Posts Tagged ‘كنيسة المهد’

الحقّ الحقّ أقول لكم.

July 29, 2012

من يوميّات حصار كنيسة المهد عام 2002:

لماذا ذهب؟ لا أستطيع التذكر بالضّبط. رغم أننا كنا معًا، في نفس الحصار، إلا أنه كان يصعب على أحدنا أن يعرف ما يدور برأس الآخر. لا أحد يستطيع أن “يخترق” رأس مقاتل يتحصّن، يشعر بالجدار وراء ظهره ولا شيء أمامه إلا العدو في البر والجو. دعك من طارق بن زياد، تلك كانت كذبة، لقد دخل الأندلس باتفاق سلمي، أمّا نحن فحوصرنا فعلاً وأُجبرنا على البطولة. أقول “نحن” وأعني من بقي منّا، النسبة الأكبر كانت قد غادرت محيط الكنيسة قبل أن تأتي الدبابات.

كان هنا، وذهب هناك. ذهب بسلاحه وجعبته ورأسه الأعجر، ذهب بكل أفكاره وأحلامه ومشاريعه وضوء عينيه. كان جميلاً في يقينه، مهابًا، يطلق النّار وكأنه يدخن الغليون. تتأمله وهو يستعد للعودة من نفس الممر الرخاميّ وتفكر في القائد الذي صرّح للاعلام بأنّ المهم هو ضمان سلامة الكنيسة، أما من فيها فمشاريع شهادة. من شعب كله مشاريع شهادة، إلى شعب كله مشاريع استثمار. الوطن ليس مشروعًا، الحقّ أقول لك.

نجح في قطع الشطر الأعظم من المسافة، صار على شفا حفرة من السلامة، لكنه توقف. هكذا، فجأة، توقف في الممر المكشوف للقنّاصة ومدّ يده إلى الأعلى. لقد قطف ثلاث ثمرات من الشجرة. المجنون يخاطر بحياته من أجل ثلاث ثمرات من شجرة مزروعة في مرر بكنيسة ولد فيها المسيح. ثلاث ثمرات قطفها في ثلاث ثوان وجاء الردّ عليها سريعًا: ثلاث طلقات استقرّت ببطنه ورسمت قوسًا من الدم. صار على الأرض ويد على الزناد والأخرى تقبض على الثمر.

شكّلنا غطاءً ناريًا وتقدمنا وسحبناه. كان لا يزال متماسكًا إلى حدّ ما. صار وصرنا في الداخل. كنت مذهولاً، وددت شتمه، ضربه، كيف يفعل ما فعل؟ ألا يعير للحياة أيّ اهتمام؟ أيظن ما نحن فيه مزحة من نوع ما؟. كانت أسئلة من هذا القبيل تنهش دماغي حتى اقترب احد المقاتلين الملتحين وقال له:

– بسرعة يا أخي، تشاهد، انطق الشهادتين.

نظر إليه لبعض الوقت، تحشرج وردّ بصوت دوى في سقف هذا المكان الذي ولد فيه الربّ:

– ولك هيك هيك لربّك، أنا بديش أموت!


%d bloggers like this: