Posts Tagged ‘كربلاء’

يا خضر عدنان .. ارحمنا قليلاً!

February 16, 2012

محمود عمر – غزّة

الأسير المعتقل إداريًا الحُر فعليًا خضر عدنان المضرب عن الطعام منذ أكثر من 60 يومًا، السلام عليكَ وبعد: 

مكتوب في نشرة الأخبار أنّك تواجه خطر الموت. أنا أكتب لك هذه الكلمات لأنني، عدا عن كوني غاضب منك ومستاء من أخبارك، أواجه خطر الحياة. الحياة اليوميّة بتفاصيلها الكئيبة يا خضر. أكتب لأنّ الجَمع من حولي مشغول فيما أنا مشغول فيه، والكل ينظر في عين من يجاوره كتفًا إلى كتف – لا فسحة للشيطان بيننا كما تعلم، ما عاد الشيطان ضروريا – نظرة استحقار من عين تكاد تشرع بالبكاء. بكاء كالذي اعترى جنود بني أمية وهم يسرقون حليّ نساء بيت النبي. نبكي ونسرق يا خضر، نبكي ونسرق.

أكتب إليك لأسأل: من تحسب نفسك؟ ها؟ من أين جئت بهذه القدرة الموجعة على اللامبالاة؟ كيف تسرّب هذا الكمُّ الهائل من الجَلد إلى جلدك؟ ماذا خطر في بال الله وهو يقلّبك طينًا بين يديه؟ أبشرٌ أنتَ مثلنا أم لك كفّ مضاءة وأفعى تسعى؟ هل تتبرّز وتبصق على الأرض ويطول شعرك وتختبر شكوكًا عميقة في كلّ شيء من حين إلى آخر؟ وكيف نجوت، أعني: لو كنت بطلاً وراجل قد كلمته، كيف في زماننا هذا نجوت؟ أجب!، قل أيّ شيء، دعني أسمع صوتك تتلقفه جبال فلسطين، والويل الويل لك لو ذكّرتني بسيناء القريبة وانهار على إثر صوتك أحدها! 

قاسٍ أنت يا خضر.

العشرات، وربّما المئات، غيروا صورة الفيس بوك إلى صورتك. العشرات، وربّما المئات، خرجوا في مسيرات تضامنيّة وأشعلوا الشموع، العشرات، وربّما المئات بل وربما الآلاف من عاهرات وعاهري وداعرات وداعري هذا الوطن السعيد أتوا من كل حدب وصوب يلهثون وراء فلاش الكاميرات وأسلاك الميكروفونات ليجدوا أنفسهم، دون تخطيط مسبق، في حضرتك أنت، تسلّم عليهم وتطلب منهم الجلوس والهدوء قبل أن تبدأ في إلقاء درسك اليوميّ عن الأخلاق والأمراض المنقولة جنسيًا. أيُّ عذاب هذا يا خضر؟ أيُّ عذاب سببت لنا، ولي أنا، على وجه الخصوص؟

هل تصلك في أرض الأبطال التي أنت فيها أخبار أسعار المحروقات؟ هل تعلم أن لتر البنزين في غزّة شارف سعره على الأربع شواكل؟ هل جاءك حديث الراتب؟ وشتم شرطة المرور؟ وتوقيع المصالحة للمرّة المليون؟ وأسماء قرىً يسرقها الحاجز ليتسمّى بها فتضيع القرية ويظلُّ الحاجز؟ هل عندكم مواتير وسهرات شواء وحفلات زفاف في فنادق خمس نجوم؟، هل تشعرون، أنت وصحبك، ولو بقليل من العجز الذي ينخر عظم السواد الأعظم؟

اسمع يا خضر، خارج سجنك، خارج وجهك، خارج عينيك .. “الحياة” باتت جداول يا عزيزي، جدول رواتب، جدول انقطاع كهرباء، جدول حواجز، وأنت تتجاهل ذلك وتتناساه وتحدثنا بكل برود عن الشّعر الحر ورفض الواقع. نحاول ارتجال شيء للحفاظ على ماء الوجه فنشيّد لك خيمة اعتصام أمام الصليب الأحمر ويقترح أحدهم (قصة حقيقية) أن نقيم من أجلك أمسية شعرية ولا نقعدها! سنقصفهم بالكلمات وندكّ أسوار السجن بالمجازات ونشبعكَ مديحًا يا أيُّها المضرب عن الطعام. الحياة جداول يا عزيزي، وما دمت حيًا تصارع، ستظلُّ تؤلمني وتنغص عليّ حياتي (كم هي مؤلمة هذه المفردة)، تقع مني في هذا الزحام فأنكسر. أمّا حين تموت .. فسنأتي من كبار السنّ والمجانين والصناديق العتيقة بالجدول الأوّل – جدول الشهداء – ونكتب اسمك ونمضي .. ويُقال أننى نكاد ننسى .. حتى يجيئنا نبيُّ آخر غيرك.

رسالة إلى السيّد حسن نصرالله.

December 15, 2011

سماحة الأمين العام

يكتب إليك هذه الرسالةَ شاب لا حزب له ولا فصيل. يكتبها ويعترف بأنّها إنما تقوم على العاطفة، لا على المنطق. يكتبها ويريد منها ولها أن تشابه سحب طفل صغير لطرف ثوب أبيه كي ينتبه عليه ويعيره إهتمامه. مجرَّد شخص آخر من اللذين رأوا في حضرتك، يا سيّد حسن، نورًا في زمن العتمة، ووضوحًا في زمن الارتباك، ممن اقتاتوا في زمن المجاعة على خيرات بنت جبيل ومارون الرّاس، ممن غنّوا مع من غنّى: أنا عائد إلى حيفا، عائد إلى مكان الرّوح، عائد على جناح الطّير، أو عائد على صاروخ. أتمنّى منك أن تقرأ رسالتي على أساس ما سبق، أن لا تنظر إليها بعين السياسة ودهاليزها الضيّقة، بل أن تخرج بها إلى رحابة الحب، الحب الذي أكنّه لك من رأسك حتّى أخمص قدميك.

لا يخفى عليك يا سيّد حسن أن “الثورة السوريّة” تكمل اليوم شهرها التّاسع. أضع الثورة السورية بين علامتي تنصيص لا لضرورات لُغوية ولا لموقف سياسي، بل لغرض بصريٍّ بحت، وهو أن تراها وتقرأها يا سيّد حسن، فالثورة السوريّة شئت أنا أم أبيت، وشئت أنت أم أبيت، أمر موجودٌ فعلاً، موجود في حمص، درعا، القامشلي، جسر الشغور، وفي أعين شريحة واسعة من السوريين، بل لنقل أنّ الثورة السورية موجودة أصلاً في أذهان السوريين قبل حتّى أن تهب نسمات الربيع العربي على هذي البلاد مشرقًا ومغربًا. كيف لا يكون ثمّة ثورة في سوريا الحضارة؟ أيكون عجيبًا خارقًا للممكن أن تكون ثمّة ثورة في أقدم عاصمة في التاريخ؟. لا يا سيّد حسن، السوريّون الذين خرجوا في الخامس عشر من مارس لم يكونوا رعاعًا ولا متآمرين، بل كانوا ورثة حضارة وامتدادًا ديموغرافيًّا لمّن قدّر الفن واللغة قبل آلاف السنين. الحنجرة التي قالت “لا” للمستعمر في ميسلون، هي نفسها التي قالت “لا” للطاغية في درعا يا سيّد حسن، إنّها حناجر السوريين التي هتفت لك يومًا ما، وحلفت بحياتك.

(more…)


%d bloggers like this: