Posts Tagged ‘كارل بوبر’

بالخلاص يا شباب، بالخلاص يا سوريا!

November 11, 2012

محمود عمر.

إذا كان عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر قد تحدث، في معرض التناول التشريحي للعلمنة، باعتبارها نشاطًا اجتماعيًا معرفيًا، عن “نزع السّحر عن العالم”، فإنّ ياسين الحاج صالح، الكاتب والناشط السّوري، يتحدث في كتابه “بالخلاص يا شباب!” بالدرجة الأولى عن “نزع السّحر عن السجن” وما يتصل به من أساطير وخيالات تحيل على مفاهيم كالبطولة والثبات حيث “لا مجال للتراجع والاستسلام”، و “ليس بعد الليل الا فجر مجد يتسامى” وبدأ تناول السّجن باعتباره موضوع ثقافي، أي “أنسنته” وفق التعبير المحبب لقلب نصر حامد أبو زيد. على الصّعيد الشخصي، لا يخفي الحاج صالح رغبته في تقيؤ التجربة (والوصف لألبير كامو) عبر “التخلّص” من هذا الكتاب بنشره بعد تجميع مواده منذ العام 2003 وصولاً إلى عام 2011، العام الذي يمكن استعاره عنوان كتاب سلافوي جيجيك الجديد لوصفه بـ”عام الأحلام الخطرة”.

يسرد الحاج صالح في مستهلّ الكتاب حقائقًا تشكّل مقياس الرسم الذي يرشد القارئ عبر تلك الدفقات الضوئيّة التي تنير جنبات السجون السوريّة، والمسجون السوري. اعتقل فجر 7/12/1980، كان في العشرين من عمره، طالبًا في السنة الثالثة في جامعة حلب، وعضوًا في الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي، عذّب ليوم واحد في “الفرع” على “الدولاب” و “بساط الريح”، وهي أسماء متداولة لتقنيّات تعذيب بعثيّة، وأحيل إلى سجن المسلمية في حلب قبل أن يتنقّل بين سجن عدرا والسّجن المطلق؛ سجن تدمر. أفرج عنه يوم السّبت 19/121996. بالمحصّلة: 16 عامًا و14 يومًا انتزعت منه، بُترت ولا مجال لاستردادها، وما ذلك إلا عيّنة ضاربة في الدقّة من مجمل ما سُرق من السوريين، بأيادٍ سوريّة.

يلتبس السجن، وتموّه الحريّة، في سوريّا التي يخنقها البعث. لا يتاح للسجين السياسي، بعد الإفراج عنه، فسحة تمكّنه من هضم التجربة، والتصالح مع الذّات. يخرج إلى مجتمع الخطاب الرسمي السّائد فيه يتحدث عن الرغبة في التقدّم، والاستمرار، والتجاوز، حيث لا وقت للتوقّف عند إشكالات صغيرة، كآلاف السجناء السياسيين، والبلد بنظامها وشعبها “مستهدفة”. يشعر “المفرج عنه” بأنّه ممنوع من التذكّر، لكنه أيضًا -في حبكة فاشيّة- ممنوع من النّسيان. عليك أن تظل تتذكّر أنك تحت المراقبة، في دائرة الضّوء، لكن عليك أن تنسى عذاباتك، وتفقد القدرة على طلب المساءلة التي إن حدث وطلبتها فأنت تعبث بنسيج المجتمع، ويفيض من قفصك الصدري حقدٌ لن يفيد الوطن، ولا المواطنين، مع أنّ السجن، بما يفرضه من قرب إجباري، وإستثارة لحساسيّات مجهريّة في الكائن البشري نتيجة وجوده الدّائم في مرمى عين “الآخر”، كان قد أصبح نمط حياة لكثيرين في سوريا.

يناقش الحاج صالح الجدليّات التي تربط السّجن، والضّيق، بالذاكرة، الوقت، الخصوصيّة، المرأة (التي عرّف مصطفى خليفة السّجن بأسره على أنّه غيابها)، الحنين والتّسمية. تنتهي ردّة الفعل الأوليّة بالصّمود المجوّف، ويصير لزامًا على السّجين أن يعترفه بنفسه سجينًا، أن يفتح صفحاته و”يسمح للسّجن بتأليفه”. عقارب السّاعة هي الأخرى تحتاج توليفة من نوع ما كي تصير مأمونة الجانب.  يقتل البعض الوقت، ويكسبه الوقت الآخر، ويكون للكتب، التي سيسمح بإدخالها بعد فترة، أثر ضخم في تدعيم الوجود الانساني للسجناء عمومًا، اليساريين منهم خصوصًا. قرأ ياسين الحاج صالح أثناء وجوده في السّجن كتاب محمد عبد الجابري عن فلسفة العلوم، والاستشراق لادوارد سعيد، النزعات الماديّة في الفلسفة العربيّة الاسلاميّة لحسين مروة، ومجموعة من كتب هيغل وبعض كتب عبدالله العروي. الكتب، مضافة إلى التمطّي الفكري الذي يفرضه “نمط الحياة/السّجن”، دفع بياسين الحاج صالح، كما سبق ودفع بغيره كثيرين، إلى “التحرر” من كثير من القناعات التي دخلوا بها العنابر والزنازين.

قراءة الكتاب، بعيدًا عن ربطه بالبلد، وبالكاتب، وبحقيقة نشره بعيد إندلاع الثورة السورية، والنظر إليه من زاوية أوسع، يفتح الباب لعدّة استنتاجات وتأملات، وخصوصًا في عمليتي البناء والهدم اللتان تلخصان مسيرة الانسان الفكريّة. ربما يجوز القول بأن السجن يكثّف عمليات الأيض الفكريّة -إن جاز التعبير- ويضمن، إلا في حالات نادرة، أن من يدخل إلى السجن، لن يخرج منه بنفس العقليّة. إنّه -أي السجن- حالة “نقد ذاتي” إجباريّة، وطويلة، وجذريّة، وهو ليس موئلاً للمثقفين، بقدر ما هو صانع قاسٍ لهم. يقول ياسين الحاج صالح في معرض حديثه عن هذه النقطة تحديدًا: إنّ التحرر الحقيقي من السجن هو أن يتسنّى لنا أن تجعل منه مجالاً للتحرر من سجون أخرى أشدّ فتكًا، من عبوديّات وقيود ومطلقات أسوأ من السّجن ألف مرة. ويضيف في موضع آخر من الكتاب: صرت على نفور عميق من كلّ مذهبيّة مغلقة ومن كل منزع يقينيّ ودوغمائي، ومن انتهازيّة أصحاب العقائد ولا أخلاقيتهم العميقة. الحديث السّابق يبدو اليوم، وكلّ اليوم، ملحًّا لنا كعرب ننتمي إلى “شرق المتوسّط”، أحد أكثر المناطق إبداعًا في قتل الإبداع، واحتراف الإقصاء، والمساومة بين التفاصيل الصغيرة، وبين الشّعار.

آن أوان الخوض في اللايقيني، كما يقول كارل بوبر. آن لمجتمعاتنا العربيّة أن تُفتح، وأن تبحث في أمر مآسيها، وضحاياها. أن تغفر، وتحاسب. أن نجلس جميعًا على طاولة مستديرة لنصل إلى ما يجب فعله إزاء ما سبق، وإزاء القادم. سوريّا اليوم، بشعبها الثّائر، أقرب إلى ذلك التحدّي من أي شعب عربيّ آخر. إذا كانت الحريّة تعني لياسين الحاج صالح المرأة والحب، فمعناها بالنسبة لسوريّا-المجتمع، سوريّا الأفراد، هو ما تتم الاجابة عنه اليوم. ينقل السّجين القابع في سجن تدمر، السجن المطلق، إلى سجن عدرا، أو صيدنايا، أو المسلميّة، حيث يختبر مجددًا التخالط مع أقرانه استعدادًا للخروج إلى المجال العام. سوريّا البلد، سوريّا الشّعب، خرجت بلاشكّ من تدمرها، أمّا وجهتها القادمة فتحدٍّ قائم، وجرح رطب، وثورة مستمرّة.

في مديح الحريّة والانبساط.

July 19, 2012

أنا أكره المتأكّدين، لا أستطيع احتمالهم، نبرة صوتهم ترعبني. ما أن أجلس معهم على طاولة حتّى أرغب، بكل لباقة، أن أمسك رأس أحدهم وأحفر ثقبًا فيها، أو أن أعتذر للذهاب إلى الحمام. في الحقيقة سأذهب لأضرب رأسي أنا بحائط الحمّام. الشخص المتأكّد، الواثق، لا يسيء لنفسه ويجنح للتخفيف من ثقل الواقع عبر شعوذات حديثة فحسب، بل ويستخف بالخازوق. الخازوق الذي هو الحياة. هذا الاشكال المتحرّك. أحد الفلاسفة قال: تكمن مأسآة الانسان في أنه يكون طفلاً ثمّ يكبر بعد ذلك، حركة الخازوق إذًا، أو بالأحرى: حركة الوعي بهذا الخازوق، إنما تتجه نحو الاتّساع. يقول المعلّم الأرجنتيني بورخيس: أكتب لنفسي ولأصدقائي، ولتهدئة جريان الزمن. بمعنى آخر: بورخيس يدفع بالخازوق بعيدًا، يبحث عن الانبساط، ولهذا كان يكتب، أو لهذا تورّط بالكتابة.

شروق أمين - فنانة كويتية/سوريّة.

شروق أمين – فنانة كويتية/سوريّة.

التفاؤل جرعة مخففة من الإيمان. يمكنك القول: المتفائل يحاول البحث عن صيغة “تسوية” بين الصورة القاتمة والمصباح. يضع المرايا في المسافة الفاصلة، لعلّها تعكس بعض الأشعة. أنا لست متفائلاً، ولست مؤمنًا، ولا أحبّ المرايا. أعيش على كوكب مريض، معتوه، ضارب في القماءة، وأنتمي لإقليم هو في حدّ ذاته التجسيد الجغرافي الأمثل لغياب العدالة والمنطق. هل تعرف كميّة الطعام التي سترمى في النفاية في دول الخليج العربي في شهر رمضان الذي غايته الاحساس بالفقراء؟، هل تعرف كم خادمة أجنبيّة قتلت ورميت في الشارع في لبنان؟، كم فتاة أُجبرت على تزوّج مغتصبها في الأردن؟، هل سمعت بالحكم بالسجن 7سنوات على شباب تونسي لأنّه عبر عن رأيه؟ هل سمعت خالد مشعل وهو يعزّي بواحد من أشهر مهندسي التعذيب والفاشيّة في الوطن العربي؟ ماذا عن حسن نصرالله الذي اختصر سوريا بكل سنين حضارتها في شخص قائد جهاز قمعي؟، هل تستطيع أن تتخيّل مليون وسبمعائة ألف إنسان في 360 كيلو متر مربّع بساعات قطع للتيار الكهربائي تصل إلى 12 ساعة يوميًا في هذا الصيف الحارق، وأثناء شهر صيام؟هل قرأت كتاب “اللاطمأنينة” لفرناندو بيسوا؟ إذا كانت الاجابة بالنفي، فافعل في أقرب فرصة. 

أنا لست متفائلاً لكنني مقتنع بمقولة منصف المرزوقي: “من السذاجة محاولة تغيير العالم، ومن الاجرام عدم المحاولة”. يبقى السؤال عن ماهيّة هذه المحاولة، والغرض منها، وآليتها. يمكن إجمال تاريخ الحركات السياسيّة على اختلاف مشاربها في أنّها أجابت على السؤال السابق بقولها: عبر خلق عالم أفضل. ويمكن إجمال الغرض من كل مقالي هذا باجابة نفس السؤال: بالتخفيف من خراء هذا العالم قدر الامكان. 

يقول أمين معلوف، الكاتب اللبناني-الفرنسي الذي دخل مؤخرًا الأكاديميّة الفرنسيّة برداءٍ أخضر وسيف مزخرف، في كتابه “الهويّات القاتلة” ما نصّه: “لقد علّمنا القرن العشرون أنّ ليس هنالك بالضرورة عقيدة تحريريّة بذاتها، فجميع العقائد قد تنحرف عن أهدافها ويشوبها الفساد، وتقوم بسفك الدماء، من الشيوعيّة والليبراليّة والقوميّة وكل ديانة من الديانات الكبرى، وحتى العلمانيّة. فلا أحد يحتكر التطرّف، وبالعكس، لا أحد يحتكر النزعة الانسانيّة.” كلام جميل, أليس كذلك؟. ستجيب: نعم إن كنت صايعًا مثلي، وستتردد إن كنت شيوعيًا أو ليبراليًا أو قوميًا أو منتميًا بحق إلى واحدة من الديانات الكبرى. ستبدأ في الحديث إيّاه عن الفارق بين النظرية والتطبيق وأنّ الخلل في التطبيق لا يعيب النظريّة وما إلى هنالك من ذلك الهراء الذي يمكن به تبرير دفن الملايين في سيبيريا أو البحث عن ديكتاتوريّة لطبقة بعينها أو حبس الآلاف في السجون المصريّة أو منع إرتداء الحجاب أو تجريم المثليّة أو الفرحة باعتناق ملكة جمال جنوب افريقيا السّابقة الديانة الاسلامية في غزّة، والمطالبة بإقامة الحد على أيّ مسلم يحاول أن “يرتد”. يبدو لي الخيار واضحًا إذًا: إمّا أن تكون صايعًا، أو مبعبصًا.

كتاب “المجتمع المفتوح وأعداؤه – أحاجي أفلاطون” الذي ألّفه كارل بوبر وترجمه السيّد نفادي يمثّل فيما يمثله دفعة صميميّة نحو الصياعة. يبدأ الكاتب في أوّل سطر بالتشديد على التخلّص من كل شحوم السكون والتلقين والتعليم النظامي. تكاد تسمع صدى يشبه صوت مظفر النواب وهو يقول: ستقولون بذيئًا. لكن كارل بوبر لا يطلب أن نريه واقعًا أكثر بذاءةً مما نحن فيه في معرض تبرير تلك الهجوميّة، يمسك بأيدينا لنحتسي معه بعض البيرة ونبدأ النقاش حول الطريقة الأمثل للاصلاح، وللاقتناع بأنّ “المستقبل يعتمد علينا، ولسنا معتمدين على أيّة ضرورة تاريخيّة”. ألا تُشعرنا هكذا جملة بالخفّة؟ ألا تبدأ أطراف الاصابع بالتلوّي في أورجازم فكري فشيخ؟. إنّه إله آخر يتصدّع، إله التّاريخ. ومن بين الثقوب في صرحه النحاسي يبدأ الهواء النقيّ بمداعبة الرئة.

“أنا فهمتكم”، يقول كارل بوبر لأفلاطون وجماعته، وهيغل وجماعته، وماركس وجماعته. أنتم أيضًا أدركتم خراء العالم ورغبتم بشيء أفضل، لكنكم فشختونا في الطريق. الحضارة مؤلمة، هذا النمط السّريع الذي ينقده كونديرا في “البطء” أفقد الأشياء نكتهما. الاستهلاك جعلنا نضيّع روحنا كما نضيع قلادة المفاتيح. “التاريخانيّة” إذاً، كما يعرّفها بوبر، هي ذلك المنهج الذي يعتقد بأن الميل العلمي والفلسفي الحقّ تجاه علم السياسة، والفهم الأعمق للحياة الاجتماعيّة بصفة عامة، ينبغي أن يعتمدا على تأمّل وتفسير التاريخ الانساني. يقسّمها بوبر إلى يمينيّة ويساريّة تشترك كلاهما في كونها تملك شيئًا مخلّصًا ومطلقًا. العرق في الأولى، والطبقة في الثانية. يفسّر نشأتها عبر “أبوها” أفلاطون بعدما اكتشف هيراقليطس فكرة اللاثبات وقال أن “كل شيء في تغيّر متواصل ولا شيء ثابت”. جاءت التاريخانيّة لحل إشكال ذلك التغيّر، والبحث عن النموذج الأوّل بالعودة للمجتمع القبلي، وما قبل القبلي، مجتمع السكون. مجتمع لو وضعت فيه بوكسرك على المكتب، فستعود بعد 100 عام لتجده لا زال مكانه على المكتب.

ومن أجل تمرير تلك التاريخانيّة، الدم الذي يسري في عروق المجتمع المغلق، يبتدع أفلاطون نظريّة الصور والمُثل، ويؤسس لعلم الاجتماع الوصفي. كل تغير اجتماعي تفسّخ، الفرديّة شر كبير والدولة هي كل شيء. عليك أن تكون تعيسًا حتى تسعد الكل، ضحّي من أجل الشيء الأكبر، انغمس حتى تصرّح بمل الفم أنك، أنت أيضًا، “تحب الأخ الأكبر”. ألا يذكّر ذلك بشعارات “مصر أولاً، الأردن أولاً، بطيخ أولاً؟” التي لا يجرؤ أحد على انتقادها في الحيّز العام؟، ألا يشبه ذلك الدعوات إلى تحمّل تعدي حكومة حماس على الحريّات الشخصيّة في غزة بحجة أنها حركة مقاومة وأننا نملك قضيّة كبرى؟ أليس ذلك مشابهًا لمقولة لينين “من أجل صنع العجّة، عليك أن تفقش بعض البيض”؟ الاجابة: بلي. إنّه تناسخ متشابه حد القماءة. أفواه كبيرة وكلام حنيّن، وصوت فرم أجساد بشريّة وفقش بيض يطغى في الخلفيّة.

: (

: (

يستلم كارل بوبر أفلاطون، الفيلسوف المقدّس، كما يستلم زوج عربيّ زوجته التي عادت إلى البيت متأخرًا. يفنّد أفكار الصدق، والحكمة، والجمال، والخير، والعدالة عند أفلاطون بإسهاب وموضوعيّة. عدالة أفلاطون هي أن يظل كلٌ في مكانه، وأن تستمرّ الدولة. الجمال عند أفلاطون هو ناتج “أكيد” لدولة يذوب فيها الكل، ويحكمها الملك-الفيلسوف. وفي حين حلّ ماركس مشكلة الصراع الطبقي بدعوته لإقامة مجتمع لا طبقي، كان أفلاطون أكثر براجماتيّة فأكّد أن الحل، كما العادة، في الثبات: أن نفصل بمسافات شاسعة بين الطبقات، وأن نمدّ كل أفراد هذه الطبقات بالوعي اللازم كي تظلّ في مكانها، كي تدرك أنها يد لا يمكن أبدًا ان تتحوّل إلى رجل، أو قضيب لا يمكنه إدّعاء مرتبة الأمعاء. أفلاطون، وماركس، وحتى آدم سميث، وورثتهم، لم يطبّقوا مقولة كانط “تحقق دائمًا من أفراد الانسان هم غايات، ولا تستخدمهم كمجرّد وسائل لغاياتك”. دفاعهم جاهز بالطبع، كلهم أرادوا سعادة الانسان، أرادوا مجتمعًا أفضل، وانتهى بهم الأمر لخلق، أو إعادة خلق المجتمع المغلق.

في الكتاب، يتطرق بوبر إلى مسائل راهنة في واقعنا العربي اليوم، سيّما بعد انتفاضات تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن وسوريا (ولسا)، رغم أن الكتاب نشر قبل عقود طويلة. من يجب أن يحكم، ما طبيعة هذا الحكم، السياسة الاجتماعيّة للدولة، ومسألة الحريّات: هل هي مطلقة؟ محددة؟, وإن كانت محددة، فما هي الكميّة الدقيقة من الرقابة التي إن زادت تحوّلت إلى فاشيّة؟. يبذل بوبر جهدًا لمّاعًا في الحفر بحثًا عن مقاربة منطقيّة لتلك الاشكالات، وأظنّه في غير مرّة ينجح.  يقول مثلاً في صفحة 114، عن إشكاليّة الحريّة ومحدداتها: قيل إنّه بمجرد الاعتراف بضرورة تحديد الحريّة، فإنّ مبدأ الحرية بالكامل ينهار، والسؤال عن ماهيّة التحديدات الضروريّة وماهية الأشياء المطلقة لا يمكن أن يقرر بطريقة عقلانيّة، وإنما فقط من خلال السلطة. ولكن هذا الاعتراض به بعض التشويش، فهو يختلط بين المسألة الأساسيّة لما نريده من الدولة وبين صعوبات فنيّة هامة معينة في وسيلة تحقيق أهدافنا، فمن الصعب بالتأكيد أن نحدد بالضبط درجةالحريّة التي يمكن أن تُترك للمواطنين دون تعريض تلك الحريّة – التي تعد حمايتها من مهمات الدولة – للخطر. ولكن التجربة تدل على أنّ شيئًا ما مثل هذا التحقيق التقريبي لهذه الدرجة ممكن. وذلك من خلال وجود دول ديمقراطيّة. يمكن الرد على الاعتراض الكلّي بأنه من الصعب معرفة أين تنتهي الحريّة وتبدأ الجريمة بالقصة الشهيرة للفتوّة  الذي كان يحتجّ أنه، لكونه مواطن حر، فيمكنه أن يسدد قبضته في أيّ اتجاه يشاء. وكان الرد الحكيم للقاضي: إن حريّة تسديد قبضتك محددة بموضع أنف جارك.

الحل؟. لن يكون هذا الطرح مختلفًا لو أنّه وفّر حلاً سحريًا، أو مقولات يكتبها الشباب المتحمّس على صفحات الفيس بوك. الحل في أنّ ليس ثمة حل أكيد. الحل هو التجربة والخطأ. هو البدء في طرح أسئلة حول المطلوب من الدولة، لا حول شكلها، هو اعتبار كل فرد في هذه الدولة فردًا خاصًا وسعادته أهمّ من ميزانية القوات المسلّحة و السياسة الخارجيّة. الحل هو البحث عن الحل، كما شرح عبد الرحمن منيف في كتابه “الديمقراطية أولاً، الديمقراطيّة دائمًا”، وكما بيّن نصر حامد ابو زيد في مجمل فكره، وكما قال بوبر في آخر الكتاب:

إذا رغبنا في أن نظلّ بشرًا، فليس أمامنا إلا طريقًا واحدًا، ألا وهو الطريق إلى المجتمع المفتوح. وتيعيّن علينا أن نثابر في المجهول، واللايقيني وغير الآمن مستعينين بما قد يخططه لنا العقل بقدر إمكاننا من أجل الأمان والحريّة معًا.

يمكن تحميل نسخة الكترونيّة من كتاب المجتمع المفتوح وأعداؤه هنا.

“اعتنوا بأنفسكم”، كما قال سقراط : )


%d bloggers like this: