Posts Tagged ‘ميدان التحرير’

الضّحك باعتباره حالة مقاومة: المصريّون نموذجًا.

يونيو 6, 2012

|محمود عمر|

«واجب من يريد الخير للبشريّة أن يجعلها تضحك من الحقيقة، وأن يجعل الحقيقة تضحك فيتحرّر الانسان»

(أمبرتو إيكو، “اسم الوردة”)

أنتِ جادة جدًا، لا يمكنني تخيّل شخص يتبنّى قضيّة يؤمن بعدالتها، ويمشي بين الناس بوجه تحتلُّ الكآبة قسماته؛ ليس هذا الانطباع الذي يجدر بك إعطاؤه للآخرين. لقد كنتُ هكذا، مثلكِ، أصرخ كثيرًا وأقضي وقتي إما في التعبير عن الغضب والجديّة، أو في تهيئة نفسي للقيام بذلك. أنظري إلى مصر، ما الذي حصل هنا؟ كان المصريّون يعيشون في عالمهم المغلق والمحكوم بالزحمة ورداءة الوقت، في الحافلات الضيّقة، في العمارات التي تمتاز بفارق شاسع بين خارجها وداخلها، في العشوائيّات وفي الريف.. وفجأةً خلعوا مبارك بطريقة مذهلة. طرأ شيء ما، في الهواء أو في الماء أو في تركيبة الفرد الذهنيّة فأدّى لهذا الفيضان البشريّ الهادف. يمكنني أن ألخّص ما حدث بكلمات قليلة: لقد ابتسم المصريّون بعد أن كانوا يضحكون في جلسات خاصّة وبصوت منخفض، ضحكوا معًا، علنًا، وبصوت عالٍ!

خوذة ضاحكة

لم أكن أعتقد أنّ الكلام الذي كنت أقوله لتلك الصديقة الأميركيّة-الفلسطينيّة في قهوة البورصة -أحد مقاهي وسط البلد بالقاهرة- هامّ إلى درجة أنني سأعيد تذكره لأبدأ به هذا المقال عن الضّحك. كنت، في الحقيقة، أحاول أن أهدّئ من روعها أو أن أمتصّ غضبها (من الرّاهن الفلسطيني) لأستطيع الاستمتاع بهدوء بفنجان الشاي الذي ينتصب أمامي على الطاولة. تبيّن بعد تسلسل أحداث وقراءات تلت حديثي ذاك أنني كنت، فعلاً، أقول شيئًا هامًا له منابعه في الفلسفة والسّياسة والتاريخ. أفكار قيّمة قد تخرج من رأسك وأنت تحاول تهدئة صديقة لك من أجل أن تستمع بفنجان شاي؛ أليس ذلك، في حدّ ذاته، مضحكًا؟

يعرَّف الضحك في المعاجم الانجليزيّة على أنه “إحداث ضجّة باستخدام الصّوت للدّلالة على الاعتقاد بأنّ حدثًا ما مَدعاة للفرح”، أو أنّه “التعبير عن مشاعر معيّنة، غالبًا ما تكون متعلّقة بالرّضا والسّرور، على شكل سلسلة من الأصوات العفويّة المرتبطة غالبًا بحركة في الأطراف والوجه”، بينما يُعرّفه “لسان العرب” بأنّه “ظهور الثنايا من الفرح”. والضّحك عند العرب على مراتب: التبسّم ثمّ الافترار والانكلال ثمّ الكتكتة ثمّ القهقهة والقرقرة والكركرة، ثمّ الاستغراب ثم الطخطخة ثم الإهزاق، وهي أن يذهب الضحك بصاحبه كلّ مذهب.

في مجال البحث عن علّة الضحك تبرز مدارس عدّة؛ في القديم منها جنح الفلاسفة لتفسير الضّحك على أنّه سخرية من الطبقات الدنيا، أو كحالة حوار مستتر مع الذات. أمّا في المتقدم فتعدّدت الآراء؛ هيغل يرى أنّ الضحك “ينشأ نتيجة لوجود التناقض بين المفهوم والمعنى الحقيقي الدفين الذي يقدّمه هذا المفهوم”، ويؤكّد كيركجارد، بطريقة أو بأخرى، على ذلك فيقول: “حيث توجد حياة يوجد تناقض، وحيث يوجد تناقض، يكون المضحك موجودًا”، بينما يعبّر شوبنهاور عن ذلك “التناقض” بمفردات أخرى على شاكلة “العبور/ الوصول” فيقول: “الضّحك شبيه بقياس منطقيّ تكون القضية الكبرى فيه مؤكدة، ويتم الوصول إلى القضية الصغرى فيه، إلى حدّ ما، من خلال الحيلة أو المغالطة، وتكون نتيجة هذا التركيب بين القضيتين هي الضحك”، وهو الأمر الذي نجده مطبقًا في تصرّفات سقراط الذي كان يتجوّل في الأسواق ويطرح أسئلةً تبدو تافهة، كي يصل من خلال ما يتلوها إلى “اليقين السّرمديّ”.

فرويد فسّر الضحك، كما فعل مع الأحلام، ضمن تأثير القوى الليبيديّة. يقول عن الضحك بمنطق يقترب من الأبيقوريّة بأنّ الضّحك “ينشأ من رغبة مكبوتة في اللاوعي يتحوّل بموجبها آلية دفاعيّة لمواجهة العالم الخارجي المهدّد للذات ويجعل من طاقة الضيق شعورًا بالمتعة التي هي ذات طبيعيّة”. الناس تضحك لتدافع، لتسخر، لتتحمّل، لتستطيع المواصلة. بكلمة أخرى: لتقاوم. هذا هو ما لم يفهمه مالدورور -الشخصيّة التي خلقها لوتريامون في أناشيده- عندما وجد أنّ الناس يضحكون، فأمسك سكينًا وقطع زاويتي شفتيه.

ولأنّ الضحك حالة مقاومة إبداعيّة تسعى بالضرورة للاشتباك مع السلطة فلقد حورب قديمًا وحديثًا. أفلاطون في معرض حديثه عن جمهوريّته الفاضلة كان يحذّر من الضّحك وينفّر منه لما له من “قوّة هائلة على تحويل خطوط الدفاع القويّة للسلطة إلى مجرد أبنية هشّة”. جاء الغزالي بعد قرون عديدة ليسهم في بناء السدود أمام الضحك بقوّة فاقت أفلاطون فحرّم، من دون أيّ سند دينيّ حقيقيّ، الضحك يوم العيد و”جعل عقابه هولاً من أهوال يوم القيامة”، ولم يكتفِ بالمضمار اللاهوتي بل تعدّاه إلى اللغوي فشرح أنّ المزاح سمّي كذلك لأنه “أزاح صاحبه عن الحق”.

الرجالة الي ورا -وقدام- عمر سليمان

الرجالة الي ورا -وقدام- عمر سليمان

في مصر، البلد الذي ما أن يذكر “البحر” فيها حتى يبرز سؤال: “بيضحك ليه؟”، كان المزاح (الألش باللهجة المصريّة) سلاح الشعب السرّي. على مدار عقود من الفساد والإهانة والعيش في اغتراب داخل الوطن صبّ المصريون جام غضبهم على الواقع، والسّلطة، نكاتًا و”إفّيهات” تبادلوها في المواصلات وجلسات السّهر وقاعات المحاضرات. لم تختلف نزعة المصريين “الضاحكة” عمّا لجأ إليه المضطهدون على مدار التاريخ؛ اليهود –كنموذج تاريخي لذلك- عرف عنهم الاستعانة بالنكات لتخفيف ثقل الواقع الأوروبي عليهم حتّى شاع عن اليهودي بأنه “يضحك كي لا يبكي”.

خرج ذلك السّلاح، سلاح الضحك، إلى العلن في ثورة الخامس والعشرين من يناير. لقد كان ميدان التحرير، وميادين السويس والإسكندريّة وباقي المدن المصريّة، مساحات لعرض مسلّح بالضحك. تجلّى ذلك في الشعارات “يا سوزان صحّي البيه، كيلو العدس بعشرة جنيه”، وفي اللافتات التي رفعت في الميدان: هتمشي هتمشي؛ بس انجز عاوز أروح أحلق؛ إرحل؛ الوليّة عاوزة تولد والولد مش عاوز يشوفك، إرحل؛ مراتي وحشتني- ده لو كان عفريت كان طلع!- إرحل يا تِنح، والعشرات من الشعارات والتعبيرات والفعاليات (“الراجل الي واقف ورا عمر سليمان” مثالاً) والرّسومات الأخرى التي دارت الغالبيّة العظمى منها في فلك السخرية من السلطة بشخوصها وفكرتها واستدعاء الضحك كثابت في المشهد الثوري لبلد بأسره.

اليوم، وبعد مرور أكثر من عام على هبّة المصريين، لا يزال الضّحك سلاحًا مُشهَرًا في وجه أعداء الثورة؛ الفلول والمجلس العسكري ومن لفّ لفهم من قوى “الثورة المُضادّة”. بلوفر شفيق (السّخرية من ملابس أحمد شفيق آخر رؤساء وزراء مبارك)، الفيديوهات المركبة لجلسات مجلس الشعب المصري، النكات السّاخرة التي تتلو أيّ تصريح مُسيء للثورة من شخصيّة سياسيّة مهما علا شأنها؛ كل تلك أمثلة واضحة على ذلك.

في أحد المرّات التي تواجدتُ فيها في ميدان التحرير العامر بأهله، أتأمّل، بكل معنى الكلمة، وجوه النّاس وابتساماتهم، لم أستطع إلا أن أفكر بأن المصريين لم يقوموا بواحدة من أكثر الانتفاضات سحرًا وعبقريّة فحسب، بل وفعلوا ذلك، في تجربة فريدة من نوعها عبر التاريخ، فعلوا ذلك.. ضاحكين.

عام على الثورة: إلبس يا عم سعيد!

يناير 24, 2012

الفيلسوف الانجليزي فرانسيس بيكون قال: إنّ جابر بن حيان هو أول من علّم الكيمياء للعالم؛ فهو أبو الكيمياء. ولا اظنّ فرانسيس هذا كان يحابي بن حيان حين أعطاه تلك المنزلة الرفيعة؛ الرجل كان أوّل من مارس الكيمياء فعليًا، أبدع في المؤلفات النظرية (كتب حوالى 3000 مخطوطة) كما أبدع في التطبيق العملي، إذ اكتشف عددًا غير قليل من الأحماض، ناهيك عن طرق تحضير وتحليل المواد الكيميائية كالتقطير و التبخير والتصفية والانصهار والتبلور. بكلمات أخرى: جابر بن حيان هو برنس الكيمياء بلا منازع. 

ولمّا كان جابر بن حيان خطيرًا إلى ذاك الحد، فلقد عزّ على الدولة المصريّة الحديثة أن تجعله يمرُّ -تاريخيًا- مرور الكرام، وأن تترك ذكره محصورًا في كتب الزمن الغابر ومؤلفات العلوم التي لا يلتفت لها العامّة المنشغلون بالطريقة الأمثل للحاق بالأوتوبيس. وبناءً على ذلك، جاءت تسمية شارع فرعي ضيّق نسبيًا في حيّ الدقي الواقع في محافظة الجيزة، أحد أهم المحافظات المصريّة، باسم العالم الكيميائي اللامع. وفي شارع جابر بن حيان المذكور، والذي يتضمن مستشفى للولادة، ويتفرّع منه شارع يقود إلى مدرسة أجنبية، ثمّة حاجز عسكري يقف عليه عادةً جنديان يتناولان سندويتشات فول وطعميّة ملفوفة بجريدة الأهرام أو الأخبار اليوم ويراقبان بضجر (مصطنع ربما) النّاس من حولهم. 

على ذلك الحاجز المضمّخ برائحة الفول والمخللات، وقف محدثكم أكثر من ستّ مرات مشهرًا بطاقته الجامعيّة. يطلب مني في كلّ مرة أحد الجنديين فتح حقيبتي، أفتحها، يلقي نظرةً ويشير إلى بالدخول. الطريق من بعد الحاجز ليس طويلاً على أي حال، بضع خطوات حتى تجد مستطيلاً أزرقًا (يشبه اللوحات التي تكتب عليها عناوين عيادات ومدارس الاونروا) يشير النصُّ المكتوب عليه إلى مكتب استقبال المراجعين.  أدخل فيرنُّ جهاز كاشف المعادن لكن أحدًا لا يبالي، “عم سعيد” يجلس على مكتبه يقرأ الجريدة ولا يقرأها، وبضعة مراجعين يرتمون على الكراسي في انتظار ما ينتظرونه. أهلاً بكم في إدارة امن الدولة – قسم الجيزة.

كسّم حبيب العادلي بتاعكم

كسّم حبيب العادلي بتاعكم

ربّما يختلف في كل مرة موعد وصولي، لون قميص “عم سعيد”، عدد المراجعين، حالة الطقس، لكنّ غايتي من المجيء هي نفسها دائمًا: لقاء الضابط طارق الصيّاد المسؤول عن “الملف الفلسطيني” في محافظة الجيزة. لماذا أريد أن أقابل الضابط؟ لماذا قضيت عامًا كاملاً ما بين فرع امن الدولة في ستة أكتوبر ومبنى الداخلية في لازوغلي وإدارة أمن الدولة في الجيزة؟ الاجابة في حالتي طويلة عريضة ولا مجال لسردها بالتفصيل، لكنها بالعموم، وضمن اطار الصورة الاكبر، بسيطة ويمكن تلخيصها في كلمتين: لأنّي فلسطيني.

المهم، عبأت الطلب الذي حفظته عن ظهر قلب، سلّمته للحيوان سعيد هذا، نظر إليه ومرره إلى أحد المستخدمين الذي أوصله بدوره إلى عامل الهاتف، ومن ثمّ جلست، كالعادة، أنتظر على أحد الكراسي وأنا ألعن أخت هالقصة. أنتظر دون أن أكون قادرًا على القراءة، من يأتيه مزاج للقراءة في مكان عفن كهذا؟، لم يكن باستطاعتي غير تأمل السجادة حينًا، والسقف حينًا، والقادمين من الباب المزوّد بكاشف المعادن حينًا آخر، وارخاء سمعي لما يدور من أحاديث بين “العم سعيد” وأحد المستخدمين. كانت تلك “زيارتي” الأولى للمقر بعد هروب بن علي، وكان أثناءها أن سمعت الحديث التالي:

– شفت حصل إيه في تونس؟
– آه شفت، دول خربوا البلد. عملوا زي ما الفلسطينيين عملوا في الكويت. حاجة تقرف.
– لكن بالك يا عم سعيد الكلام ده ممكن يحصل عندنا؟
– انت حمار يَله؟ انت فاكر نفسك فين؟ احنا عندنا دولة، عندنا حكومة يا حيوان.
– لا لا ما أئصدش، أنا بسأل بس.
– ما تسألش، عاوز تسأل روّح عند أمك يا روح أمّك.

ينتهي حوارهم وينتهي انتظاري بأن أنال الرد الجاهز : تعال بكرة. أحمل حقيبتي وأخرج كما دخلت، او هكذا اعتقدت حتى قضى الشعب أمرًا كان مفعولا .. ولا يزال. 

 

 

الصورة بكاميرا حسام الحملاوي.

فلسطين أقوى بمصر حرَّة وكريمة

نوفمبر 24, 2011

يسقط حكم العسكر

نحن، مجموعة من الشباب الفلسطيني، نرفض أن يتم الزجّ بالأقصى وفلسطين لضرب الثورة المصرية العظيمة.

فيما تشهد مصر جولةً جديدة من الثورة، يقودها شبابها الابطال، رافضين أن تسلب ثورتهم من العسكر، ومقاومين للقمع الوحشي الذي يتعرضون إليه، قرر الاخوان المسلمون في مصر، إعلان يوم غد الجمعة مليونيةً لـ “انقاذ الأقصى”؛ إننا نرى في هذه الدعوة التفافاً على كل الحركات والفئات المصرية التي أعلنت الغد مليونية “اسقاط المشير”.

للاخوان المسلمين الحقّ بأن يقرروا ما يشاؤون في الشأن الداخلي المصري، لكننا نرفض أن يتّبعوا ما اتبعه الطغاة العرب من استخدام لفلسطينَ كحجّة لممارسة قمعهم واستبدادهم. لا يمكن لتحرير الأقصى وفلسطين أن يتم من خلال الدوس على كرامة الشعوب العربية.

نشد على أيادي أبطال التحرير وكافة المدن المصرية.

فلسطين أقوى بمصر حرة وكريمة..

.

النص منشور هنا، وهنا، وهنا، وهذه دعوة لكلّ المدونين الفلسطينيين لنشره في مدوّناتهم.

من لا يشكر التحرير لا يشكر الله.

نوفمبر 23, 2011

شكرًا لأنّك تحبّ لهجتي. الفلسطينيّون نادرًا ما يغيّرون لهجتهم،  ربّما كان ذلك لصعوبة تغييرها، وربما لأنهم  ببساطة لا يريدون ذلك، المؤكّد أنّ التحرير يتقبّل لهجتي القرويّة الفلسطينيّة ويسمعها كما يسمع أحمد رامي أمّ كلثوم.

شكرًا لأنّك تفتّشني. شكرًا لمن يبحث في جيوبي، يفتح  حقيبتي ويستغرب من رواية لميلان كونديرا أحملها معي. في فلسطين التفتيش يعني أمرين: الاحتلال ( وهو سيء ) والسلطة الوطنية ( وهي أسوأ ). في فلسطين التفتيش يعني الإهانة، يعني فرد الرّوح على الطاولة، وتشريحها على عجل. التفتيش يعني الحاجز، يعني الانتظار، يعني الفصل العنصري؛ أمّا في التحرير فالتفتيش يعني الأمان، ويعني الطمأنينة.

شكرًا لأنك تدعني أدخل؛ هكذا، ببساطة، دون توصيات، دون موافقات أمنيّة، دون تأشيرة، ودون شتيمة تمارس عزفًا بذيئًا على طبلة أذني. شكرًا لأنك بلا ختم إسرائيلي، وبلا شبّاكين: واحد لغزّة، والآخر للضفّة. بلا سفارة، وبلا استعجال خشية الاغلاق، وبلا حديث إسلامي مؤقّت ينتعله اللسان بغية الحصول على “تزكية” من حكومة تحبّ الله كثيرًا.

حالة نبوّة.

حالة نبوّة.

(more…)

تدوينة على باب سفارة إسرائيل.

سبتمبر 10, 2011

يا معاول الدنيِّ الفقيري يا نسور / عم ترمح بهالجوّ وتقفش النور*

كتبت في مكان ما، مكان لن أخبركم أين يقع، أنّ الكتابة عن الثورة المصريّة لا تزال مصنّفةً بالنسبة لي تحت بند «ليس بعد»، فرغم أنّي أعيش في مصر ولست بعيدًا عن كل ما يحصل فيها، إلّا أنّ ما رأيته وعشته وسمعته، بلا ديباجات وكلام معسول وتزويق للحكي، يحتاج سنينًا من التخمير والتقطير والذوبان الهادئ كقطعة سكّر في فنجان قهوة، ليعطى حقّه إذ يتحول حبرًا على ورق. الكتابة أمانة، هكذا أراها، وحين يتعلق الأمر بثورة مصر، فالأمانة تصير أشدّ قداسةً وأكثر إيغالاً في جلد اللغة. ولذا، فهذه التدوينة، المكتوبة ذهنيَّا، على باب سفارة إسرائيل، ليست «كتابة» عن الثورة المصريّة بقدر ما هي أغنية، وتعلمون أنتم كم تضيق الروح أحيانًا، على رحابتها، بأغنية جميلة. (more…)


%d مدونون معجبون بهذه: