Posts Tagged ‘مصر’

عن السيادة المصريّة وأنفاق رفح، حبيبة قلبي.

مارس 14, 2013

محمود عمر

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

عامل أنفاق في صورة مع السيادة المصرية.

تغيّرت معاملة الفلسطينيين في مصر ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتغيّرت معها أساليب طرحهم وقضاياهم في الإعلام المصري. لقد إزداد الأمر سوءًا. الفلسطينيّون، حسب الإعلام المصري ولفيف من الرسميين المصريين، في كلّ مكان. إنّهم يقتحمون السجون، يسرقون البضائع والسيّارات والمحروقات والكهرباء ويحتلّون، في أوقات فراغهم، شبه جزيرة سيناء. عندما يشتدّ الضغط، ويتأزم المشهد، يرسل الفلسطينيون نخبة مختارة من المقاتلين المقنّعين لحماية قصر الرئاسة المصري. الأنفاق على الشريط الحدود بين رفح المصريّة ورفح الفلسطينيّة، وفق نفس المنطق، هي ما مكّنتهم من فعل ذلك كله، إنّها إكسيرهم السرّي، وخنجرهم المسموم.

العقليّة البائسة التي أنتجت كل ما سبق وأكثر من الخزعبلات هي نفس العقليّة التي حكمت، تحت عناوين مختلفة، هذا البلد الممتد صحراءً وحزنًا، على مدار عقود طوال. الثورة التي أطلقها شباب ملّوا الغبار والمصاعد المعطلة لم تتمكن بعد من حسم الأمور تمامًا؛ لم تتمكن -بعد- من إدارة الدفّة، وتصويب البوصلة. العَجزة لا زالوا في الحكم، ملتحين وغير ملتحين، ولا زال الإسقاط الفوقي للمعلومات، منذ أرساه عبد الناصر، وعمّده السادات، يعمل بسلاسة غير معهودة في بلد الانسداد المروري والسيستيم الواقع.

آخر ما جادت به القريحة: اتّهام عناصر من حماس بالتخطيط لقتل الجنود المصريين في منطقة الماسورة في رفح، انتقامًا من الجيش المصري لهدمه الأنفاق. لا أدلّة، لا تحقيق جدّي، دولة برمّتها لا تبالي بمواطنيها وترمي بالتهمة والمسؤولية على المُشيطنين ذوي اللهجة الرثّة. رخيص هو المصريّ عند دولته وولاة أمره، أرخص من أن يبحث في أمر موته، سواء مات على الحدود، أو في قطار محترق، أو برصاص الداخليّة.

ليست الأنفاق “شريان حياة”  وممرًا لمستلزمات الحياة اليوميّة فحسب.  إنّها نوعٌ من القفز فوق الحاجز، استعمال أمثل للعقل البشري، نموذج تجب دراسته في ميكانيزم الاختراق. الأنفاق، في حسابات المناكفة، بصقة في وجه من ظنّوا أنهم حبكوها جيّدًا، إسرائيليين وعربًا وأمريكان، وفي حسابات الجغرافيا، كسبٌ للناس على طرفي الحدود، وإسألوا بدو سيناء وأهلها اللذين لا قيمة ولا معنى لهم في حسابات القاهرة ونخبتها التي تنظّر عن سيناء وما زارتها يومًا.

عندما حفر الفلسطينيّون في غزّة الأنفاق بعدما أغلق العالم أبوابه في وجههم، لم يبالوا لا بسيادة مصريّة ولا قوانين دوليّة. وكيف لهم أن يبالوا؟ هذا الكلام الكبير يصغُر أمام رغبة إنسان فرد واحد في أن يرتاح. يشبه الأمر أنّ تفك حزامك، والزرّ الأول من البنطال، بعد وجبة غداء دسمة. هذه الرّاحة بعد ضيق، هذا الانشكاح الانسانيّ بامتياز، لا مردّ له ولا هويّة. لو كان الأمر متعلقًا بغير الفلسطينيين لفعلوها، لو كانت الجغرافيا مغايرة لتمّت. إنّها ألف باء بشريّة. من لم يفهم الأنفاق ويستشعر حلاوتها وهي التي مكّنت عشّاقًا من اللقاء وعائلات أن يلتم شملها، فلا خيار أمامه إلا أن يراجع إنسانيّته.

حاول كثيرون إنهاء الأنفاق باعتبارها ظاهرة يتفوّق فيها من هم تحت على من هم فوق. أجهزة السلطة الأمنيّة كانت قد أعدّت قبل سنوات خطة تفصيلية يتم تنفيذها بالتعاون بين السلطة، إسرائيل والجيش المصري. ذهبت الخطة ومن وضعها أدراج الرياح. قصفت إسرائيل الأنفاق غير مرّة، قصفوها بصواريخ ارتجاجيّة، بأعقد وأحدث ما جادت به القريحة العسكريّة الأمريكيّة، ولكن عَبس. حاول المصريّون، ضخّوا فيها الغاز، كهربوها، ملأوها بمياه المجاري، ولكن عَبس.

حفرها الفلسطينيّون مجددًا، وأعادوا تنظيم اللوجيستيك بحيث تكون الأنفاق شبكة متداخلة، وللنفق الواحد عدّة أعين. المعركة الذهنيّة بين من يدهن السور، ومن يكتب له عليه “مبروك الدهان الجديد” في القاهرة كانت هي نفس المعركة بين من يهدم الأنفاق ومن يحفرها في رفح، وفي الحالتين الغلبة كانت للمبدع. للرّاقص فوق الأرض، وتحت الأرض ويوم العرض على التاريخ. 

لن تنتهي الأنفاق إلا بانتهاء الوضع المشوّه الذي استدعى حفرها، وفتح المعبر للبضائع. لا يشمل ذلك المعطى أنفاق تهريب السلاح التي إن أرادها البعض مغلقة، كان لزماً عليه توفير السلاح شرعيًا. شيطنة الفلسطينيين في مصر هي نصيبنا من بؤس الدولة المصريّة المتفاقم، وسياسات المؤامرة والعدو المترصّد التي تجري فيها مجرى النَفس. لا يعني ذلك أن نصمت على ما يكال من اتهامات بلا أدلّة ولا شواهد. مهمٌ أن نتحدث، أن نشرح، أن ننفي، وأن نحاجج من أمنوا جانب اسرائيل واستعدوا حفنة من الفلسطينيين بمنطق الحقّ والحقيقة. الأهم، أن لا نكره، رغم كل ما نرى ونسمع، جوار مصر وقربها، وأن لا نكرهها جوارنا وقربنا، وأن ندفع جميعًا في الإتجاه الذي سيحسم كلّ شيء، ويزيل كل لغط ويشفي كل سقم، إتّجاه الثورة، مصريّة كانت أم فلسطينيّة. 

الضّحك باعتباره حالة مقاومة: المصريّون نموذجًا.

يونيو 6, 2012

|محمود عمر|

«واجب من يريد الخير للبشريّة أن يجعلها تضحك من الحقيقة، وأن يجعل الحقيقة تضحك فيتحرّر الانسان»

(أمبرتو إيكو، “اسم الوردة”)

أنتِ جادة جدًا، لا يمكنني تخيّل شخص يتبنّى قضيّة يؤمن بعدالتها، ويمشي بين الناس بوجه تحتلُّ الكآبة قسماته؛ ليس هذا الانطباع الذي يجدر بك إعطاؤه للآخرين. لقد كنتُ هكذا، مثلكِ، أصرخ كثيرًا وأقضي وقتي إما في التعبير عن الغضب والجديّة، أو في تهيئة نفسي للقيام بذلك. أنظري إلى مصر، ما الذي حصل هنا؟ كان المصريّون يعيشون في عالمهم المغلق والمحكوم بالزحمة ورداءة الوقت، في الحافلات الضيّقة، في العمارات التي تمتاز بفارق شاسع بين خارجها وداخلها، في العشوائيّات وفي الريف.. وفجأةً خلعوا مبارك بطريقة مذهلة. طرأ شيء ما، في الهواء أو في الماء أو في تركيبة الفرد الذهنيّة فأدّى لهذا الفيضان البشريّ الهادف. يمكنني أن ألخّص ما حدث بكلمات قليلة: لقد ابتسم المصريّون بعد أن كانوا يضحكون في جلسات خاصّة وبصوت منخفض، ضحكوا معًا، علنًا، وبصوت عالٍ!

خوذة ضاحكة

لم أكن أعتقد أنّ الكلام الذي كنت أقوله لتلك الصديقة الأميركيّة-الفلسطينيّة في قهوة البورصة -أحد مقاهي وسط البلد بالقاهرة- هامّ إلى درجة أنني سأعيد تذكره لأبدأ به هذا المقال عن الضّحك. كنت، في الحقيقة، أحاول أن أهدّئ من روعها أو أن أمتصّ غضبها (من الرّاهن الفلسطيني) لأستطيع الاستمتاع بهدوء بفنجان الشاي الذي ينتصب أمامي على الطاولة. تبيّن بعد تسلسل أحداث وقراءات تلت حديثي ذاك أنني كنت، فعلاً، أقول شيئًا هامًا له منابعه في الفلسفة والسّياسة والتاريخ. أفكار قيّمة قد تخرج من رأسك وأنت تحاول تهدئة صديقة لك من أجل أن تستمع بفنجان شاي؛ أليس ذلك، في حدّ ذاته، مضحكًا؟

يعرَّف الضحك في المعاجم الانجليزيّة على أنه “إحداث ضجّة باستخدام الصّوت للدّلالة على الاعتقاد بأنّ حدثًا ما مَدعاة للفرح”، أو أنّه “التعبير عن مشاعر معيّنة، غالبًا ما تكون متعلّقة بالرّضا والسّرور، على شكل سلسلة من الأصوات العفويّة المرتبطة غالبًا بحركة في الأطراف والوجه”، بينما يُعرّفه “لسان العرب” بأنّه “ظهور الثنايا من الفرح”. والضّحك عند العرب على مراتب: التبسّم ثمّ الافترار والانكلال ثمّ الكتكتة ثمّ القهقهة والقرقرة والكركرة، ثمّ الاستغراب ثم الطخطخة ثم الإهزاق، وهي أن يذهب الضحك بصاحبه كلّ مذهب.

في مجال البحث عن علّة الضحك تبرز مدارس عدّة؛ في القديم منها جنح الفلاسفة لتفسير الضّحك على أنّه سخرية من الطبقات الدنيا، أو كحالة حوار مستتر مع الذات. أمّا في المتقدم فتعدّدت الآراء؛ هيغل يرى أنّ الضحك “ينشأ نتيجة لوجود التناقض بين المفهوم والمعنى الحقيقي الدفين الذي يقدّمه هذا المفهوم”، ويؤكّد كيركجارد، بطريقة أو بأخرى، على ذلك فيقول: “حيث توجد حياة يوجد تناقض، وحيث يوجد تناقض، يكون المضحك موجودًا”، بينما يعبّر شوبنهاور عن ذلك “التناقض” بمفردات أخرى على شاكلة “العبور/ الوصول” فيقول: “الضّحك شبيه بقياس منطقيّ تكون القضية الكبرى فيه مؤكدة، ويتم الوصول إلى القضية الصغرى فيه، إلى حدّ ما، من خلال الحيلة أو المغالطة، وتكون نتيجة هذا التركيب بين القضيتين هي الضحك”، وهو الأمر الذي نجده مطبقًا في تصرّفات سقراط الذي كان يتجوّل في الأسواق ويطرح أسئلةً تبدو تافهة، كي يصل من خلال ما يتلوها إلى “اليقين السّرمديّ”.

فرويد فسّر الضحك، كما فعل مع الأحلام، ضمن تأثير القوى الليبيديّة. يقول عن الضحك بمنطق يقترب من الأبيقوريّة بأنّ الضّحك “ينشأ من رغبة مكبوتة في اللاوعي يتحوّل بموجبها آلية دفاعيّة لمواجهة العالم الخارجي المهدّد للذات ويجعل من طاقة الضيق شعورًا بالمتعة التي هي ذات طبيعيّة”. الناس تضحك لتدافع، لتسخر، لتتحمّل، لتستطيع المواصلة. بكلمة أخرى: لتقاوم. هذا هو ما لم يفهمه مالدورور -الشخصيّة التي خلقها لوتريامون في أناشيده- عندما وجد أنّ الناس يضحكون، فأمسك سكينًا وقطع زاويتي شفتيه.

ولأنّ الضحك حالة مقاومة إبداعيّة تسعى بالضرورة للاشتباك مع السلطة فلقد حورب قديمًا وحديثًا. أفلاطون في معرض حديثه عن جمهوريّته الفاضلة كان يحذّر من الضّحك وينفّر منه لما له من “قوّة هائلة على تحويل خطوط الدفاع القويّة للسلطة إلى مجرد أبنية هشّة”. جاء الغزالي بعد قرون عديدة ليسهم في بناء السدود أمام الضحك بقوّة فاقت أفلاطون فحرّم، من دون أيّ سند دينيّ حقيقيّ، الضحك يوم العيد و”جعل عقابه هولاً من أهوال يوم القيامة”، ولم يكتفِ بالمضمار اللاهوتي بل تعدّاه إلى اللغوي فشرح أنّ المزاح سمّي كذلك لأنه “أزاح صاحبه عن الحق”.

الرجالة الي ورا -وقدام- عمر سليمان

الرجالة الي ورا -وقدام- عمر سليمان

في مصر، البلد الذي ما أن يذكر “البحر” فيها حتى يبرز سؤال: “بيضحك ليه؟”، كان المزاح (الألش باللهجة المصريّة) سلاح الشعب السرّي. على مدار عقود من الفساد والإهانة والعيش في اغتراب داخل الوطن صبّ المصريون جام غضبهم على الواقع، والسّلطة، نكاتًا و”إفّيهات” تبادلوها في المواصلات وجلسات السّهر وقاعات المحاضرات. لم تختلف نزعة المصريين “الضاحكة” عمّا لجأ إليه المضطهدون على مدار التاريخ؛ اليهود –كنموذج تاريخي لذلك- عرف عنهم الاستعانة بالنكات لتخفيف ثقل الواقع الأوروبي عليهم حتّى شاع عن اليهودي بأنه “يضحك كي لا يبكي”.

خرج ذلك السّلاح، سلاح الضحك، إلى العلن في ثورة الخامس والعشرين من يناير. لقد كان ميدان التحرير، وميادين السويس والإسكندريّة وباقي المدن المصريّة، مساحات لعرض مسلّح بالضحك. تجلّى ذلك في الشعارات “يا سوزان صحّي البيه، كيلو العدس بعشرة جنيه”، وفي اللافتات التي رفعت في الميدان: هتمشي هتمشي؛ بس انجز عاوز أروح أحلق؛ إرحل؛ الوليّة عاوزة تولد والولد مش عاوز يشوفك، إرحل؛ مراتي وحشتني- ده لو كان عفريت كان طلع!- إرحل يا تِنح، والعشرات من الشعارات والتعبيرات والفعاليات (“الراجل الي واقف ورا عمر سليمان” مثالاً) والرّسومات الأخرى التي دارت الغالبيّة العظمى منها في فلك السخرية من السلطة بشخوصها وفكرتها واستدعاء الضحك كثابت في المشهد الثوري لبلد بأسره.

اليوم، وبعد مرور أكثر من عام على هبّة المصريين، لا يزال الضّحك سلاحًا مُشهَرًا في وجه أعداء الثورة؛ الفلول والمجلس العسكري ومن لفّ لفهم من قوى “الثورة المُضادّة”. بلوفر شفيق (السّخرية من ملابس أحمد شفيق آخر رؤساء وزراء مبارك)، الفيديوهات المركبة لجلسات مجلس الشعب المصري، النكات السّاخرة التي تتلو أيّ تصريح مُسيء للثورة من شخصيّة سياسيّة مهما علا شأنها؛ كل تلك أمثلة واضحة على ذلك.

في أحد المرّات التي تواجدتُ فيها في ميدان التحرير العامر بأهله، أتأمّل، بكل معنى الكلمة، وجوه النّاس وابتساماتهم، لم أستطع إلا أن أفكر بأن المصريين لم يقوموا بواحدة من أكثر الانتفاضات سحرًا وعبقريّة فحسب، بل وفعلوا ذلك، في تجربة فريدة من نوعها عبر التاريخ، فعلوا ذلك.. ضاحكين.

معذّبو الأرض: أنا وأنت.

أبريل 29, 2012

دعك من حقيقة أنّي طبعت هذا الكتاب الصّادر عام 1961م مرّتين على حساب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (كل لاجئي العالم يتبعون لوكالة اللاجئين إلا الفلسطينيين لهم وكالة مخصوص – ابسط يا عم)، ودعك من المعاتيه ذوي الملابس الأنيقة الذين يقولون بأن هذا العالم لا شرق ولا غرب فيه، وأنّ مفردة كـ”الاستعمار” ماتت وتعفّنت، دعك من كل شيء إلا الصوت داخل رأسك. لن أحاول أن أقدّم لك قراءة للكتاب، ولن أحاول إقناعك بما اقتنع به فرانز فانون، سأقتبس لك مقاطع من الكتاب وأقول لك ماذا شعرت أثناء قراءتي إيّاها؛ لتكتشف أنّك أنت وأنا لا زلنا، رغم الضحكات والرايات والأناشيد الوطنيّة والجيوش والمطارات والميادين والشركات العالميّة وكأس العالم وبرامج المسابقات، من معذّبي هذه الأرض. اكتشاف لا يراد منه أن “نصرخ” ولا أن نندب حظّنا العاثر, ولكن أن نتسلّح بالوعي الذي هو خطوة أولى على طريق فشخ هذا “العالم المضيّق، المزروع بكلّ أنواع المنع”.

يقول فرانز فانون في كتابه «معذبو الأرض»:

F.F

F.F

«إنّ أول شيء يتعلمه السكان الأصليون (أنا وأنت) هو أن يلزموا أماكنهم، ألا يتجاوزوا الحدود. لذلك كانت الأحلام التي يحلمها السكّان الأصليون أحلامًا عضليّة, أحلامَ فعل، أحلام هجوم وعدوان.» في الحقيقة, هذه الجملة استدعت دفقة ذكريات إلى رأسي, بعض تلك الذكريات مشترك وبعضها الآخر خاص. أوّلها، وأهمّها ربما، هو مشهد الفلسطينيين يقتحمون الحدود في أيّار العام الفائت, معظمهم ظلّ في مجدل شمس المحتلة في حين وصل حسن حجازي إلى يافا، إنّ عضلاته المتعطشة للركض بلا نهاية هزمت منظومة إسرائيل الأمنيّة، حسن حجازي، كما أنا وأنت، وكما فرانز فانون يجلم بأن “يركض، يتسلّق، يضحك، يجتاز نهرًا بقفزة”, يسافر إلى أي مكان يريد دون الحاجة لإعطاء مبررات صحيّة أو دبلوماسيّة, يفعل ذلك لأنّه -ببساطة- يريد أن يفعله.

«إنّ الانتصار الكبير الذي حققه الشعب الفيتنامي في ديان بيان فو لم يبق انتصارًا فيتناميًا فحسب، فمنذ شهر تمّوز من 1954 أصبحت المسألة التي تطرحها الشعوب المستعمَرة على نفسها هي المسألة التالية: (ماذا يجب أن نعمل حتى نحقق ديان بيان فو ثانية؟ كيف يجب أن نفعل حتى نحقق ديان بيان فو ثانية؟).» أنا لا أعرف كيف هي الأمور عندك, لكنني أعلم يقينًا أنّي سألت هذا السؤال مليون مرّة, ليس شرطًا أن يكون النموذج ديان بيان فو، في حالتي يغلب أن يكون جنوب لبنان. ماذا يجب أن نعمل حتى نحقق بنت جبيل ثانية؟.

 «إنّ قادة البلاد المتخلفة وطلاب البلاد المتخلفة هم من أحسن زبائن شركات الطيران. ان المسؤولين الافريقيين والآسيويين يستطيعون في شهر واحد أن يحضروا مؤتمرًا عن التخطيط الاشتراكي في موسكو، وعن محاسن الاقتصاد الحر في لندن أو في جامعة كولومبيا.» ذكّرني من فضلك – متى وإلى أين كانت رحلة الرئيس عباس الأخيرة؟ ماذا عن الرئيس اللبناني؟

 «إنّ الأحزاب السياسية الوطنيّة لا تلح أبدًا على ضرورة استعمال القوّة، لان هدفها ليس قلب النظام القائم واستئصاله من جذوره. ان هذه “الأحزاب السياسية” أحزاب مسالمة تنادي بالمشروعيّة وتناصر في حقيقة الأمر النظام .. الجديد، ولا تزيد على أن توجه إلى البرجوازيّة الاستعمارية هذا الطلب: أعطونا مزيدًا من السلطة.» طفل عمره 12 عامًا يقدر أنّ يقول لك بعد فقرة كهذه: آه, زي ما السلطة الفلسطينية بتعمل.

«بأي شيء تريدون أن تحاربوا المستعمرِين؟ بسكاكينكم؟ ببنادق الصيد التي عندكم؟.» كم مرّة سمعنا هذا السؤال من البرجوازية الفلسطينيّة وليبراليي العواطف وأعلى مستويات “القيادة” التي ما وصفت غير مرّة الصواريخ بأنها “عبثيّة” في حين كان “الكوادر” أكثر قربًا الى لغة الشارع فقالوا عنها: مواسير حديد فارغة. حتى أنّ البعض ينظّر اليوم – وهذا حقهم – لمقاومة سلميّة, أولئك لم يجدوا مكانًا للمفردة الأجمل في اللغة العربية “لا” إلا قبيل المفردة الأكثر الحاحًا “عنف”. يرد فرانز فانون على تلك الأسئلة الاستنكاريّة: «نابوليون، في حملة اسبانيا التي كانت حربًا استعماريّة تمامًا، أجبر على التقهقر رغم جيوشه التي بلغت أثناء هجمات الربيع من عام 1810 رقمًا هائلاً عو 400 ألف مقاتل. لقد اكتشف الاسبان الذين كان يحركهم ايمان لا يتزعزع، اكتشفوا تلك الطريقة في حرب العصابات التي كان المقاتلون الأمريكان قد جبروها قبل خمسة وعشرين عامًا في محاربة الجيوش الانجليزيّة.» نستطيع اليوم أن نضيف: في فيتنام، في كوبا، والجزائر وفي جنوب لبنان.

..

فرقة: la rumeur
nature morte – طبيعة ميتة

(الأغنية مستوحاة من الكتاب). 

من لا يشكر التحرير لا يشكر الله.

نوفمبر 23, 2011

شكرًا لأنّك تحبّ لهجتي. الفلسطينيّون نادرًا ما يغيّرون لهجتهم،  ربّما كان ذلك لصعوبة تغييرها، وربما لأنهم  ببساطة لا يريدون ذلك، المؤكّد أنّ التحرير يتقبّل لهجتي القرويّة الفلسطينيّة ويسمعها كما يسمع أحمد رامي أمّ كلثوم.

شكرًا لأنّك تفتّشني. شكرًا لمن يبحث في جيوبي، يفتح  حقيبتي ويستغرب من رواية لميلان كونديرا أحملها معي. في فلسطين التفتيش يعني أمرين: الاحتلال ( وهو سيء ) والسلطة الوطنية ( وهي أسوأ ). في فلسطين التفتيش يعني الإهانة، يعني فرد الرّوح على الطاولة، وتشريحها على عجل. التفتيش يعني الحاجز، يعني الانتظار، يعني الفصل العنصري؛ أمّا في التحرير فالتفتيش يعني الأمان، ويعني الطمأنينة.

شكرًا لأنك تدعني أدخل؛ هكذا، ببساطة، دون توصيات، دون موافقات أمنيّة، دون تأشيرة، ودون شتيمة تمارس عزفًا بذيئًا على طبلة أذني. شكرًا لأنك بلا ختم إسرائيلي، وبلا شبّاكين: واحد لغزّة، والآخر للضفّة. بلا سفارة، وبلا استعجال خشية الاغلاق، وبلا حديث إسلامي مؤقّت ينتعله اللسان بغية الحصول على “تزكية” من حكومة تحبّ الله كثيرًا.

حالة نبوّة.

حالة نبوّة.

(more…)

غزّة للربيع العربي: شكرًا.

أغسطس 9, 2011

دعوني أقولها لكم بصراحة، لا أحد فينا، نحن الفلسطينيون البسطاء الذين لا نجيد التبرّج الثقافي ولا نبيع كلامًا ولا نحجز تذاكرًا لحضور فيلم “ليلة القبض على القصيدة” في غزّة، لا أحد فينا كان يصدّق فعليًّا، وبكل وجدانه، عبارةَ “شعبنا العربي الأبي” التي كانت تصدح بها شاحنات volkswagen  وهي تجوب شوارع القطاع تدعو لمسيرة أو تذيع بيانًا أو تهنّئ الغزّيين و”عموم الشعب العربي البطل”، عن طريق سمّاعات ضخمة محملة على متنها، بشهر رمضان أو أحد العيدين اللذين يعقبانه.

“شعبنا العربي” .. الكوبليه الموجود في كلّ الأغاني، لا أحد فينا يفكر فيه، لا أحد يتمعن في مضامينه الموسيقيّة، لكنه دائمًا هناك، ورقة تحت الطاولة تساعدها على الاتزان، صندوق مغلق نتوارثه ولا نعرف ما الذي في داخله، وإلى فترة قريبة، لم نكن نرغب في أن نعرف، فالبعض مشغول – في سرّه – بشتم حكومة غزة، والبعض بشتم حكومة رام الله، والكل يجتمع على شتم شركة الكهرباء، والبحث عن لقمة العيش، أمّا العرب، في الوعي الرّاهن المشترك لسكّان القطاع، وخصوصًا للشريحة الشابة التي ولدت قبيل اوسلو وترعرعت أثناء انتفاضة الأقصى، فهم رقم يضاف ويطرح ولا أثر له في معادلة الحياة اليوميّة. حتّى أثناء العدوان على غزّة، لم يتطوّر المرجوّ من الجماهير العربيّة إلا إلى مستوى الإسراف العاطفي متمثلاً في مسيرات التضامن وقوافل فكّ الحصار، لا الخطوات الملموسة على أرض الواقع والتي تقود إلى حراك سياسي رسمي على مستوى أنظمة تخضع لصوت مواطنيها، أو تنهار وتستبدل تحت ضغطهم الثوري، فمثلاً .. لو قال غزّي بسيط لغزيٍّ بسيط آخر  أن المصريين سيثورون على مبارك لسبّ له الدين ورد عليه بنبرة واثقة: ابقى قابلني.

ملك الغابة راكب دبابة - في غزة

ملك الغابة راكب دبابة - في غزة

ملك الغابة راكب دبابة، والمرسومة مؤخرًا في غزة على يد شباب فلسطيني من الشريحة آنفة الذكر، تُلخّص “التحوّل الثاني” الذي تعرض له الوعي الجمعي لدى الفلسطينيين بعد الربيع العربي. التحوّل الأول كان مرتبطًا بصدمة رؤية شباب آخر، غير فلسطيني، يحمل الحجارة ويهتف للشهداء، فبعد أن تعوّد الفلسطيني على المسرح مطوّبًا باسم أقدامه، ومطليًا بفصائل دمه الضيّقة، لم يجد غير الكرسيّ قبالة التلفاز مكانًا له، كغيره من متابعي الربيع العربي. حاول كهنة النضال تقزيم ذلك التحوّل الأول والتقليل من أثره بالقول بأن الجماهير العربية تقلد الفلسطينيين وأننا أصحاب الحق الحصري بتأليف الشعارات وحرق الاطارات، لكنّ الصدمة مرّت وآتت أُكُلها، وتمّ التحول تمامًا كاملاً؛ إذ بات من البديهي اليوم أن نقول بأننا، كفلسطينيين، عاديّون، و” أَننا لسنا ملائكةً، و أَنَّ الشرَّ ليس من اختصاص الآخرين*”.

(more…)


%d مدونون معجبون بهذه: