديّة عنصريّة، إلى دولة لكافة مواطنيها، وكافّة مواطنيها هنا لا تشمل بعطفها الفلسطينيين في الضفّة الغربيّة أو قطاع غزّة أو مخيمات سوريا ولبنان والأردن، لاستناد نموذج “دولة المواطنين” بشكل شبه كامل على تصوّر أوسلويّ للواقع القائم اليوم في فلسطين ما بين النهر والبحر.

يشتمل النموذج، بكلمات أخرى، على نفس القصور في المخيلة والسياسة الذي أدّى إلى إطفاء شرعيّة فلسطينيّة وطنيّة على تقسيمات جاء بها الاستعمار والمشروع الصهيونيّ. أمّا الثّمن الواجب دفعه من أجل الوصول إلى “دولة المواطنين”، أو أيّ هدف آخر بوسائل “ديمقراطيّة”، فهو ثمن بالغ الوضوح: هذا “نضال” يجري تحت سقف المواطنة الإسرائيليّة، وبلغة ليبراليّة حقوقيّة تفهمها المؤسسة الصهيونيّة، وهو نضال محدود الخطورة وشديد الأنانيّة بالضرورة، لاستناده على تصور قوميّ لهويّة فرعيّة وجزء محدود من الشعب الفلسطينيّ، شاءت المصادفة التاريخيّة أن يجد نفسه في الجهة الأخرى من السلك الشائك.

وهنا، ينتفي عن جزء من أرض فلسطين الفهم الفانوني (من فرانز فانون) للاستعمار باعتباره عنفًا خالصًا لا يمكن أن يخضع إلّا في حالة مواجهته بعنف أقوى، في حين يُعاد تبني هذا الفهم بطريقة وصوليّة ما أن يتعلّق الأمر بجزء آخر من نفس الأرض، الأمر الذي لا يعدو كونه إعادة إنتاج تنكريّة لمشروح حلّ الدولتين الذي مات وتعفّن. وبالتالي، يصبح ممكنًا لإسرائيل، في نموذج “دولة المواطنين”، أن تكون واقعًا ذكيًا ومنطقيًا ومرنًا وخجولاً -في مناطق جغرافيّة معيّنة دون غيرها-، يمكن انتزاع تنازلات منه بل وتغييره جذريًا عبر سُبل ديمقراطيّة وليبراليّة.

يُصدَّر هدف الحصول على المساواة والاعتراف بالحقوق القوميّة، والسعي نحو هذا الهدف، باعتباره نضالاً يجعل “إسرائيل” ترزح تحت وطأة تناقضاتها، في حين يمكن الإدّعاء، في ظلّ محدوديّة هذا النموذج السياسية والجغرافيّة والديموغرافيّة، وتنكّره المضاد لواقع الفلسطينيين خارج فردوس المواطنة، وكونه سيفًا ذو حدّين (جاهل فقط يمكن أن ينكر استفادة إسرائيل من وجود نوّاب عرب “يناضلون” من داخل الكنيست)، أنه لا يجعل إسرائيل “ترزح تحت وطأة تناقضاتها” بقدر ما يحاول، من حيث يدري أو لايدري، حاله حال الليبراليين اليهود في أحياء نيوريورك ولندن، إنقاذ إسرائيل من نفسها.

في ضرورة مساءلة «أوسلو الداخل»

يدّعي مناصرو المشاركة العربيّة في الانتخابات الاسرائيليّة، أو أولئك الذين لا يبدون موقفًا مبدئيًا ضدّها، في معظمهم، أنّ هذه المشاركة تنبع من “خصوصيّة” واقع العرب الفلسطينيين في إسرائيل وتميّز واقعهم. والحال أنّ العرب الفلسطينيين في إسرائيل لهم “خصوصيتهم” بالفعل. ولكن غيرهم من الفلسطينيين لهم “خصوصيتهم” أيضًا، وهذا هو ما يتوجّب على المتحمسين لانتخابات الكنيست فهمه ومحاولة الردّ عليه إن كانوا يصدقون أنفسهم بالفعل عندما يعتبرون أنّ دخول البرلمان الاسرائيليّ لا يتعارض، إن لم يدعم، حقوق وتطلّعات الشعب الفلسطينيّ في كافة أماكن تواجده.

إنّ وضع “خصوصيّة” قطاعات معيّنة من الشعب الفلسطينيّ في مقابلة “خصوصيّة” أجزاء أخرى تكشف البؤس الكامن في هذا المنطق برمّته، رغم أنّه يعكس، على مرآة مهشّمة، أجزاء متفرقة من واقع موضوعيّ لا يمكن إنكاره. فإذا كان العربي الفلسطينيّ في إسرائيل يعتبر مشاركته في الترشّح أو التصويت في الانتخابات “نضالاً” ضدّ العنصريّة والصهيونيّة، فإنّ عليه أن يفهم -منطلقًا من خصوصيّته، أنّ هذا النضال ليس له وجود أو دلالة أو قيمة في قاموس فلسطينيّ من غزّة، جرّاء “خصوصيّة” الوضع الغزّي، هذا إن لم يكن هذا “النضال” صورة طبق الأصل عن نقيضه.

وبذلك، فإنّ ما قد يمنح المشاركة في الانتخابات الحدّ الأدنى من الاتّساق المعرفيّ والعملانيّ ضمن حدودها نموذجها المشغِّل هو تقديمها على ما هيّ عليه بالفعل: أوسلو الدّاخل النابعة من “خصوصيّة” لا يمكن من دونها فهم أو تلمّس أي فحوى نضاليّة، والكفّ عن محاولة تصوير هذه المشاركة على أنّها “حصان طروادة” نخبّئ فيه أعضاء الكنيست العرب ونرسلهم ليتفجّروا في قلب المشروع الصهيونيّ ويجهزوا عليه، ذلك أنّ ملايين الفلسطينيين من القابعين خارج هذه “الخصوصيّة”، لا يمكنهم، نتيجة شرطهم التاريخيّ و “خصوصيتهم”، إلا أن يروا فيها استغلالاً بيّنًا لمزايا منحها المشروع الصهيونيّ لبعض الفلسطينيين دون غيرهم.

ما بعد بعد «الخصوصيّة»

لن يكون من الممكن خلق وضع سياسيّ واجتماعي أفضلّ في البقعة الجغرافيّة الممتدة بين نهر الأردنّ والبحر المتوسّط عبر مشاريع تحاول التعامل مع الأعراض بدلاً من التعامل مع المرض. إنّ منطق “الخصوصيّة”، لو مُدّ على آخره، فهو يضعنا، كشعب، أمام نفس الأسئلة التي يحاول بعضنا، عبر انتخابات الكنيست، أن يضع إسرائيل أمامها: هل ما زلنا شعبًا واحدًا بالفعل؟ هل ما زال من الممكن بالنسبة لنا أن نطوّر مشروع مقاومة جامع ومتعدد الأبعاد يضمن لنا، في آخر الدرب، حقوقنا القوميّة والوطنيّة والفرديّة، سواء كنّا من غزّة أو عين الحلوة أو بئر السبع؟

لا يمكن لنموذج “دولة المواطنين”، أو أيّ نموذج آخر يحصر نفسه ضمن مساحة معرفيّة أو سياسيّة مسيّجة ومسقوفة بشعار دولة إسرائيل، أن يجيب على الأسئلة السابقة بالايجاب لأنّه، لو فعل، فسينفي نفسه. الأمر نفسه ينطبق على نموذج “أوسلو” في كافة تفرّعاته وتجلياته. التحدّي، إذًا، كامنٌ في البحث المستمر عن بدائل متطوّرة، من دون الغرق في الابتزازات العاطفيّة والعزوف عن السياسة أو تخوين قطاعات واسعة من “الشّعب” ومحاولة إخراجهم من معادلة الصّراع، بل من خلال الانخراط في السياسة، ومحاولة العثور فيها على ما هو أبعد من “الخصوصيّة”؛ أي على الشيء الذي قد يربط، من دون أن يساوي أو يدمج، بين الفلسطينيّ الذي وجّه صاروخه من بين الركام باتجاه الكنيست، والفلسطينيّ الذي وجّه آماله تجاهه.

عندما سألني الشرطيّ: مين البنت الي معك؟

يونيو 11, 2013

محمود عمر

على كثرة التعدّيات على الحريّات الشخصيّة التي يقدم عليها أفراد من أجهزة أمنيّة تابعة لحكومة حماس التي تحكم قطاع غزّة (هذه تدوينة كتبتها علا عنان عن مجمل التعديات في العامين الفائتين)، وعلى القرب النسبيّ الذي أحاول الحفاظ عليه -رغم وجودي شبه الدائم بالقاهرة- مع تلك التصرّفات ودراسة انتشارها ومفاعيلها الاجتماعيّة لأغراض توثيقيّة ومعرفيّة، إلا أنّ التعرّض لواحد من تلك الأفعال والانتقال من حيّز «السماع عنها» إلى حيّز اختبارها اختبارًا ذاتيًا يفتح الباب أمام مقاربة سياسيّة مختلفة وشعور أعمق بالنقمة والغضب المغلّف بالازدراء. 

arton9179-9e284 (1)في رحلة غريبة ومكثّفة، قصيرة في زمنها، طويلة في آثارها، دخلت غزّة التي يبدو للوهلة الأولى أنّها ثابتة غير أنّها لا تزال تتغيّر (أو يجري تغييرها) ببطء وانتقائيّة. التغيّرات عديدة والمشاهدات يمكن الاسهاب فيها إلى ما لا نهاية. لكن، ما سيجري سرده في هذا المقال ما هو إلا توثيق وشهادة منّي أنا، الفلسطيني المولود في غزّة والمرتبط بها ارتباطًا لا فكاك منه، لما حدث معي عصر يوم  السّبت، الثامن من حزيران على كورنيش البحر. 

كنت متواجدًا في مطعم الديرة مع صديقة مقرّبة من غزّة وتمّ الاتفاق على أن نتحرك، معًا، إلى مطعم آخر يبعد عن الديرة مسافة لا تزيد عن 150م للاجتماع مع أصدقاء آخرين كانوا في انتظارنا. بعد دفع الحساب خرجت أنا وصديقتي إلى الشّارع العام (ركّز على كلمة «عام») ومشينا نحو المطعم الذي ينتظرنا فيه أصدقاؤنا. في العادة ولأسباب أمنيّة مفهومة تتواجد دوريّة مكونة من 5-6 أفراد بشكل شبه دائم في نقطة كاشفة في تلك المنطقة. بعد مروري وصديقتي أمام أفراد الشرطة الرابضين على الكراسي أشار لي أحدهم بالتوقف، قام من كرسيّه واقترب منّي وبدأ يتحدث إليّ. 

سؤاله الأوّل كان: «مين البنت الي معك؟». جوابي كان: صديقتي. الكلمة أثارت غضبه. ربّما لا يفهم هذا الموكل إليه مهمة «حفظ الأمن» أنّ الصداقة حالة انسانيّة يمكن لها أن تنشأ بين شاب وصبيّة. وجّه كلامه لصديقتي وسألها، بنبرة بطريركيّة مقيتة، إن كان والدها يعلم أنّها خرجت معي. طبيعة الأسئلة وطريقته في طرحها كانت كلها تدفع في اتجاه الاعتقاد بأننا، أنا والصبيّة، قد اقترفنا جريمة أخلاقيّة من الطراز الأوّل، في حين أننا كنا نمشي في الشارع العام! 

بعد أخذ ورد، وارتفاع صوتي وصوت الشرطي، ورفض صديقتي إعطاءه رقم والدها وشرحي له بأنني مقيم في مصر، بدأ  الشرطيّ يتحدث عن اصطحابي إلى مركز شرطة العبّاس القريب للتحقيق معي وعمل اللازم. عندما سألته: هل لأنني كسرت قانونًا أم أنّ هذا «فعل فردي» آخر؟ أجابني، وبكلّ برود: نعم، هذا فعل فردي و«هو هيك». الحادثة التي استمرّت قرابة 20 دقيقة دفعت كثيرين من المارين للتجمع حولنا. بعد قدوم بعض الأصدقاء من داخل المطعم الذي كانوا ينتظرونني وصديقتي فيه، وتدخّل بعض أبناء المنطقة، قرر الشرطيّ بأنه سيتركني في حال سبيلي هذه المرّة بعد أن حذرني قائلاً: ما تمشي في الشارع مع «بناتنا».  

من المنصف والموضوعيّ القول بأن ما حدث معي في ذلك اليوم من تعدّ صارخ على الحريّة الشخصيّة واساءة استخدام للزيّ الرسميّ والسلطة الممنوحة لصاحبه يمكن أن يحدث مع أيّ شحص آخر في غزّة، في أيّ وقت وأيّ مكان. في حالتي، ولأسباب متعددة، انتهى الأمر (بشقّه المباشر) في نفس اللحظة. في حالات أخرى سابقة، وربّما لاحقة، يجري اصطحاب الشاب فعلاً إلى مركز العبّاس الذي غالبًا ما يتعرّض فيه للضرب قبل إجباره على إحضار ولي أمره في حين تتعرّض الفتاة لتعنيف من نوع آخر عبر الاتصال بأهلها وإعطاءهم محاضرات حول سلوك ابنتهم المشين. 

في صباح اليوم التالي، توجهت إلى مكتب مركز الميزان لحقوق الانسان في حيّ الرمال الغربي بغزّة وسردت على مسامع محامي المركز ما حدث معي وقدّمت شكوى وكّلته لمتابعة تطوراتها. الشكوى، بطبيعة الحال، سيجري العمل على رفعها إلى مكتب وزير الداخليّة. المحامي أكّد أن حالات مشابهة عديدة تقع في أنحاء القطاع وأنّ القلة القليلة التي تقرر اللجوء إلى مؤسسات حقوقيّة وطنيّة وتقدم شكوى سرعان ما تسحبها إما لعدم اقتناعها بجدواها أو خوفًا من أي اشتباك مطوّل مع السلطات في غزّة.

في معرض التحليل يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أنّ هذه التصرفات التي يقدم عليها المنتسبون لأجهزة الحكومة الأمنية ما هي الا مخرجات متوقّعة لتصريحات وزير الداخليّة فتحي حمّاد التي أكد فيها أنّ غزة مدينة محافظة ولا مساومات في «منسوب الرجولة» فيها. هذه الأوامر غير المكتوبة وغير الرسمية يتلقفها أفراد الشرطة باعتبارها غطاءً سياسيًا يؤهلهم للتدخل في اللحظات التي يقررون هم فيها أنّ تدخلهم مطلوب سواء كان الأمر يتعلّق بشاب وفتاة يمشون في الشارع، أو تسريحة شعر، أو بنطال ضيّق. بديهيًا، ليس ثمّة أي غطاء قانوني لكلّ هذه التعديات (ولو كان فيجب إلغاؤه فورًا) والحالة القَبليّة التي تعيشها وزارة الداخلية في غزّة تضمن للشرطيّ مقترف الفعل النجاة دون أية محاسبة حقيقيّة. 

أمّا إدانة تلك التصرفات، واعتبارها فعلاً قمعيًا رجعيًا بامتياز، فيتفق على ذلك كثيرون، وإن بنسب مختلفة. من ضمن رافضي تلك التصرفات أبناء مخلصون لحركة المقاومة الاسلاميّة. إبّان حملة البناطيل الضيّقة وتسريحات الشعر كتب براء نزار ريّان على صفحته على الفيس بوك ما أيّدته الكاتبة المقربة من حماس لمى خاطر بأنّ الحملة غير المستندة على أي سند تشريعي ما هي إلا «جريمة يعاقب عليها القانون». واعتبر الغطاء القانوني، إن هو تواجد، «هبلاً وفضاوة». الرجل تحدّث بلغة متّزنة وكان لما كتبه أثر طيّب على نفوس كثيرين وأنا منهم. 

ما يجب أن تفهمه حماس، والحكومة التي تديرها حماس، هو أنّ أهل غزّة ليسوا رهائن ولا نسخ مكررة من قالب واحد. هذا المجموع الانسانيّ البديع الذي حوصر عامًا بعد الآخر كي يثور على حماس ويطلّق البندقية صبر وتحمّل وأبدع في محاربة الحصار، وانتصر على العالم بأسره، ومن انتصاره -انتصار الشعب- جاء انتصار حماس، لا العكس. لو كنت أنا قياديًا حمساويًا عاملاً في الحكومة لكان شاغلي اليوميّ هو كيف أدلّع هذا المجموع الانسانيّ وأردّ له الجميل. هذه التوليفة البشريّة الممتدة من رفح حتى بيت حانون، محزبين وغير محزبين، متدينين وغير متدينين، هذه التوليفة هي الانتصار الحقيقي والضمانة بأن تظلّ غزة شوكة في حلق كلّ من يخطط للاساءة لها أو لمن فيها. 

كتبت سابقًا، وأكتب اليوم، أنّ غزة التي وقفت في وجه العدوان الاسرائيليّ لا يمكنها أن تسقط في معركة الحريّات الشخصيّة، أقلّه دون قتال. الدعوة واجبة للجميع، لكلّ من يتعرض لفعل قعمي حكومي، أن يتوجه لأقرب مؤسسة حقوقيّة ويوثّق ما حدث معه ويبعث بشكوى. إن كان ذلك غير كافٍ (وهو بالفعل كذلك) فواجب علينا، جميعًا، التفكير في آلية أكثر نجاعة للتعامل مع هذه السلطويّة. لابدّ من معاقبة أفراد الشرطة الذين يتعدون على المساحة العامّة وعلى حق الفرد في الاختلاف.

ختامًا، سأقتبس ما كتبه بلال نزار ريّان وأضعه برسم كلّ أعضاء حماس، كل أعضاء حكومتها، وعلى رأسهم وزير الداخليّة الذي يبدو أنّه لا يقدّر قيمة الناس ولا يحترم اختلافهم. كتب بلال: لا أحب أن أعيش منفصمًا، أحبّ أن أعبر عن أفكاري بهدوء و أحترم كل مخالف؛ هذا خير لي من العيش مع النفاق و الانهزام الداخلي. الحريّة للأفكار. الحريّة للانسان.

عن حكومة حماس وهوسها بالأعضاء التناسليّة.

أبريل 1, 2013

محمود عمر

إنّ سوء الظنّ بالسلطة يكون دومًا في محلّه. الحكومة سيئة ولا تحبّك ما دمت لست من جماعتها. الإغراء الذي تمنحه المكاتب المكيّفة وأجهزة الأمن المتفرعة والقدرة على القمع ضمن نطاق رسمي إغراء مقاومته أصعب من مقاومة إسرائيل. كيف والحكومة، حكومة غزّة التي لا تحبّك، قد خرجت من رحم الاسلام السياسي المتنعّم بمظلوميّته والذي لا يريد أسلمة الحاضر فحسب، بل ومحو التّاريخ بقديمه وقريبه، واحتكار الحقّ في استشراف المستقبل وكتابته نسخًا ورقعة.

Coockingللحفاظ على الثوابت وحماية الهويّة الوطنيّة والاسلاميّة لفلسطين، ومراعاة «الخصوصيّة الفلسطينيّة» ولمقاومة التطبيع. تلك هي المبررات التي ساقها وزير التعليم في حكومة حماس بغزّة في معرض حديثه عن قانون التعليم رقم 1 الذي تمّ إقراراه مؤخرًا. القانون الذي اختلط فيه الغثّ بالسمين، وكان في بنوده دسًا للسمّ في العسل، يمنع فعلاً أي مؤسسة تعليميّة من استقبال وفود إسرائيليّة أو استقبال تبرعات من جهات مرتبطة بالدولة العبريّة، وهو جهدٌ مشكور. لكنّ القانون ينصّ على ما هو أكثر من ذلك. منع الاختلاط بين الجنسين منعًا باتًا في كل المؤسسات التعليميّة، عامّة وخاصة، بعد الصّف الرابع الابتدائي. أمّا بند القانون الأهم، والأكثر دلالة على عقليّة من كَتب القانون وأقرّه، هو إقرار «تأنيث» مدارس الفتيات.

لنكن موضوعيين ومنصفين، فنحن نتحدث عن الحكومة التي حمت ظهر المقاومة التي قصفت تلّ أبيب، أليس كذلك؟. بموضوعيّة وإنصاف نقول أنّ الغالبية العظمى من المدارس في قطاع غزّة، سواء كانت تابعة لوكالة تشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا) أو للحكومة لا اختلاط فعليّ فيها بعد الصّف الرابع الابتدائي. ذلك هو الحال اليوم كما كان من قبل، ولا أحد يدّعي خلاف ذلك. الاختلاط ما بعد الصّف الرابع الابتدائي موجود، بنسب محدودة، في مدارس خاصّة كالمدرسة الأمريكيّة ومدرسة النصر النموذجيّة وعباد الرحمن، ويتلخّص في فترات الفسحة بين الحصص، لا داخل الفصول.

 ليس الخلاف والاختلاف مع هذا القانون نابعًا من كونه يفرض حالة مُغايرة أو يدعو شعبًا منحلاً عن آخره كي يتديّن. الخلاف والاختلاف ينبع، في جزء كبير منه، من حقيقة أنّ ما هو موجود، ما هو عادي، لا يجب أن يُسمح للحكومة أن تقوننه وفق رؤيتها التي هي، بالضرورة، تعبّر عن رأي متفرّد، وتقتصر على مرحلة راهنة. كيف والحال أن الحكومة وهي تسنّ هذه القوانين وتجلعها أمرًا واقعًا إنما تفعل ذلك وهي مُقالة، وفي ظلّ مجلس تشريعي مفكك، وعلى حفنة من الشعب الفلسطيني تصادف أنّها تقطن قطاع غزّة، وتفعل ذلك وهي تتشدّق بمصطلحات كبيرة كالثوابت والهوية والخصوصيّة.

أمّا «تأنيث» مدارس الطالبات فهذا الذي سيتطلّب تغييرًا ملحوظًا، وتنقلات واسعة. إذ من المعلوم، والعاديّ، أن العديد من مدارس الطالبات في قطاع غزّة (شادية أبو غزالة نموذجًا) تضمّ في جهازها التدريسي مدرسين -ذكور- أكفّاء ممن تخرّج على أيديهم عشرات الطالبات اللاتي لازلن يمدحن أساتذهنّ. كتبت عروبة عثمان على الفيس بوك عن هذه العلاقة الخاصّة بين الطالبة والأستاذ بلباقة ودقّة وقالت: 

الحمد لله أنني تخرجت من مدرستي التي أفتخر بها حد الجنون (عباد الرحمن النموذجية الخاصة)، قبل أن يسري قانون التعليم الجديد عليها، وأُحرم من أساتذتي (الذكور) الذين حُفِروا في ذاكرتي، وبنوا شخصيتي التي أحب:D

يفشل الخيال الحمساوي في أن يمسك بتلك اللحظة الانسانيّة البديعة، او أن يفهم أبجديّات العلاقات البشريّة التي لا دخل للنوع والأعضاء التناسليّة فيها. ما تفهمه حماس، حسبما نستشفّ من قوانينها وحملات فضيلتها وحديثها المتردد عن الزيّ الشرعي والأخلاق الحسنة، هو أنّ ما يعنيه وجود ذكر وأنثى في مكان ما هو الاختلاط، والرذيلة، واستجلاب «الغرب الكافر» إلى حظيرة الاسلام. لا مكان لما هو انسانيّ، لا مكان لاستيعاب أنّ الانسان ليس قضيبًا أو فرجًا فحسب، بل وعقلاً ووجدانًا ومشاعرًا وأفكار. 

كان أجدى بحماس أن تؤنّث عقلها، لا أن تسنّ قانونًا لتأنيث المدارس. كان أجدى بها أنّ تعرف أن الثوابت الفلسطينيّة هذه التي تتحدث عنها إنما دافع عنها النساء والرجال لا صفًا إلى صف، بل قلبًا إلى قلب. كان أجدى بحماس، ولا يزال، أنّ تكفّ عن التدخل في الفضاء العام في حيّز جغرافي عاث الحصار بشقّيه الفيزيائيّ والنفسي فيه فسادًا وتسرّب إلى قلوب كثيرين حتّى صار ثقبًا أسود أو يكاد. 

عن السيادة المصريّة وأنفاق رفح، حبيبة قلبي.

مارس 14, 2013

محمود عمر

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

تغيّرت معاملة الفلسطينيين في مصر ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتغيّرت معها أساليب طرحهم وقضاياهم في الإعلام المصري. لقد إزداد الأمر سوءًا. الفلسطينيّون، حسب الإعلام المصري ولفيف من الرسميين المصريين، في كلّ مكان. إنّهم يقتحمون السجون، يسرقون البضائع والسيّارات والمحروقات والكهرباء ويحتلّون، في أوقات فراغهم، شبه جزيرة سيناء. عندما يشتدّ الضغط، ويتأزم المشهد، يرسل الفلسطينيون نخبة مختارة من المقاتلين المقنّعين لحماية قصر الرئاسة المصري. الأنفاق على الشريط الحدود بين رفح المصريّة ورفح الفلسطينيّة، وفق نفس المنطق، هي ما مكّنتهم من فعل ذلك كله، إنّها إكسيرهم السرّي، وخنجرهم المسموم.

العقليّة البائسة التي أنتجت كل ما سبق وأكثر من الخزعبلات هي نفس العقليّة التي حكمت، تحت عناوين مختلفة، هذا البلد الممتد صحراءً وحزنًا، على مدار عقود طوال. الثورة التي أطلقها شباب ملّوا الغبار والمصاعد المعطلة لم تتمكن بعد من حسم الأمور تمامًا؛ لم تتمكن -بعد- من إدارة الدفّة، وتصويب البوصلة. العَجزة لا زالوا في الحكم، ملتحين وغير ملتحين، ولا زال الإسقاط الفوقي للمعلومات، منذ أرساه عبد الناصر، وعمّده السادات، يعمل بسلاسة غير معهودة في بلد الانسداد المروري والسيستيم الواقع.

آخر ما جادت به القريحة: اتّهام عناصر من حماس بالتخطيط لقتل الجنود المصريين في منطقة الماسورة في رفح، انتقامًا من الجيش المصري لهدمه الأنفاق. لا أدلّة، لا تحقيق جدّي، دولة برمّتها لا تبالي بمواطنيها وترمي بالتهمة والمسؤولية على المُشيطنين ذوي اللهجة الرثّة. رخيص هو المصريّ عند دولته وولاة أمره، أرخص من أن يبحث في أمر موته، سواء مات على الحدود، أو في قطار محترق، أو برصاص الداخليّة.

ليست الأنفاق “شريان حياة”  وممرًا لمستلزمات الحياة اليوميّة فحسب.  إنّها نوعٌ من القفز فوق الحاجز، استعمال أمثل للعقل البشري، نموذج تجب دراسته في ميكانيزم الاختراق. الأنفاق، في حسابات المناكفة، بصقة في وجه من ظنّوا أنهم حبكوها جيّدًا، إسرائيليين وعربًا وأمريكان، وفي حسابات الجغرافيا، كسبٌ للناس على طرفي الحدود، وإسألوا بدو سيناء وأهلها اللذين لا قيمة ولا معنى لهم في حسابات القاهرة ونخبتها التي تنظّر عن سيناء وما زارتها يومًا.

عندما حفر الفلسطينيّون في غزّة الأنفاق بعدما أغلق العالم أبوابه في وجههم، لم يبالوا لا بسيادة مصريّة ولا قوانين دوليّة. وكيف لهم أن يبالوا؟ هذا الكلام الكبير يصغُر أمام رغبة إنسان فرد واحد في أن يرتاح. يشبه الأمر أنّ تفك حزامك، والزرّ الأول من البنطال، بعد وجبة غداء دسمة. هذه الرّاحة بعد ضيق، هذا الانشكاح الانسانيّ بامتياز، لا مردّ له ولا هويّة. لو كان الأمر متعلقًا بغير الفلسطينيين لفعلوها، لو كانت الجغرافيا مغايرة لتمّت. إنّها ألف باء بشريّة. من لم يفهم الأنفاق ويستشعر حلاوتها وهي التي مكّنت عشّاقًا من اللقاء وعائلات أن يلتم شملها، فلا خيار أمامه إلا أن يراجع إنسانيّته.

حاول كثيرون إنهاء الأنفاق باعتبارها ظاهرة يتفوّق فيها من هم تحت على من هم فوق. أجهزة السلطة الأمنيّة كانت قد أعدّت قبل سنوات خطة تفصيلية يتم تنفيذها بالتعاون بين السلطة، إسرائيل والجيش المصري. ذهبت الخطة ومن وضعها أدراج الرياح. قصفت إسرائيل الأنفاق غير مرّة، قصفوها بصواريخ ارتجاجيّة، بأعقد وأحدث ما جادت به القريحة العسكريّة الأمريكيّة، ولكن عَبس. حاول المصريّون، ضخّوا فيها الغاز، كهربوها، ملأوها بمياه المجاري، ولكن عَبس.

حفرها الفلسطينيّون مجددًا، وأعادوا تنظيم اللوجيستيك بحيث تكون الأنفاق شبكة متداخلة، وللنفق الواحد عدّة أعين. المعركة الذهنيّة بين من يدهن السور، ومن يكتب له عليه “مبروك الدهان الجديد” في القاهرة كانت هي نفس المعركة بين من يهدم الأنفاق ومن يحفرها في رفح، وفي الحالتين الغلبة كانت للمبدع. للرّاقص فوق الأرض، وتحت الأرض ويوم العرض على التاريخ. 

لن تنتهي الأنفاق إلا بانتهاء الوضع المشوّه الذي استدعى حفرها، وفتح المعبر للبضائع. لا يشمل ذلك المعطى أنفاق تهريب السلاح التي إن أرادها البعض مغلقة، كان لزماً عليه توفير السلاح شرعيًا. شيطنة الفلسطينيين في مصر هي نصيبنا من بؤس الدولة المصريّة المتفاقم، وسياسات المؤامرة والعدو المترصّد التي تجري فيها مجرى النَفس. لا يعني ذلك أن نصمت على ما يكال من اتهامات بلا أدلّة ولا شواهد. مهمٌ أن نتحدث، أن نشرح، أن ننفي، وأن نحاجج من أمنوا جانب اسرائيل واستعدوا حفنة من الفلسطينيين بمنطق الحقّ والحقيقة. الأهم، أن لا نكره، رغم كل ما نرى ونسمع، جوار مصر وقربها، وأن لا نكرهها جوارنا وقربنا، وأن ندفع جميعًا في الإتجاه الذي سيحسم كلّ شيء، ويزيل كل لغط ويشفي كل سقم، إتّجاه الثورة، مصريّة كانت أم فلسطينيّة. 

في مديح الحريّة والانبساط.

يوليو 19, 2012

أنا أكره المتأكّدين، لا أستطيع احتمالهم، نبرة صوتهم ترعبني. ما أن أجلس معهم على طاولة حتّى أرغب، بكل لباقة، أن أمسك رأس أحدهم وأحفر ثقبًا فيها، أو أن أعتذر للذهاب إلى الحمام. في الحقيقة سأذهب لأضرب رأسي أنا بحائط الحمّام. الشخص المتأكّد، الواثق، لا يسيء لنفسه ويجنح للتخفيف من ثقل الواقع عبر شعوذات حديثة فحسب، بل ويستخف بالخازوق. الخازوق الذي هو الحياة. هذا الاشكال المتحرّك. أحد الفلاسفة قال: تكمن مأسآة الانسان في أنه يكون طفلاً ثمّ يكبر بعد ذلك، حركة الخازوق إذًا، أو بالأحرى: حركة الوعي بهذا الخازوق، إنما تتجه نحو الاتّساع. يقول المعلّم الأرجنتيني بورخيس: أكتب لنفسي ولأصدقائي، ولتهدئة جريان الزمن. بمعنى آخر: بورخيس يدفع بالخازوق بعيدًا، يبحث عن الانبساط، ولهذا كان يكتب، أو لهذا تورّط بالكتابة.

شروق أمين - فنانة كويتية/سوريّة.

شروق أمين – فنانة كويتية/سوريّة.

التفاؤل جرعة مخففة من الإيمان. يمكنك القول: المتفائل يحاول البحث عن صيغة “تسوية” بين الصورة القاتمة والمصباح. يضع المرايا في المسافة الفاصلة، لعلّها تعكس بعض الأشعة. أنا لست متفائلاً، ولست مؤمنًا، ولا أحبّ المرايا. أعيش على كوكب مريض، معتوه، ضارب في القماءة، وأنتمي لإقليم هو في حدّ ذاته التجسيد الجغرافي الأمثل لغياب العدالة والمنطق. هل تعرف كميّة الطعام التي سترمى في النفاية في دول الخليج العربي في شهر رمضان الذي غايته الاحساس بالفقراء؟، هل تعرف كم خادمة أجنبيّة قتلت ورميت في الشارع في لبنان؟، كم فتاة أُجبرت على تزوّج مغتصبها في الأردن؟، هل سمعت بالحكم بالسجن 7سنوات على شباب تونسي لأنّه عبر عن رأيه؟ هل سمعت خالد مشعل وهو يعزّي بواحد من أشهر مهندسي التعذيب والفاشيّة في الوطن العربي؟ ماذا عن حسن نصرالله الذي اختصر سوريا بكل سنين حضارتها في شخص قائد جهاز قمعي؟، هل تستطيع أن تتخيّل مليون وسبمعائة ألف إنسان في 360 كيلو متر مربّع بساعات قطع للتيار الكهربائي تصل إلى 12 ساعة يوميًا في هذا الصيف الحارق، وأثناء شهر صيام؟هل قرأت كتاب “اللاطمأنينة” لفرناندو بيسوا؟ إذا كانت الاجابة بالنفي، فافعل في أقرب فرصة. 

أنا لست متفائلاً لكنني مقتنع بمقولة منصف المرزوقي: “من السذاجة محاولة تغيير العالم، ومن الاجرام عدم المحاولة”. يبقى السؤال عن ماهيّة هذه المحاولة، والغرض منها، وآليتها. يمكن إجمال تاريخ الحركات السياسيّة على اختلاف مشاربها في أنّها أجابت على السؤال السابق بقولها: عبر خلق عالم أفضل. ويمكن إجمال الغرض من كل مقالي هذا باجابة نفس السؤال: بالتخفيف من خراء هذا العالم قدر الامكان. 

يقول أمين معلوف، الكاتب اللبناني-الفرنسي الذي دخل مؤخرًا الأكاديميّة الفرنسيّة برداءٍ أخضر وسيف مزخرف، في كتابه “الهويّات القاتلة” ما نصّه: “لقد علّمنا القرن العشرون أنّ ليس هنالك بالضرورة عقيدة تحريريّة بذاتها، فجميع العقائد قد تنحرف عن أهدافها ويشوبها الفساد، وتقوم بسفك الدماء، من الشيوعيّة والليبراليّة والقوميّة وكل ديانة من الديانات الكبرى، وحتى العلمانيّة. فلا أحد يحتكر التطرّف، وبالعكس، لا أحد يحتكر النزعة الانسانيّة.” كلام جميل, أليس كذلك؟. ستجيب: نعم إن كنت صايعًا مثلي، وستتردد إن كنت شيوعيًا أو ليبراليًا أو قوميًا أو منتميًا بحق إلى واحدة من الديانات الكبرى. ستبدأ في الحديث إيّاه عن الفارق بين النظرية والتطبيق وأنّ الخلل في التطبيق لا يعيب النظريّة وما إلى هنالك من ذلك الهراء الذي يمكن به تبرير دفن الملايين في سيبيريا أو البحث عن ديكتاتوريّة لطبقة بعينها أو حبس الآلاف في السجون المصريّة أو منع إرتداء الحجاب أو تجريم المثليّة أو الفرحة باعتناق ملكة جمال جنوب افريقيا السّابقة الديانة الاسلامية في غزّة، والمطالبة بإقامة الحد على أيّ مسلم يحاول أن “يرتد”. يبدو لي الخيار واضحًا إذًا: إمّا أن تكون صايعًا، أو مبعبصًا.

كتاب “المجتمع المفتوح وأعداؤه – أحاجي أفلاطون” الذي ألّفه كارل بوبر وترجمه السيّد نفادي يمثّل فيما يمثله دفعة صميميّة نحو الصياعة. يبدأ الكاتب في أوّل سطر بالتشديد على التخلّص من كل شحوم السكون والتلقين والتعليم النظامي. تكاد تسمع صدى يشبه صوت مظفر النواب وهو يقول: ستقولون بذيئًا. لكن كارل بوبر لا يطلب أن نريه واقعًا أكثر بذاءةً مما نحن فيه في معرض تبرير تلك الهجوميّة، يمسك بأيدينا لنحتسي معه بعض البيرة ونبدأ النقاش حول الطريقة الأمثل للاصلاح، وللاقتناع بأنّ “المستقبل يعتمد علينا، ولسنا معتمدين على أيّة ضرورة تاريخيّة”. ألا تُشعرنا هكذا جملة بالخفّة؟ ألا تبدأ أطراف الاصابع بالتلوّي في أورجازم فكري فشيخ؟. إنّه إله آخر يتصدّع، إله التّاريخ. ومن بين الثقوب في صرحه النحاسي يبدأ الهواء النقيّ بمداعبة الرئة.

“أنا فهمتكم”، يقول كارل بوبر لأفلاطون وجماعته، وهيغل وجماعته، وماركس وجماعته. أنتم أيضًا أدركتم خراء العالم ورغبتم بشيء أفضل، لكنكم فشختونا في الطريق. الحضارة مؤلمة، هذا النمط السّريع الذي ينقده كونديرا في “البطء” أفقد الأشياء نكتهما. الاستهلاك جعلنا نضيّع روحنا كما نضيع قلادة المفاتيح. “التاريخانيّة” إذاً، كما يعرّفها بوبر، هي ذلك المنهج الذي يعتقد بأن الميل العلمي والفلسفي الحقّ تجاه علم السياسة، والفهم الأعمق للحياة الاجتماعيّة بصفة عامة، ينبغي أن يعتمدا على تأمّل وتفسير التاريخ الانساني. يقسّمها بوبر إلى يمينيّة ويساريّة تشترك كلاهما في كونها تملك شيئًا مخلّصًا ومطلقًا. العرق في الأولى، والطبقة في الثانية. يفسّر نشأتها عبر “أبوها” أفلاطون بعدما اكتشف هيراقليطس فكرة اللاثبات وقال أن “كل شيء في تغيّر متواصل ولا شيء ثابت”. جاءت التاريخانيّة لحل إشكال ذلك التغيّر، والبحث عن النموذج الأوّل بالعودة للمجتمع القبلي، وما قبل القبلي، مجتمع السكون. مجتمع لو وضعت فيه بوكسرك على المكتب، فستعود بعد 100 عام لتجده لا زال مكانه على المكتب.

ومن أجل تمرير تلك التاريخانيّة، الدم الذي يسري في عروق المجتمع المغلق، يبتدع أفلاطون نظريّة الصور والمُثل، ويؤسس لعلم الاجتماع الوصفي. كل تغير اجتماعي تفسّخ، الفرديّة شر كبير والدولة هي كل شيء. عليك أن تكون تعيسًا حتى تسعد الكل، ضحّي من أجل الشيء الأكبر، انغمس حتى تصرّح بمل الفم أنك، أنت أيضًا، “تحب الأخ الأكبر”. ألا يذكّر ذلك بشعارات “مصر أولاً، الأردن أولاً، بطيخ أولاً؟” التي لا يجرؤ أحد على انتقادها في الحيّز العام؟، ألا يشبه ذلك الدعوات إلى تحمّل تعدي حكومة حماس على الحريّات الشخصيّة في غزة بحجة أنها حركة مقاومة وأننا نملك قضيّة كبرى؟ أليس ذلك مشابهًا لمقولة لينين “من أجل صنع العجّة، عليك أن تفقش بعض البيض”؟ الاجابة: بلي. إنّه تناسخ متشابه حد القماءة. أفواه كبيرة وكلام حنيّن، وصوت فرم أجساد بشريّة وفقش بيض يطغى في الخلفيّة.

: (

: (

يستلم كارل بوبر أفلاطون، الفيلسوف المقدّس، كما يستلم زوج عربيّ زوجته التي عادت إلى البيت متأخرًا. يفنّد أفكار الصدق، والحكمة، والجمال، والخير، والعدالة عند أفلاطون بإسهاب وموضوعيّة. عدالة أفلاطون هي أن يظل كلٌ في مكانه، وأن تستمرّ الدولة. الجمال عند أفلاطون هو ناتج “أكيد” لدولة يذوب فيها الكل، ويحكمها الملك-الفيلسوف. وفي حين حلّ ماركس مشكلة الصراع الطبقي بدعوته لإقامة مجتمع لا طبقي، كان أفلاطون أكثر براجماتيّة فأكّد أن الحل، كما العادة، في الثبات: أن نفصل بمسافات شاسعة بين الطبقات، وأن نمدّ كل أفراد هذه الطبقات بالوعي اللازم كي تظلّ في مكانها، كي تدرك أنها يد لا يمكن أبدًا ان تتحوّل إلى رجل، أو قضيب لا يمكنه إدّعاء مرتبة الأمعاء. أفلاطون، وماركس، وحتى آدم سميث، وورثتهم، لم يطبّقوا مقولة كانط “تحقق دائمًا من أفراد الانسان هم غايات، ولا تستخدمهم كمجرّد وسائل لغاياتك”. دفاعهم جاهز بالطبع، كلهم أرادوا سعادة الانسان، أرادوا مجتمعًا أفضل، وانتهى بهم الأمر لخلق، أو إعادة خلق المجتمع المغلق.

في الكتاب، يتطرق بوبر إلى مسائل راهنة في واقعنا العربي اليوم، سيّما بعد انتفاضات تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن وسوريا (ولسا)، رغم أن الكتاب نشر قبل عقود طويلة. من يجب أن يحكم، ما طبيعة هذا الحكم، السياسة الاجتماعيّة للدولة، ومسألة الحريّات: هل هي مطلقة؟ محددة؟, وإن كانت محددة، فما هي الكميّة الدقيقة من الرقابة التي إن زادت تحوّلت إلى فاشيّة؟. يبذل بوبر جهدًا لمّاعًا في الحفر بحثًا عن مقاربة منطقيّة لتلك الاشكالات، وأظنّه في غير مرّة ينجح.  يقول مثلاً في صفحة 114، عن إشكاليّة الحريّة ومحدداتها: قيل إنّه بمجرد الاعتراف بضرورة تحديد الحريّة، فإنّ مبدأ الحرية بالكامل ينهار، والسؤال عن ماهيّة التحديدات الضروريّة وماهية الأشياء المطلقة لا يمكن أن يقرر بطريقة عقلانيّة، وإنما فقط من خلال السلطة. ولكن هذا الاعتراض به بعض التشويش، فهو يختلط بين المسألة الأساسيّة لما نريده من الدولة وبين صعوبات فنيّة هامة معينة في وسيلة تحقيق أهدافنا، فمن الصعب بالتأكيد أن نحدد بالضبط درجةالحريّة التي يمكن أن تُترك للمواطنين دون تعريض تلك الحريّة – التي تعد حمايتها من مهمات الدولة – للخطر. ولكن التجربة تدل على أنّ شيئًا ما مثل هذا التحقيق التقريبي لهذه الدرجة ممكن. وذلك من خلال وجود دول ديمقراطيّة. يمكن الرد على الاعتراض الكلّي بأنه من الصعب معرفة أين تنتهي الحريّة وتبدأ الجريمة بالقصة الشهيرة للفتوّة  الذي كان يحتجّ أنه، لكونه مواطن حر، فيمكنه أن يسدد قبضته في أيّ اتجاه يشاء. وكان الرد الحكيم للقاضي: إن حريّة تسديد قبضتك محددة بموضع أنف جارك.

الحل؟. لن يكون هذا الطرح مختلفًا لو أنّه وفّر حلاً سحريًا، أو مقولات يكتبها الشباب المتحمّس على صفحات الفيس بوك. الحل في أنّ ليس ثمة حل أكيد. الحل هو التجربة والخطأ. هو البدء في طرح أسئلة حول المطلوب من الدولة، لا حول شكلها، هو اعتبار كل فرد في هذه الدولة فردًا خاصًا وسعادته أهمّ من ميزانية القوات المسلّحة و السياسة الخارجيّة. الحل هو البحث عن الحل، كما شرح عبد الرحمن منيف في كتابه “الديمقراطية أولاً، الديمقراطيّة دائمًا”، وكما بيّن نصر حامد ابو زيد في مجمل فكره، وكما قال بوبر في آخر الكتاب:

إذا رغبنا في أن نظلّ بشرًا، فليس أمامنا إلا طريقًا واحدًا، ألا وهو الطريق إلى المجتمع المفتوح. وتيعيّن علينا أن نثابر في المجهول، واللايقيني وغير الآمن مستعينين بما قد يخططه لنا العقل بقدر إمكاننا من أجل الأمان والحريّة معًا.

يمكن تحميل نسخة الكترونيّة من كتاب المجتمع المفتوح وأعداؤه هنا.

“اعتنوا بأنفسكم”، كما قال سقراط : )


%d مدونون معجبون بهذه: