Posts Tagged ‘سيرة لاجئ’

النبي صالح: فيلم مبني على أحداث حقيقيّة؟

أوت 25, 2012

لكلّ واحدٍ عدسته الخاصّة. الله له عدسة زرقاء ضخمة اسمها السماء، ووكالات الأنباء والصحفيّون المستقلّون وغالبيّة النشطاء الأجانب لهم عدساتهم السوداء على الأرض. جنود الاحتلال أيضًا لهم نصيب، في بنادقهم الحديثة عدساتٌ صغيرة مثبتة بحرفيّة على ظهر البنادق كي تسهّل وضع الهدف في الـ:”Focus”. أقول الـ”Focus” لأنّ اللغة الانجليزيّة ذات أهميّة بالغة في مجالي التصوير والاحتلال، حتّى أن الفعل المستخدم فيها لوصف التقاط الصور، وإطلاق النار, هو الفعل نفسه: Shoot.

يخبرنا المخرج الايطالي مارتن سكورسيزي أنّ السينما هي عملية انتقاء لما سيكون داخل الإطار، واستبعاد لما سيكون خارجه. ومن نافل القول أنّ الأدوات المستخدمة في إنتاج المادة السينمائيّة من كاميرات ومؤثّرات وتجهيزات إضاءة وميكروفونات، يجب أن تكون لا خارج الإطار السينمائيّ فحسب، بل وخارج إطار خيال المشاهد. بكلمات أخرى: يجب أن يتأثّر المشاهد ويصدّق ما يراه، ويتحوّل على إثر ذلك إلى “شاهد” على الأحداث التي باتت تجري أمام ناظريه، لا أمام عدسات الكاميرا.

قلنديا والأربعين مصوّر

قلنديا والأربعين مصوّر

في الضفّة الغربيّة يختلط الحابل بالنّابل، ولا تنطبق مستلزمات الحقيقة ولا اشتراطات السينما. قرية النبي صالح التي يمكن اعتبارها نظرًا لموقعها الجغرافيّ “بؤرة” فلسطين، تعطي مثالاً واضحًا. تدرك أنت إذ تتابع أنباء وصور مظاهراتها الأسبوعيّة أنّ ما يحدث ليس مشهدًا من فيلم. هذه الدموع المنهمرة على خدّ فتاة صغيرة دموع حقيقيّة وليست مكمّلاً جماليًا للقطة حزينة ترافقها موسيقى تصويريّة ناعمة. هذا الجنديّ الذي يلفّ ذراعه حول عنق صبيّة في ربيع ثورتها مستعمرٌ من ظهر مستعمر، وليس ممثلاً سيدخل بعد قليل غرفته الخاصّة ليمسح المكياج ويخلع عنه البدلة العسكريّة مرتديًا ثيابًا أكثر ملائمة للطقس. كل شيء حقيقي وفاعل: قنابل الغاز، البنادق، الجيبات العسكريّة، الجدار الفاصل، كلّ شيء. ومع ذلك لا يسعك إلا أن تشعر أنّ “الصورة” مرتبكة ومربِكة.

يرى الله كل ذلك (كما يرى كل مظاهر القمع والظلم الأخرى في العالم ) ويصّوره بدقّة HD من خلال عدسته الضخمة، ولكنه يفضّل عدم التدخل مباشرة. يقول لنا المتديّنون في معرض التفسير: تلك هي “الإرادة الإلهيّة” التي قد لا يتجلى مرامها السّامي للانسان البسيط، والتي لا يجب أن يطرح الخوض في أمرها تساؤلات حول الشهامة والمواقف. ولكن، ماذا عن البشر؟، ماذا عن اتخاذ القرار في الدماغ، تمريره عبر اشارات الجهاز العصبيّ الكهربيّة إلى العضلات، ليتحوّل إلى جهد فيزيائيِّ مرئيٍّ قادر على إحداث التغيير؟ كيف والأمر يتعلّق بأشخاص مستعمَرين تتراكم الدهون في عضلاتهم ولا مجال – كما أخبرنا فانون- لتصريفها إلا عبر الفعل المقاوم؟.

عندما يحيط سبعة مصورين أو أكثر بجنديين يضربان أو يسحلان أو يحاولان اعتقال شاب أو فتاة, يتراصّون ببلاهة على مسافة لا تتجاوز الخطوة الواحدة من “مسرح الأحداث”، بعضهم يحني ظهره كي يضبط “الشوت”، والبعض الآخر يحاول تقريب الميكروفون قدر المستطاع، وكلّهم يتصرف وكأن لا وجود لشخص آخر غيره، هل يكون الأمر عاديًا_حقيقيًا؟. لو كان ذلك مشهدًا سينمائيًا لما رأيت كل هذه الكاميرات، ولو كان حقيقة مطلقة (حقيقة بالنسبة لكلّ العناصر الظاهرة في الصورة) لما رأيت كلّ هذه الكاميرات. فما الذي يحدث بالضبط؟، ولماذا يتكرر برتابة فجّة ونسق بغيض؟ هل هذا هو “الحياد الصحفي” يتجلّى على مسافة قصيرة من جلاد وضحيّة؟

لا يحاول كاتب هذا المقال الخوض في النوايا أو التشكيك في الأهداف أو التقليل من أهميّة تلك الفعاليّات المقاوِمة. جلّ ما في الأمر أنني إذ أشاهد الصور ومقاطع الفيديو من مظاهرات قرية النبي صالح، او معتقل عوفر، أو حاجز قلنديا ويظهر لي هذا الكمّ الهائل من العدسات داخل الإطار، في تجمّع أقرب إلى العبثيّة، تصيبني الحيرة. هل انتهى الأمر أم أنني سأسمع عمّا قريب صوتًا خافتًا جدًا يقول .. Cut؟!

النبي صالح - جمعة 24/8

النبي صالح – جمعة 24/8

 

إحتفاليّة فلسطين للأدب: غزّة تكسر حصارنا.

ماي 4, 2012

المدن ليست فقط الأشياء المكشوفة المتاحة، وإنّما ما وراءها أيضًا. ع.ر.منيف.

عندما زرت مدينة الاسكندريّة للمرة الأولى أواخر 2010، ودخلت مكتبتها الشّهيرة، كتبت في دفتر الزوّار الضخم المليء بالتواقيع والجمل القصيرة: غزّة -أيضًا- تجيد القراءة وتحبُّ المكتبات. لم أفعل ذلك لدواع سياسيّة أو وطنيّة، فعلت ذلك لأنّ المدن (وغزّة احداها) هي أيضًا .. «ما وراءها». الظّاهر-المكشوف من غزّة إن لم تره عيناك في شوارعها فستراه في نشرة الأخبار، ستستمع إليه في الإذاعة، ستقرأه في بيان صحافي أو في الإعلان عن «مصالحة جديدة», ذلك الظاهر لا يوحي بأنّ غزّة تهتم بالثقافة أو بالقراءة، غزّة نشرة أخبار .. لا أكثر. لكنّ الماوراء هو الذي قد يكون عصيًّا على الرؤية/اللمس, هو الذي أردت بكتابتي تلك الجملة في دفتر الزوار، وهذه الكلمات، أن أوضّحه .. وأسقف به الكون إن أمكن.

صدّق أو لا تصدق، لكن غزّة ليست نشرة أخبار و «جبهة مقاومة» فحسب، ليست نفقًا وشاحنة مساعدات والسّلام. غزّة ليست انقطاعًا للتيّار الكهربي وغلاءً في الأسعار ومكانًا بعيدًا موغلاً في المجهول يتكدّس فيه أشخاص «ما قبل مدنيون» يعيشون ويموتون حيث يولدون، غزّة قبل كل شيء، وبالرغم من كل شيء .. مدينة. قد يكون ذلك نسبيًا (لعوامل اجتماعية بحتة)، لكنه واقعي وضروري؛ لعدّة أسباب, أهمُّها ربما هو كسر الحصار. لا أقصد بذلك كسر الحصار السياسي ولا التجاري المفروض منذ فوز حركة حماس في انتخابات سلطة أوسلو، لكن أقصد حصارنا نحن، حصار من فتحوا أعينهم على غزّة وكانت هي، لا غيرها، مدينتهم الأولى. 

ضمير الجماعية في “حصارنا” ليس محصورًا بالمطلق في أهل غزّة فحسب، بل في كل الفلسطينيين. الكل يشعر بأن «مدينته» قد سرقت منه وأنّه قد حرم من التباهي بها وتقبيلها خلسةً والهرب من الفصل الدراسيِّ إلى حضنها الواسع. لكنّ غزّة، وأهلها، حصلوا على حصة الأسد من ذلك الحصار المقنّع. لهذا غالبًا ما تأتيك الإجابة حين تسأل صديقًا عربيًا قبيل عودتك إلى غزّة: «أجيبلك إشي معي؟», على شاكلة: «هيّ غزّة فيها حاجة؟». ليس ذلك تحقيرًا منه لها، إنّه مخرج طبيعي لهذا التشويه المتعمّد والمتراكم للمدينة، في ذهن أصحابها، وفي ذهن زائرها المفترض.

إحتفالية فلسطين للأدب 2012 تأتي لتساهم في كسر ذلك الحصار، ولتساعدنا على تطبيب جرحنا النرجسي. نعم، غزّة “فيها حاجات”, مش بس حاجة، تقول هذه الفعالية الأدبيّة. غزّة ليست عبيطة، بامكانها أن تحتضن الشّاعر والمثقف والرسّام (وإن كان الحضن سريًا حتى لا نزعج الأمن الداخلي)، وبإمكانها رغم حصارها السياسي والجغرافي أن تكون “مسرحًا”، وأن تغنّي كما تفعل القاهرة والاسكندرية وبيروت وعمان. تلك الاحتفالية، التي لن أتمكن من حضور فعاليتها داخل غزّة لوجودي في القاهرة، لا تشعرني بشيء قدر ما تشعرني بالفخر.

(more…)

معذّبو الأرض: أنا وأنت.

أفريل 29, 2012

دعك من حقيقة أنّي طبعت هذا الكتاب الصّادر عام 1961م مرّتين على حساب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (كل لاجئي العالم يتبعون لوكالة اللاجئين إلا الفلسطينيين لهم وكالة مخصوص – ابسط يا عم)، ودعك من المعاتيه ذوي الملابس الأنيقة الذين يقولون بأن هذا العالم لا شرق ولا غرب فيه، وأنّ مفردة كـ”الاستعمار” ماتت وتعفّنت، دعك من كل شيء إلا الصوت داخل رأسك. لن أحاول أن أقدّم لك قراءة للكتاب، ولن أحاول إقناعك بما اقتنع به فرانز فانون، سأقتبس لك مقاطع من الكتاب وأقول لك ماذا شعرت أثناء قراءتي إيّاها؛ لتكتشف أنّك أنت وأنا لا زلنا، رغم الضحكات والرايات والأناشيد الوطنيّة والجيوش والمطارات والميادين والشركات العالميّة وكأس العالم وبرامج المسابقات، من معذّبي هذه الأرض. اكتشاف لا يراد منه أن “نصرخ” ولا أن نندب حظّنا العاثر, ولكن أن نتسلّح بالوعي الذي هو خطوة أولى على طريق فشخ هذا “العالم المضيّق، المزروع بكلّ أنواع المنع”.

يقول فرانز فانون في كتابه «معذبو الأرض»:

F.F

F.F

«إنّ أول شيء يتعلمه السكان الأصليون (أنا وأنت) هو أن يلزموا أماكنهم، ألا يتجاوزوا الحدود. لذلك كانت الأحلام التي يحلمها السكّان الأصليون أحلامًا عضليّة, أحلامَ فعل، أحلام هجوم وعدوان.» في الحقيقة, هذه الجملة استدعت دفقة ذكريات إلى رأسي, بعض تلك الذكريات مشترك وبعضها الآخر خاص. أوّلها، وأهمّها ربما، هو مشهد الفلسطينيين يقتحمون الحدود في أيّار العام الفائت, معظمهم ظلّ في مجدل شمس المحتلة في حين وصل حسن حجازي إلى يافا، إنّ عضلاته المتعطشة للركض بلا نهاية هزمت منظومة إسرائيل الأمنيّة، حسن حجازي، كما أنا وأنت، وكما فرانز فانون يجلم بأن “يركض، يتسلّق، يضحك، يجتاز نهرًا بقفزة”, يسافر إلى أي مكان يريد دون الحاجة لإعطاء مبررات صحيّة أو دبلوماسيّة, يفعل ذلك لأنّه -ببساطة- يريد أن يفعله.

«إنّ الانتصار الكبير الذي حققه الشعب الفيتنامي في ديان بيان فو لم يبق انتصارًا فيتناميًا فحسب، فمنذ شهر تمّوز من 1954 أصبحت المسألة التي تطرحها الشعوب المستعمَرة على نفسها هي المسألة التالية: (ماذا يجب أن نعمل حتى نحقق ديان بيان فو ثانية؟ كيف يجب أن نفعل حتى نحقق ديان بيان فو ثانية؟).» أنا لا أعرف كيف هي الأمور عندك, لكنني أعلم يقينًا أنّي سألت هذا السؤال مليون مرّة, ليس شرطًا أن يكون النموذج ديان بيان فو، في حالتي يغلب أن يكون جنوب لبنان. ماذا يجب أن نعمل حتى نحقق بنت جبيل ثانية؟.

 «إنّ قادة البلاد المتخلفة وطلاب البلاد المتخلفة هم من أحسن زبائن شركات الطيران. ان المسؤولين الافريقيين والآسيويين يستطيعون في شهر واحد أن يحضروا مؤتمرًا عن التخطيط الاشتراكي في موسكو، وعن محاسن الاقتصاد الحر في لندن أو في جامعة كولومبيا.» ذكّرني من فضلك – متى وإلى أين كانت رحلة الرئيس عباس الأخيرة؟ ماذا عن الرئيس اللبناني؟

 «إنّ الأحزاب السياسية الوطنيّة لا تلح أبدًا على ضرورة استعمال القوّة، لان هدفها ليس قلب النظام القائم واستئصاله من جذوره. ان هذه “الأحزاب السياسية” أحزاب مسالمة تنادي بالمشروعيّة وتناصر في حقيقة الأمر النظام .. الجديد، ولا تزيد على أن توجه إلى البرجوازيّة الاستعمارية هذا الطلب: أعطونا مزيدًا من السلطة.» طفل عمره 12 عامًا يقدر أنّ يقول لك بعد فقرة كهذه: آه, زي ما السلطة الفلسطينية بتعمل.

«بأي شيء تريدون أن تحاربوا المستعمرِين؟ بسكاكينكم؟ ببنادق الصيد التي عندكم؟.» كم مرّة سمعنا هذا السؤال من البرجوازية الفلسطينيّة وليبراليي العواطف وأعلى مستويات “القيادة” التي ما وصفت غير مرّة الصواريخ بأنها “عبثيّة” في حين كان “الكوادر” أكثر قربًا الى لغة الشارع فقالوا عنها: مواسير حديد فارغة. حتى أنّ البعض ينظّر اليوم – وهذا حقهم – لمقاومة سلميّة, أولئك لم يجدوا مكانًا للمفردة الأجمل في اللغة العربية “لا” إلا قبيل المفردة الأكثر الحاحًا “عنف”. يرد فرانز فانون على تلك الأسئلة الاستنكاريّة: «نابوليون، في حملة اسبانيا التي كانت حربًا استعماريّة تمامًا، أجبر على التقهقر رغم جيوشه التي بلغت أثناء هجمات الربيع من عام 1810 رقمًا هائلاً عو 400 ألف مقاتل. لقد اكتشف الاسبان الذين كان يحركهم ايمان لا يتزعزع، اكتشفوا تلك الطريقة في حرب العصابات التي كان المقاتلون الأمريكان قد جبروها قبل خمسة وعشرين عامًا في محاربة الجيوش الانجليزيّة.» نستطيع اليوم أن نضيف: في فيتنام، في كوبا، والجزائر وفي جنوب لبنان.

..

فرقة: la rumeur
nature morte – طبيعة ميتة

(الأغنية مستوحاة من الكتاب). 

يا خضر عدنان .. ارحمنا قليلاً!

فيفري 16, 2012

محمود عمر – غزّة

الأسير المعتقل إداريًا الحُر فعليًا خضر عدنان المضرب عن الطعام منذ أكثر من 60 يومًا، السلام عليكَ وبعد: 

مكتوب في نشرة الأخبار أنّك تواجه خطر الموت. أنا أكتب لك هذه الكلمات لأنني، عدا عن كوني غاضب منك ومستاء من أخبارك، أواجه خطر الحياة. الحياة اليوميّة بتفاصيلها الكئيبة يا خضر. أكتب لأنّ الجَمع من حولي مشغول فيما أنا مشغول فيه، والكل ينظر في عين من يجاوره كتفًا إلى كتف – لا فسحة للشيطان بيننا كما تعلم، ما عاد الشيطان ضروريا – نظرة استحقار من عين تكاد تشرع بالبكاء. بكاء كالذي اعترى جنود بني أمية وهم يسرقون حليّ نساء بيت النبي. نبكي ونسرق يا خضر، نبكي ونسرق.

أكتب إليك لأسأل: من تحسب نفسك؟ ها؟ من أين جئت بهذه القدرة الموجعة على اللامبالاة؟ كيف تسرّب هذا الكمُّ الهائل من الجَلد إلى جلدك؟ ماذا خطر في بال الله وهو يقلّبك طينًا بين يديه؟ أبشرٌ أنتَ مثلنا أم لك كفّ مضاءة وأفعى تسعى؟ هل تتبرّز وتبصق على الأرض ويطول شعرك وتختبر شكوكًا عميقة في كلّ شيء من حين إلى آخر؟ وكيف نجوت، أعني: لو كنت بطلاً وراجل قد كلمته، كيف في زماننا هذا نجوت؟ أجب!، قل أيّ شيء، دعني أسمع صوتك تتلقفه جبال فلسطين، والويل الويل لك لو ذكّرتني بسيناء القريبة وانهار على إثر صوتك أحدها! 

قاسٍ أنت يا خضر.

العشرات، وربّما المئات، غيروا صورة الفيس بوك إلى صورتك. العشرات، وربّما المئات، خرجوا في مسيرات تضامنيّة وأشعلوا الشموع، العشرات، وربّما المئات بل وربما الآلاف من عاهرات وعاهري وداعرات وداعري هذا الوطن السعيد أتوا من كل حدب وصوب يلهثون وراء فلاش الكاميرات وأسلاك الميكروفونات ليجدوا أنفسهم، دون تخطيط مسبق، في حضرتك أنت، تسلّم عليهم وتطلب منهم الجلوس والهدوء قبل أن تبدأ في إلقاء درسك اليوميّ عن الأخلاق والأمراض المنقولة جنسيًا. أيُّ عذاب هذا يا خضر؟ أيُّ عذاب سببت لنا، ولي أنا، على وجه الخصوص؟

هل تصلك في أرض الأبطال التي أنت فيها أخبار أسعار المحروقات؟ هل تعلم أن لتر البنزين في غزّة شارف سعره على الأربع شواكل؟ هل جاءك حديث الراتب؟ وشتم شرطة المرور؟ وتوقيع المصالحة للمرّة المليون؟ وأسماء قرىً يسرقها الحاجز ليتسمّى بها فتضيع القرية ويظلُّ الحاجز؟ هل عندكم مواتير وسهرات شواء وحفلات زفاف في فنادق خمس نجوم؟، هل تشعرون، أنت وصحبك، ولو بقليل من العجز الذي ينخر عظم السواد الأعظم؟

اسمع يا خضر، خارج سجنك، خارج وجهك، خارج عينيك .. “الحياة” باتت جداول يا عزيزي، جدول رواتب، جدول انقطاع كهرباء، جدول حواجز، وأنت تتجاهل ذلك وتتناساه وتحدثنا بكل برود عن الشّعر الحر ورفض الواقع. نحاول ارتجال شيء للحفاظ على ماء الوجه فنشيّد لك خيمة اعتصام أمام الصليب الأحمر ويقترح أحدهم (قصة حقيقية) أن نقيم من أجلك أمسية شعرية ولا نقعدها! سنقصفهم بالكلمات وندكّ أسوار السجن بالمجازات ونشبعكَ مديحًا يا أيُّها المضرب عن الطعام. الحياة جداول يا عزيزي، وما دمت حيًا تصارع، ستظلُّ تؤلمني وتنغص عليّ حياتي (كم هي مؤلمة هذه المفردة)، تقع مني في هذا الزحام فأنكسر. أمّا حين تموت .. فسنأتي من كبار السنّ والمجانين والصناديق العتيقة بالجدول الأوّل – جدول الشهداء – ونكتب اسمك ونمضي .. ويُقال أننى نكاد ننسى .. حتى يجيئنا نبيُّ آخر غيرك.

عام على الثورة: إلبس يا عم سعيد!

جانفي 24, 2012

الفيلسوف الانجليزي فرانسيس بيكون قال: إنّ جابر بن حيان هو أول من علّم الكيمياء للعالم؛ فهو أبو الكيمياء. ولا اظنّ فرانسيس هذا كان يحابي بن حيان حين أعطاه تلك المنزلة الرفيعة؛ الرجل كان أوّل من مارس الكيمياء فعليًا، أبدع في المؤلفات النظرية (كتب حوالى 3000 مخطوطة) كما أبدع في التطبيق العملي، إذ اكتشف عددًا غير قليل من الأحماض، ناهيك عن طرق تحضير وتحليل المواد الكيميائية كالتقطير و التبخير والتصفية والانصهار والتبلور. بكلمات أخرى: جابر بن حيان هو برنس الكيمياء بلا منازع. 

ولمّا كان جابر بن حيان خطيرًا إلى ذاك الحد، فلقد عزّ على الدولة المصريّة الحديثة أن تجعله يمرُّ -تاريخيًا- مرور الكرام، وأن تترك ذكره محصورًا في كتب الزمن الغابر ومؤلفات العلوم التي لا يلتفت لها العامّة المنشغلون بالطريقة الأمثل للحاق بالأوتوبيس. وبناءً على ذلك، جاءت تسمية شارع فرعي ضيّق نسبيًا في حيّ الدقي الواقع في محافظة الجيزة، أحد أهم المحافظات المصريّة، باسم العالم الكيميائي اللامع. وفي شارع جابر بن حيان المذكور، والذي يتضمن مستشفى للولادة، ويتفرّع منه شارع يقود إلى مدرسة أجنبية، ثمّة حاجز عسكري يقف عليه عادةً جنديان يتناولان سندويتشات فول وطعميّة ملفوفة بجريدة الأهرام أو الأخبار اليوم ويراقبان بضجر (مصطنع ربما) النّاس من حولهم. 

على ذلك الحاجز المضمّخ برائحة الفول والمخللات، وقف محدثكم أكثر من ستّ مرات مشهرًا بطاقته الجامعيّة. يطلب مني في كلّ مرة أحد الجنديين فتح حقيبتي، أفتحها، يلقي نظرةً ويشير إلى بالدخول. الطريق من بعد الحاجز ليس طويلاً على أي حال، بضع خطوات حتى تجد مستطيلاً أزرقًا (يشبه اللوحات التي تكتب عليها عناوين عيادات ومدارس الاونروا) يشير النصُّ المكتوب عليه إلى مكتب استقبال المراجعين.  أدخل فيرنُّ جهاز كاشف المعادن لكن أحدًا لا يبالي، “عم سعيد” يجلس على مكتبه يقرأ الجريدة ولا يقرأها، وبضعة مراجعين يرتمون على الكراسي في انتظار ما ينتظرونه. أهلاً بكم في إدارة امن الدولة – قسم الجيزة.

كسّم حبيب العادلي بتاعكم

كسّم حبيب العادلي بتاعكم

ربّما يختلف في كل مرة موعد وصولي، لون قميص “عم سعيد”، عدد المراجعين، حالة الطقس، لكنّ غايتي من المجيء هي نفسها دائمًا: لقاء الضابط طارق الصيّاد المسؤول عن “الملف الفلسطيني” في محافظة الجيزة. لماذا أريد أن أقابل الضابط؟ لماذا قضيت عامًا كاملاً ما بين فرع امن الدولة في ستة أكتوبر ومبنى الداخلية في لازوغلي وإدارة أمن الدولة في الجيزة؟ الاجابة في حالتي طويلة عريضة ولا مجال لسردها بالتفصيل، لكنها بالعموم، وضمن اطار الصورة الاكبر، بسيطة ويمكن تلخيصها في كلمتين: لأنّي فلسطيني.

المهم، عبأت الطلب الذي حفظته عن ظهر قلب، سلّمته للحيوان سعيد هذا، نظر إليه ومرره إلى أحد المستخدمين الذي أوصله بدوره إلى عامل الهاتف، ومن ثمّ جلست، كالعادة، أنتظر على أحد الكراسي وأنا ألعن أخت هالقصة. أنتظر دون أن أكون قادرًا على القراءة، من يأتيه مزاج للقراءة في مكان عفن كهذا؟، لم يكن باستطاعتي غير تأمل السجادة حينًا، والسقف حينًا، والقادمين من الباب المزوّد بكاشف المعادن حينًا آخر، وارخاء سمعي لما يدور من أحاديث بين “العم سعيد” وأحد المستخدمين. كانت تلك “زيارتي” الأولى للمقر بعد هروب بن علي، وكان أثناءها أن سمعت الحديث التالي:

– شفت حصل إيه في تونس؟
– آه شفت، دول خربوا البلد. عملوا زي ما الفلسطينيين عملوا في الكويت. حاجة تقرف.
– لكن بالك يا عم سعيد الكلام ده ممكن يحصل عندنا؟
– انت حمار يَله؟ انت فاكر نفسك فين؟ احنا عندنا دولة، عندنا حكومة يا حيوان.
– لا لا ما أئصدش، أنا بسأل بس.
– ما تسألش، عاوز تسأل روّح عند أمك يا روح أمّك.

ينتهي حوارهم وينتهي انتظاري بأن أنال الرد الجاهز : تعال بكرة. أحمل حقيبتي وأخرج كما دخلت، او هكذا اعتقدت حتى قضى الشعب أمرًا كان مفعولا .. ولا يزال. 

 

 

الصورة بكاميرا حسام الحملاوي.